أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الفراهيدي وبحر المتدارك

  1. #1
    الصورة الرمزية عادل العاني مشرف عام
    شاعر

    تاريخ التسجيل : Jun 2005
    المشاركات : 7,573
    المواضيع : 190
    الردود : 7573
    المعدل اليومي : 1.44

    افتراضي الفراهيدي وبحر المتدارك

    الفراهيدي وبحر المتدارك
    كلنا نعلم أن الفراهيدي رحمه الله لم يتطرق للبحر السادس عشر والذي يمثل البحر الثاني في دائرة المتفق التي تضمنت بحر المتقارب بالرغم أنه لا يمكن إغفاله بسبب وضوحه في الدائرة , لكن الفراهيدي لم يذكره مطلقا لا باعتماده ولا بإهماله مما أثار كثيرا من التساؤلات عن السبب الرئيسي في ذلك.
    في مخطوطة الإمام أبي الحسن أحمد بن محمد العروضي المتوفي سنة 342 هـ والموسومة ( الجامع في العروض والقوافي ) استعرض كافة بحور الشعر العربي التي اعتمدها الفراهيدي دون أن يقدم أي شرح للبحر السادس عشر في فصول وأبواب شرح بحور وأوزان الشعر العربي ولم يفرد له بابا مستقلا, لكنه في استعراض الدوائر وفكها وما تضمنته من بحور , وفي الدائرة الخامسة وهي دائرة المتفق لا يمكن أن لا يشير للبحر الثاني فيها ونستعرض ما كتبه في مخطوطته تحت باب الدائرة ص 257 - 259:
    " إعلم أن هذه الدائرة فيها باب واحد وهو مؤلف من أجزاء خماسية وهي :
    فعولن فعولن فعولن فعولن * فعولن فعولن فعولن فعولن
    وهذه الأجزاء أوتادها متقدمة وأسبابها متأخرة فإذا قدمنا الأسباب على الأوتاد صارت :
    فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن * فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن
    فأقل أحوال هذا الباب أن يكون مثل الوافر في دائرته لأن جزء الوافر مفاعلتن فإذا تأخر الوتد صار متفاعلن كما بينا في الدائرة فكذلك أمر هذه الدائرة إذا كان مفاعلتن ومتفاعلن في الوافر والكامل جزئين من سباعيين ينفك أحدهما من الآخر لا فصل بينهما لزم هذه الدائرة ما يلزم تلك الدائرة فواجب أن يكون للمتقارب شعر على خلافه أجزاؤه مخالفة لأجزائه وينفك كل واحد منهما من صاحبه , فإن قال قائل : فما اسم هذا الباب من الدائرة ؟
    قيل له : لم يُر الخليل ذكر هذا الباب ونحن نسميه " الغريب "* فإن قال : فهل وجدت منه شيئا مرويا , قيل له : أكثر من أن يحصى في شعر المحدثين خاصة , فأما القديم فنزر قليل. فمما قيل أنه قديم :
    أشجاك تشتُّتُ شِعْبِ الحيِّ فأنت له أرِقٌ وَصِبُ
    ( فعْلن فعِلن فعِلن فعْلن * فعِلن فعِلن فعِلن فعِلن )
    فهذه القصيدة مشهورة ولولا الإطالة لذكرناها عن آخرها , وقوله :
    زُمّت إبِلٌ للبَين ضُحى * في غَور تَهامةَ قد سَلكوا
    ( فعْلن فعِلن فعْلن فعِلن * فعْلن فعِلن فعِلن فعِلن )
    وليست في شهرة الأولى , فأما المحدثون فقد أكثروا من هذا الوزن , من ذلك قوله:
    أمن أجلِ مطوّقة هتفت * أسبَلتَ دموعك تنهملُ
    ( البيت مخزوم بـ أ : فعْلن فعِلن فعِلن فعِلن * فعْلن فعِلن فعِلن فعِلن )
    وقوله :
    يا دارُ كَستكِ يَدُ المُزُنِ * بُرُدًا بمُفوَّقَة اليَمنِ
    ( فعْلن فعِلن فعِلن فعِلن * فعِلن فعِلن فعِلن فعِلن )
    وقوله
    رَحَلتْ بِسُمَيِّتِكَ الإبِلُ * فَثويتَ وعقلُكَ مَختبِلُ
    ( فعِلن فعِلن فعِلن فعِلن * فعِلن فعِلن فعِلن فعِلن )
    وقوله
    سارَت بِمدائِحِكَ النُّجُبُ * وَجَزوكَ الخَير بِما احتَقبوا
    ( فعْلن فعِلن فعِلن فعِلن * فعِلن فعْلن فعِلن فعِلن )
    وهذا كثير وفيما ذكرناه كفاية.
    فأما ترك الخليل ذكر هذا وإخراجه عن أشعار العرب فلأشياء نحن نذكرها مشروحة مبينة إن شاء الله تعالى . فمنها :
    إن هذا النوع من الشعر لما قل ولم يرو منه العرب إلا النزر القليل , ولعله أيضا مع قلته لم يقع إليه , أضرب عن ذكره ولم يلحقه بأوزانهم, وأيضا فإن هذا الوزن قد لحقه فساد في نفس بنائه أوجب رده, وذلك أنه يجيء في أبياته " فعْلن " ساكن العين , ومثل هذا لا يقع إلا في الضرب خاصة , أو في العروض إذا كانت مصرعة , فأما في حشو البيت فغير جائز , وما علم في شيء من أشعار العرب. وذلك أن الزحاف إنما يكون في الأسباب , والقطع في الأوتاد, ولا يكون القطع إلا في ضرب , ولا يكون إلا في وتد, فلما جاء هذا النوع مخالفا لسائر أنواع الشعر ترك واطرح , ولو كان يجيء على بناء تام فيكون كله " فاعلن فاعلن " أو يجيء محذوف الثاني وهو المخبون فيكون على " فعِلن فعِلن " متحركة العين أو يجيء بعضه على فاعلن وبعضه فعِلن كان ذلك ولكنه قل ما يجيء منه بيت إلا وأنت تجد فيه " فعْلن" في موضعين أو ثلاثة أو أكثر وقد جاء منه شيء على " فعْلن فعْلن " في جميع أجزائه وهو قوله :
    إنَّ الدُنيا قد غرَّتنا * واستَهوَتنا واستَغوَتنا
    لسنا ندري ما قدَّمنا * إلّا لَو أنّا قد مُتنا
    ( وهذه للإمام علي بن أبي طالب يصف فيها دق ناقوس كنيسة )
    فهذا كله قد جاء على فعْلن فعْلن في جميع أجزائه , وقد ظن قوم لم يدروا هذا النوع من أي صنف هو فقالوا أنه على " مفعولاتن " فحملوه لما جهلوا أمره على ما ليس في العروض مثله, لأن أجزاء العروض السالمة ثمانية أجزاء ستة سباعية واثنان خماسيان والخماسيان على فعولن وفاعلن والأجزاء السباعية مفاعيلن وفاعلاتن ومستفعلن ومفاعلتن ومتفاعلن ومفعولات وليس فيها مفعولاتن . فقد كنا قد قدمنا في أول الكتاب ذكر هذا ووعدنا أن نبينه في هذا الموضع . وهذا بيت المتقارب :
    لحا في هواهُ فأربى عذولٌ * فما زاد بالعذلِ إلّا غَراما
    وهذا بيت الغريب:
    في هواهُ فأربى عذولٌ فَما * زاد بالعذلِ إلّا غَرامًا لَحا رأأو تادأوتادهاأ
    * ملاحظة في الهامش : جاء في الكافي 139 ثم سكنوا العين فجاء على فعْلن وسموه : الغريب والمتسق وركض الخيل وقطر الميزاب وأنشدوا فيه :
    إن الدنيا قد غرتنا * واستهوتنا واستلهتنا ( ثلاثة أبيات ) وانظر ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حين سمع صوت الناقوس في الكافي ص 139 – 140 وفي المعيار ص 84 سماه المتدارك وقال : ويسمى المخترع والخبب وركض الخيل , وفي القسطاس سمي هذا البحر الركض ص 231.
    ملاحظتي أولا هنا :
    يقول أنه ربما لم يقع بيده شعر ... حينها كان يمكن أن يهمله كغيره من البحور المهملة.
    يقول ربما وقع بيده النزر اليسير ... حتى لو كان هذا لوجب أن يذكره لأنه اعتمد بحورا في دائرة المشتبه استنادا إلى بيت قالته جارية أو بيت قاله رجل من مكة أو اعتمد أوزانا لشواهد نظمها بنفسه.
    لكن ما ذكره من أن هذا البحر وما وجده عليه من شعر يخالف الأسس التي اعتمدها الخليل في البحور الأخرى وأهمها مجيء فعْلن في الحشو.
    وما أريد أن أستنتجه من هذا الإستعراض هو ما يلي :
    1 - يتحدث كثيرون عن منهج الخليل ويتهمون غيرهم بأنهم ضد منهج الخليل , لكن هذا واضح هنا أن منهج الخليل لا يعترف بالبحر السادس عشر لأنه يتعارض مع ما وضعه من فرضيات وقواعد للبحور الأخرى. ولنلاحظ ما كتبه أبو الحسن العروضي في المقدمة "أن هذه الدائرة فيها بحر واحد ".
    2 – أن البحر السادس عشر بكل أشكاله ومسمياته كان من ضمن البحور التي ينظم عليها الشعراء العرب قبل ظهور علم العروض وبعده.
    3 – إن ظهور علم العروض أدى إلى غياب وإهمال بعض من الشعر العربي الذي لم يكن يتطابق مع ما اعتمد من بحور وأوزان.
    4 – منهج الخليل لا يعترف بالخبب ( بلا أوتاد ) لأنه يخالف قواعد بناء بيت الشعر العربي الذي حددها الخليل بأوتاد وأسباب .
    5 - منهج الخليل برغم عظمته وبراعته الهندسية لا يمثل كل الشعر العربي.
    6 – علينا أن نكون مرنين في التعامل مع منهج الخليل ونشجع أي اجتهاد لتطوير علم العروض وزيادة مساحات الشعر العربي بما يتلاءم ومتطلبات العصر الحديث مع الحفاظ على الأسس والضوابط المعتمدة في البناء الشعري.
    التعديل الأخير تم بواسطة عادل العاني ; 09-06-2019 الساعة 04:39 PM