أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: في وجار الأسد(2)

  1. #1
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    الدولة : وطني الإنسان لا أبغي سواه
    المشاركات : 198
    المواضيع : 14
    الردود : 198
    المعدل اليومي : 0.07

    افتراضي في وجار الأسد(2)

    كان دخان السجائر يتسلل بنعومة خلل الحاجز الذي يفصلنا عن الجنود المرافقين في السيارة الكبيرة ويضفي شيئا من الدفء على أجسادنا المتلاصقة المرتجفة بردا وكانت أصواتهم غير المفهومة بسبب هديرالمحرك تتعالى حينا وتخفت حينا وبين الفينة والأخرى يفتح أحدهم نويفذة الحاجز المشبكة بقضبان الحديد ليطمئن على عهدته المكبلة بسلاسل الحديد أو ليتلفظ بشتيمة إذا علت أصوات المعتقلين
    لعلي تعجلت كثيرا في الذهاب بكم مباشرة إلى دمشق أعزّتي فلنعد القهقرى قليلا مستغلين الوقت المستغرق لبلوغ دمشق فالطريق من حماة إلى دمشق يستغرق ساعتين ونصفا
    ستون يوما قبل هذا اليوم مرت دهرا في فرع الأمن في حماة حيث كنت تقريبا من المعتقلين العشرة الأوائل بين الفتية والشباب الثلاثين الذين يشاركونني السيارة والذين كانوا بين متخرج من الجامعة أو طالب في المرحلة الثانوية أو الجامعية ولم يكن بيننا إلا أميّ واحد
    لم يكن يومها الأول(يوم الاعتقال) واليوم قبله ليفارق مخيلتي أبدا بكل تفاصيله الصغيرة كيف لا وقد شكل منعطفا نهائيا رسم طريقي الجديد في الحياة ولم أكن أدري أن ما كنت أشك فيه عشيته وأنا أصلي العصر في مسجد حارتنا في نصف الساعة الأخير قبل المغرب سيكون حقيقة رهيبة
    كنت عائدا للتو من مدرستي الثانوية تتنازعني الهواجس وأنا أحمل في يدي دفتري الوحيد الذي وضعته في حقيبة صديق طفولتي وصباي محمد الذي كان يدرس في مدرسة ثانوية أخرى ولم أكن كعادتي أسرع كالسهم بدراجتي الهوائية المستعملة التي اشتريتها حديثا من أخي أو أقاوم جاهدا اختلاس النظر إلى الفتيات العائدات مثلنا لتوهن من مدرسة البنات القريبة فقد كان هذا آخر همي ذلك المساء
    كان قريبي الذي يدرس معه قد فاجأني مسلما وأنا أخرج من باب المدرسة
    ثم قال باقتضاب :هذه حقيبة صديقك محمد أعطها لأهله
    كان كل شيء يمكن أن يلج مخيلتي إلا قوله لي : لقد اعتقل اليوم من المدرسة
    -لقد أوصاني بأ ن أعطيكها
    نظرت في عينيه كانتا غائمتين ولمحت فيهما دمعة متوقفة تأبى النزول
    لم أدر هل هو حزين على صديقي أم هو حزين لشعوري الآن وحزني على صديق العمر أم الاثنين معا
    تمنيت أنه يمزح لكنه أطرق إلى الأرض ومسح عينيه بطرف كمه
    كانت قطرات خفيفة من المطر قد بدأت تنزل تفرقها الريح هنا أو هناك وأسرع قريبي يودعني قائلا :انتبه لنفسك! أبلغ سلامي لخالتي
    وانطلق على دراجته مسرعا
    كان الاعتقال وقتها بل منذ استلام حزب البعث السلطة في انقلابه المشؤوم 1963 وتلاه انقلاب الجناح الطائفي البعثي بعدها 1966 ثم انقلاب حافظ الأسد 1970 وترسيخ السلطة بيد ه كليا كان يعني النهاية للمعتقل فالداخل مفقود والخارج مولود كما يقولون ، خاصة بعد اشتداد الصراع الدموي المفتعل من السلطة في بداية الثمانينيات

    كان محمد فتى محبوبا طيب الأخلاق متدينا نشأ على حب الدين و الأدب والشعروكان ينفق ماله كله الذي يحصل عليه من عمله مع أبيه في أوقات فراغه في شراء كتب الدين والأدب والشعروالقصص والمجلات الثقافية وكنا صديقين منذ الطفولة لاتفاق ميولنا تماما
    وليسمح لي كرم القارئ والقارئة العزيزين أن أقفز به لمشهد واحد بعد ربع قرن من هذا المشهد ثم أعود
    كنت بعد عقد ونيف من الإفراج عني أدفع مبلغا لدى البنك لدى موظفة محجبة وعندما حررت لي الإيصال توقفت هنيهة وهي تكتب المعلومات
    وقفت مذهولا وأنا أرى دمعة تسقط من عينها التي لم ترفعها إلي
    أستاذ نديم !
    لم أدر ما أجيب لكني تمالكت نفسي وأنا أقول لها : نعم!
    - أنا أخت محمد ..
    - محمد..؟!
    كان الدور علي الآن لأغالب دمعات ساخنات تهم بالسقوط
    كانت تلكم هي الصغيرة و التي كانت تلعب أحيان في ساحة سطح بيت صديقي محمد مع أختها أيام كنا نقضي ساعات طوالا في غرفتهم العلوية نرتشف الشاي ونحن نتكلم في الأدب والدين وبعدها لما كبرنا قليلا في الثانوية في السياسة وأحوال البلد أيضا وكان ذلك إبان اشتداد الحوادث الدامية وكنت أستعير في كل زيارة عددا من كتب مكتبته الغنية المتنوعة العامرة
    وددت لو تنشق الأرض وتبتلعني قبل أن تسألني عن أخبار أخيها الذي يرقد منذ أكثر من عقدين شهيدا تحت ثرى صحراء تدمرالحارقة مع ألوف مؤلفة من زهرة شباب سورية ورجالاتها وعلمائها ومفكريها
    قالت: رحمه الله
    تنفست الصعداء رغم الحزن والدموع
    إنها تعلم إذا !وتذكرتُ أن أخاها الأكبر الثاني قد خرج من سجن تدمر منذ مدة بعد عشرين عاما من الاعتقال
    رحمه الله يا أختاه كيف حال الأهل جميعا؟
    لم تستطع ردا
    - السلام عليكم
    تمالكت نفسي وتناولت الإيصال وخرجت إلى الردهة وبكيت بكاء مرا
    كان محمد يكبرني بسنة لكنه لم يكن حين اعتقاله متما الثامنة عشرة ومع أن السطة الغاشمة حافظت على قانون عدم إعدام الأحداث المعتقلين إلا أن القاضي الطائفي الميداني المجرم الحاقد العقيد سليمان الخطيب في سجن تدمر احتال في عدة حالات ليعدم عددا من أحداث السن وذلك بدعوى أن شكل الحدث يوحي بعمر أكبر مما هو مذكور في هويته الشخصية فيقوم الطبيب الطائفي الموجود في المحكمة بفحصه ويعلن خلال دقيقة بالتواطؤ مع القاضي أنه كان متجاوزا السن القانونية عند الاعتقال وأنه سجل في سجلات النفوس بعد مولده ومن ثم يستطيع الخطيب أن يحكم عليه بالموت
    وهذا ما حدث مع محمد
    وكان السبب في إصرار القاضي على إعدامه عينه المفقوءة التي فقئت في (حفل) الاستقبال الرهيب الذي استقبلنا به جنود الشرطة العسكرية في سجن تدمر ويومها عطبت عيون عدة أشخاص بسبب الضرب المباغت الساحق بالسياط العريضة على العيون و منها عيني أيضا لكن عين محمد كانت معطوبة شكلا ونافرة بشكل مخيف وبرؤية معدومة على حين بقيت عيوننا سليمة شكلا مع شبه انعدام في الرؤية

    فلما سأله القاضي في المحكمة الميدانية التي لا تستغرق على أقصى حد خمس دقائق ليحكم القاضي بالموت أو المؤبد(كما حكم على أخيه ) أوغيره : متى فقئت عينه أجابه في سجن تدمرفحنق القاضي المجرم وصمم على إعدامه لئلا يكون شاهدا على وحشية زبانيته واستدعي الطبيب لتلفيق عمره وتم الحكم عليه بالإعدام

    ولعلي أستبق الأحداث أعزائي في سرد قصص الإعدامات الرهيبة في سجن تدمر في هذه الحالة لأذكر أنه عندما نودي اسمه للإعدام تعلق به أخوه الأكبروكان معتقلا معه في نفس المهجع ذي الرقم 14 وناشده أن يخرج بدلا منه في مشهد لم أشهده لكنه محفور في قلبي أبد الدهر
    المشنقة على بعد خمسين مترا وهما على الباب يتنازعان على صعودهاورفاقهم في المهجع بين باك وذاهل لهول المشهد وعظمته والزبانية خلف باب المهجع في أيديهم الأصفاد ينتظرون طريدتهم لا يعلمون
    ورفض بالطبع وخرج مكبرا مهللا كما كان يخرج جميع الشهداء في سجن تدمر ليلاقي ربه بعد سنتين ونصف من اعتقاله رحمه الله وأسكنه جنته
    ودمعٌ لا يُكَفكف يا دمشق

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 11,463
    المواضيع : 178
    الردود : 11463
    المعدل اليومي : 5.29

    افتراضي

    قال مرة أحد المحققين في فرع أمني في دمشق "نحن لا نعذبكم بسبب نشاطكم ضد النظام.
    أنتم لا تؤثرون علينا، انما نعذبكم لاننا نتلذذ بتعذيب الناس"
    حالة مرضية تصيب البعض تجعلهم يتلذذون بتعذيب الآخرين والتسبب بالأذى لهم
    ويعبر صلاح جاهين عما في قلبي حين يقول:
    انا كل يوم أسمع ........ فلان عذبوه
    أسرح في بغداد و الجزاير واتوه
    ما أعجبش م اللي يطيق بجسمه العذاب
    و اعجب من اللي يطيق يعذب أخوه
    عجبي !!!

    ذكريات أليمة بتصوير وصفي معبر ، وبسرد سلس وبأداء قصي محكم موجع حد القهر
    نابض بالألم ـ يعكس واقعا مرا لأحداث قديمة نراها تتكرر الآن بكل قسوتها وربما أكثر عنفا .
    متابعة معك بكل الشغف والاهتمام
    ولك تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    الدولة : وطني الإنسان لا أبغي سواه
    المشاركات : 198
    المواضيع : 14
    الردود : 198
    المعدل اليومي : 0.07

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    قال مرة أحد المحققين في فرع أمني في دمشق "نحن لا نعذبكم بسبب نشاطكم ضد النظام.
    أنتم لا تؤثرون علينا، انما نعذبكم لاننا نتلذذ بتعذيب الناس"
    حالة مرضية تصيب البعض تجعلهم يتلذذون بتعذيب الآخرين والتسبب بالأذى لهم
    ويعبر صلاح جاهين عما في قلبي حين يقول:
    انا كل يوم أسمع ........ فلان عذبوه
    أسرح في بغداد و الجزاير واتوه
    ما أعجبش م اللي يطيق بجسمه العذاب
    و اعجب من اللي يطيق يعذب أخوه
    عجبي !!!

    ذكريات أليمة بتصوير وصفي معبر ، وبسرد سلس وبأداء قصي محكم موجع حد القهر
    نابض بالألم ـ يعكس واقعا مرا لأحداث قديمة نراها تتكرر الآن بكل قسوتها وربما أكثر عنفا .
    متابعة معك بكل الشغف والاهتمام
    ولك تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    شكرا لمرورك الجميل
    وتعليقك الكريم أستاذة نادية
    لكن على ما يبدو لا اهتمام من الأعضاء يذكر
    لا أقصد التعليق بل مجرد القراءة خصوصا
    فقصة كهذه لا ينبغي أن تقابل بمثل هذا الإهمال والتجاهل الغريب على ما أعتقد
    ولقد يعلم الجميع أن قصة كهذه ستكون موجعة مؤلمة فاضحة لنظام الإجرام الأسدي وما قد يتبع ذلك بالنسبة لي لا يجهله أحد
    لذلك أرجو حذف الفصلين لعلي أنشر القصة في موقع آخر
    ممتنا وشاكرا لك شغفك واهتمامك العزيز ومعتذرا منك ومن الأخوة القراء
    ولك خالص التقدير

  4. #4
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Sep 2015
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 215
    المواضيع : 9
    الردود : 215
    المعدل اليومي : 0.21

    افتراضي

    معاناة وأحزان وآهات.. يصعب أحيانا وصفها أو حتى النطق بها لبشاعتها…
    لعل الأمل في المستقبل القريب...

    سرد جميل بنفس روائي سلس...

    مع أجمل التحايا أستاذ نديم العاصمي

  5. #5
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    الدولة : وطني الإنسان لا أبغي سواه
    المشاركات : 198
    المواضيع : 14
    الردود : 198
    المعدل اليومي : 0.07

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد العكيدي مشاهدة المشاركة
    معاناة وأحزان وآهات.. يصعب أحيانا وصفها أو حتى النطق بها لبشاعتها…
    لعل الأمل في المستقبل القريب...

    سرد جميل بنفس روائي سلس...



    مع أجمل التحايا أستاذ نديم العاصمي
    كل الشكر لإطلالتك الجميلة وكلماتك النبيلة
    ولعلي أحلف غير حانث إن شاء الله أنه لم يلق شعب منذ بدء الخليقة من الإبادة والتشريد والتعذيب والحصار والجوع وكل ما يخطر ولايخطر ببال أحد ما لقيه الشعب العربي السوري المسلم الذي اتفق عليه كل طغاة الأرض لا أستثني أحدا منهم من يعلن ذلك ومنهم من يسر
    وكانت ثالثة الأثافي خذلان غير مسبوق وغير معقول من 350 مليون عربي مسلم شعوبا وحكاما فالله المستعان
    وهانحن نرى الآن نتيجة ذلك المرة من تمكن العصابة الطائفية الأسدية من جديد من غالب الأرض السورية وتهجير إضافي بعد تهجير12 مليون عربي مسلم وتغيير للشعب المسلم بمستوطنين مرتزقة طائفيين قتلة من كل أصقاع العالم يعلنون علنا أنهم إنما جاؤوا لذبح وتهجير الشعب الذي ينعتونه بالناصبي وهوصاحب الأرض منذ آلاف السنين حتى أن الأنباء تواردت عن أن السفاح الطائفي الدمية بشارأعطى الهوية السورية لمليونين من هؤلاء المجرمين القتلة وكل ذلك بتواطؤ عالمي لا يصدق وسكوت أو رضى عربي
    تحياتي وتقديري


HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة