أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: حنين

  1. #1
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Sep 2015
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 240
    المواضيع : 11
    الردود : 240
    المعدل اليومي : 0.17

    افتراضي حنين



    ​​تملكني حنين إلى هناك، إلى جانب تلك الأشجار الباسقة، والأدواح السامقة، وخرير المياه الجارية، وزقزقة العصافير حين تختلط بطنين النحل ورفارف الفرشات، فتصدر همسات تهدهد وجهي وتقذفني إلى أفياء الأمل المفقود.

    وثبت وثبتي الأولى على أرضها منذ سنوات، اجتاح فؤادي سيل جارف من المشاعر المتضاربة، انتقلت بجوارحي إلى ذلك المقام وخالجني إحساس غريب، ارتحل جسدي إلى منحدر النهر. فتجسدت أمامي بدلالها، وغنجها، وابتسامتها الحالمة.. هي نفسها كما تركتني هازئة، ورمتني بنظرة أخيرة ساخرة.

    حاولت قدح زناد الماضي، فغمرني موج التذكر، هممت بالتقدم، فتسمرت بدون حراك، تراجعت في حركة لا إرادية، فانتابني شعور بالوحدة والغربة، هتف صوت خافت بداخلي:

    -هي الأماكن فقط ما عساها تفعل؟

    نعم، هي أطلال من الأمس البعيد، وأنا تناسيتها وهي كذلك، تجاهلنا بعضنا ولم تعد لي حاجة بها ولا هي. حاولت إقناع نفسي، فاستعبرت مقلتي، وتمردت الدمعات، وانسلت في زخم على خدي. هممت بالتقدم من جديد فأبى جسدي.. كيف له أن يعصي أمري وهو الخادم المطيع؟

    ضمرت أنين صرخاتي في أعماقي، لا عزاء لرزيتي ولا رثاء لمصيبتي. هرولت منسحباً من الربية فطوقني شالها الزهري، انتفضت وانتفضت علني أتخلص من هذا الرباط. سحبني إلى ظله، عبث بأحاسيسي وهز مشاعري، قاومت وقاومت فوجدتني حبيساً لهواه في قفص الشوق الضائع. أشرت بيدي إلى السماء راجياً مساعدة عبثية، فطبعت فوق شفتي قبلة دافئة اجتاحت تفاصيلها جسدي، ضممتها إلى صدري، وكبلت يدها بالشال.

    -الآن تمكنت منك، قلت في لحظة عابرة.

    صفعتني أوراق الخريف المتساقطة، وانتبهت فكان الشال قد طار واليد قد فكت الوثاق. عدت القهقري وركبت جياد الخيال وسابقت الزمن ونصبت خيمتي وجلست أنا وهي نتسامر.. أستمع إلى عذوبة صوتها أحيانا، وتلامسني بأناملها الرقيقة أحيانا أخرى...

    هبت نسمات شرقية تحمل معها حبات ندى، حطت فوق ناصيتي وبللت حاجبي، استفقت فوجدت خيمتي سراباً ووطني خيالاً عبثياً. تنهدت وأسرعت الخطى، تخطيت كل المروج، كل الأشواك، وأمسكتني خصلة من شعرها الذهبي فتعثرت، ثم زحفت. رسمت طريقي على التراب كالرضيع، التفت إلى يساري، حدجت الصخرة المطلة على النهر، والمياه الدافقة تتطاير قطراتها على ضفتيه، فتسلل إلى أنفاسي عبق عطرها الباريسي، أخذني كل المآخذ، سافر بي إلى أقطار الدنيا الجميلة وانكسرت قارورته في لحظة جنون تملكني، واسترجعت لوعة اللقاء الأول، وسردت بصوت مسموع سيرة حب مهدور، فذكرتني الجوامد، ورثتني الصوامت وعاتبتني الكواسر وتذكرت عبثيتي حتى عند الافتراق الأخير.

    المجلة العربية عدد مارس 2019

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,147
    المواضيع : 183
    الردود : 13147
    المعدل اليومي : 5.19

    افتراضي

    حب مهدور ـ وحنين يتملك القلب لمكان اللقاء الأول
    وموجات تذكر لما كان،ارتباط وانفصال،وشعور طاغ بالوحدة
    يتركه حبيسا لهواه في قفص الشوق الضائع..
    وهروبه إليها بالخيال ليلتقي بها ليلتقي بها ويسامرها ويستمع إليها
    ويستمتع بلمساتها ـ ثم استفاقة ليكتشف عبثية خياله
    فيتذكر عبثيته حتى عند الإفتراق الأخير.

    سرد ماتع كشف مهارة فائقة في الغوص إلى أعماق النفس
    وبناء استرجاعي زاد من تشويق النص وأبرز معانيه
    نص شاعري جميل أبدعت فيه بلغتك الأدبية، وبأسلوبك السردي
    القائم على الوصف الدقيق ـ ولغة نابضة بالجمال.
    أبدعت نسجا وفكرا وصياغة
    فلك تحياتي وتقديري.
    كل سنة وانت بألف خير ـ مبروك رمضانك.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    لم أفهم هذه الجملة ( لوعة اللقاء الأول)

  3. #3
    الصورة الرمزية سعد الحامد أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2016
    الدولة : الولايات المتحدة الأمريكية
    المشاركات : 153
    المواضيع : 11
    الردود : 153
    المعدل اليومي : 0.14

    افتراضي

    حياك الله أخي الكريم أحمد

    لقد استخدمت الرمز في بعض ما كتبته، فما هو السبب؟!

    وقناعتي أن الرمزية مكانها الطبيعي هو الشعر وليس النثر، أليس كذلك؟!


    شكراً جزيلاً لأنك أتحفتنا بهذه الرائعة الأدبية
    دمت بكل خير
    ودي ..
    ملتقى رابطة الواحة الثقافية

  4. #4
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Sep 2015
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 240
    المواضيع : 11
    الردود : 240
    المعدل اليومي : 0.17

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    حب مهدور ـ وحنين يتملك القلب لمكان اللقاء الأول
    وموجات تذكر لما كان،ارتباط وانفصال،وشعور طاغ بالوحدة
    يتركه حبيسا لهواه في قفص الشوق الضائع..
    وهروبه إليها بالخيال ليلتقي بها ليلتقي بها ويسامرها ويستمع إليها
    ويستمتع بلمساتها ـ ثم استفاقة ليكتشف عبثية خياله
    فيتذكر عبثيته حتى عند الإفتراق الأخير.

    سرد ماتع كشف مهارة فائقة في الغوص إلى أعماق النفس
    وبناء استرجاعي زاد من تشويق النص وأبرز معانيه
    نص شاعري جميل أبدعت فيه بلغتك الأدبية، وبأسلوبك السردي
    القائم على الوصف الدقيق ـ ولغة نابضة بالجمال.
    أبدعت نسجا وفكرا وصياغة
    فلك تحياتي وتقديري.
    كل سنة وانت بألف خير ـ مبروك رمضانك.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    لم أفهم هذه الجملة ( لوعة اللقاء الأول)
    سعدت كثيرا بمرورك الكريم أستاذة نادية وبقراءتك العميقة للنص...

    كنت دائما أقول أن قراءة نص هي كتابة جديدة له وهذا ما ألمسه في كل مرة أقرأ لك تعليقا.

    لعل لوعة اللقاء الأول هي تلك اللهفة المنبثقة من قلوب العشاق في أول لقاء عندما تلتقي العيون.

    رمضانك مبارك وكل عام وأنت وأسرتك وكل أحبابك بخير.

  5. #5
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Sep 2015
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 240
    المواضيع : 11
    الردود : 240
    المعدل اليومي : 0.17

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعد الحامد مشاهدة المشاركة
    حياك الله أخي الكريم أحمد

    لقد استخدمت الرمز في بعض ما كتبته، فما هو السبب؟!

    وقناعتي أن الرمزية مكانها الطبيعي هو الشعر وليس النثر، أليس كذلك؟!


    شكراً جزيلاً لأنك أتحفتنا بهذه الرائعة الأدبية
    دمت بكل خير
    ودي ..
    مرحبا بك أخي الكريم وشكرا على إطلالتك البهية.

    في الحقيقة الرمز والمعلن والمضمر.. هي ما يعطي للأدب جماليته شعرا كان أم نثرا. وفي اعتقادي النصوص الأدبية، من قصة ورواية وغيرهما، تجاوزت حدود التجنيس وبات ممكنا إثراء نصوص نثرية بأبيات شعرية أو بإيقاعات موسيقية أو بتقنيات سينمائية وما إلى ذلك.

    مع أجمل التحايا ودمت مبدعا