أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة نقدية لقصيدة الدمعة العذراء للعمري

  1. #1
    الصورة الرمزية جهاد بدران شاعرة وناقدة
    تاريخ التسجيل : Jun 2019
    المشاركات : 375
    المواضيع : 19
    الردود : 375
    المعدل اليومي : 2.48

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. سمير العمري مشاهدة المشاركة

    إِلَى حُورِيَّةِ الشَّمْسِ
    إِلَى نَفْسِي
    إِلَى تَاجٍ عَلَى رَأْسِي
    إِلَى فِرْدَوسِيَ الغَافِي عَلَى ظَمَئِي
    وَسُقْيَا كَوْثَرِي الْمُنْسَابِ فِي لِينِي
    إِلَى ذِكْرَى اِبْتِسَامَتِهَا وَدَمْعَتِهَا وَشَايِ الْعَصْرِ مِنْ كَانُونِ تِشْرِينِ
    تُحَدِّثُنِي عَنِ الْقُدْسِ
    وَعَنْ أَمْسِي
    وَعَنْ بَطَلٍ أَتَى بِالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ
    أُحَلِّقُ فِي مَعَارِجِهَا فَتُدْنِينِي
    وَتُطْعِمُنِي رَغِيفَ حَنَانِهَا الْمَخْبُوزَ فِي تَنُّورِهَا الطِّينِي
    وَتَسْقِينِي حَلِيبَ الْعِزِّ مِنْ ثَدْيٍ فِلَسْطِينِي

    مَدَاكِ مَدَحْ
    وَثَغْرُكِ مِنْ شَذَاكِ نَضَحْ
    وَوَجْهُكِ رَغْمَ قَهْرِ الْحُزْنِ نَهْرُ فَرَحْ
    وَوَمْضُ الدَّمْعَةِ الْعَذْرَاء يَا أُمَّاهُ قَوْسُ قُزَحْ
    فَأَنْتِ الرَّوْحُ تَسْرِي فِي شَرَايِينِي
    وَأَنْتِ الطُّهْرُ يَا أُمِّي
    دُعَاءُ الْفَجْرِ، نُورُ الصَّدْرِ، إِبْرِيقُ الْوَضُوءِ، بَرَاءةُ الْقِسْمَاتِ، دِفْءُ الْحِضْنِ
    آيَاتٌ تُنَاجِينِي
    خَدِيجَةَ كُنْتِ فِي بَعْلٍ
    وَآمِنَةً إِلَى طِفْلٍ
    وَمَرْيَمَ فِي نِسَاءِ الْأرْضِ
    أَنْقَى مِنْ صَقِيلِ الدُّرِّ
    أَرْقَى مِنْ نَبِيلِ الشِّعْرِ
    أَتْقَى مِنْ دُعَاةِ الزُّهْدِ وَالدِّينِ

    لِأَجْلِكِ أَنْتِ يَا أُمِّي
    لِعَرْشِ جَلَاَلِكِ الْأُمِّي
    لِتِلْكَ الدَّمْعَةِ الشَّمَّاءِ فِي عَيْنَيْكِ تَفْخَرُ بِي
    جَعَلْتُكِ قِبْلَةَ الْعُمُرِ
    أُنَـمِّي غُصْنَكِ الْعُمَرِيْ
    لِيَعْلُوَ فِي سَمَاءِ الْمَجْدِ يَحْمِلُ سُنْبُلَاتِ الْحُبِّ
    يُخْبِرُ عَنْ حَصَانٍ أَنْجَبَتْ بِالصَّبْرِ حُرًّا غَيْرَ مَفْتُونِ
    فَقَلْبُ الطِّفْلِ يُوهِينِي عَلَى أَثَرِ
    وَطِفْلُ الْقَلْبِ يُؤْوِينِي عَلَى حَذَرِ
    وَفِي الْقَلْبَيْنِ أَدْفِنُ لِـمَّتِي الْبَيْضَاءَ
    أَرْقُبُ شُرْفَةَ الذِّكْرَى لِوَجْهٍ أَنْ يَعُودَ لَنَا سَنَا طَيْفٍ
    يَقُولُ: بـَخٍ...
    فَيُحْيِينِي

    كَبِرْتُ وَشِخْتُ يَا أُمِّي
    وَمَا زَالَتْ حُرُوفُ الطِّفْلِ تَكْتُبُنِي
    وَمَعْنَى الْيُتْمِ يبْكِينِي
    وَمَا زَالَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ فِي أَثَرِي
    بِآمَالٍ تُوَدِّعُنِي وَآلَامٍ تُوَاعِدُنِي
    وَبَوْصَلَتِي لِدَرْبِ رِضَاِكِ يَا قَمَرِي تُنَادِينِي
    أُفَتِّشُ صُرَّةَ الْكَلِمَاتِ عَنْ مَعْنَى يَذُوبُ عَلَى شِفَاهِ الْبِرِّ أَدْعِيَةً
    وَأُفْرِزُ مِنْ رَحِيقِ الصَّمْتِ شَهْدَ قَصِيدَةٍ ثَكْلَى
    تَلُـمُّ الْقَلْبَ عَنْ شَفَتِي
    تَؤُمُّ الْحُبَّ فِي رِئَتِي
    تُوَاسِي طِفْلَكِ الْمَسْطُورَ فِي سِفْرِ الْحَنِينِ إِلَيْكِ
    مَا عَثَرَتْ بِهِ لُغَتِي
    وَلَا عَمَهَتْ عَنَاوِينِي

    مناسبة القصيدة:
    هي قصيدة قديمة أنشرها لأول مرة كتبتها يوم رأيت فيديو يظهر أمي وقد التقطتها العدسات في شرفة منزلي تتهادى بضعف متوكئة بين ابنتين تنظر لي بدمعة فخر وابتسامة رضا وأنا ألقي كلمة وقصيدة في حفل كبير في الحي. وما زالت منذ ذلك الحين العين تهمي سخينة كلما تذكرت هذا وكلما رأيت شيئا يذكرني بهذا. يرحمك الله يا أمي ... واعذروا طفولة قلب ولثغة حرف يناجي بالشوق أمه.


    ما أبهى الجمال في نبضات الحرف حين يعتلي عرش المشاعر الصادقة..
    حين يكون ممزوجاً بدمع الوطن وفُقد الأم الحنون..
    حين يكون ذكرى تحيي الذاكرة في عرش اغتراب وحنين لتراب الوطن والهوية التي تشتاق ضمّ فلسطين المجروحة..
    القصيدة بقوة نسيجها وسطوة المشاعر على القلب فيها والتي حرّكت السطور عذوبة التلقي والانغماس بين جذورها وفي جيوب معالمها..جعلنا نعيش الحرف وكأننا من أفرز عرَقهُ واشتد فيه النبض باكيا..
    الدمعة العذراء..
    عنوان ممزوج بأبعاد ثلاثية التكوين..لم يكن دمعة عذراء متجانسة بين الشاعر لأمه..بل كانت تحوز على محاور ثلاثية مشتركة اختلطت فيها المشاعر وتوحّدت لتكون حرّى أضعافاً مضاعفة..
    اجتمعت الدمعة العذراء بين:
    الشاعر مع نفسه
    الشاعر مع نيران الغربة عن وطنه
    الشاعر مع فقدانه لأمه...

    الشاعر نفسه بنفسه من خلال شعوره في غربة الروح والحنين لترابه والفقد من الأم والحرمان من تراب الوطن .
    هذه المحاور كانت قاسية شديدة في نبض الشاعر ولغته المتوهجة..
    عملية التشبيه للدمعة كانت استدراج متقن للابحار في مكنون تأويلها في فلك يشمل المحاور الثلاث..وجميعها تشمل بصفتها العذراء صفاءها ونقاءها ورقتها..
    لذلك نلاحظ مرحلة البدء في القصيدة كعملية توجيه أراد الشاعر توصيلها وغرسها في قلب المتلقي بقوله:

    //إِلَى حُورِيَّةِ الشَّمْسِ
    إِلَى نَفْسِي
    إِلَى تَاجٍ عَلَى رَأْسِي
    إِلَى فِرْدَوسِيَ الغَافِي عَلَى ظَمَئِي
    وَسُقْيَا كَوْثَرِي الْمُنْسَابِ فِي لِينِي
    إِلَى ذِكْرَى اِبْتِسَامَتِهَا وَدَمْعَتِهَا وَشَايِ الْعَصْرِ مِنْ كَانُونِ تِشْرِينِ
    تُحَدِّثُنِي عَنِ الْقُدْسِ
    وَعَنْ أَمْسِي
    وَعَنْ بَطَلٍ أَتَى بِالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ
    أُحَلِّقُ فِي مَعَارِجِهَا فَتُدْنِينِي
    وَتُطْعِمُنِي رَغِيفَ حَنَانِهَا الْمَخْبُوزَ فِي تَنُّورِهَا الطِّينِي
    وَتَسْقِينِي حَلِيبَ الْعِزِّ مِنْ ثَدْيٍ فِلَسْطِينِي//

    من خلال حرف الجر / إلى/ الذي ابتدأ به الشاعر لوحته الفنية..كانت في مقام رسالة يوجهها لعدة أهداف كانت بمثابة عامود القصيدة وركنها المتين والتي انبثق من خلالها تشريح مفصل للحس الداخلي الذي يملكه الشاعر مع تفاعله بالحس الخارجي الذي يجمع مجمل الرسالات التي أرادها لفرز صوت قلمه وانسياب حرفه بعذرية مطلقة..
    لنستجمع قوى هذه الرسائل التي أرادها والتي فضت قيود القصيدة وشرّحت أوردة الحرف بما يحمله من دم الحرف البليغ..هذه الرسائل هي:
    إِلَى حُورِيَّةِ الشَّمْسِ
    إِلَى نَفْسِي
    إِلَى تَاجٍ عَلَى رَأْسِي
    إِلَى فِرْدَوسِيَ الغَافِي عَلَى ظَمَئِي
    وَسُقْيَا كَوْثَرِي الْمُنْسَابِ فِي لِينِي
    إِلَى ذِكْرَى اِبْتِسَامَتِهَا وَدَمْعَتِهَا وَشَايِ الْعَصْرِ مِنْ كَانُونِ تِشْرِينِ
    ....
    كل هذه الرسائل كانت من وحي الأم ودرجتها المغموسة في قلب الابن الشاعر..فقد جعل من وصفها لمحة تاريخية مجبولة بروح الوطن..
    هي عملية مكانة الأم وارتباطها الوثيق بالأرض والتراث والحضارة..يريد ربط مكانة أمه بالوطن الأم وبالتاريخ العريق لفلسطين والبطولات التي كانت تجنيها من خلال القيادة القوية الحكيمة..
    _فقد أرادها /حورية الشمس/ تشبيه محمل بالدفء والنور والضوء الذي يفج العتمة ويبرز مفاتن الأرض..ويدفع الظلام عن عيونها وهي تبث شعاعها لأبنائها البررة..ذلك وصف يليق بالأم التي تضحي من نفسها لتضيء ما حولها بخصالها وأفعالها..فالشمس كناية عن الدفء والنور والضوء والجمال والبهاء..وهذه من صفات الأم الحنون التي تقدم لأبنائها الغالي والنفيس لأجل إسعادهم والحفاظ عليهم..

    _/ إِلَى نَفْسِي/
    أراد هنا من نفسه عملية الذوبان لشخصية الابن بذات وروح الأم..وهذه كناية عن الحب العميق الذي يتجلى بقلب الشاعر لأمه وكأنهما روح واحدة..فلم يقصد بنفسه معاني الأنانية بل أرادها قمة العطاء من الحي المجبول بين روحيهما..فنرى همسة من فلسفة أراد أن يطويها في هذه الكلمة كي تكون مخزنا للتأويل ومدارا يطوف حوله كل متلقي..

    _/إِلَى تَاجٍ عَلَى رَأْسِي/
    التاج هنا جاء كناية عن منزلة الإنسان ومكانته ..عدا عن أنه يتزيّ ويتجمل به بفخر وكبرياء..
    هكذا كانت الأم والوطن تاجاً نزين به أنفسنا ونحمله على رؤوسنا فخراً وحباً..فالوطن والأم يستحقان أن نضعهما على رؤوسنا نتزين بهما بفخر واقتدار..وهذه رسالة وطنية تحمل معها عبرا لمكانة الأم والوطن ورسالة نفيسة لتربية الأجيال القادمة...

    _/إِلَى فِرْدَوسِيَ الغَافِي عَلَى ظَمَئِي
    وَسُقْيَا كَوْثَرِي الْمُنْسَابِ فِي لِينِي/

    الصورة هنا ممتلئة بالوجع من حيث معناها الذي بين السطور..ومن حيث الأنسنة المحصورة في كلمة/ الغافي/
    وهذا ما يعزز سبل المتعة ويحرك التجسيد نحو قمة التصوير..
    ففردوس الشاعر هنا هو أمه رحمها الله..وهي كناية عن كل ما تحمل الكلمة من وصف جمالي للفردوس يصوره الشاعر في صورة أمه..فجاءت كلمة/ الغافي/ كناية عن الطمأنينة والسكون في عملية الغفوة من جهة ..وعن رحيل أمه الغافي على تعطشه لرؤيتها ..فالمحرك الجمالي هنا جاء في عملية الغفوة على مدارك الظمأ..فالأم تغفو في حضن ابنها طمأنينة وسكينة لأنها تدرك درجة تربيتها ومنزلة ابنها..والابن رغم كل ذلك ومهما يكون باراً بها إلا أنه يبقى يعيش طوال عمره في حالة الظمأ الشديد لحضنها ورؤيتها المضيئة..

    _/إِلَى ذِكْرَى اِبْتِسَامَتِهَا وَدَمْعَتِهَا وَشَايِ الْعَصْرِ مِنْ كَانُونِ تِشْرِينِ/


    فالجلسات التي كانت تجتمع حول كانون تشرين..عملية تمهيدية للقصص والحكايات والحوارات المختلفة..وجلسات الشاعر مع أمه كانت تختلف عن جلسات جيل اليوم..إذ تم فيها بث الحب والتعلق بجذور الوطن وتراب فلسطين وللقدس خاصة بأقصاها الجريح الذي يبكي كل يوم تدنيس المحتل لساحاته الباكية..
    تحدثهم عن تاريخ هذه البلاد المقدسة والفتح الذي كان على أيدي الأبطال منذ حمل القوس وانتقالاً لحمل السيف..من تاريخ عمر بن الخطاب والقادة والخلفاء الراشدين لعهد صلاح الدين والصحابة والقادة الذين طهروا فلسطين من رجس الكفر والظلم..
    يقول الشاعر:

    /تُحَدِّثُنِي عَنِ الْقُدْسِ
    وَعَنْ أَمْسِي
    وَعَنْ بَطَلٍ أَتَى بِالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ
    أُحَلِّقُ فِي مَعَارِجِهَا فَتُدْنِينِي
    وَتُطْعِمُنِي رَغِيفَ حَنَانِهَا الْمَخْبُوزَ فِي تَنُّورِهَا الطِّينِي
    وَتَسْقِينِي حَلِيبَ الْعِزِّ مِنْ ثَدْيٍ فِلَسْطِينِي/

    ثم يربط ذلك كله بالتراث الفلسطيني وهو يصف رغيف العيش المغموس بالحب والحنان في التنور الطيني الذي يعتبر رمزاً في تراث فلسطين وحضارتها العريقة..
    وثم يشبه الحليب الذي أرضعته أمه هو من جذور الأرض وترابها الذي يقاتل أعداء الوطن بذراته وبحبات الزيتون والليمون والبرتقال والزعتر..
    ثم يتطرق الشاعر عن ذلك الرباط الذي يجمع ما بين الأجيال وانتقالهم من جيل لآخر في تعاقب الأجيال وهو يقول: /تُحَدِّثُنِي عَنِ الْقُدْسِ وَعَنْ أَمْسِي../
    هذه العبارة دليلاً على نقل التاريخ والتراث من جيل لآخر..حتى تبقى جذور فلسطين حية نابضة لا يقدر أحد على قضمها مهما بلغت قوته..لأن تاريخها امتداد دمائي يتم الدفاع عنها بالشهادة وري الأرض بدماء الشهداء الزكية العطرة..كي تبقى عصية على الطغاة مهما بلغ منهم الظلم والفجور والجور..
    لذلك هذه القصيدة ليست مجرد عملية تنظيم للحروف وترتيبها ..إنما جمعت فكراً ناضجاً واعياً..مهّد لغرس الجذور الفلسطيني عن طريق تاريخها العريق وتراثها وحضارتها المقدسة..
    لذلك هذه اللوحة كانت تجمع ما بين فكر وتاريخ وحضارة ..
    ينتقل الشاعر بعدها لأوصاف جديدة تعزز تربية الأم وطرق سقايتها للحب للأرض..وكيفية تعزيز ذلك في الأجيال القادمة لتكون امتداد عبر التاريخ...

    // مَدَاكِ مَدَحْ
    وَثَغْرُكِ مِنْ شَذَاكِ نَضَحْ
    وَوَجْهُكِ رَغْمَ قَهْرِ الْحُزْنِ نَهْرُ فَرَحْ
    وَوَمْضُ الدَّمْعَةِ الْعَذْرَاء يَا أُمَّاهُ قَوْسُ قُزَحْ
    فَأَنْتِ الرَّوْحُ تَسْرِي فِي شَرَايِينِي
    وَأَنْتِ الطُّهْرُ يَا أُمِّي
    دُعَاءُ الْفَجْرِ، نُورُ الصَّدْرِ، إِبْرِيقُ الْوَضُوءِ، بَرَاءةُ الْقِسْمَاتِ، دِفْءُ الْحِضْنِ
    آيَاتٌ تُنَاجِينِي
    خَدِيجَةَ كُنْتِ فِي بَعْلٍ
    وَآمِنَةً إِلَى طِفْلٍ
    وَمَرْيَمَ فِي نِسَاءِ الْأرْضِ
    أَنْقَى مِنْ صَقِيلِ الدُّرِّ
    أَرْقَى مِنْ نَبِيلِ الشِّعْرِ
    أَتْقَى مِنْ دُعَاةِ الزُّهْدِ وَالدِّينِ//

    هذه الكلمات كانت بمثابة وصف للأم المثالية التي حملت معاني التربية الصالحة لأبنائها..وصفاتها النقية الطاهرة والتي ربطها الشاعر وصفاً في تناص قرآني يصف خصال أمه التي تعلمتها من مدرسة النساء التي ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز..وهذا بحد ذاته لفتة رائعة وتوجيه لنساء الأرض كي
    يتعلموا من هذه النساء ما يجعلهن في فلك النقاء والطهر والشفافية..
    ابتدأ في ذكر وسائل مساعدة كمنهاج حياتي ينجي الإنسان من سواد الذنوب وعتمة النفس كمرحلة لتطهير النفس وصقل الشخصية المؤمنة حقاً..وذلك بقوله:

    /دُعَاءُ الْفَجْرِ، نُورُ الصَّدْرِ، إِبْرِيقُ الْوَضُوءِ، بَرَاءةُ الْقِسْمَاتِ، دِفْءُ الْحِضْنِ
    آيَاتٌ تُنَاجِينِي/....

    هذه العوامل التي ذكرها الشاعر كآيات تنجيه من عواصف الحياة وتقلباتها..هي بحد ذاتها محركات ساهمت في تجذر الحب اللامتناهي للشاعر نحو أمه وساهمت في عملية البر والإحسان بالعمل والمشاعر لرضاها..
    _/فالدعاء عند الفجر /
    من لسان الأم الذي يلهج بالدعاء لحفظ أبنايها وحمايتهم وتوفيقهم..وهذا هو دور الأم الصالحة التي تقوم على رعاية أبنائها حتى بالدعاء..
    فالدعاء مخ العبادة وبكثرته ومداومته تطهير للقلب من عتمة الذنوب والمعاصي ليتوهج نورا وبياضاُ..وليكون وسيلة لحفظ النفس والأولاد من زلات الحياة..إذ لا يحقق كل ذلك إلا بإرادة الله وقدرته وإن شاء هو أن يكون كما يريد عبده الذلول إليه..
    _/نُورُ الصَّدْرِ/
    بعد الدعاء الصادق النابع من الأعماق والذي يخرج من الخشية من الله والمداومة عليه..يثير عصب القلب وينير الصدر من وهج الدعاء والرجاء ..
    _/إبريق الوضوء /
    هو أيضاً وسيلة ليبقى العبد في صلة متينة مع خالقه..
    وهو سمة واضحة أراد بها الشاعر كي يُرض صفات أمه وعبادتها وصلتها بالله التي لا تنقطع أبدا..وهذا الإبريق علامة الصالحين ورمز من رموز العبادة والمداومة على شريعة الله..
    _/براءة القسمات../
    هي دليل على نقاء القلب والسريرة والتي تنعكس من الداخل للخارج..من داخل القلب للوجه الذي يشير لنقاء القلب وطهره..
    _/دفء الحضن/..
    هو من الخصال الطيبة المضيئة التي تتصف فيها الأم الحنون كي تحافظ على سلامة الأبناء من ضياعهم في العنف والفساد..لأن الحنان والدفء يولّد اخضرار الأخلاق والعقيدة..
    ودفء الحضن من أنجع الوسائل التي تحفظ الأبناء من البحث عن مصادر آمنة خارج البيت..فالحب هو أنقى ما في الوجود ليكون عملية ربط متينة بين أفراد الأسرة..وهذا باب تربوي عظيم نعمل عليه كي ندعم عوامل التربية السليمة..

    كل هذا الجمال في الوصف لم يقف عند هذا الحد..بل تعدى قمته عندما قام الشاعر بترتيب هذه العوامل ترتيبا سليماً من قاعدة الهرم إلى قمته..
    لنلاحظ هذا الترتيب حسب الأولوية في كل عامل:
    1_ الدعاء عند الفجر
    فالدعاء هو من أهم الركائز لتحقيق ما يصبو إليه المرء إن شاء رب العزة لذلك..فالدعاء هو الركيزة الأولى لتحقيق التواصل مع الله تعالى وهو سبيل الهداية إذا ما دعا العبد ربه أن يهديه للصلاة وللعبادة..ففي كثرة الدعاء والإلحاح به يجعل الله يخجل أن يرد عبده عن مبتغاه لكرمه ورحمته بعباده..
    فيكون الدعاء عملية تمهيدية لحمل إبريق الوضوء..لذلك كان الإبريق هو المرحلة الثانية من عوامل الصلاح..
    2_نُورُ الصَّدْرِ
    مرحلة طبيعية نتيجة الإخلاص والدعاء..يضيء القلب ويزداد ورعاً وتقوى فيزداد النور من خشية الله..وهذا عامل مساعد متين لحمل إبريق الوضوء والتوجه بشكل فعلي لرضا الله تعالى..
    3_إبريق الوضوء ..
    هو المرحلة التي تتْبع عملية نور القلب ووهجه الذي يضيء من كثرة الدعاء والاستغفار ..
    4_ براءة القسمات
    وهذه المرحلة تأتي بعد الوضوء والصلاة والتي تطهر القلب من كل كدر وعلق لينعكس ذلك الطهر والبياض من داخل القلب لخارج الحسد فيكون نورا في الوجه والقسمات..
    فالنور الذي نلمحه في وجوه العباد هي نور التقوى والإيمان والله أعلم..
    5_ دفء الحضن
    هو مرحلة تولد من عمق الإيمان والشعور بالمسؤولية اتجاه الأبناء ..والمسؤولية تصل لقمتها حين يمتلئ القلب نورا من نور الله..وهذا لا يعني أن من لا يعبد الله ويتعبد بكتابه يعتبر خارج الحنين والدفء..لكن ما أقصده أن الدفء والحب للأبناء يختلف هيأته ونوعيته إذا ما اختلط بخشية الله..حينها يكون الحب والدفء من قاعدة مبنية على مراكز القوة والتوجيه للأبناء نحو خالقهم ورعايتهم على أساس الخشية من الله...
    هذا هو الفن التعبيري وقوة توظيف الحرف بحرفية ودراسة مبنية على الفكر والعلم والفلسفة...

    ينتقل الشاعر من وحي صفات أمه والتي كانت فيما تشبه الشخصيات التي عددها ليظهر محاسن والدته..بما يلي:
    / خَدِيجَةَ كُنْتِ فِي بَعْلٍ
    وَآمِنَةً إِلَى طِفْلٍ
    وَمَرْيَمَ فِي نِسَاءِ الْأرْضِ/
    فجعل عملية التوجيه لشخصية السيدة خديجة رضي الله عنها كمدرسة في فن التعامل مع الزوج ومهارة التعايش في ظل تربوي ديني يقوم على أساس الوعي والعلم والدراية والخشية من الله..فهي مدرسة بكل ما تحمل الكلمة من معنى في آداب التعامل مع الزوج ..والأخلاق التي تتوجب أن تكون في كل زوجة تبحث عن الاستقرار والسعادة والأمن في العيش الرغيد في ظل عبادة الله..

    ثم يوجهنا الشاعر من خلال وعي فكري وديني إلى تربية السيدة آمنة بنت وهب وتحملها معاناة وفاة الزوج وصبرها وتفانيها في عملية التربية بفقدان الزوج والمعيل للأسرة.. أم رسول الله كمدرسة جديدة في فن تربية الجيل الصغير والطفل اليتيم..

    ثم يرسل الشاعر لنا توجيهاً آخر لإحدى نساء الأرض الطاهرة النقية والعفيفة الشريفة السيدة مريم العذراء..ونقاء أخلاقها وعفتها وطهرها كتشبيه أيضاً للدمعة العذراء..فاقترنت العذراء بالدمعة العذراء..وربط الدمعة النقية التي نزلت من أحداق الشاعر على روح أطهر ما في حياته من أفراد..فالدمعة على الأم لا يشوبها مصلحة ورياء بل تخرج عذراء شفافة كروح السيدة مريم العذراء..تشبيه وربط بليغ يدل على قدرة التوظيف لمعالم اللغة وفق تناص من سيرة السيدة العذراء وفق ما تحدث به القرآن وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام..
    وهذا عبارة عن ذكاء شعري مميز يعرف الشاعر كيف ومتى وأين يوظف حرفه ليبعث الجمال والسحر في قلب المتلقي...

    يكمل الشاعر دمعته العذراء بقوله:

    لِأَجْلِكِ أَنْتِ يَا أُمِّي
    لِعَرْشِ جَلَاَلِكِ الْأُمِّي
    لِتِلْكَ الدَّمْعَةِ الشَّمَّاءِ فِي عَيْنَيْكِ تَفْخَرُ بِي
    جَعَلْتُكِ قِبْلَةَ الْعُمُرِ
    أُنَـمِّي غُصْنَكِ الْعُمَرِيْ
    لِيَعْلُوَ فِي سَمَاءِ الْمَجْدِ يَحْمِلُ سُنْبُلَاتِ الْحُبِّ
    يُخْبِرُ عَنْ حَصَانٍ أَنْجَبَتْ بِالصَّبْرِ حُرًّا غَيْرَ مَفْتُونِ
    فَقَلْبُ الطِّفْلِ يُوهِينِي عَلَى أَثَرِ
    وَطِفْلُ الْقَلْبِ يُؤْوِينِي عَلَى حَذَرِ
    وَفِي الْقَلْبَيْنِ أَدْفِنُ لِـمَّتِي الْبَيْضَاءَ
    أَرْقُبُ شُرْفَةَ الذِّكْرَى لِوَجْهٍ أَنْ يَعُودَ لَنَا سَنَا طَيْفٍ
    يَقُولُ: بـَخٍ...
    فَيُحْيِينِي

    كَبِرْتُ وَشِخْتُ يَا أُمِّي
    وَمَا زَالَتْ حُرُوفُ الطِّفْلِ تَكْتُبُنِي
    وَمَعْنَى الْيُتْمِ يبْكِينِي
    وَمَا زَالَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ فِي أَثَرِي
    بِآمَالٍ تُوَدِّعُنِي وَآلَامٍ تُوَاعِدُنِي
    وَبَوْصَلَتِي لِدَرْبِ رِضَاِكِ يَا قَمَرِي تُنَادِينِي
    أُفَتِّشُ صُرَّةَ الْكَلِمَاتِ عَنْ مَعْنَى يَذُوبُ عَلَى شِفَاهِ الْبِرِّ أَدْعِيَةً
    وَأُفْرِزُ مِنْ رَحِيقِ الصَّمْتِ شَهْدَ قَصِيدَةٍ ثَكْلَى
    تَلُـمُّ الْقَلْبَ عَنْ شَفَتِي
    تَؤُمُّ الْحُبَّ فِي رِئَتِي
    تُوَاسِي طِفْلَكِ الْمَسْطُورَ فِي سِفْرِ الْحَنِينِ إِلَيْكِ
    مَا عَثَرَتْ بِهِ لُغَتِي
    وَلَا عَمَهَتْ عَنَاوِينِي
    .
    الحنين والشوق في هذه الكلمات وصل أسمى بلوغه..وقمة الحب والبر والاحسان للأم التي أنجبت طفلاً صار اليوم عملاق فكر وحرف..
    تتزاحم الصور البليغة والمعاني الجليلة وهي تصف حالة الذوبان بين الابن وأمه..
    سأبقي جمال اللوحة بألوانها الزاهية تُبرز مفاتنها وتدع شيفرة الحرف بين يدي المتلقي كي ينقب عن أبعاد ودلالات الحرف الراقي....

    نأتي لهندسة القصيدة وما تحمل من بناء تراكيبي للحروف وما يقبل التأويل لأبعاد موضوعية ودلالات وإيقاعات موسيقية تحرك عبرها مواطن الحس الداخلي والخارجي للشاعر وللمتلقي..عن طريق البنية الإيقاعية التي تتقوقع بين مفاصل النص..والبنى المختلفة من اللغة الشعرية والصورة الشعرية..وهذه الثلاث تعتبر أعمدة القصيدة التي تقوم عليها..
    فالقصيدة ممتلئة بشحنات موجعة تعكس روح المعاناة والغربة..فيها من الحروف أدوات تكثيف إيقاعية تحدث بوقعها تفاعليا تشارك عبرها ذائقة المتلقي..وتتم عملية الانسجام الحي مع تحولات الكلمات وتغيير بوصلة اتجاهها..ليكون شريكاً فعليا مع صاحب النص ..وهذا هو قمة الإبداع..
    لنعود للتكرار الذي حدث في القصيدة من أحرف..ففي مستهل القصيدة وجدنا تكرار استهلالي يشكل دلالات واضحة تسقط على عملية البعد والاغتراب..فنلاحظ الحرف / إلى/ قد تكرر
    خمس مرات في بداية القصيدة مما ولّد حالة من إيقاع عذب تطرب له الذائقة..استعملها الشاعر لتكون بريداً بل سفيراً لنواياه لكل مرسِل فيهم له أبعاد ودلالات تهدف لغايات من أعماق الشاعر..إلى حورية الشمس/ إلى نفسه/ إلى ....الخ

    نأتي عملية التكرار لكلمات وأحرف أخرى..كتكرار حرف السين في/ الشمس/ نفسي/ رأسي/ فردوسي/ القدس/ والقوس..من مميزات حرف السين أنه يعطي جرساً موسيقيا عذبا للتفعيلات..وتكرارها يريح النفس..
    لأن حرف السين من حروف الهمس يجري معها النفس جرياناً بيناً عند النطق بها...فتسمع لناطقها التنفيس عن ضيق القلب وعن المشاعر المكبوتة..وينطلق عند نطقه هواء يتدفق برقّ لأنه حرف ترقيق كما نعلم من خلال تجويدنا لآيات الله ..والترقيق فيه نعومة وحس مرهف يعبّ عن حالة قائله..باختلاف أحرف التفخيم التي تعبر عن ضخامة الحدث ووقعه الشديد في اضطراب النفس..
    ونعلم أن للحروف أسرارها وبعضها مبهم فيه إعجاز كما ذكر في أوائل كثير من السور القرآنية مثل..سورة ق..
    والشاعر الواعي المدرك لأسرار الحروف وتأثيرها في النفس..فإنه يوظفها وفق الحالة الشعورية التي تنتابه..إن كان الحنين والشفافية يحتاج لحروف رقيقة وإن كان في حالة غضب وثورة يحتاج للحروف المفخمة كي تقع في نفسية المتلقي بتأثير عظيم..وهذا طبعاً لا يتقن ذلك إلا خبراء اللغة وأصحاب الفكر العميق كالشاعر صاحب هذه القصيدة الراقية.. الذي أتقن تناول الحرف بحرفية كبية عميقة..

    ثم نلاحظ عملية التكرار متنوعة وهذا يزيد من جمالية القصيدة وعذوبتها على لسان المتلقي..
    تكرار حرف الحاء الصامت بالسكون هو أيضاً من حروف الترقيق..والحرف الساكن يوحي للوجع أكثر ويوحي بالصمت والسكوت وهو أبلغ وجعاً من تحريكه وبوحه..ويوحي للرهبة لفتح باب التأمل ..للخشية..بالرغم من أنه حرف حلقي يخرج من اعلى الحلق واقصاه..بحيث يبذل فيه الناطق جهدا لاستخراجه..فكيف حين يكون صامتاً..يحتاج لذلك الجهد أكثر ومعبراً عن كثافة الوجع وبلوغ قمته..
    مدحْ/ نضحْ/ فرحْ/ قزحْ....

    وتم أيضا تكرار حرف الراء الذي هو أيضاً من حروف الترقيق.. الذي تطرب له الذائقة ويقوم بذبذبات موسيقية تضفي جمالاً على القصيدة وتمنحها القوة في البناء..وتتملك قلب المتلقي برقته وعذوبته..
    الفجر/ الصدر/ الدر/ الشعر/ العمر/ العمري/ أثر/ حذر...

    ثم تكرار حرف اللام
    بعل/ طفل

    وتكرار حرف النون/ الحضن/ الدين/ شراييني/ مفتون/

    عملية الانتقال من تكرار لأخر تشير على حرفية الشاعر وقدرته في تطويع المحسنات اللفظية من هذا السجع كما فعل الشاعر من عملية التكرار والجناس الذي يشكل سحرا لغويا إبداعيا إذا وظفه الشاعر بإتقان وفق المعنى وما يلائمه من أبعاد ودلالات...
    كما ذكره الشاعر من جناس في كلمة/ أميّ/الأمّي
    العمر/ العمري...وهذه أوحت للفكر أن ينطق ويكشف عن طلاسم الحروف والكلام..

    نأتي لما يذهل في عملية فنية تكرارية يبدل الشاعر بين كلمتين متشابهتين مختلفتين للمعنى ..
    فقلب الطفل/ وطفل القلب/..هنا تتجلى عظمة البناء والتراكيب المتينة المذهلة ..
    فَقَلْبُ الطِّفْلِ يُوهِينِي عَلَى أَثَرِ/ يحمل المعنى الجسدي الحسي الخارجي من خلال كلمة / أثر/والتي كانت تدعم المعنى الكلاسيكي الظاهر ويجعلنا في حدود عمل القلب كعضو جسدي نابض..بينما في عملية تبديلٍ بين الكلمتين
    / وَطِفْلُ الْقَلْبِ يُؤْوِينِي عَلَى حَذَرِ/ يتغير عبرها المعنى الظاهري ليصبح المعنى الذي يتداخل في عنصر الحس الباطني فيثير أكوام المشاعر والعواطف ليوقظ عبرها الذهن والتفكير وهذا يعززها من خلال كلمة / على حذر/
    عملية التبادل بين الكلمتين أعطت الفكر ضوءً أحمرا كي يقف أمامهما متأملاً منقباً عن أسرار وتجاويف الحروف البارعة.. وهذا البناء كان مدروساً متقناً أوحاه لنا الشاعر كي نستكشف عذوبة اللغة وإمكانية التلاعب بها وفق جمالياتها ووفق قدرة الشاعر البارعة في ترتيب النسيج اللغوي في ثوب شعري ممتع بما يخدم المعنى المراد..

    وقد تكرر في القصيدة كلمة طفل خمس مرات..
    وهذا يوجهنا إلى مرحلة الطفولة التي كان لها الأثر الكبير في معاناة الشاعر وأوجاعه وتأثيره بها حتى الآن..والتكرار لهذه الكلمة يدل على أن الشاعر ما زال يعيش على أنفاس ذكرياته المؤلمة..

    نأتي لتكرار الفعل المضارع المنغمس بالنون الخاصة بأنا الشاعر..
    والمضارع الذي يدعم القصيدة بالاستمرارية لأثارة الأحداث فيها وما كان من تأثير في نفسه في غربة عن نفسه وأمه ووطنه...
    هذه الأفعال عملت على إحياء القصيدة إذ هي في زمن ما زال أثره مستمرا..تفتح نوافذ الحياة والتجدد..
    سأذكر بعض منها/ فتدنيني/ تطعمني/تسقيني/ تناديني/ تناجيني/ يوهيني/ يؤويني/ يبكيني/الخ...
    كلها تعطي معزوفة موسيقية تطرب لها الآذان والأرواح..
    وكل هذا التكرار فيه تأكيدا على شأن أمه وتأثير طفولته وغربته بأنواعها..وهذا تنويع في البنية اللغوية والأساليب التي زادت من جمالية القصيدة..وتعتبر علامات فارقة في النظم الشعري..إذ هي عناصر تمنح الكلام موسيقى خارجية عذبة..وتثير عاطفة أكثر قوة في الانفعال..

    في هذه القصيدة المعبرة التي وجدنا فيها متنفساً عظيما للشاعر ..جاءت تحرك مفردات اللغة وفق الحس الداخلي والخارجي ووفق الفكر الناضج والوعي لحروفها..فالترابط والاتقان مع روح النص جاء يوسع بؤرة المعنى الإشاري الذي يشير فيه الشاعر لدلالات عدة..كالحنين للأم وغربة النفس والوطن وغيرها..
    من لوحة الشاعر البارعة استطاع الشاعر أن يفرد لنا لغة عميقة متوهحة ربطت بينه وبين الواقع المرير وعلاقته بأمه التي هي الوطن..من خلال هذا الوعي اللغوي بقيمة التراكيب البنائية للكلمة في صور ومفردات حية..سيطر الشاعر على اللغة سيطرة شديدة..حتى انقادت له الألفاظ وموسيقاها العذبة كأداة أداء تبهر المتلقي في تنويع حروفها وتنظيمها بانسيابية وسلاسة تدل على حرفية الشاعر وقدراته الفذة..

    الشاعر الكبير المفكر البارع المبدع
    أ.د.سمير العمري
    بورك هذا القلم العظيم الذي يدل على عبقريتكم في تخطيط البناء اللغوي وأبعاده التي حملت سبل التأويل على أوسع مدى
    من خلال جماليات القصيدة وعذوبتها كنا نكاشف في كل مرة درجات الإبداع بالمستوى العالي جدا فتطرب النفوس بتلقيها وتدارسها..
    جزاكم الله كل الخير وزادكم بسطة من العلم والنور الكثير


    جهاد بدران
    فلسطينية

  2. #2
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 55
    المشاركات : 40,245
    المواضيع : 1079
    الردود : 40245
    المعدل اليومي : 6.50

    افتراضي

    قراءة عميقة ودقيقة وتناول كبير لجوانب كثيرة من هذه القصيدة بقراءة حصيفة ورؤية واضحة حكيمة جعلتني أقف متأملا هذا الجهد الكبير وهذا التناول الكريم وهذه العبقرية النقدية المدهشة التي أمتن لها كثيرا وأثني عليها أكثر!
    وهنا رأيت ما أحب من تناول للمعنى وللمبنى وأهمية الربط بينهما لاستجلاء آفاق النص الأدبي فكنت هنا أكثر من رائعة وكانت لك وقفات ذكية على مواضع مهمة وعميقة في النص فشكرا لك من القلب وجزاك الله خيرا ولا حرمني وشعري منك ومن أمثالك من الأدباء الكرام والنقاد المبدعين!
    دام دفعك!
    ودمت بألف خير وعافية!

    تقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي