أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: أصوات

  1. #1
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 498
    المواضيع : 85
    الردود : 498
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي أصوات

    أصوات أطفال ( الكُتّاب ) وهم يُكرّرون السور القصار بدأت تخفت , وبدأ يسمع أصوات أطفال القرية المنتصبة أعلى الجبل , وهم يمارسون ألعابهم الشقيّة اليوميّة . كل الأصوات التي كان يسمعها عادة وهو في طريقه من ورشة والده إلى بيته , لم يسمعها اليوم , فقد غزتها أصوات والده ووالد صديقه , ومدرّسه , ومدير المدرسة . اجترّها كلّها في مرارة وألم . قال له المدرّس بنبرة شفقة : هذه سنتك الثالثة ولن يُسمح لك بالإعادة مرّة أخرى , لقد فعلنا ما بوسعنا نحن الأساتذة , فقط لأنّك اقتربت من المعدّل المطلوب لنيل الشهادة , ولمعرفتنا بتفوّقك السّابق , لكن لاحظنا تراجعك وقلّة اهتمامك , وأنا قد حذّرتك كثيرا . وصوت المدير الحاد حين كلّمه عند باب الخروج : لن تدخل غدا إلّا مع ولي أمرك , لقد صبرنا عليك أكثر من اللازم . وصوت والد صديقه الذي سمعه يُحدّث والده مؤنّبا ومُهدّدا حين اقترب من الورشة : ابنك ضيّع ابني وأفسد أخلاقه وتربيته , صار يسرق مني النقود ليُقدّمها له , وقد صارحني اليوم بالحقيقة كاملة , سأمهلك إلى يوم الغد , عليك بأن تردّ لي نقودي التي سُرِقت مني وتمنعه نهائيّا من الاقتراب من ابني . وصوت والده وهو ينهره بشدّة : لم تُفلح في أي شيء كأمّك , لا دراسة ولا شغل ولا أي شيء , حوّلتم حياتي إلى جحيم , اذهب واغرب عن وجهي أيّها اللعين , لا أريد أن أراك ثانية .

    في زحمة الأصوات لم يسمع صوته الخافت الضّعيف : ما ذنبي أنا ؟ هل أنا من طلّق أمي من أبي ؟ هل أنا اخترت عيشة الفقر والحرمان ؟ يطردني المدرّسون حين أعجز عن توفير كتاب أو أداة مدرسيّة , وأغيب عندما يتمزّق حذائي ولا أقدر على تغييره , بعد ساعات الدّراسة أتوجّه إلى الشغل الشاق في ورشة أبي ولا أعود الّا بحلول الظلام لأغص في نوم عميق يأخذني إلى يوم مماثل , فمتى أدرس وكيف أنجح ؟

    لم يسمع صوت أمه تناديه , ولم يسمع صوت آذان المغرب , حين دخل البيت وصعد إلى السطح حيث توجد غرفته الصّغيرة الضّيّقة . وما ان جلس على فراشه البالي القديم حتى سمع صوتا هامسا على يساره : ارحل عن هذه الدنيا الكئيبة المظلمة , وهذا العالم القاسي الظالم , حبل فقط سيُخلّصك من كل هذا الشقاء وينقلك إلى عالم الفناء , حيث لا ألم ولا عذاب . قاطعه صوت هامس على اليمين : احذر يا فتى , هذا الذي تتوهّم أنّه سيُخلّصك من الشقاء سينقلك إلى الشقاء عينه , الشقاء الحقيقي الأبدي , انت تمر بفترة صعبة قد يمر بها كل انسان , لكنها مجرّد فترة وستمر , وستتغيّر حياتك إلى الأفضل . لم يُفكّر كثيرا أو يُوازن بين الصوتين , الصوت الذي على يساره تأثيره كان أقوى , ولم يتعب كثيرا في إيجاد الحبل , فقد كان مشدودا بين حائط غرفته والحائط المقابل له في السّطح , يحمل ملابسه الممزّقة المبلّلة حتى تجف .

    مع صوت آذان العشاء نزع حبل الغسيل , دسّه في جيبه , وفي سرعة البرق خرج وقطع الطريق الطويل إلى شجرة الزيتون الكبيرة , في أقاصي القرية , في الظلام الدّامس , ولم تنتبه الأم لخروجه لانهماكها في المطبخ . صعد جذع الشجرة الكبير , ربط الحبل على غصن مرتفع متين , وأحكم دائرة الحلقة , ووضع رأسه داخل الحلقة . سمع صوت اليسار من جديد : ستستريح الآن , سيتلاشى الظلام , وسترى النور أخيرا , هذه حياة العدم , لا هموم ولا مشاكل , لا أحزان ولا حرمان بعد اليوم , لا أحد يهينك , لا أحد يُعيّرك بفشلك وفقرك . وسمع صوت اليمين من جديد : كف عن هذه الحماقة , أخرج من هذه الحلقة السّخيفة , وانظر إلى الأمام , أنظر إلى الأفق , شاهد نفسك شخصا مرموقا , ناجحا ومشهورا , تحقق الإنجازات العظيمة , ومحل اعجاب كل الناس .

    لف الحبل على رقبته وهمّ بالقاء جسده المنهك واذا به يسمع صوت أمّه يخترق الأجواء ويقطع المسافات , كانت بالفعل قد لفّت البيت وما جاوره , صعدت السطح ونزلت قرابة العشر مرّات خائفة قلقة تبحث عن ولدها الذي اختفى فجأة , حتّى اعتلت جدار السّطح وصاحت بأعلى صوتها تناديه في غسق الليل . لبّى الولد البار نداء أمّه , رفع الحبل عن رقبته , استغفر ربّه , نزل من أعلى الشجرة وعاد باكيا إلى أحضان أمه التي احتضنته تبكي أيضا , ورمى رأسه في احضانها الدّافئة .

    أصوات التّصفيق وهتافات الإعجاب لم تتوقّف في المسرح الكبير الّذي ضم نخبة الثقافة والإعلام الوافدة من كل الدنيا , حين قال بصوت هاديء رزين وهو يستلم جائزته الكبرى العالمية : أهدي الجائزة إلى أمي رحمها الله , أنا مدين ومشتاق إلى صوتها , أصدق وأوفى ما سمِعت من أصوات .

    عن قصة حقيقية

  2. #2
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Sep 2015
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 242
    المواضيع : 11
    الردود : 242
    المعدل اليومي : 0.17

    افتراضي

    أحيانا تكون لحظة الانكسار هي نفسها حافز النجاح...
    قصة جميلة.
    دمت مبدعا

  3. #3
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 498
    المواضيع : 85
    الردود : 498
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد العكيدي مشاهدة المشاركة
    أحيانا تكون لحظة الانكسار هي نفسها حافز النجاح...
    قصة جميلة.
    دمت مبدعا
    شكرا جزيلا لكم أستاذ أحمد العكيدي , حضوركم أجمل , مودّتي مع خالص تحياتي وتقديري

  4. #4
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,216
    المواضيع : 183
    الردود : 13216
    المعدل اليومي : 5.14

    افتراضي

    راق لي ما قرأت في قصتك..
    ليس لأنك من خلال تداخل الأصوات استطعت أن تسرد علينا
    حياة بطلها وأسباب شقاؤه وتعاسته.
    ولا لأنك ألقيت الضوء على ذلك الصراع بين الخير والشر في نفسه
    وجولات الشيطان على قلبه ، مهيأ له اليأس والقنوط والإحباط كعوامل
    قوية لينهي حياته.
    ولكن .. لأن داخل قصتك كانت هناك قصة جميلة أحلى من الشعر
    عن الأم تقول:
    الأم هى الحضن الدافئ، والملاذ الآمن، واليد الحانية ، والنظرة الشافية.
    بورك هذا القلم المعطاء ـ ولك كل تقديري وبالغ امتناني.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 498
    المواضيع : 85
    الردود : 498
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    راق لي ما قرأت في قصتك..
    ليس لأنك من خلال تداخل الأصوات استطعت أن تسرد علينا
    حياة بطلها وأسباب شقاؤه وتعاسته.
    ولا لأنك ألقيت الضوء على ذلك الصراع بين الخير والشر في نفسه
    وجولات الشيطان على قلبه ، مهيأ له اليأس والقنوط والإحباط كعوامل
    قوية لينهي حياته.
    ولكن .. لأن داخل قصتك كانت هناك قصة جميلة أحلى من الشعر
    عن الأم تقول:
    الأم هى الحضن الدافئ، والملاذ الآمن، واليد الحانية ، والنظرة الشافية.
    بورك هذا القلم المعطاء ـ ولك كل تقديري وبالغ امتناني.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    شكرا جزيلا أستاذتنا الفاضلة نادية محمد الجابي , تعليقكم الكريم الجميل شرف كبير لي والله , بارك الله فيكم ولكم خالص تحياتي وتقديري

  6. #6
    الصورة الرمزية تسنيم الفراصي أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2018
    العمر : 18
    المشاركات : 100
    المواضيع : 11
    الردود : 100
    المعدل اليومي : 0.34

    افتراضي

    أصوات..

    العنوان جاذب،
    والنهاية راقتني،
    لو تعمقنا بحياةِ العُظماء لرأينا أن حياتهم لم تكن سهلة،
    كانت عصيبة نوعاً ما،
    لكن من العَقَبات وحدها يولَد النجاح،
    ولولا المطبات أساساً لما كان هناك نجاح،
    لا يوجد طريق سوي مُعبَّد،
    كل الطُرُقات مدمرة بطريقة مريعة.

    جميلٌ حرفك،
    دام هذا البهاء.

  7. #7
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 498
    المواضيع : 85
    الردود : 498
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تسنيم الفراصي مشاهدة المشاركة
    أصوات..

    العنوان جاذب،
    والنهاية راقتني،
    لو تعمقنا بحياةِ العُظماء لرأينا أن حياتهم لم تكن سهلة،
    كانت عصيبة نوعاً ما،
    لكن من العَقَبات وحدها يولَد النجاح،
    ولولا المطبات أساساً لما كان هناك نجاح،
    لا يوجد طريق سوي مُعبَّد،
    كل الطُرُقات مدمرة بطريقة مريعة.

    جميلٌ حرفك،
    دام هذا البهاء.
    شكرا جزيلا الأخت الأديبة تسنيم الفراصي , حضورك وتعليقك الكريم أجمل , يسعدني وأتشرّف أن راقك ما أكتب , خالص تحياتي وتقديري

  8. #8
    الصورة الرمزية آمال المصري عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,634
    المواضيع : 386
    الردود : 23634
    المعدل اليومي : 5.83

    افتراضي

    من رحم المعاناه يولد الإبداع والتفوق والتقدم
    وهنا نموذج حي من واقع الحياة حال الكثير ممن اعتلوا العالمية في صنوف الثقافات وحطموا كل العوائق وذللوا كل العقبات من أجل تلك اللحظة ليثبتوا للعالم أجمع أن لا حياة مع اليأس
    سرد موفق ولغة سلسة وحبكة قوية ونهاية موفقة راقت لي
    أحييك على هذا النص الجميل أديبنا الفاضل
    خالص التحايا
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي