أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: العمليات الخاصة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دراسة نقدية

  1. #1
    الصورة الرمزية علاء سعد حسن أديب
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    المشاركات : 461
    المواضيع : 48
    الردود : 461
    المعدل اليومي : 0.13

    افتراضي العمليات الخاصة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دراسة نقدية

    ​العمليات الخاصة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
    دراسة نقدية استدلالية


    يُسميها بعض الكُتَّاب عمليات الاغتيال، ويتطرَّف آخرون فيطلقون عليها الاغتيالات السياسية.. وبعض رواة المغازي يلقِّبونها بالسرايا، كسرية عبد الله بن أُنيس، وهو وصف له وجاهته حيث يأتي متّسقًا مع السياق العام لغزوات وسرايا رسول الله، الأمر الذي فرضته طبيعة المرحلة، إنَّها حرب طويلة مريرة فرضها أعداء الإسلام على المسلمين. فما هو الفرق بين سريّة يرسلها رسول الله ﷺ للإغارة على عدّو يُعدّ عُدّته لمداهمة المدينة، وبين إرسال سريّة محدودة العدد للقيام بعملية محدودة للغاية؛ تستهدف قائدًا من قادة الأعداء يُجهِّز جيشًا، أو يجمع أتباعًا أو يؤلّف حلفًا لمداهمة المدينة؟! في الحالة الأولى قد تتعرَّض سريّة المسلمين لبعض الخسائر، ويتعرَّض جيش العدّو كذلك لمقدار من الخسائر سيزيد غالبًا عن شخص القائد.. في الحالة الثانية التي تستهدف القائد بمفرده تكون عملية محدودة الخطر، قليلة الخسائر، عظيمة الأثر، وبقتل الزعيم يتفرَّق الجمع، فهي سرايا أو عمليات تستهدف في المقام الأول حقن الدماء، وحفظ الأرواح، وإطفاء نار حرب موشكة النشوب.
    ولعلَّه يكون من المناسب أن أُطلق على تلك المهمّات الخمسة[1] التي كَلَّف بها النبي صحابته لاستهداف قيادات العدو، وكذلك العمليّتين[2] اللتين نُفِّذتا دون إذنٍ مسبق: (العمليّات الخاصة).. وهي تسمية معاصرة تعرفها الجيوش النظاميّة وتُكلَّف بها فرق الكوماندوز، لا سيّما أنَّك لن تجد في سيرة رسول الله حادثة واحدة نُفَّذت بهذه الطريقة قبل أن يصبح للمسلمين دولة وجيش، هي عمليات كوماندوز إذن تمَّت بتكليفٍ من القيادة؛ ونفَّذها بعض أفراد جيش المسلمين.
    هذه العمليات الخاصة الموضوعيّة المحدودة لا تُعطي أيّ مُسوّغ شرعي لما عُرف فيما بعد بعمليات الاغتيال، وهذا ما سنُبيّنه بالاستدلال لاحقًا..
    على أنّنا يجب أن ننوه في المقدمة على عدّة اعتبارات منها:
    أنَّ نسبة هذه العمليّات السبعة جدّ محدودة في مقابل عدد غزوات الرسول البالغة –في أغلب الآراء- سبعة وعشرين غزوة، عدا السرايا التي اختلف كُتَّاب السيرة بين كونها أربعين أو سبعين سريّة[3]، وإذا أخذنا بالعدد الأدنى للسرايا، فإن نسبة ما تمثله العمليّات الخاصّة لم تتجاوز عشرة في المائة من غزوات وسرايا النبي، وعلى ذلك فهي لا تُمثِّل خطًّا ثابتًا في عسكريّة الرسول، ولم يتمّ اللجوء إليها إلا في ظروف خاصّة ومحدودة جدًّا.
    الحرب والقتال ليس مطلبًا إسلاميًّا مفضَّلا، وإنَّما هو تشريع اقتضته الضرورة البشريّة الاجتماعيّة وفق قوله تعالى: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" البقرة 251.. وعلى الذين يُطنطنون حول حروب وغزوات الرسول أن يجيبوا عن أسئلة من نوعيّة: من الذي بدأ بمعاداة المسلمين وتعذيبهم وإيذائهم والسخرية منهم؟ من الذي عذَّب بلال بن رباح في بطحاء مكة؟ وعذَّب خبَّاب بن الأرت حتّى بقيت آثار التعذيب على جسده أكثر من عشرة أعوام؟ من الذي قتل سُمية أول شهيدٍ في الإسلام؟ ومن آذى رسول الله؛ وتآمر على قتله حتى ألجأه إلى مغادرة موطنه؟
    لماذا تأخّر ردّ المسلمين على حرب الاستئصال التي شنَّتها قريش على عقيدتهم وأنفسهم أكثر من ثلاثة عشر عامًا كاملة؟
    الحرب في الإسلام لم تكن اختيارًا أوّلا للمسلمين في بدر؛ ولا في أُحد؛ ولا في الأحزاب؛ ولا مع يهود بني قينقاع؛ ولا يهود بني النضير؛ ولا يهود بني قُريظة، ولا في فتح مكة، ففي كلّ غزوة من هذه الغزوات، كان تحرُّك المسلمين إمَّا ردًّا لعدوان، أو مواجهة حالة من حالات نقض العهد! وفي غزوات وسرايا أخرى كانت إجهاضًا لتحرُّك يقوم به الأعداء لمداهمة المدينة، كبني المصطَلَق، ومؤتة، وتبوك، أو تصفية لجيوب المقاتلين والمتربِّصين من الأعداء كحُنين، والطائف، أو تصفية لنفوذ اليهود ومواجهة خطرهم وتحرشهم وممالئتهم لأعداء المسلمين على مختلف الجبهات؛ كخيبر.. وهذه الغزوات الثلاثة عشر هي الغزوات المفصليّة الكبرى في حياة النبي، بل إنَّ باقي غزوات النبي لم يحدث فيها قتال، وكُتَّاب المغازي يعدُّون: الحديبية وعُمرة القضاء في عدَّة غزوات الرسول! وعمومًا لم تشذّ أسباب غزوة من الغزوات عن إحباط محاولة تجمّع العدو لمداهمة المدينة.
    لقد أبقى رسول الله ﷺ على حياة نحو سبعين من صناديد قريش ومنهم مجرمي حرب، أُسروا في بدر، لما اختار الفدية على القتل، على أنَّ سياقات الزمان والمكان والبيئة كانت حاكمة، ولو أَوجدت البيئة العربية حِلفًا يُنتصر فيه للمظلوم، وتُردّ فيه المظالم، ويُدافع بموجبه عن الضعيف، ويكفّ أيدي القوي ويمنعه من الاعتداء، مثل مواثيق وأحلاف الدول المعاصرة، ومثل المنظَّمات العالميّة الموكّلة بهذه الشؤون الآن، لكان رسول الله والمسلمون أول المنضوين تحت لوائه، فهو القائل: "حلفٌ في الجاهلية لو دعيت به في الإسلام لأجبت![4]" والرسول الأمين هو صاحب الخُطَّة السلميّة عندما قال في الطريق إلى الحُديبية: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطّة يُعظِّمون بها حُرمات الله إلا أعطيتهم إياها[5]"، خيار السلم إذن كان خيارًا استراتيجيًّا عند رسول الله ﷺ قبل الحديبية، ولم يكن قبولا اضطرارايًّا للصلح!
    والحرب في الإسلام ليست حربًا على العقيدة، وإنَّما حرب لأسباب موضوعيّة نابعة في الأساس من موقف غير المسلمين من التعايش معهم، فالإسلام أطلق حُريّة العقيدة في الحياة الدنيا بوضوح، فقال تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" البقرة256، ومنهج الإسلام أساسًا يرفع التكليف عن المُكرَه، فمن نطق بكلمة الكُفر مُكرهًا وهو مؤمن بقلبه، يظلّ على إيمانه لقوله تعالى: "إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ" النحل106.. فكيف له أن يقبل كلمة إيمان من مُكرهٍ لا يطمئنّ بها قلبه؟! لا يَلزمُ الإسلامُ شخصًا نطق بالشهادتين، لم ينطق بهما إلا والسيف على رقبته، أو فوّهة المدفع في صدره، وإنَّما يَلزمه من رضي به دينًا واطمأنّ له والتزم بتعاليمه قدر استطاعته.
    موقف السيرة النبويّة من قتل المرأة:
    قال النبي ﷺ: "لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلا، ولا امرأة"[6]. و عن ابن عمر قال: "وُجدَت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان"[7]. وعن أنس "أنّ رسول الله ﷺ قال: انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضُموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إنَّ الله يحب المحسنين"[8]. وورد النهي عن قتل المرأة والشيخ الكبير والأطفال عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما[9]. وعِلَّة النهي عن قتل المرأة أنَّها لا تقاتل، كما جاء في حديث رياح بن ربيع تعقيب النبي على قتل امرأة: ما كانت هذه لتقاتل[10]. فماذا يصنع الإسلام إذا تحوَّلت المرأة إلى مُقاتلة شرسة؟ وماذا يفعل العالم المعاصر بعد خمسة عشر قرنًا من تعاليم الإسلام مع المرأة المقاتلة في الجيوش الغربيّة أو الشرقيّة؟! إنَّ عالم العسكريّة اليوم لا يُصنِّف البشر إلى رجل وامرأة، وإنَّما يصنِّفهم إلى مدنيّين وعسكريّين.. فهل عجيب على الإسلام أن يضع هذا التصنيف قبل قرون؟! ألم تقاتل المرأة المشركة يوم أحد؟! "عندما التف جيش قريش حول جيش المسلمين، وصاح فرسانهم صيحة عرف بها المشركون المنهزمون التطور الجديد، فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت امرأة منهم هي عمرة بنت علقمة الحارثيّة فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب، فالتفّ حوله المشركون، وتنادوا حتّى اجتمعوا على المسلمين الذين أُحيط بهم بين شقيّ الرَّحى[11].
    ولمثل هذه المواقف التي قاتلت فيها المرأة، أو حرَّضت، أو أكْرت المقاتلين المرتزقة ليقتلوا المسلمين نظير أموال تبذلها لهم، أهدر النبي -عندما فتح مكة وقال لمشركيها بعدما عذَّبوه وأخرجوه وقاتلوه: اذهبوا فأنتم الطُلقاء- دم عشرة من مجرمي الحرب ولو تعلَّقوا بأستار الكعبة، منهم أربع من النساء، فلقد تشاركن مع مجرمي قريش كونهنّ مجرمات حرب[12]!
    دراسة حوادث السيرة بين التبرير والاستدلال والفهم:
    مواقف السيرة الثابتة تامّة التوثيق بالأسانيد المعتمدة في علوم الحديث، مواقف منتهية، حدثت بالفعل وصارت مواقف حاكمة. ومواقف تشريع في ذات الوقت. فالسُّنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وتعريف السُّنة هي قول النبي وفعله وإقراره.. جمع علم الحديث أقواله، وتكفَّلت السيرة برواية الأفعال والإقرار، وجاء فيها شيء من الأقوال. فالثابت من مواقف السيرة تشريع. لأنّه جزء من السُّنة المصدر الثاني للتشريع، وتشريع أيضًا لإقرار القرآن لها -وكان القرآن يتنزَّل-، وكذلك السُّنة التشريعيّة الثابتة متّصلة السند قطعيّة الثبوت والدلالة تشريعٌ من وجهين، لكونها سُّنة، ولإقرار القرآن الكريم لها، فالذين يُنكرون حُجيّة السُّنة الثابتة في التشريع، يُنكرون إقرار القرآن الكريم لها، فلو جاء فيها أو في السيرة ما يخالف منهج القرآن، لأنزل الله تعالى قرآنًا يُتلى إلى يوم الدين يُصوِّب الأقوال أو الأعمال، كقوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَۖتَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَۚوَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" التحريم1، ولو سكت القرآن عن تحريم النبي على نفسه العسل، فربما استنّ به بعض أتباعه فحرَّموا العسل أو غيره من حلال الطعام والشراب على أنفسهم.. مواقف السيرة المرجعيّة تلك -وإن بدا شيءٌ منها صادمًا أو غريبًا في ثقافة اليوم- هي مواقف تأسيسيّة حاكمة، تستطيع أن تقول عنها بثقة: هذا هو ديننا، وبالتالي هي مواقف لا تقبل التبرير، أو التخفيف من حدِّتها -إن بدا في بعضها حدّة ما من وجهة نظر معاصرة- ومع ذلك يجب أن تُفهم في سياقها التاريخي المراعي لعنصري الزمن والبيئة، وكل ما نبذله في تحرّي الدقّة من الاستدلال من تلك المواقف؛ يعتمد على صحة ثبوت الرواية من عدمه سندًا -بصرف النظر عن المتن- ومحاولة فهم الملابسات التاريخيّة المؤثِّرة على الموقف، للخروج باستدلالٍ دقيق يناسب عصرًا مختلفًا ومتقدّمًا كثيرًا عن زمن حدوث الواقعة. تلك قاعدة يجب مراعاتها عند محاولة الاستدلال من مواقف السيرة المشرَّفة، حتى لا يُزايد دارسٌ ما على موقف يرى فيه في ضوء ثقافة عصر مغاير، أنَّه كان موقفًا غير رحيم، فيحاول الالتفاف عليه وتبريره بغير مبرر، أو يفضِّل حجبه عن أعين الدارسين.. أو يتطرَّف في الجهة المقابلة متشدّدٌ ما فيُنزل الحادثة على الواقع المعاصر دون الأخذ في الحسبان مستجدّات الوسائل التي تتيح لك الوصول لذات الهدف دون سلوك نفس طرق الماضي.
    وقبل أن نستعرض وقائع العمليّات الخاصّة التي حدثت على عهد النبي، نطرح سؤالا: لمّا كانت هذه العمليّات من الدقّة والنجاعة بحيث تُطفئ نار الحرب وتحقن دماء البشر من الطرفين؛ لماذا لم يستخدمها النبي مع كل زعماء القبائل التي واجهته في الحروب؛ كأبي جهل، وأبي سفيان، وقادة قبائل اليهود الثلاثة الذين نقضوا العهد بالمدينة، وغيرهم؟ ونترك إجابة السؤال إلى نهاية الدراسة.
    وقائع العمليّات الخاصّة على عهد النبي:
    أولا: عصماء بنت مروان:
    تحت يزيد بن زيد الخطمي وقاتلها عُمير بن عدي الخطمي.. ذكر هذه القصة أهل السير والمغازي، واستشهد بها شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول، وابن قيّم الجوزية في زاد المعاد، وغيرهما على قتل من سبّ النبي ﷺ، يقول ابن تيمية: ما روي عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ، فقال: من لي بها، فقال رجل من قومها: أنا يارسول الله، فنهض فقتلها، فأخبر النبي ﷺ فقال: لا ينتطح فيها عنزان. وقد ذكر بعض أصحاب المغازي وغيرهم قصتها مبسوطة. وهذا خبر موضوع، رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (856) والخطيب في "التاريخ" (13/99) وابن عساكر في "تاريخه" (51/224) وابن عمر الحربي في "فوائده" (50) كلهم من طريق محمد بن الحجاج اللَّخمي أبو إبراهيم الواسطي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وهذا إسناد باطل، وخبر موضوع؛ فراوية محمد بن الحجاج قال عنها البخاري: مُنكَر الحديث. وقال ابن معين: كذّاب خبيث، وقال الدارقطني: كذَّاب، وقال– مُرَّة: ليس بثقة[13]. وقال ابن عدي: "محمد بن الحجاج وضع حديث المرأة التي كانت تهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا قتلت قال: لا تنتطح فيها عنزان"[14]. والحديث ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في "الضعيفة" (6013) وقال: "موضوع". ورواه الواقدي في "المغازي" (ص173) ومن طريقه القضاعي (858) وفيه زيادة تدلّ على أن عصماء كانت تحرِّض على النبي، وأنَّ عميرَ بن عدي الخطمي نذر لله قتلها إن عاد النبي من بدر، فقتلها وأقره النبي ودعا له بخير. وهذا إسناد تالف، الواقدي -وهو محمد بن عمر بن واقد-: قال الإمام أحمد: هو كذَّاب، يقلب الأحاديث، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال – مرة: لا يُكتب حديثه، وقال البخاري وأبو حاتم: متروك، وقال أبو حاتم أيضًا والنسائي: يضع الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه، وقال ابن المديني: الواقدي يضع الحديث[15]. وقال النسائي: "الكذَّابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة والواقدي ببغداد ومقاتل بخراسان ومحمد بن سعيد بالشام"[16]. وقال الحافظ الذهبي: "واستقر الإجماع على وهن الواقدي"، حتّى ابن تيمية نفسه عقَّب على إيراد روايته بقوله: ويُكثر من ذلك إكثارًا يُنسب لأجله إلى المجازفة في الرواية وعدم الضبط، فلم يمكن الاحتجاج بما ينفرد به[17]! فهل تصلح رواية ظنيّة الثبوت مثل هذه الرواية لاستخراج حكم شرعيّ سواء بقتل شاتم النبي أو غيره من الأحكام؟! على أنَّ الواقدي الكذَّاب نفسه جعل من علّة أسباب القتل التحريض ضدّ النبي وليس مجرد الشتم والهجاء.
    ثانياً: مقتل أبي عفك اليهودي:
    قال الواقدي: أنَّ أبا عفك اليهودي كان يقول الشعر في هجو الرسول. وفي ليلة حارّة نام أبو عفك بفناء منزله، وعلم سالم به، فأقبل إليه ووضع سيفه على كبده فقتله[18]. ويكفي شكًّا في هذه الرواية أن ينفرد بروايتها الواقدي الكذَّاب الوضَّاع مرسلة!
    ثالثاً: مقتل كعب بن الأشرف:
    أخرج البخاري في صحيحه، باب قتل كعب بن الأشرف عن جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ: «من لكعب بن الأشرف فإنه قد أذى الله ورسوله» فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فأذن لي أن أقول شيئًا، قال: قُل فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إنَّ هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضًا، والله لتملنه. قال: أنَّا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلِّفنا. قال: نعم، أرهنوني. قلت: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم. فقالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسبّ أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأمة، قال سفيان: يعني السلاح، فواعده أن يأتيه ليلا، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتًا كأنَّه يقطر منه الدم. قال: إنَّما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إنَّ الكريم لو دُعي إلى طعنه بليل لأجاب. قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، فقال: إذا ما جاء فإني مائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، وقال مرة: ثم أشمكم، فنزل إليهم متوشّحًا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا أي أطيب. وقال غير عمر، وقال: عندي أعطر نساء العرب، وأجمل العرب. قال عمرو: فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه، ثم أشَمَّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه[19]. وزاد محمد بن إسحاق في روايته: وجعل يحرِّض على قتال رسول الله ﷺ وينشد الأشعار، ويندب من قتل من المشركين يوم بدر[20]. قال ابن جرير: وزعم الواقدي أنهم جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول الله ﷺ[21]. وإني لأعجب والله من بعض كُتَّاب سيرة النبي المعاصرين، يريدون الانتصار لسيرته فيعتمدون على روايات الواقدي الكذَّاب، يتجاهلون رأي أهل العلم والحديث فيه، طالما وافقت رواياته أهواءهم يؤسِّسون لفكر الدم، فرسول الله الذي نهى عن المثلة بحزم ووضوح، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ، اُغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا... الحديث "[22]. هل يسمح بأن يلقوا رأس كعب أو غيره أمامه أو في يده؟! أم أنَّها الصورة الذهنية التي يُراد لناشئتنا أن يتشرَّبوها فيتربّوا وجدانيًّا على العنف ويطربوا للدماء، وتُغذّي مخيلتهم خيالات قطع الرؤوس، فتلهب عواطفهم وحماستهم، ثمّ يتمّ توظيفهم بعد ذلك للإضرار بالمسلمين وإلصاق تهمة العنف والتدمير بدينهم؟!
    رابعاً: مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق:
    قال ابن إسحاق‏:‏ ولما انقضى شأن الخندق وأمْر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحقيق -وهو أبو رافع- فيمن حزَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ، وكانت الأوس قبل أُحد قد قتلت كعب بن الأشرف، فاستأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم‏[23]. عن البراء قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمَّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ويُعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس يسرحهم قال عبدالله: اجلسوا مكانكم فإني منطلق متلطِّف للبوّاب لعلّي أن أدخل. فأقبل حتّى دنا من الباب ثم تقنَّع بثوبه كأنَّه يقضي حاجته وقد دخل الناس، فهتف به البوّاب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فإني أريد أن أُغلق الباب فدخلت فكمنت، فلمَّا دخل الناس أغلق الباب ثم علَّق الأغاليق على ودّ. قال: فقمت إلى الأقاليد وأخذتها وفتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلّما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل، فقلت: إنَّ القوم نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتّى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيتٍ مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت. قلت أبا رافع، فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف ضربة وأنا دَهش، فما أغنيت شيئًا، وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمّك الويل إنَّ رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتّى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتّى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أنّي قد انتهيت، فوقعت في ليلة مُقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة حتّى انطلقت حتّى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتّى أعلم أقتلته. فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع ناصر أهل الحجاز. فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدَّثته فقال: "ابسط رجلك". فبسطتُ رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط[24].
    خامسًا: مقتل خالد بن سفيان الهذلي:
    روى الإمام أحمد[25]، وأبو داود في سننه[26] -واللفظ له- من طريق عبد الله بن عبد الله بن أُنيس عن أبيه، قال: "بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِىِّ -وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ- فَقَالَ: (اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ). فَرَأَيْتُهُ وَحَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا إِنْ أُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فَانْطَلَقْتُ أَمْشِى وَأَنَا أُصَلِّى، أُومِئُ إِيمَاءً نَحْوَهُ. فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ قَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ؛ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَاكَ. قَالَ: إِنِّي لَفِي ذَاكَ. فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتَّى بَرَدَ [أي مات])[27]. وليس في الحديث أي إشارة إلى قطع رأس خالد بن سفيان وحملها، كما في الروايات غير المسندة التي ترد في بعض كتب المغازي!
    سادسًا: قتل ابن سنينة:
    قال محمد بن إسحاق في حديثه عن محمد بن مسلمة قال: فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعد والله؛ فليس بها يهودي إلا ويخاف على نفسه. وروى بإسناده عن محيصة أن رسول الله قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذا ذاك لم يُسلم وكان أسنّ من محيصة فلما قتله جعل يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته أما والله لرُّب شحم في بطنك من ماله فو الله إن كان لأول إسلام حويصة فقال محيصة: فقلت له: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك. فقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلني؟ فقال محيصة: نعم والله. فقال حويصة: والله إن دينا بلغ هذا منك لعجب[28]. قال ابن إسحاق: حدّثني بهذا الحديث مولى لبني حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها[29]. ولم أجد في سند هذه الرواية ما يقطع بثبوتها[30]!
    سابعًا: غزوة ابن أبي حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجشمي
    (قال ابن إسحاق:‏ وغزوة ابن أبي حدرد الأسلمي الغابة. ‏‏وكان من حديثها فيما بلغني عمن لا أتّهم، عن ابن أبي حدرد، قال:‏......)
    ثم يروي رواية مفادها باختصار: أنَّ رفاعة بن قيس الجشمي وكان مسموعًا في بني جشم أخذ يجمع القبائل لقتال رسول الله، فأرسل له النبي ابن أبي حدرد ورجلين معه لقتله، وأنَّه قتله وأصاب كثيرًا من النَعم. يقول ابن إسحاق: "فيما بلغني عمن لا أتّهم"، فهل هذا سند في الرواية يُعوَّل عليه[31]؟!
    ملحوظات عامة:
    عدد العمليّات الخاصّة التي أمكن حصرها من كتب السيرة النبوية والمغازي قديمها وحديثها هو سبع عمليّات؛ لم تثبت منها بالرواية متّصلة السند -على شرط أهل الحديث- إلا ثلاثٌ فقط، وإنَّ أربعًا من هذه الوقائع غير قطعيّة الثبوت.
    سنعوِّل في دراستنا على الوقائع الثلاث قطعيّة الثبوت دون غيرها، منعًا للاستدلال الخاطئ، فلا يمكن بناء رأي قطعي على رواية ظنيّة.
    هذه العمليّات اقتصر القيام بها في الفترة من بعد غزوة بدر إلى صلح الحديبية، فلم تتمّ واحدة منها والمسلمون جماعة في مكَّة لا دولة لهم ولا جيش.
    هذه العمليّات قطعيّ الرواية منها والظنيّ، لم تستهدف مسلمًا أقرّ بالشهادتين ولو كان منافقًا معلوم النفاق بالوحي المنزَّل على رسول الله ﷺ.
    لم تستهدف هذه العمليّات مُعاهدًا مقيمًا في حدود مجتمع ودولة النبي، بحيث إذا نقض عهدًا أمكن محاكمته إلى وثيقة المدينة المبرمة بين النبي الكريم والمعاهدين من يهود ووثنيّين.. وقد كان كعب بن الأشرف -على خلاف بين الرواة هل كان معاهدًا أم لا- يقيم في حصن كعب بن الأشرف خلف سور ممّا يُعتبر خارج حدود سُلطة المسلمين على المدينة.
    لم تستهدف هذه العمليّات مشركًا ولا يهوديًّا بسبب عقيدته، فلقد عايش اليهود المعاهدون النبي والمسلمين في المدينة، فلم يحاربهم المسلمون، إلا بعدما بدأوا هم بنقض العهد، بل لم يأخذ بني النضير بجريرة بني قينقاع؛ وهكذا.. ووفَد أبو سفيان على المدينة محاولا تمديد مدَّة صلح الحُديبية بعد غدر حُلفائهم بني بكر بخزاعة حلفاء المسلمين، فلم يُجَب إلى طلبه، ولم يُستهدف من قِبل المسلمين.. فهذه العمليّات لم تستهدف سوى الزعماء الذين جمعوا لحرب المسلمين، وبقتلهم تَفرَّق جمعهم.
    لم يثبت في رواية واحدة متّصلة السند -بشروط أهل علم الحديث- أنَّ سرايا رسول الله ﷺ في تلك العمليّات الخاصّة قطعت رأس أحد المقتولين، ولا جاءت بها إلى النبي.
    الاستدلال:
    لم تبدأ هذه العمليّات قبل أن يكون للنبي دولة وجيش[32]! حتّى لا يُشيّع الأعداء: أنَّ هذه عصابة تقتل الناس، وحتّى يكون للمسلمين كيان واضح المعالم والبنيان يشتمل على مساحة جغرافيّة وساكنة، ومجتمع وعلاقات اجتماعيّة، وقوانين ووثائق تنظِّم هذه العلاقات الاجتماعيّة. وحتّى تكون هناك سلطة وجيش يحمي المنفِّذين. فلم ينشأ مجتمع رسول الله ﷺ في الفراغ، ولم تقم سلطته على فريق من المجتمع يعيش ضمن حدود وأعراف وتقاليد وقوانين مجتمع أكبر كما كان الحال في مكّة، لكنَّ مجتمع النبي وسلطته قامت على التحالف الواضح مع عدد كبير له وجاهته الاجتماعيّة وسلطته الاعتباريّة داخل المدينة هم الأنصار، وبذلك اتّخذ الكيان الجديد المسلم؛ شرعيّة وجوده الواقعيّ؛ من قوّة أعراف المجتمع العربي المحيط ذاته. "وإنما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت الأليق به...... فلما استقرّوا بالمدينة، ووافاهم رسول الله ﷺ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواۚوَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" الحج39" [33]، ولم تبدأ العمليّات الخاصّة إلا بعد أول غزوة كبرى خاضها المسلمون في مواجهة قريش.. ومن هنا نستدلّ بما استدلّ به العلماء على أنَّ القتال في الإسلام مهمّة الأُمّة تحت قيادة حاكم –إمام- ولواء، فليس الجهاد في الإسلام عمل فرديّ يقوم به البعض دون إذن وليّ الأمر، ويوم يحدث التنازع على سلطة وليّ الأمر ذاته؛ فلا بدّ أوّلا من حسم قضيّة الإمارة، قبل القيام بعمليّات عشوائيّة هنا وهناك بدعوى الجهاد في سبيل الله.. ونتطرَّق من هذا الاستدلال للإجابة على سؤال: هل يُقرّ الإسلام الإرهاب؟ كيف لا وقد نزل النص القرآني الصريح بقوله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ" الأنفال60؟ هنا يجب أن أقرّر مطمئنًّا أنَّه لا إرهاب في الإسلام، والآية الكريمة تأمر المسلمين -مجتمعًا وأُمّة- أن تُحقِّق نظريّة الردْع الإستراتيجي وفق المفهوم السياسي والعسكري، بتحقيق توازن القوى الذي يمنع العدو من الإقدام على العدوان خوفًا من العواقب، فالمخاطَب بالإعداد في الآية هم الأُمّة في ظلال غزوة بدر، والخطاب عسكريّ بامتياز، لا يختصّ بأفراد المسلمين، والأمر بالردع موجَّه فيها إلى أعداء الأُمّة، مثل قوله تعالى: "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ" البقرة194، فليس المخاطَب بالأمر؛ المسلم الفرد دون توجيهٍ من ولي أمر تُجمع عليه الأمة، ولا هو موجّه لردع مسلم آخر -ينطق بالشهادتين- يختلف معه في الرؤية، أو الفكر، أو ينازعه السلطان، ولو كان عاصيًا.
    كان عبد الله بن أُبي بن سلول منافقًا معلوم النفاق نزلت فيه وفي أتباعه سورة المنافقون، ووصفهم الله تعالى بالنفاق والفسق وعدم العلم، ووعدهم بعدم المغفرة، لقد حاول ابن سلول شقّ صفّ جيش المسلمين وهم في غزوة بني المصطَلق، ثم أشاع حديث الإفك؛ أو نوَّه به في عِرض رسول الله، ولقد انسحب قبل ذلك بثلث جيش المسلمين في أحلك اللحظات، قُبيل غزوة أُحد، وبعدما تحرَّك الجيش خارجًا من المدينة.. إنَّ كلّ جريمة من هذه الجرائم كانت كفيلة بالقضاء على المجتمع الناشئ والدولة الناشئة للمسلمين، ماذا لو تعرَّض المسلمون لهزيمة ساحقة ماحقة في أُحد بسبب انسحاب ثلث الجيش؟ هل كانت ستقوم للإسلام بعد ذلك قائمة؟! فهل أضرّ المسلمين رجلٌ مثل هذا الضرر في تاريخ الإسلام كلّه يتخفَّى خلف نُطْق الشهادتين؟ إنّ أيّ قائد عسكريّ اليوم ينسحب بوحدته من أرض المعركة، لا بدّ أن يُحاكم بالقوانين العسكريّة، ويُعدم رميًا بالرصاص في الميدان، ورغم ذلك لم يأمر النبي ﷺ بقتله، وقال: بل نترفَّق به ونحسن صحبته ما صحبنا[34]، وقال لعمر: لا تُحدِّث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه[35]. ولم يكتفِ النبي بحقن دماء المنافقين، بل حفظ أعراضهم إذ لم يُخبر بأسمائهم وأسرَّ بها إلى حذيفة بن اليمان وحده[36]! هذا فعل النبي الذي عليه أُنزل القرآن؛ وفي آياته البيّنات أنَّهم في الدرك الأسفل من النار، ووصفهم تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ" المنافقون3، وحذَّر منهم: "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ" المنافقون4، إنَّ فعل النبي ﷺ مع المنافقين أبلغ ردّ على كلّ من تسوّل له نفسه استباحة حُرمة الدماء تحت أيّ دعوى من الدعاوى، وليبقَ السؤال أمام عينيه دائمًا قائمًا: هل يوجد في مسلمي اليوم من أهم أشدّ شقاقًا لرسول الله ولدين الله من ابن سلول وجماعته؟!
    لم تستهدف العمليّات الخاصّة معاهدًا ولا مستأمنًا ولا سفيرًا ولا مُفاوِضًا، ولم تستهدف مسالمًا وإنِّما محرِّضًا على قتال المسلمين وفي قتله حقن لدماء الطرفين، فما هي حُجّة من يستبيح قتل غير المسلم على عقيدته أمام الله وأمام الناس؟ وكيف له أن يستحلّ ما لم يُحلَّه الله تعالى له ولم يأمر به النبي ﷺ، ولا أقرّه؟!
    لم تحدث عمليّة واحدة داخل حدود مجتمع المسلمين في وجود حلفائهم من غير المسلمين، فكانت كلها عمليّات أقرب إلى ضربات استباقيّة في معسكرات جيوش الأعداء.. وذلك يأتي مستقيمًا مع منهج منع القيام بتلك العمليّات الخاصّة، قبل بسط السلطة على المجتمع، كما بسطنا في الاستدلال رقم (1)، فالخارج عن النظام تحت ولاية سلطة الإسلام ومجتمعه تتمّ محاكمته بدلا من تصفيته خارج القانون. على أن تكون المحاكمة عادلة يتمتَّع فيها المتّهم بقدرته على الدفاع عن نفسه، لقد أفشى الصحابي حاطب بن أبي بلتعة سرّ تحرُّك جيش رسول الله إلى مكَّة، وهو بمثابة إفشاء أسرار عسكريّة، يستحقّ المتّهم به في عالم اليوم محاكمة عسكريّة، وحكمًا نافذًا بالإعدام إن ثبتت إدانته، ولقد ثبتت إدانة حاطب، لكنَّه اعتذر بحرج موقفه وموقف آل بيته داخل مكة، فأقال النبي عثرته، وعفا عنه.
    يجب ملاحظة نُدرة هذه العمليّات جدًّا مقارنة بعدد غزوات وسرايا النبي، ففي مقابل سبع وعشرين غزوة وعشرات السرايا، تمّ تنفيذ عدد محدود للغاية من العمليّات الخاصّة.. رغم أنَّها أسهل تنفيذًا وأقل كلفة مقارنة بالغزو، فمن الواضح أنَّ اللجوء إليها كان بحذرٍ شديدٍ جدًّا وفي ظروف خاصّة قاسية.
    الخلاصة أنَّ العمليات الخاصّة عمل عسكريّ استخباراتيّ مشترك، موضعيّ ونادر، واضطراريّ، موَجَّه لمسعري الحروب، أو من يسمَّون مجرمي أو تُجَّار الحرب، لوأد فتنة قبل اشتعالها، وإيقاف حرب قبل اندلاعها. لم يستخدمها النبي مع زعماء المشركين الذين اتّحدت إرادة أتباعهم على حرب المسلمين، لأنّ قتل الزعيم في هذه الحالة لن يوقف الحرب، بل يحمل لواء الحرب زعيمٌ جديد، وأنَّه لا يمكن الاستناد إليها بحالٍ من الأحوال لإباحة تصفية الخصوم السياسيّين، ولا المسلمين العصاة، ولا غير المسلمين ما لم يكونوا دُعاة حرب ضد الإسلام وأُمّته ودولته المقامة، بأمرٍ من ولي أمر مُعترفٌ به. وما عدا ذلك فهي عمليّات اغتيال سياسيّ يقوم بها المتعصّبون أو المتحمّسون وفق قواعد وقوانين السياسة بغير سند شرعيّ، ولا مرجعيّة ما يمكن الرجوع إليها في سيرة رسول الله، إلا بقبول الروايات الموضوعة والتدليس فيها وبها، لإثبات نظريّات بشريّة، وإكسابها صفة قداسة هي منها براء.

    علاء سعد حميده
    عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية


    [1] - عدد العمليات قطعية الثبوت في السيرة ثلاث عمليات فقط!

    [2] - وهما عمليتان رويتا في كتب السيرة دون إسناد مقبول بشروط الحديث الصحيح

    [3] - قال الحافظ في الفتح في آخر باب المغازي أن مجموع الغزوات والسرايا مائة.

    [4] - حديث مرفوع أخرجه البيهقي

    [5] - المباركفوري، الرحيق المختوم، ص 326

    [6] - رواه أبو داود، في سننه.

    [7] - رواه الجماعة إلا النسائي .

    [8] - رواه أبو داود.

    [9] - المغني لابن قدامة» كتاب الجهاد» مسألة الإمام إذا ظفر بالكفار لم يجز أن يقتل صبيا لم يبلغ» فصل لا تقتل امرأة ولا شيخ في دار الحرب

    [10] - من الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود.

    [11] المباركفوري- الرحيق المختوم ص 256 باختصار يسير.

    [12] - راجع السيرة الحلبية ج3 ص81، وتاريخ الخميس ج2 ص90 عنه، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص33.

    [13] - ميزان الاعتدال (3 /509).

    [14] - من "الموضوعات" لابن الجوزي (3 /18)

    [15] - ميزان الاعتدال" (3 /663)

    [16] - من "تهذيب التهذيب" (9 /163)

    [17] - شيخ الإسلام بن تيمية- الصارم المسلول على شاتم الرسول ص98

    [18] - ابن تيمية-الصارم المسلول على من شتم الرسول ص105 باختصار– منير الغضبان-المنهج الحركي للسيرة ج2.1 ص 347

    [19] - ابن كثير- البداية والنهاية الجزء الرابع- مقتل كعب بن الأشرف وابن القيم- زاد المعاد ص391 من حديث البخاري رقم4037 ومسلم رقم4664

    [20] - البداية والنهاية باختصار

    [21] - المصدر السابق

    [22] - رواهُ مسلم (1731).

    [23] - أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 4/ 158‏)

    [24] - تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة

    [25] - (16047)

    [26] - (1249)

    [27] - والحديث سكت عنه الإمام أبو داود، وقد قال في "رسالته إلى أهل مكة" (ص: 27): "مَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح". وصححه ابن خزيمة في "صحيحه" (982)، وابن حبان في "صحيحه" (7160)، وحسَّن إسناده النووي في "خلاصة الأحكام" (2/750)، والعراقي في "طرح التثريب" (3/150)، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/437). وقال الحافظ ابن كثير: "إسناده لا بأس به" إرشاد الفقيه (1/188)- وفي البداية والنهاية لابن كثير الجزء الرابع، زيادة عن العصا التي اعطاها إياه النبي مكافأة له عند عودته.

    [28] - أورده ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول ص231-232 دون اسناد وقد عزاه إلى محمد بن إسحاق، ولم أقف على سند لهذه الرواية.

    [29] - ابن كثير- البداية والنهاية ص335، ثم قال: وحكى ابن هشام ، عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو المدني أن هذه القصة كانت بعد مقتل بني قريظة، وأن المقتول كان كعب بن يهوذا فلما قتله محيصة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة قال له أخوه حويصة ما قال، فرد عليه محيصة بما تقدم، فأسلم حويصة يومئذ. فالله أعلم .

    [30] - أوردها ابن هشام في سيرته ج3ص19 نقلا عن تاريخ الطبري 2/491وتاريخ الإسلام المغازي

    [31] - قال يعقوب بن شيبة : سمعت ابن نمير - وذكر ابن إسحاق – فقال :
    إذا حدَّث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق ، وإنما أُتي من أنه يحدِّث عن المجهولين أحاديث باطلة- موقع الاسلام سؤال وجواب- المشرف العام الشيخ محمد بن صالح المنجد https://islamqa.info/ar/148009

    [32][32] - بعض المتخصصين في علوم السياسة يعتبرون مصطلح الدولة مصطلحا حديثًا لم يظهر ربما إلا بعد الثورة الفرنسية أو نحو ذلك، رغم أن عناصر الدولة كانت موجودة عبر التاريخ بوجود سلطة تبسط هيمنتها على نطاق جغرافي من الأرض يقيم عليها مجتمع من السكان، ووما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم آلت إليه قيادة سلطة المدينة وما حولها.

    [33] - تفسير ابن كثير باختصار

    [34] - حديث مرفوع – دلائل النبوة للبيهقي رقم1439

    [35] - حديث البخاري

    [36] - "سير أعلام النبلاء" (2 / 362-364)
    هل تكفيني كلمة أحبك وأنا أقتات على حبك!روحي تحيا بحبك،قلبي يدق به، حياتي لحبك

  2. #2
    الصورة الرمزية مازن لبابيدي شاعر
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Mar 2008
    الدولة : أبو ظبي
    العمر : 59
    المشاركات : 8,590
    المواضيع : 145
    الردود : 8590
    المعدل اليومي : 2.03

    افتراضي

    بارك الله فيك أستاذ علاء حميدة

    دراسة موفقة عالجت بها موضوعا حساسا وهاما من مواضيع السيرة النبوية الشريفة .

    لي ملاحظتان إن أذنت لي :

    1- تشبيه حلف الجاهلية لنصرة الضعفاء لا يشبه المنظمات الدولية الآن ولا يمكن القياس عليه فيما أرى ، فالمنظمات الدولية اليوم ظالمة ولا تنصر الضعيف بل هي على العكس أداة في يد الأقوياء لممارسة الضغوط على الضعفاء وإحكام السيطرة على مقدراتهم باسم السلام العالمي الذي لا يتمتع بها إلا اللاعبون الكبار ومن خضع لهم ، بينما يتم سحق الضعفاء بنفس هذه الأحلاف والمنظمات إذا طالبوا بحريتهم وأراضيهم وحقوقهم . لقد كان للعرب في جاهليتهم أخلاق وقيم يحترمونها وأشهر حرم وبيت حرام ، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنه سيجيب مثل ذلك الحلف فذلك لثقته بنبل الغاية منه وعدالته المنشودة .

    2 - استخدمت أستاذي مصطلح "الإرهاب" في مقالك بقولك "..
    هنا يجب أن أقرّر مطمئنًّا أنَّه لا إرهاب في الإسلام .."
    وهذا مصطلح تم نحته من قبل أعداء الإسلام أساس وجميعنا نعلم من وماذا يعنون به وفيم يوظفونه ، فهل ننساق نحن لمسماهم ونستخدمه ، ولا أعلم في أي معنى أردته في مقالك حتى خلصت إلى نتيجة أنه "لا إرهاب في الإسلام" .
    هل أردت به "جريمة القتل"
    "جريمة الاغتيال السياسي"
    "الدفاع عن النفس"
    "الدفاع عن الوطن"
    وغيرها وغيرها ...
    كما ترى هنا أسماء كثيرة ولكل منها معنى ، فهل لدينا نحن المسلمين تعريف لكلمة الإرهاب حتى نقول أنه لا إرهاب في الإسلام ؟ إن كان فجئنا بالدليل الشرعي واللغوي .

    ولك الشكر والتقدير أستاذي الكريم

    يا شام إني والأقدار مبرمة /// ما لي سواك قبيل الموت منقلب

  3. #3
    الصورة الرمزية علاء سعد حسن أديب
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    المشاركات : 461
    المواضيع : 48
    الردود : 461
    المعدل اليومي : 0.13

    افتراضي

    سيدي الدكتور مازن الحبيب
    شكرا لاهتمامك بمتابعة البحث وقراءته والتدقيق فيه وإثارة نقاش حوله.. فأفضل أعمالنا تلك التي تثير النقاش ولا تمر مرور الكرام كأنها بلا وزن ولا قيمة ولا جديد..

    أولا حضرتك تعلم الغرض الرئيس من طرح هذا البحث في هذا المكان المحترم .. ولا بأس من إدارة نقاش راقٍ حول بعض ما جاء فيه..

    ثانيا: أبدأ من النقطة أو الملاحظة الثانية الخاصة بتعريف الإرهاب وتوظيف المصطلح..

    ولا يخفى على فطنتكم أن للفظ في اللغة العربية استخدامات ثلاثة استخدام لغوي أو معنى لغوي، ومدلول اصطلاحي، ومفهوم شرعي إن كانت لفظة ذات دلالة شرعية..
    ووسَّع الأصوليون المدلول الاصطلاحي للمصطلحات فقالوا: لا مشاحة في الاصطلاح.. حيث المهم هو المعنى أو المفهوم أكثر من التركيز على المصطلح ذاته..

    ودون الخوض في حديث اصطلاحي أصولي ذي مرجعية شرعية متخصصة حيث كوني باحثا ولست من طلاب علم الفقه والشريعة.. فالحديث الأصولي لا أحسنه ولا أجيد فيه..
    ورد لفظ الإرهاب في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم) سورة الأنفال.. والمعنى الإصطلاحي المقصود هنا بلغة السياسة والعسكرية المعاصرة هو تحقيق استراتيجية الردع أو ما يعرف بين الأمم بتوازن القوى الذي يمنع من يفكر في الاعتداء من تنفيذ مخططاته..
    الإرهاب القرآني المذكور هنا بمفهوم مغاير تماما عن مفهوم الإرهاب الفكري أو الجريمة السياسية أو الجريمة على خلفية عقائدية، وهو في العموم إرهاب أمة أو توازن قوى لدى الأمة وليس لدى ذئاب منفردة داخل الأمة أو خارجها!
    وفي الحديث "نصرت بالرعب مسيرة كذا) هو الإرعاب الرباني الذي يزلزل به الله تعالى قلوب المرجفين، وليس كون النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة للعالمين مرعبا -حاشاه- وهو الحليم المشهود له بالرأفة والرحمة!!

    توظيف المصطلح إذن لم يكن مجاراة لما يصطلح عليه غرب أو شرق وإنما لأنه مفهوم في سياقه أنه الإرهاب الفردي وأظنه مجرَّم في كل شرع وفي كل قانون وفي الذوق السليم وفي الطبائع البشرية وليس له أبدا علاقة بالجهاد دون العرض أو المال أو النفس أو الأرض أو الدين فذلك جهاد محسوم بنصوص قرآنية ثابتة لا يجرؤ كائن من كان من التعرض لها أو إنكارها أو التقليل من قيمتها وأهميتها..

    بل الدراسة نفسها أثبتت لجيش النبي صلى الله عليه وسلم ومخابراته وفِرق العمليات الخاصة فيه تنفيذه تلك العمليات لاجهاض محاولات العدو الاعتداء على الأمة المؤمنة.. وفق مفهوم خيار القوة أو الردع الاستراتيجي..

    لعلي أكون قد وفقت في توضيح المقصود

    مع خالص التحية والعرفان

  4. #4
    الصورة الرمزية مازن لبابيدي شاعر
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Mar 2008
    الدولة : أبو ظبي
    العمر : 59
    المشاركات : 8,590
    المواضيع : 145
    الردود : 8590
    المعدل اليومي : 2.03

    افتراضي

    بارك الله لنا فيك أستاذ علاء
    واضح قصدك أستاذي وأفهمه تماما ، وقد كان البحث كله دليلا على ما تفضلت به مشكورا .
    غير أن استعمال كلمة إرهاب دون تقييد سيفهم حتما بالمعنى الاصطلاحي السياسي المعاصر الذي وظف هذه الكلمة وصادرها للمعنى الخاص الذي أرادوه وجعلوه مسوغا لقتل المسلمين وقصفهم وإبادتهم الجماعية العسكريين منهم والمدنيين . بالنسبة لهم وما يفهم من تصريحاتهم وما نرى من ممارساتهم كلمة "إرهاب" هي رديف للإسلام ، وهذا هو المفهوم الذي يريدون تلقيمه لشعوب العالم . علموا أنهم لا يستطيعون استعداء شعوبهم ولا شعوب العالم على الإسلام بالتصريح فغلفوا كلمة إسلام بمحفظة - أشبه بكبسولة سهلة البلغ - يسهل تناولها وروجوا لها ، وللأسف حتى حكوماتنا وشعوبنا ونخبنا معظمهم ابتلعوا هذه الكبسولة ، فأما غير المسلمين فقد هضموها وأما المسلمين فقد غصوا بها ولم يعرفوا لها دواء .

    هذا فقط ما أردت لفت نظركم الكريم إليه .

    ولكم جزيل الشكر لما أثريتم مكتبتنا بهذه الأبحاث القيمة

  5. #5
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,183
    المواضيع : 57
    الردود : 1183
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علاء سعد حسن مشاهدة المشاركة
    سيدي الدكتور مازن الحبيب
    شكرا لاهتمامك بمتابعة البحث وقراءته والتدقيق فيه وإثارة نقاش حوله.. فأفضل أعمالنا تلك التي تثير النقاش ولا تمر مرور الكرام كأنها بلا وزن ولا قيمة ولا جديد..

    أولا حضرتك تعلم الغرض الرئيس من طرح هذا البحث في هذا المكان المحترم .. ولا بأس من إدارة نقاش راقٍ حول بعض ما جاء فيه..

    ثانيا: أبدأ من النقطة أو الملاحظة الثانية الخاصة بتعريف الإرهاب وتوظيف المصطلح..

    ولا يخفى على فطنتكم أن للفظ في اللغة العربية استخدامات ثلاثة استخدام لغوي أو معنى لغوي، ومدلول اصطلاحي، ومفهوم شرعي إن كانت لفظة ذات دلالة شرعية..
    ووسَّع الأصوليون المدلول الاصطلاحي للمصطلحات فقالوا: لا مشاحة في الاصطلاح.. حيث المهم هو المعنى أو المفهوم أكثر من التركيز على المصطلح ذاته..

    ودون الخوض في حديث اصطلاحي أصولي ذي مرجعية شرعية متخصصة حيث كوني باحثا ولست من طلاب علم الفقه والشريعة.. فالحديث الأصولي لا أحسنه ولا أجيد فيه..
    ورد لفظ الإرهاب في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم) سورة الأنفال.. والمعنى الإصطلاحي المقصود هنا بلغة السياسة والعسكرية المعاصرة هو تحقيق استراتيجية الردع أو ما يعرف بين الأمم بتوازن القوى الذي يمنع من يفكر في الاعتداء من تنفيذ مخططاته..
    الإرهاب القرآني المذكور هنا بمفهوم مغاير تماما عن مفهوم الإرهاب الفكري أو الجريمة السياسية أو الجريمة على خلفية عقائدية، وهو في العموم إرهاب أمة أو توازن قوى لدى الأمة وليس لدى ذئاب منفردة داخل الأمة أو خارجها!
    وفي الحديث "نصرت بالرعب مسيرة كذا) هو الإرعاب الرباني الذي يزلزل به الله تعالى قلوب المرجفين، وليس كون النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة للعالمين مرعبا -حاشاه- وهو الحليم المشهود له بالرأفة والرحمة!!

    توظيف المصطلح إذن لم يكن مجاراة لما يصطلح عليه غرب أو شرق وإنما لأنه مفهوم في سياقه أنه الإرهاب الفردي وأظنه مجرَّم في كل شرع وفي كل قانون وفي الذوق السليم وفي الطبائع البشرية وليس له أبدا علاقة بالجهاد دون العرض أو المال أو النفس أو الأرض أو الدين فذلك جهاد محسوم بنصوص قرآنية ثابتة لا يجرؤ كائن من كان من التعرض لها أو إنكارها أو التقليل من قيمتها وأهميتها..

    بل الدراسة نفسها أثبتت لجيش النبي صلى الله عليه وسلم ومخابراته وفِرق العمليات الخاصة فيه تنفيذه تلك العمليات لاجهاض محاولات العدو الاعتداء على الأمة المؤمنة.. وفق مفهوم خيار القوة أو الردع الاستراتيجي..

    لعلي أكون قد وفقت في توضيح المقصود

    مع خالص التحية والعرفان
    توضيح بليغ وفَطِن أقترح دمج بعضه في متن المقال وخاصة الفقرة"
    الإرهاب القرآني المذكور هنا بمفهوم مغاير تماما عن مفهوم الإرهاب الفكري أو الجريمة السياسية أو الجريمة على خلفية عقائدية، وهو في العموم إرهاب أمة أو توازن قوى لدى الأمة وليس لدى ذئاب منفردة داخل الأمة أو خارجها!
    وفي الحديث "نصرت بالرعب مسيرة كذا) هو الإرعاب الرباني الذي يزلزل به الله تعالى قلوب المرجفين، وليس كون النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة للعالمين مرعبا -حاشاه- وهو الحليم المشهود له بالرأفة والرحمة!!
    توظيف المصطلح إذن لم يكن مجاراة لما يصطلح عليه غرب أو شرق وإنما لأنه مفهوم في سياقه أنه الإرهاب الفردي وأظنه مجرَّم في كل شرع وفي كل قانون وفي الذوق السليم وفي الطبائع البشرية وليس له أبدا علاقة بالجهاد دون العرض أو المال أو النفس أو الأرض أو الدين فذلك جهاد محسوم بنصوص قرآنية ثابتة لا يجرؤ كائن من كان من التعرض لها أو إنكارها أو التقليل من قيمتها وأهميتها.."

    تحيتي