براءة

بَــرَاءَةٌ مِــنْ ضَــمِيرِ الْــقُدْسِ يَــا حَــلَبُ
إِلَــى الَّــذِيــنَ تَــنَــاسَوْا أَنَّــهُــمْ عَــرَبُ

إِنْ لَــمْ تَهُبُّوا لِكَفِّ الْبُؤْسِ عَنْ وَطَنِي
فَــلَا تَــكُونُوا يَــدَيْ بَــأْسٍ لِــمَا ارْتَكَبُوا

وَإِنْ تَــجَــنَّــتْ عَــلَــيــكُمْ رُوحُ مُــنْــهَزِمٍ
فَــلَا تَــجَنَّوا عَــلَى الأَحْــرارِ مَا احْتَسَبُوا

يَا مَنْ يُمَارِي عَنِ الْأَعْدَاءِ قُلْ لَكَ هَلْ
يَــوْمَ الْــحِسَابِ يُــمَارِي عَــنْكَ مَا يَقِبُ

لَــقَــدْ تَــجَــاوَزْتَ حَــدَّ الــخَائِنِينَ إِلَــى
حَــيْثُ الـخِيَانَةُ تَــخْزَى مِــنْكَ وَالــثَّلَبُ

وَمَـــا فِــلَــسْطِينُ إِلَّا شَــوْكَــةٌ قَــلَــعَتْ
عَــيْــنَ الــطُّــغَــاةِ وَإِلَّا لَــيْــثَــةٌ تَــــثِــبُ

مَــهْــمَــا تَــنَــاهَبَتِ الْأَوْبَـــاشُ عِــزَّتَــهَا
فَــسَوْفَ تُــرْجِعُ بِــاسْمِ الحَقِّ مَا نَهَبُوا

إِنَّـــا الــصَّــنَادِيدُ فِـــي أَصْــلَابِــنَا أَمَــلٌ
يَــحْمِي الــدِّيَارَ وَفِــي أَرْوَاحِــنَا غَــضَبُ

إِنَّــا الأُبَــاةُ فَــلَا يُــغْرِي الــمُنَى رَغَــبٌ
الــصَّامِدُونَ فَــلَا يُــغْوِي الــنُّهَى رَهَبُ

فَـلَا الْــبَــنَادِقُ فِــي رَاحَــاتِنَا صَــدِئَتْ
وَلَا الــبَــيَادِقُ فِــي سَــاحَــاتِنَا تَــعِــبُوا

وَلَا نُـسَــاوِمُ فِــي بَــحْــرٍ وَفِـــي نَــهَــرٍ
وَلَــوْ تَــوَاطَأَ فِــي الْــبَحْرَيْنِ مَــنْ ذَهَــبُوا

وَالْــقُدْسُ قِــبْلَةُ طُــهْرٍ أُقْــحُوَانُ هُــدَى
وَلَــنْ يُــدَنِّسَ أَرْضَ الــطُّهْرِ مُــغْتَصبُ

نَــظَــلُّ فِــيــهَا قَــنَادِيلَ ارْتَــقَتْ سَــدَفًا
وَنَــبْذُلُ الــرُّوحَ إِنْ مِــنْ سُورِهَا اقْتَرَبُوا

بِــئْسَ الْــعُرُوشُ الَّــتِي تَــزْهُو عَلَى ضَعَةٍ
رَأْسًـــا عَــلَــينَا وَلَــكِنْ لِــلْعِدَى ذَنَــبُ

سَــاسُوا الــرِّقَابَ لِأَمْــرِيكَا وَمَــا عَــلِمُوا
أَنَّـــا نَــجَاهِدُ بِــاسْمِ اللَّهِ مَــنْ كَــذَبُوا

وَكَـمْ دَهَــتْهُمْ خُــطُوبٌ بِــالـهَوانِ فَــمَا
ثَــابُوا إِلَــى الرُّشْدِ فِي خَطْبٍ وَلَا وَثَبُوا

لَــوْ كَـــانَ فِــيــهِمْ بَـقَــايَا نَــخْوَةٍ وَدَمٍ
لَــمَــا اسْــتَـطَابُوا بِــأَنْ يُــلْحَوا وَيُـحْتَلَبُوا

وَلَــوْ تَــسَاقَوا سَـجَايا بَــعْضِ مَـنْ خَــجِلُوا
لَأَعْـرَبَ الـوَجْهُ فِــيهِمْ بَعْضَ مَا يَجِبُ

إِذَا الــمَعَانِي اِسْتَعَارَتْ سَرْجَ مَنْ جَهِلُوا
فَــلَيْسَ يَــفْصُحُ فِـيهَا الــعَيْبُ وَالــعَتَبُ

وَمَــنْ جَــنَى الــعَهْرَ فِــيمَا يَــدَّعِي شَرَفًا
يُــبَــرِّر الــعَــهْرَ لَـــنْ يَــعِــيَا بِـــهِ سَــبَبُ

وَنَــحْــنُ شَـعْبٌ عَـزِيزٌ لَــيْسَ يُــخْضِعُنَا
فَــقْــرٌ وَلَا يَــشْــتَرِيَ أَخْــلَاقَنَا الــذَّهَبُ

إِنْ قَــدَّرَ اللهُ رِزْقَ الــغَيْبِ مِــنْ سَــعَةٍ
فَـــلَا تِــرَمْبُ وَلَا كُــشْنِيرُ مَــنْ يَــهَبُ

وَصَــفْــقَةُ الْــقَرْنِ لَــيْسَتْ غَــيْرَ تَــصْدِيَةٍ
وَذَبْــحِ قُــرْبَى لِــكَيْ تَــرْضَاكُمُ النُّصُبُ

لَــكُــمْ سَــرَاوِيلُ مِــنْ قَــطْرَانِكُمْ وَلَــنَا
هَــــوَى فِــلَــسْــطِينَ أُمٌّ وَالــفِــدَاءُ أَبُ
.
.

قصيدة براءة.....
عندما نقرأ كلمة براءة منفردة وحدها بالعنوان، هذا ينقلنا إلى سورة التوبة التي تبدأ بكلمة براءة في القرآن الكريم، وبدون البسملة، هذا يدل على عظمة الحدث ورهبته وقوته وما فيه من العبر والدروس، حيث لا تجتمع الرحمة مع البراءة التي حملت غضب الله، والشاعر نقلنا لهذه المعالم لتوضيح إيقاعي عالي
لوضع علاقة المسلمين والعرب اليوم فيما بينهم، لكن بصورة تجسيدية مختلفة والمضمون الداخلي واحد لا يتجزأ..
هذا العنوان جاء محكماً حكيماً كي يجعلنا الشاعر نقارن بين طبقات المجتمع منذ ظهور الإسلام وما نتج من علاقة المسلمين بالمشركين، وبين عصرنا اليوم والذي يشبه الجاهلية من خلال علاقة المسلمين والعرب فيما بينهم وعلاقاتهم مع الفئات المختلفة أجنبية غربية مشركة ملحدة إلخ..
ويذكرنا العنوان بأن البراءة هي موقف صارم لا مراجعة فيه ولا تردد، مثل براءة الله ورسوله من المشركين، بحيث تحدد العلاقات النهائية بين المجتمع الإسلامي وبين المشركين بشكل صارم حين تم نقض العهد، بقوله تعالى:
" بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.. " [التوبة: 1 - 2] .."
هنا جاء أسلوب إيقاعي يتناسب مع عظمة الحدث وموضوع البراءة على هيئة إعلان عام من الله ورسوله لهؤلاء الذين ينقضون العهد..فما يكون مصير أمة كبارها وولاة أمرها ينقضون عهدهم مع الله ورسوله، أليس عاقبتهم وخيمة قريبة بانهيارهم وخسفهم عن وجه الأرض، وما يفعلونه بأرض الله وبالبشر في صفقاتهم مع المشركين والملحدين والذين يشبهون بعبادتهم وتصرفاتهم الجاهلية الأولى، لا فرق بينهم سوى القشور في ظاهرهم وأشكال النمط الحياتي اليوم الذي يختلف عن ذي قبل، ومن هذه الصفقات ونقض العهد مع الله ، صفقة القرن وما يتاجرونه من دماء العرب والمسلمين في المنامة.. أليست هذه الصفقات عار عليهم وسجلّ فاسد لتاريخهم؟؟ا!!

وفي هذه القصيدة كان الإيقاع التعبيري فيها يتناسب مع مضمون السورة القرآنية براءة، ومع موضوعها وجوّها الذي يطرح مجتمعات نقضت العهد مع ربها ومع شعوبها البريئة منهم..
السورة القرآنية بدأت بكلمة براءة من الله ورسوله، والقصيدة هذه أيضاً بدأت بلفظها الأول براءة، لكن البراءة هنا اختلفت معالمها وهي براءة من ضمير القدس لهؤلاء العرب الذين غيّروا مسار عروبتهم لقِبلة الغرب ونسخ الفكر العربي ومنهج حياتهم بما يتوافق مع الغرب، يعني انسلاخ تام عن عروبتهم..

بَرَاءَةٌ مِنْ ضَمِيرِ الْقُدْسِ يَا حَلَبُ
إِلَى الَّذِينَ تَنَاسَوْا أَنَّهُمْ عَرَبُ

عملية التوجيه والخطاب هنا كانت لمدينة حلب، والسؤال هنا ،لماذا اختار الشاعر عملية الربط بين مدينة القدس ومدينة حلب...؟؟!!
لم يكن الاختيار عشوائياً، او لحشو القصيدة، بل كان وفق ذكاء توظيفي يخدم صورة البراءة للعرب التي تجمع بينهم..
ولمعرفة سبب اختيار الشاعر لمدينة حلب، هو تاريخها الحافل،
فقد قيل عنها: "أن الله خصها بالبركة، وفضلها على جميع البلاد، وهي أقدم حاضرة في التاريخ، تنازعتها الإمبراطوريات، وتقاتل عليها الملوك، إما لأجلها بذاتها لأنها "ملكة الشرق"، أو لوقوعها على نقطة تجارية إستراتيجية في منتصف الطريق بين البحر المتوسط وبلاد ما بين النهرين، واصلة الشرق بالغرب. وقد تدمرت عدة مرات في التاريخ القديم، وغزاها الصليبيون وعاثوا فيها فسادا، ثم تعرضت لزلزال مدمر أزالها عن بكرة أبيها، وغزاها المغول وخربوها ودمروها، وبنى تيمورلنك من جماجم أهلها جبالا في غزو ثانٍ للتتار، وقامت في كل هذه المرات "...
وهي لا تنقص عن أهمية القدس، وقدسيتها وما يفعلون بها من تهجير الناس من بيوتهم، وزعمهم الهيكل المزعوم، وتدنيسهم لساحات الأقصى الشريف، والحفريات التي ما زالت قائمة، وتزييفهم للتاريخ لنسب القدس لهم واعتبارها مكانهم المقدس وليس للمسلمين بها شيء..
تخطيط محكم يجمع بين حلب والقدس، بمكانتهما الاستراتيجية وقدسيتهما المعهودة، وفوق كل ذلك عرب نيام مخدّرون وتبعية للغرب وللصهاينة، جنونية في انسلاخ عن كل المعايير والأثواب العربية المزيفة ...
لذلك الشاعر جعل البراءة من ضمير القدس، جعل الضمير هو الركيزة في البراءة، كناية عن أن القدس ما زالت تنبض حية باعتمادها على الضمير الذي يغربل الغث من السمين، فعندما يتحدث الضمير تصمت كل الأعضاء والأفواه إجلالاً له لنبضه الذي يحرّك جسد الأمة كلها..
لذلك كان توظيف كلمة الضمير من الشاعر لتحريك ضمائر الشعوب الغافلة والتي تعيش في سبات طويل نحو أشرف وأقدس بقعة في الأرض..

/إِلَى الَّذِينَ تَنَاسَوْا أَنَّهُمْ عَرَبُ/

الشاعر هنا بدقة ألفاظه واختياره المحكم للكلمات، قد اختار الفعل /تَنَاسَوْا/ وهذا الفعل يختلف عن فعل/ نسي/ فالفعل نسي يكون أقل وجعاً اذا نسي الإنسان ذكرياته أو بلاده او أهله أو أي شيء آخر..ففي النسيان تخفيف لحدة الأثر في النفس، وإن كان فيها أكثر من معنى..
أما فعل/ تناسى/ ففيه عملية التعمد بالنسيان، وهذه أبلغ وجعاً وأكثر جلداً للنفس، لأنه بتظاهره للنسيان وهو لا يستطيع النسيان، يكون في مراحل تعذيب للفكر والقلب والجوارح، ومتى يكون التناسي عملا فاعلا يجلد النفس؟؟؟!!
لا يكون التناسي محاولة للنسيان إذا قدم الإنسان على فعل خطير وارتكابه لفعل موجع لا يستطيع النوم من أثره، ولا يستطيع أن ينساه لعظمة ما ارتكب من ذنب في حق ذلك الأمر الذي يجلده بسياط من نار الضمير، بمعنى أن الشاعر أراد فعل / تناسوا/ قصدا منه، وذلك بما اقترفت أيديهم من إضاعة القدس وحلب وكل الوطن العربي الذين سببوا فيه الحروب والدمار وحرّكوا تكالب الصهاينة والغرب على بلادنا المقدسة، لذلك من أثر جرمهم وفعلتهم الدنيئة بما اغتصبوا من البلاد، يحاولون أن ينسوا فعلتهم هذه ليرتاحوا ولكن عظيم ما اقترفوه يحركهم ويعيد لذاكرتهم ما فعلوه، كالقاتل الذي يحاول نسيان جريمته فلا يستطيع، فلا يهنأ بنومه ولا بحياته، لأن روح القتيل تتبعه أينما كان، وهذا بالضبط ما حصل مع هؤلاء الطغاة الذين تلاحقهم القدس وحلب وكل بلاد العرب، وهي تذكرهم بفظاعة ما اقترفوه، حتى يزدادوا عذاباً ولا تهنأ لهم حياة، هذا إن كان للضمير لديهم بقية..!!!!
فتناسيهم أنهم عرب، كأن الشاعر أراد أيضا أن نعي أن هؤلاء الطغاة لو كان بيدهم محو عروبتهم وانتسابهم للعرب، واستبدال هويتهم لفعلوا، لكن هيهات وهم يحاولون بطريقة أخرى هي التبعية العمياء لولاة أمرهم الصهاينة والغرب..

إِنْ لَمْ تَهُبُّوا لِكَفِّ الْبُؤْسِ عَنْ وَطَنِي
فَلَا تَكُونُوا يَدَيْ بَأْسٍ لِمَا ارْتَكَبُوا

هنا استعمل الشاعر فعل المضارع/تهبّوا/ بدقة متناهية، بدلا من فعل تسرعوا أو تعملوا أو تتحركوا، وذلك من خلال تأثير الفعل في النفوس بشدة أكثر.. وكأن الشاعر أراد من هذا الفعل مسحة من التهديد، وعملية تحريك منفعلة لها سياط في النفس وأثر، وكأنه اشتقه من عمل الرياح وهبوبها، وهي تحمل معها الغبار والأوساخ وكل ما تجده أمامها، وجارفة لكل ما تجده أمامها..وهذا الفعل كناية عن فرز الغضب والشجب والاستنكار /إِنْ لَمْ تَهُبُّوا /فَلَا تَكُونُوا/..ثم الأفعال /وَإِنْ تَجَنَّتْ/فَلَا تَجَنَّوا/ وهي تحمل معها أداة شرط فيها نوع من التهديد.. وكأنه يشترط على قومه، إن لم تستطيعوا إزاحة ومنع البؤس والحزن عن وجه وطني، فلا تكونوا عوناً لهؤلاء الكفرة الطغاة الذين يساومون على الوطن وينكلوا به كل تنكيل، لأنكم حينها تصبحون شركاء في اغتصاب الأرض المقدسة..


نلاحظ في استخدام الشاعر بين كلمتي / البأس والبؤس/
أن البأس معناها العذاب الشديد/ والبؤس معناها فقر ومشقة/وبينهما جناس يصبغ على الجو حالة موسيقية تطرب الآذان والألسن حين ترديدها وفق سلم الحروف وما ينتج عنه من الجرس الموسيقي أثناء النطق فيهما وما يفعله حرف السين في الإيقاع المحبب للنفس..

/وَإِنْ تَجَنَّتْ عَلَيكُمْ رُوحُ مُنْهَزِمٍ
فَلَا تَجَنَّوا عَلَى الأَحْرارِ مَا احْتَسَبُوا /

كلمة روح تدل على إنسان يحمل كل صفات الإنسانية وما فيه من مشاعر حية...توظيف هذه الكلمة كان في محل اتقان وتدبير..لم يختار الشاعر مثلا كلمة نفس إنما وظف كلمة روح لأنها أعمّ للمشاعر والضمير والإنسانية، كأنه يريد أنْ يقول للأعداء أنّ ما تتدعون عليهم بالتجني، إنما هي روح منهزم ضعيفة أمام سلاحكم، فما يفيدكم من التجني منها إذا هي في محل انهزام وذلّة ولا تملك من القوة ما تملكونه، لذلك تجنيكم الأحرار هو اتهامهم بجناية لم يرتكبوها، واتهمتموهم باطلاً دون حجة أو إثبات..
فلا تتجنّوا عليهم، مجرد لهم قناعاتهم واحتسابهم بما تخططون وتفعلون ، ولهم آراءهم وظنهم بكم بلا سلاح..فلا تتجنوا عليهم من خلال همجية أفعالكم، لأنكم في تجنيكم ظلم واستبداد، ولا تملكون الدليل والحجة والإثبات ضدهم كي تتجنوا عليهم، وأما تجنيهم لكم هو خير لكم في إصلاحكم، ويحملون قناديل من الأدلة ما تدينكم...
الشاعر وظف فعل / تَجَنَّوا/ تَجَنَّتْ/كمعادلة عادلة ومنصفة لوصف هؤلاء الخونة، الفعل هذا حمل المعنى عليهم بدقة متناهية وبالشكل الذي ينصف خصالهم وفكرهم وسلوكهم...لذلك انتقاء الكلمات في محلها تعتبر عملية توظيف ذكائي مطلق يفي بالغرض على أوسع معانيه...

يَا مَنْ يُمَارِي عَنِ الْأَعْدَاءِ قُلْ لَكَ هَلْ
يَوْمَ الْحِسَابِ يُمَارِي عَنْكَ مَا يَقِبُ

/يا/ هي أداة نداء تصلح للقريب والبعيد، وهي أسلوب لغوي يلبّي الاستدعاء للمخاطبة من خلال نداء الشخص في الحالتين، لإثارة انتباه الشخص المُنادى من قبل الشخص المُنادي.. لتعطي قفزة بلاغية تفيد هزّ الضمائر العربية من الدفاع عن الأعداء والولاء لهم..
/يَا مَنْ يُمَارِي عَنِ الْأَعْدَاءِ / جملة النداء هذه يوجهها الشاعر لهؤلاء الطغاة من أبناء جلدتنا، الذين يجادلون ويدافعون عن الأعداء، وكأنهم نسخة أصلية عنهم، قد مُسحت معالمهم العربية والإسلامية من هويتهم، وقد تجنّدوا لصالحهم ولمصالحهم الدنيئة..
/يماري/ فعل مضارع فعله مستمر في الحاضر، وهذا توظيف دقيق للفعل لأن أثر الفعل وخواصه ما زالت موجودة حتى اللحظة، فهو لم يكن ماضيا وانتهى، بل ما زال قائما يحمل بين معانيه المماراة والظلم والجدال في الباطل عن الأعداء وكأنهم ليسوا عرباً..
جملة النداء هذه تحوّلت لفعل الأمر /قُلْ لَكَ هَلْ/..في الفعل الأمر /قُلْ/ عبارة عن فعلين أمرين داخل كلمة واحدة هي /قُلْ/ وهذا جمال أسلوبي لغوي متفرد لا يدركه ولا يستعمله إلا الكبار وعمالقة الشعر، لأن فعل..قُلْ..خدمتْ الشاعر وهو يأمر هؤلاء الذين يمارون عن الأعداء بالظلم، وأيضاً خدمتهم بأن يأمروا أنفسهم بالقول/قُلْ لَكَ/ وكأنه يقول لهم بأنْ تحدثوا مع أنفسكم لتعيدوا حساباتكم وتتفكروا بما جنيتم واقترفتم..
/قُلْ لَكَ هَلْ
يَوْمَ الْحِسَابِ يُمَارِي عَنْكَ مَا يَقِبُ/
وكأن الشاعر يريد صحوتهم والعودة عن غيّهم وظلمهم وعن اتباعهم لأعداء الله.. يوجههم ليوم تشخص فيه الأبصار، ليوم الحساب أمام الله، بأنهم لن يجدوا من يدافع عنهم من هؤلاء الطغاة..
الشاعر في ذكره /يَوْمَ الْحِسَابِ/ وكأنه يقول أن هؤلاء التبعة لن يعودوا عن غيهم مهما حدث من إقناعهم، لأن درجة العمى وصلت في كل مسامات أجسادهم وسيبقون كذلك حتى يوم الحساب، بمعنى، لن تستفيق ضمائرهم أبداً، لذلك لا نُشغل بالنا في إصلاحهم، لأن صلاحهم عقيم...

لَقَدْ تَجَاوَزْتَ حَدَّ الخَائِنِينَ إِلَى
حَيْثُ الْخِيَانَةُ تَخْزَى مِنْكَ وَالثَّلَبُ

في هذا البيت جاء ملخص لصفات هؤلاء الذين يدافعون عن الأعداء بالباطل، بأنهم ليسوا مجرد خونة ويتوبوا وربما يعودوا لضمائرهم، بل تعدوا عن مرحلة الخيانة حدّها بأبلغ منها، بما تحمل معها الخزي والعار وقد تلطخوا بعيوبهم وفظاعة أعمالهم..
نلاحظ في هذه الكلمات/الْخِيَانَةُ تَخْزَى مِنْكَ/ هي عملية تجديد للتفكر والتدبر في معالم كلمة الخيانة، وكيف هي تصبح محور فردي، وكأنه أخذها في مرحلة التأنيس ليكون لها دور في تصنيف الأشخاص وفهم حالاتهم، وهذه الالتفاتة والتوجه نحو كيان الخيانة، دليل على حجم البلاغة عند الشاعر وتحويلها كأداة في يده إلى أساليب فنية يشكّل عبرها مادته وخبرته الفنية من موهبة وثقافة وفكر ومكان وزمان وتجربة ورؤية تتبلور جميعها وتقدم صور إبداعية ذات إيقاع فني ينصهر في ذات المتلقي، ليشكل له نسيج خاص، له طبيعته وأثره المتبادل بين خلية الصور والتشابيه، وبين الرسم الفني المتلائم بين عروق الأساليب الفنية المختلفة.. وهنا كان من البلاغة أسلوباً فصيحاً بديعاً متميزاً...لتنخرط في دائرة المتعة في التذوق والمعايشة، وفي دراستها عند الكشف عن مكنون جماليتها بين السطور...

نلاحظ في هذين البيتين تغيّر صيغة المخاطبة من صيغة الجمع إلى صيغة المفرد، من خلال أفعال وضمائر وأسماء المفردة بدل صيغة الجمع..
مثل: يُمَارِي عَنْكَ /تَخْزَى مِنْكَ/قُلْ لَكَ /
بالرغم أنه كان يتحدث بصيغة الجماعة كقوله:
/إِلَى الَّذِينَ تَنَاسَوْا أَنَّهُمْ عَرَبُ/...
وهذا ينقلنا من صيغة التعميم لصيغة التخصيص، وكأنه أراد نبذة معينة من الخونة اليوم والتي هي أكثر خطورة ودهاء للأمة..ففي التخصيص تأثير أكبر، لتكون عملية التوجيه لهم بالمسؤولية أكثر..
ويكون الشاعر قد تلاعب بإتقان وبراعة في توظيف الحالتين بطريقة مذهلة لا تخطر على بال أحد إلا المبحر بعمق بين السطور .. وهذا نوع من توثيق الحروف فيما يخدم غرض إلقاء التهم لجميع الفئات العامة والخاصة، من رؤساء وقادة وملوك حتى يدرك العامة من جنود ومن عامة الشعب الذين يخونون بلادهم ركضاً وراء المصالح والمنافع الذاتية..
لذلك كان التخصيص موجهاً بليغاً لأفراد هم من يحرك الأوضاع لأسفل سافلين وأصحاب التلاعب مع لعبة السياسة الملطخة بمعايبهم.. فالخاصة والعامة جميعهم مشتركون في الإثم نحو الوطن..
بعدها ينتقل بنا الشاعر لفلسطين الحبيبة، التي هي بلده وموطنه الأصلي الذي ولد فيه.. والتي تعتبر المحك السياسي الذي يتدربون عليه بأصناف مختلفة من الظلم والطغيان.. حيث يقول:

وَمَا فِلَسْطِينُ إِلَّا شَوْكَةٌ قَلَعَتْ
عَيْنَ الطُّغَاةِ وَإِلَّا لَيْثَةٌ تَثِبُ

مَهْمَا تَنَاهَبَتِ الْأَوْباشُ عِزَّتَهَا
فَسَوْفَ تُرْجِعُ بِاسْمِ الحَقِّ مَا نَهَبُوا

فهو يرسم لنا قوة فلسطين والتي ما انحنت لعدو ولا انكسرت أمام كل المؤامرات التي تحاك لها من كل اتجاه..
فمهما نهبوا منها سوف تعود على أيدي قد توضأت بنور الله وبغير ذلك لن يتحقق عودة ماء وجهها..وهنا توجيه من الشاعر للأمة بأن تعود لدين ربها وتلتزم بتعاليمه حتى تسترد ما نهبوه منها ..
الشاعر هنا استعمل الفعل الماضي لفلسطين / قلعتْ/ ولم يستعمل الفعل المضارع/ تقلع/ وشتان ما بينهما من معاني ومعالم..فالفعل الماضي / قلعتْ/ يدل على زمن مضى وأحداث سجلها التاريخ قد مضت، حيث ينقلنا الشاعر لتاريخ فلسطين يوم أن كانت بأيدي قد توضأت من نور الله ودحرت كل الغزاة، زمن صلاح الدين الأيوبي وغيره من القادة المسلمين الذين قلعوا عيون ألدّ أعداء الدين.. لتكون هذه المرحلة تاريخاً نتعلم منه فنون التدبير والتخطيط في قلع عيون الطغاة يوم أن تكون العقيدة محرّك إيماني للأفعال وللإرادة في عملية الجهاد في سبيل الله.
لذلك كان الفعل الماضي فعلاً محركاً لتاريخ عريق وحضارة عظيمة لفلسطين، وفعلاً جعلنا نتدبر ونتفكر حدود هذا الفعل الذي نحركه وفق الأثر الذي يتركه ويشغله في أذهان المبصرين ..

لقد أعطت الصورة هذه، جمالاً وبلاغة من خلال تشبيهه لها بالشوكة التي قلعت عين الطغاة.. كناية عن قوتها.. و/ليثةٌ/ حين تضطر أن تدافع عن كيانها. فالشوكة والليثة، كناية عن تنوع في وسائل الدفاع عن أرض مقدسة.

فالتشبيه في القصيدة يعطيها منافذاً تدلي ببراعة الشاعر في قوله، وحذقه بصناعتها، وتُكرِمهُ بقوة لفظه وعلى موقعه من البلاغة والفصاحة وما يفتح عبرها الآفاق في التخيل والسبح في أعماق الفكر...

إِنَّا الصَّنَادِيدُ فِي أَصْلَابِنَا أَمَلٌ
يَحْمِي الدِّيَارَ وَفِي أَرْوَاحِنَا غَضَبُ

إِنَّا الأُبَاةُ فَلَا يُغْرِي المُنَى رَغَبٌ
الصَّامِدُونَ فَلَا يُغْوِي النُّهَى رَهَبُ

نلاحظ في كلمة/إِنَّا/
"إن: حرف توكيد ونصب
نا: ضمير متصل وقد أدغم في حرف التوكيد وهو مبني في محل نصب اسم إن.. والجملة بعدها في محل رفع خبر إن."
والمراد بهذه القاعدة عملية التوكيد التي تعود للجيل المختلف أجناساً في هذا الوقت الحاضر، والذي شبهنا بها الشاعر بـ
/الصَّنَادِيدُ/ ومعناها يتجلى بأكثر من معنى، كالأشداء، والأسياد والقادة الأبطال، والشرفاء، والشجعان..الخ

كلمة/ أَصْلَابِنَا / تعني الذرية القادمة من جيل المستقبل الذي هو يصبح الأمل في تحرير البلاد ومحو المحتل عن وجود هذه الأرض الطاهرة...
وتوظيف كلمة/أَرْوَاحِنَا/ وليس أجسادنا، كناية عن عظمة وقوة الذي يقاتل عدو الله، فعندما تقاتل الأرواح دليل على أنها امتلأت بنور الله الذي يدفعها بالجهاد نحو الوقوف أمام عدو الله، كالمجاهدين منذ عهد رسول الله وحتى اليوم، فالروح أصلب قوة من الجسد، وأقدر على مجابهة الطغاة.. لأن الروح هي التي تحمل الجسد، وهي التي تدفع به لتحركه كيف تشاء وفي حدود القدرة التي تملكها، ومثال على ذلك:
أن الجسد بلا روح، يكون في عداد الموتى، ترتخي كل مفاصل الجسد ولا تحرك ساكناً، ويصبح جسده ثقيلاً، وهذا ما نلمسه عند حملنا للميت.. بينما الروح التي عِلْمُها عند الله، هي التي تحمل الجسد وتدبّ فيه الحياة..
لذلك عملية توظيف الشاعر
/وَفِي أَرْوَاحِنَا غَضَبُ/ هي عملية الروح التي تحمل الأبطال من جيلنا اليوم، والذين لا يتقاعسون عن الدفاع عن فلسطين بكل ما يملكون، ومن جهة أخرى هي الروح التي في أصلابهم والتي تتغذى منهم على معالم الجهاد والغضب والحقد على أعداء الله، كي يولد جيلاً قد تشرّب من رحم القهر والألم صلابة وقوة، ليكون جيل التحرير مستقبلاً..
هذا ما قصده الشاعر في ازدواجية المعنى للروح..

فَلَا الْبَنَادِقُ فِي رَاحَاتِنَا صَدِئَتْ
وَلَا البَيَادِقُ فِي سَاحَاتِنَا تَعِبُوا

هذا البيت وما حمل بين جيوب الكلمات من جناس غير تام /الْبَنَادِقُ، البَيَادِقُ/ وبين /رَاحَاتِنَا، سَاحَاتِنَا/ وتكرار في حروف /لَا، فِي/ أضفى على القصيدة رونقاً خاصاً وجرساً موسيقياً أطرب الذائقة ومنحها القوة في تحريك المشاعر لتتجانس مع الحس الجمالي للمتلقي.

/وَلَا نُسَاوِمُ فِي بَحْرٍ وَفِي نَهَرٍ
وَلَوْ تَوَاطَأَ فِي الْبَحْرَيْنِ مَنْ ذَهَبُوا

وَالْقُدْسُ قِبْلَةُ طُهْرٍ أُقْحُوَانُ هُدَى
وَلَنْ يُدَنِّسَ أَرْضَ الطُّهْرِ مُغْتَصبُ

نَظَلُّ فِيهَا قَنَادِيلَ ارْتَقَتْ سَدَفًا
وَنَبْذُلُ الرُّوحَ إِنْ مِنْ سُورِهَا اقْتَرَبُوا/

تعلو نبرة الشاعر وغيرته على الإسراء والمعراج، أرض مقدسة مهبط الأنبياء والرسل ونقطة التقاء الأرض بالسماء من قبة الصخرة، أرض أنزل بها الله تعالى الصلاة ليربط قلوب البشر من خلالها بالسماء، أرض المنشر والمحشر، فأية عظمة وقدسية تمتلكها هذه الأرض المباركة والتي هي ملك جميع المسلمين والعرب.
الشاعر يصفها والقدس قبلة طهر وأقحوان هدى، ولن يستطيع أحد أن يدنسها، ولن يعمّر فيها ظالم مهما بسط جناحيه عليها وافترش فيها ينهل وينهب من خيراتها، لذلك لن نساوم فيها أي قمة أو مؤتمر تحت الطاولة أو فوقها، في البحرين، في البيت الأسود، أو أي مكان، لن نساوم على بحر أو نهر أو جدار، و/نَظَلُّ فِيهَا قَنَادِيلَ ارْتَقَتْ سَدَفًا/ التشبيه في هذه الصورة البارعة يدل على تراكيب فنية مطلقة الجمال، يشبه الشاعر نفسه وأهل فلسطين بالقناديل، والقنديل هو الذي يضيء عتمة الطريق في ظلمة الليل، والقنديل يصدر الضوء أكثر من أن يكون حرارة تحرق من شدة وهجه، بل هو يتلائم مع تلك الشخصيات الفلسطينية التي هدفها السامي منارة البلاد وضوء يفج عتمة الليل المدلهمّ الحالك بالظلمة، قناديل ترتقي فوق الليل وسواده وتستولي عليه كي تبقى ضياء لمن يتوه أو يضل الطريق.

/بِئْسَ الْعُرُوشُ الَّتِي تَزْهُو عَلَى ضَعَةٍ
رَأْسًا عَلَينَا وَلَكِنْ لِلْعِدَى ذَنَبُ

سَاسُوا الرِّقَابَ لِأَمْرِيكَا وَمَا عَلِمُوا
أَنَّا نَجَاهِدُ بِاسْمِ اللَّهِ مَنْ كَذَبُوا

وَكَمْ دَهَتْهُمْ خُطُوبٌ بِالهَوانِ فَمَا
ثَابُوا إِلَى الرُّشْدِ فِي خَطْبٍ وَلَا وَثَبُوا

لَوْ كَانَ فِيهِمْ بَقَايَا نَخْوَةٍ وَدَمٍ
لَمَا اسْتَطَابُوا بِأَنْ يُلْحَوا وَيُحْتَلَبُوا

وَلَوْ تَسَاقَوا سَجَايا بَعْضِ مَنْ خَجِلُوا
لَأَعْرَبَ الوَجْهُ فِيهِمْ بَعْضَ مَا يَجِبُ/

يذهب بنا الشاعر لتوضيح ما يحصل من تبعية وخيانة من رؤسائنا وحكامنا، الذين يظهرون وجهين من العمالة والتلاعب بالشعوب لصالح أمريكا والصهاينة، يستخدمون الخيانة وسيلة لكراسيّهم ومصالحهم، مقابل بيع ضمائرهم وأراضي هذه البلاد المقدسة، فكم من الأذناب ناخت تحت نعالهم، وكم من الساسة خضعت لأوامرهم، وقد نسوا بأن الله بالمرصاد لمن يمسّ هذه البقعة المقدسة، لن يتركها الله وقد مهّدها للأنبياء مهبطاً وعزز فيها ضياؤهم لتكون أرض النور والهداية.

/أَنَّا نَجَاهِدُ بِاسْمِ اللَّهِ مَنْ كَذَبُوا/ الشاعر استعمل فعل المضارع/نجاهد/وليس نقاتل، شتان ما بينهما، فالرسالة السماوية جاءت بالجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد له أسسه وقواعده ومنها لا قتل طفل ولا شيخ ولا امرأة، بل الجهاد لإعلاء كلمة الله ونشر دعوته وشريعته.
يصف الشاعر هؤلاء الخونة الذين محيت منهم النخوة وذهب دم وجوههم في الذل والهوان، ينساقون للطغاة ولرغباتهم الدنيئة بدافع المصلحة وبقاء مناصبهم والحفاظ على ثرواتهم التي لو صرفت على المسلمين لوسعتهم أضعافاً مضاعفة..

انتقاء الألفاظ هو دليل على براعة الشاعر ومهارته، للحفاظ على جودة قصيدته وإبراز قوتها وما تتجمل من تراكيب بنائية متينة.

/إِذَا المَعَانِي اِسْتَعَارَتْ سَرْجَ مَنْ جَهِلُوا
فَلَيْسَ يَفْصُحُ فِيهَا العَيْبُ وَالعَتَبُ

وَمَنْ جَنَى العَهْرَ فِيمَا يَدَّعِي شَرَفًا
يُبَرِّر العَهْرَ لَنْ يَعِيَا بِهِ سَبَبُ

وَنَحْنُ شَعْبٌ عَزِيزٌ لَيْسَ يُخْضِعُنَا
فَقْرٌ وَلَا يَشْتَرِيَ أَخْلَاقَنَا الذَّهَبُ /

في هذه الأبيات الثلاثة، يسيل شهد الحكمة ونور الموعظة والعبرة، فالحكمة وتوظيفها داخل النص الشعري، يرشدنا إلى التجارب التي مرّت بالشاعر ليبرز لنا خلاصة هذه التجارب بالاتعاظ والتعلم والتدبر والتأمل بمناحي الحياة. ومن يحمل الحكمة في حياته بمضامينها والعمل بها فقد حمل خيراً كثيراً. هذه الأبيات تلخص الثلاثة أهداف التي يسعى العدو والطغاة والساسة وحكامنا بتنفيذها على أمتنا، كي لا تقوم للشعب صحوة، ويسهل عليهم السيطرة عليهم، وهي:
1)التجهيل، ويرمز به الشاعر في البيت الأول من هذه الأبيات الثلاثة.
2)التضليل، ويرمز به في البيت الثاني عن طريق العهر وتطبيقه بعيداً عن معرفة الحق.
3)التجويع، والذي يرمز به في البيت الثالث.

/إِذَا المَعَانِي اِسْتَعَارَتْ سَرْجَ مَنْ جَهِلُوا
فَلَيْسَ يَفْصُحُ فِيهَا العَيْبُ وَالعَتَبُ /

الهدف الأول في هذا البيت، التجهيل:
إن كل منظومة كلامية منسقة ومركبة تركيبا سليماً، لابد وأنها محملة بمعاني تضيء للمتلقي وصاحبها درب الجهل، وترشد لسبل الحياة بكل اختلافها، وهذا ينقلنا لدروب العلم الذي هو نور وحياة للإنسان الذي يبحث عن الرفعة والسمو والجلال وطريق الحق، لكن ماذا لو تغيّب النور والفحوى من قنديل المعاني واحتل الجهل عنقه، حتما ستغلق أبواب النور وتحذف من الحياة الهداية، لأن طريقها مرتبط بالعلم، والعلم يسوقنا للتقرب من نور الله ثم السمو بالمكارم العظيمة.
فالشاعر هنا قدّم صورة شعرية نادرة متفردة من حيث استعارته للألفاظ البديعة أو من حيث توظيفه لجماليات التراكيب، كي يقدم لنا لوحة متميزة بالجديد من الصور الإبداعية.
لنتأمل ونتدبر جمالية هذا الصدر من هذا البيت، حيث المعاني التي تؤدي بنا للفهم والتفكر، لو /استعارت سرج من جهلوا/ والسرج هو مكان لتخبئة الأشياء والاحتفاظ بها، بمعنى أن المعاني لو تملّكت سرج الذين جهلوا الممتلئ بالجهل والغباء، لتحكّمت بمصيرهم ولن يجرؤ العتب والعيب أن يأخذوا منازل الفصاحة والعلو بالجهل الذي يتناقلوه عبر الأجيال،
كناية عن إذابة الجهل من القلوب. وبمعنى آخر، لو كمّمنا أفواه الجهل وأصحابه، لما علو في الأرض الفساد.
ومن جماليات هذه الصورة، إضفاء الجناس الغير تام/العيب والتعب/ مما خلق أجواء موسيقية، حرّكت الآذان والروح طرباً، مما يزيد بهذه المحسنات البلاغية جمالاً ورشاقة على الصورة البكر هذه.

/وَمَنْ جَنَى العَهْرَ فِيمَا يَدَّعِي شَرَفًا
يُبَرِّر العَهْرَ لَنْ يَعِيَا بِهِ سَبَبُ /

وهذا الهدف الثاني وهو التضليل:
هنا التضليل ما بين العهر والشرف، فالعاهر بسبب دناءته يظن نفسه من الشرفاء، وهيهات ما بينهما. فيخلط بين من يدعي الشرف ومن يمارس العهر بالضلالة دون وعي وبصيرة.

/وَنَحْنُ شَعْبٌ عَزِيزٌ لَيْسَ يُخْضِعُنَا
فَقْرٌ وَلَا يَشْتَرِيَ أَخْلَاقَنَا الذَّهَبُ /

وهذا الهدف الثالث الذي يسعى إليه أئمة الكفر من حكامنا ومن الغرباء، وهو التجويع.
ومع كل ذلك فإن الشاعر يصف شعب فلسطين بقوة التحمل والتضحية بكل ما نملك، شعب عزيز، لا الفقر يخضعنا وينكسنا، ولا الذهب يشتري أخلاقنا ولا حتى النفط اللعين الذي يغروننا به.
شعب صامد لا يغريه كنوز الدنيا مقابل ذرة تراب واحدة طاهرة من ذرات أرضه.


/إِنْ قَدَّرَ اللهُ رِزْقَ الغَيْبِ مِنْ سَعَةٍ
فَلَا تِرَمْبُ وَلَا كُشْنِيرُ مَنْ يَهَبُ

وَصَفْقَةُ الْقَرْنِ لَيْسَتْ غَيْرَ تَصْدِيَةٍ
وَذَبْحِ قُرْبَى لِكَيْ تَرْضَاكُمُ النُّصُبُ

لَكُمْ سَرَاوِيلُ مِنْ قَطْرَانِكُمْ وَلَنَا
هَوَى فِلَسْطِينَ أُمٌّ وَالفِدَاءُ أَبُ/

هذه الأبيات الأخيرة خلاصة القصيدة كلها، فالأرزاق بيد الله يهبها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، /فَلَا تِرَمْبُ وَلَا كُشْنِيرُ/ يملك أن يمنع الأرزاق عن عباد الله، وهو القادر على الخسف بهم كما خسف بالكفرة والطغاة من قبل.
وأما صفقة القرن فما هي إلا ذبيحة قربى لليهود على توليهم الأرض والأقصى، وما هي إلا تخطيطا للأمريكان والصهاينة لتملك الشرق كله. وحكامنا ما بين التخدير والإغفاءة والعبودية لهؤلاء الفجرة الكفرة.
ثم يختم الشاعر بالبيت الأخير الذي يعدل ألف قصيدة.

/لَكُمْ سَرَاوِيلُ مِنْ قَطْرَانِكُمْ وَلَنَا
هَوَى فِلَسْطِينَ أُمٌّ وَالفِدَاءُ أَبُ/

الفرق بين سراويل وسرابيل...
السِّربالُ : كلّ ما يُلبس من قميص أو دِرْع ونحوهما، من الصوف والكتان وغيرهما، ويكون لتغطية الجسم اتقاء البرد والحر..
لكن الشاعر استخدم كلمة سراويل بدل سرابيل..للتحقير بحيث هو لباس يستر فقط ما بين الصرة والركبة..وهذا مشهد فيه من الذل وأن سراويلهم هذه من مادة القطران شديدة القابلية للاشتعال لمجرد اقترابهم من النار، وهي قذرة سوداء
/ من قطرانكم/ حيث خصّها لهم من باب التحقير والذل..وهذه السراويل قصدها الشاعر ليوضح ما اكتسبوا هؤلاء من الظلم والمكر ،وسرعة الاشتعال للسراويل
التي لا تغطي جسدهم كله بل نصفه، يدل على عراهم وقلة أخلاقهم وما يحملونه من خبث النفس وسوادها كلوْن هذه السراويل السوداء التي لا تصمد أمام النار لتشتعل سريعا، وهذا دليل أيضا أن حكمهم ينتهي سريعا كاحتراق سراويلهم السريع..قال الشاعر/ قطرانكم/ أي سراويل خاصة بهم، وهم الذين ابتكروها ، لم يقل الشاعر سراويل من قطران، لأنها هي لباس وثوب من صنع أيديهم، وهذا يؤكد على أنهم هم من يصنعون الذلة لهم والخزي والعار..عدا عن ذلك ربما كانت السراويل بدل السرابيل كناية عن عوراتهم بكل أبعادها، باعتبار أن السراويل إنما تتخذ لستر العورات ولكن سراويل قطرانهم هذه أخذوها لستر عورات جهلهم وغدرهم وكسلهم وتأخرهم العلمي والتعليمي والإنساني أكثر من غيرهم وظنوا أنهم بأموال قطرانهم يستطيعون أن يشتروا المواقف والبضائع ليستروا بها عوراتهم. ،
والأبلغ من ذلك في هذا البيت ، تلك المقارنة التي يضعها الشاعر بين كفتي ميزان..سراويل من قطرانكم، تأتي تحت معاني الذل المشتعل جزاء المكر والخبث والخديعة، وهنا ركز الشاعر على السراويل دليل على أنهم هؤلاء لا يهتمون بستر باقي الجسد..كالصدر والذي يحمل الإيمان والقلوب النقية لله، فقد جرّدهم الشاعر من أن لهم قلوب يعقلون بها، بمعنى أن اهتمامهم في أسفل أجسادهم ، في شهواتهم وملذاتهم..وقد تركوا حفظ القلب والعقل والفكر واهتموا فقط بما هو يشبع رغباتهم..
لذلك وضع الشاعر سراويلهم واهتمامهم بنزواتهم وشهواتهم وستر عيوبهم، التي لا تدوم وقابلة للاحتراق في أية لحظة..

/هَوَى فِلَسْطِينَ أُمٌّ وَالفِدَاءُ أَبُ/

هي هذه الدرة الثمينة النادرة ، حب فلسطين المقدسة، أرض المحشر والمنشر وأرض المعراج، وإمامة الأنبياء وتواجدهم فيها كناية عن قدسيتها وعظمة ما فيها من قدسية في قلب كل مسلم..
جعل الشاعر في هذا البيت دقة الوصف وبراعة اللفظ ومتانة البناء، حيث جعل هوى فلسطين وحبها وعشقها كالأمّ، بمعنى أن هواها لا يموت أبدا مع تعاقب الأجيال، لأن الوصف كان في الهوى للأم، والأم هنا أرادها الشاعر الأم التي تلد والتي لها رحم يتناسل بالأجيال، وهذا يعني استمرارية الحياة لا عقم فيها أبداً، لذلك قال أمّ ولم يقل امرأة، لأن المرأة منها العاقر الذي لا نسل منها ، بينما أراد الأم لتبقى فلسطين وحبها يتناقلونه عبر الأجيال، ثم قال بفطنته/ وَالفِدَاءُ أَبُ/ وهذا أبلغ معنى ويدل على وجود الرجال الأبطال الذين يبذلون أرواحهم فداء الوطن والأرض المقدسة بعد الله تحت مسمى الجهاد في سبيل الله، والجهاد في الحروب خصها الله تعالى للرجال، وليس للنساء، وذلك لحفظ النسل والتوارث في الأجيال وحتى تبقى الأمة تلد الكثير من الرجال الذين يدافعون عن البلاد بأرواحهم..
لذلك الشاعر في هذا البيت، جمع بين الأمّ التي تحمل الرحمة والأمومة وبين الأب المكافح، ليكوّنان قاعدة ثابتة لا تنقطع أبدا وكوناً واحداً متماسكاً مبني من الأم والأب، وهذه حكمة عظيمة ولفتة رائعة عبقرية من عبقرية الشاعر ...

الشاعر الكبير البارع الماهر في توظيف الحرف بطرق متجددة إبداعية متفردة
أ.د.سمير العمري
لقد أتحفتنا بلوحة فنية مذهلة، ودرّة نفيسة هي شامة على خد الشعر العربي العظيم، حيث نفخر بقامة أدبية عالية المقام كقامتكم الفريدة.
بورك بكم وبقلمكم البارع، وما ابتكرتم من الصور الشعرية النفيسة التي تُحسب في قاموس شعركم البديع..
وفقكم الله لنوره ورضاه
ورفع شأنكم ومنزلتكم لنيل الدرجات العلى في الدنيا والآخرة...
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية