أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الإعلام أنف الناقة أم ذنبها !

  1. #1
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Oct 2013
    المشاركات : 549
    المواضيع : 37
    الردود : 549
    المعدل اليومي : 0.26

    افتراضي الإعلام أنف الناقة أم ذنبها !

    روت كتب الأدب العربي أنْ قوماً من العرب يُقال لهم بنو أنف الناقة - و سبب ذلك أن أباهم عندما كان صغيراً جرّ رأس ناقة مذبوحة و عندما سُئل : ما هذا ؟ أجاب : أنف الناقة ! , فلقّب به . - و كانوا يكرهون هذا اللقب و يتحاشونه بين الناس , إلى أن جاء شاعر يُدعى الحطيئة و مدحهم بقصيدة مما قال فيها : قومٌ همُ الأنفُ و الأذنابُ غيرهمُ و منْ يُسوّي بأنفِ الناقة الذنبا ! , فصاروا بعد هذا البيت يفتخرون بذلك اللقب "بنو أنف الناقة" و يرفعون به أصواتهم بين الناس ! . بيت واحد من الشعر غيّر موقفهم مئة و ثمانين درجة في قضية حساسة و خطيرة عندهم و هي النسب , و إنّ القارئ لهذه القصة في زماننا يتبادر لذهنه للوهلة الأولى سذاجة أولئك القوم و خفة عقولهم و أنهم مجموعة من الحمقى ... فأي عقلاء أولئك الذين يغيّرون مواقفهم التي صمدوا عليها سنين طويلة في لحظة واحدة سُكبت فيها بضع كلمات في آذانهم ؟! , لكن لو قُدّر لنا أنْ نُبحر إلى ذلك العصر بوسيلة كآلة الزمن لكان لنا رأي مختلفٌ تماماً .
    ففي ذلك العصر - قبل حوالي ألف و خمسمئة عام تقريباً - في المنطقة العربية كانت كل قبيلة مستقلة بذاتها و تُحاكي نموذج الدولة , فالقوة المُقدرة لأي قبيلة تُحسب من محصلة قوتها الخشنة - عدد الذكور القادرين على القتال و مهارتهم و أسلحتهم ...- بالإضافة إلى قوتها الناعمة -( القوة الناعمة مصطلح عرفه صاحبه جوزيف ناي بأنه القدرة على التأثير في الأهداف المطلوبة , و تغيير سلوك الآخرين عند الضرورة , و الحصول على ما تريد من خلال الإقناع و الجذب و ليس الإكراه) - , و في ذلك العصر كان الشاعر و الشعر يُمثل القوة الناعمة للقبيلة ! فكما لكل قبيلة فرسانها و سيوفهم فلديها شاعرها و شعره , الشعر في ذلك الزمان كان يساوي في زماننا كل وسائل التأثير على الآخرين من إذاعات و فضائيات و صحف و سينما و مسرح و مطبوعات و وسائل التواصل الاجتماعي ..., وكان الشاعر هو نُخبة القبيلة المُثقفة فهو الفنان و الأديب و المفكر و الإعلامي و الناشر...في آنٍ واحد .
    إن ما تعرضَ له "بنو أنف الناقة" قبل ألف و خمسمئة عام من "سحق" عقولهم ب "القوة الناعمة" لا يختلف عمّا نعيشه اليوم فما نراه و نسمعه و نقرأه يؤثر بلا ريب في قرارتنا و بناء مواقفنا من قضايا معينة اجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية ... , في عام 1922 نشر الكاتب و الإعلامي الأمريكي والتر ليبمان كتابه "الرأي العام" - و الذي كان ممهداً لنشوء ما بات يُسمى بعلم النفس الإعلامي - و رأى في هذا الكتاب أن أي مجتمع ينقسم بشكل رئيسي إلى أغلبية جاهلة لا وعي لها و ضالة مثل قطيع الغنم , و أقلية ذكية يكون لها فقط حق التخطيط و الإدارة في كل شيء ضمن دائرة الحاضر و المستقبل ! و على الفئة الأولى -القطيع- أن تسمع و تطيع الفئة الثانية - الأقلية الذكية !- , لكن لكي يكون هذا على الأقلية الذكية بوصفها النخبة أن تصيغ أفكار المجتمع و تقوم بنشرها , و بالطبع لكي يتسنى لها نشرها فعليها الوصول إلى المعلومات و وسائل الإعلام في المجتمع ..., إن القارئ سيتبادر إلى ذهنه واقع هذا الكلام في القضايا السياسية و تحيز وسائل الإعلام لطرف دون أخر فمن التحيز ل "إسرائيل" دون فلسطين في وسائل الإعلام الغربية المملوكة لشرذمة مؤدلجة صهيونياً أو تمجيد وسائل إعلام عربية لحكامٍ طغاةٍ على حساب شعوبهم ..., لكن يا ليت هذا يقف عند حدود السياسة ! , إن تغول تلك الأقلية يمتد إلى كل شيء يساهم في تشكيل العقلية سواء كان ذلك مباشراً أو غير مباشر بدءًا من أفلام الكرتون التي تُبث للأطفال و ليس انتهاءً بنشرات الأخبار للكبار ! , في جميع الأمور الثقافية و الدينية و الاقتصادية و السياسية و حتى العلمية ! , و لكي لا يذهب ذهنك أنني من المروجين لنظرية المؤامرة دعني أذكر بعض الدراسات العلمية المحضة , في دراسة لجامعة "ميشيغان" ذكرت أن الطفل من عمر 2-5 سنة يشاهد 32 ساعة أسبوعياً من أفلام الكرتون و الطفل من عمر 6-11 سنة يشاهد 28 ساعة أسبوعياً من أفلام الكرتون , و في دراسة لجامعة "كاليفورنيا" استمرت لحوالي أربعين سنة توصلت إلى أن تشكل شخصية الإنسان يكون في مرحلة مبكرة من الطفولة قبل العشر سنين , و إذا أضفنا إلى تلك الدراسات دراسة جامعة "ولاية أيوا" التي توصلت إلى أن أفلام الكرتون تجعل الأطفال أكثر ميلاً إلى العنف , و دراسات أخرى عن احتواء أفلام كرتون شهيرة على محتوى جنسي خفي بما في ذلك كرتون "ديزني" الشهيرة , الأمر الذي بررته شركة "ديزني" أنها مجرد مزحة من موظفيها الذين يشعرون بالملل ! , ضع هذه الدراسات جانباً و دعني أسألك هل شاهدت كرتون "توم و جيري" في طفولتك مثلي ؟ هل كنت مثلي تشجع الفأر اللطيف "جيري" ضد القط النزق "توم" ؟ حين كبرت قليلاً و قرأت حديث النبي -صلى الله عليه و سلم - عن القطط (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوَّافين عليكم) و حديثه عن الفئران : (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحل والْحَرَمِ : الْفَأْرَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْحُدَيَّا ، وَالْغُرَابُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) , و وددت لو أن صانع "توم و جيري" جعل القط في موضع الخير و الفأر في موضع الشر أم أن عقولنا أُريد لها من طفولتنا أن تُبرمج بعكس ما هو صواب ؟ , و هذه لم تكن صدمتي الأخيرة , فلعلك مثلي من هواة مشاهدة أفلام " ناشونال جيوغرافيك " الوثائقية الرائعة , صدمتي كانت عندما قرأت كتاب "المتلاعبون بالعقول" ل هربرت شيللر و كشف فيه دور مجلة " ناشونال جيوغرافيك" في التحيز لآراء سياسية معينة ضمن سرد وثائقي يبدو علمياً و بريئاً ! , فعلى سبيل المثال أثنت المجلة "العلمية" على دور الولايات المتحدة في فصل بنما عن كولومبيا ! ... , نحن بحاجة للتفكر بدلاً من مجرد السماع و المشاهدة و جعل ما نشاهده و نسمعه يتسرب إلى عقولنا في اللاوعي , أفلا يتفكرون بدلاً من أفلا يشاهدون و يسمعون ..., كم من قضية كانت عندنا كأنف الناقة و غيّرنا رأينا فيها لمجرد أن الإعلام أشار إلى ذنبها ؟ , لا بل كم من قضية لا ناقة لنا فيها و لا جمل جعلنا الإعلام نتابع ذنبها قبل أنفها ؟ ! .
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    الصورة الرمزية أحمد الجمل شاعر
    تاريخ التسجيل : Feb 2014
    الدولة : مصر
    العمر : 49
    المشاركات : 2,973
    المواضيع : 140
    الردود : 2973
    المعدل اليومي : 1.50

    افتراضي

    دعني أرحب بك أولا أخي الحبيب/ إيهاب
    حمدا لله على سلامتك
    اشتقنا إليك والله وإلى روحك الجميلة ترفرف في ربوع الواحة
    ثم ..
    ( إيه بأه اللي دخل الجمل في الموضوع ؟!!! ) هههههه
    سعدت واستمتعت بقراءة هذه المقالة الأكثر من راااائعة
    وأنا مؤمن مثلك بكل ما تفضلت مشكورا بسرده فيها
    ومؤمن بقدرة الإعلام أيا كانت صوره على تشكيل عقول البعض من الألف إلى الياء
    سلمت وأسعد الله كل أوقاتك
    تحيتي ومحبتي