أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: امرأة الشهيد الحي

  1. #1
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 493
    المواضيع : 84
    الردود : 493
    المعدل اليومي : 0.63

    افتراضي امرأة الشهيد الحي

    متليلي صيف 1957


    تفاجأت عيشة برؤية زوجها جلول يلم ملابسه وبعض حاجياته ويضعها في كيس , في عجلة من أمره . ما الذي دهاه في هذه الساعة المتأخّرة من الليل عندما نام جميع من في الدار , ولم يمر الّا بعض أيام على زواجهما , ومكوثها معه في منزل عائلته . سألته وهي لا تزال في الفراش تفرك عينيها : ماذا تفعل ؟ أين أنت ذاهب في هذا الوقت ؟ لم يجبها , وواصل جمع أغراضه, وربط الكيس , وكأنّه لم يسمعها . قامت من فراشها مسرعة ووقفت أمامه , وكأنّه كان ينتظر هذه اللحظة , أمسك أعلى ذراعيها بيديه , وقابلها بكل وجهه , وبلهجة جادّة قال لها : لقد استدعوني الإخوة في جبهة التحرير , ووجب علي تلبية الدّعوة . ثم اقترب بوجهه أكثر , وقال هامسا بجديّة أكبر : لو أرادني الله للشهادة , وعرفت أنّني سأستشهد حتما , سأرسل لكِ إشعارا بشهادتي , يأتيك مرسل بأي شيء من أغراضي يُخبرك أنّني نلت الشهادة , وان لم يصلك أي شيء اعرفي وتيقّني أنّني حي , وانتظري عودتي . لم تنطق عيشة بكلمة وظلّت واجمة . نزل سريعا وأسرعت هي إلى شباك السّطح حيث توجد غرفة النوم الخاصة بهما . أطلّت فرأت شخصا ما ينتظره , ثم مشى معه ودخلا واحة النخيل التي تفصل البيت عن الجبل , وغابا في الظلام الدّامس الذي يسبق الفجر .


    صيف 1962


    عيشة في منزل عائلتها تجلس وحيدة في إحدى الغرف , دخلت عليها أمّها وبادرتها بالقول : كل الناس خرجت تحتفل بالإستقلال وأنتِ تجلسين وحيدة . لم تتكلّم وبقيت مطرقة برأسها كأنّها منشغلة التّفكير بأمر أهمّها , وواصلت الأم حديثها : لا تحزني على جلول , إنّه شهيد , والشهيد لا نحزن عليه بل نفرح ونزغرد . هنا انتفضت عيشة وقالت بكلام يشبه الصراخ : جلول لم يمت , جلول حي , لم يصلني منه أي شيء يخبرني باستشهاده , أنا متأكدّة أنّه حي . لم تفهم الأم من كلامها أي شيء حتّى أخبرتها بما قاله لها زوجها ليلة مغادرته , وشرحت لها الأمر جيّدا , وفهمته .


    1977


    جاءت الأم إلى عيشة غاضبة : لقد جاء جارنا رابح يطلبك للزّواج , يجب أن تخرجي من أوهامك وترضين بمكتوب الله , زوجك جلول مات , كل المجاهدين رجعوا , وجلول لم يظهر أثره , قصّتك غريبة , الحي هو الذي يُرسل إشعارا بحياته وليس العكس , كيف لميّت أن يقول أنّني ميّت . لقد انتهت الثورة وأخذنا الإستقلال , أنتِ الآن زوجة شهيد . ثم تكلّمت بحنو وعطف : أنتِ الآن تكبرين يا ابنتي وفرص زواجك ستقل ونحن سنموت ولن نستمر معك طول الدنيا , وأنا أخاف عليك أن تبقي وحيدة في هذا الزمن الصعب . مع الضّغط الشّديد وكثرة الإلحاح , رضخت عيشة وتزوّجت رابح جارها . كمن فقد روحه , انتقلت إلى بيت زوجها وهي هيكل إنسان , يفقد الإنسان روحه عندما يتنازل مرغما عن قناعاته وعقيدته .


    1979 ( بعد عامين )


    عاد جلول , دخل البلدة في موكب أعادها إلى احتفالات الإستقلال . خرج الأهالي فرحين بمقدمه ومتعجّبين من عودته . لم تتغيّر ملامحه رغم تقدّمه في العمر , وحكى للجميع قصّته : خرج مع الثوار إلى ليبيا , وتعرّض إلى إصابة في رأسه أفقدته ذاكرته , تزوّج هناك , ثمّ تعرّض إلى إصابة أخرى في رأسه حين سقط من مكان مرتفع أثناء عمله في البناء , مكث مدّة في المستشفى , أفاق وقد عادت ذاكرته , وعاد إلى بلدته . سأل عن زوجته عائشة , أخبروه أنّها تزوّجت من رابح جارها . انتفض حين سمع اسم زوجها غاضبا أكثر من غضبه على زواجها , وصرخ : كيف تتزوّج من رابح ؟ وذكر أنّه عدوّه اللذوذ , أعمته غيرته منه وحقده عليه حتّى عن وطنه وأهله , فقد أفشى خبر التحاقه بجبهة التّحرير إلى المستعمر الفرنسي , حتّى شغّلوه معهم , وكلّف المجاهدون جلول بتصفيته , وحين وجده وعرف أنّه قادم اليه هرب منه . ذهبت عيشة مسرعة إلى أمّها ونسيت أنّها متزوّجة من رجل آخر , قالت لها بنبرة تجمع بين الفرحة والأسف : لقد عاد جلول , لماذا لم تُصدّقوني حين قلت لكم أنّه سيعود ؟ لقد أخبرتكم جميعا أنّني متأكّدة من حياته . وصلت المسألة إلى القضاء , ورأى القاضي أن يتم تطليقها من الإثنين , جلول ورابح . وعادت عيشة تعيش في منزل عائلتها .


    1985


    تعود الأم تلح من جديد على عيشة أن تتزوّج قريبها الأرمل مسعود , لم يعد عند عيشة أي قوّة للرفض أو القبول , فقدت أحاسيسها وانهارت معنويّاتها , ومع زواجها الجديد فقدت أعصابها .


    2018


    عيشة امرأة مجنونة , تعيش وحيدة في بيت مهجور , تمشي بشعر منكوش تكلّم نفسها , تبكي وتضحك وتقول : أنا صادقة , أنا متأكّدة , جلول لم يمت , جلول حي .

    تمت

    -----------

    - متليلي : مدينة في جنوب الجزائر شهدت ثورة الشعانبة , تابعة لولاية ( محافظة ) غرداية ( 600 كلم جنوب العاصمة الجزائر )

    - مستندة عن قصة حقيقية مع بعض التصرّف

    - شاركت بها في المسابقة الوطنية التي نظمتها وزارة المجاهدين في ذكرى اندلاع الثورة التحريرية الكبرى 1 نوفمبر 1954

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 12,056
    المواضيع : 179
    الردود : 12056
    المعدل اليومي : 5.19

    افتراضي

    قصة واقعية ، جميلة ومؤثرة ومميزة بسرد سهل سلس
    يمس القلب بصدقه وألقه التعبيري
    جعلنا نعيش الحدث ونتفاعل معه بلغته الراقية الموحية.
    بوركت واليراع.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 493
    المواضيع : 84
    الردود : 493
    المعدل اليومي : 0.63

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    قصة واقعية ، جميلة ومؤثرة ومميزة بسرد سهل سلس
    يمس القلب بصدقه وألقه التعبيري
    جعلنا نعيش الحدث ونتفاعل معه بلغته الراقية الموحية.
    بوركت واليراع.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    الله يبارك فيك أستاذتنا الفاضلة , شهادة أعتز بها , لك خالص تحياتي وتقديري


HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة