أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قراءة جهاد بدران لقصيدة/الشاعر/ خالد صبر سالم

  1. #1
    الصورة الرمزية جهاد بدران شاعرة وناقدة
    تاريخ التسجيل : Jun 2019
    المشاركات : 512
    المواضيع : 30
    الردود : 512
    المعدل اليومي : 1.33

    افتراضي قراءة جهاد بدران لقصيدة/الشاعر/ خالد صبر سالم

    النص: قصيدة الشاعر
    الناص: خالد صبر سالم
    القراءة: جهاد بدران
    .........................
    النص:

    الشاعر

    دَثــَّرَ الـلـيـْـلَ بـالــنــدى والأرَقْ
    ورَفــيـقـــــاهُ حِبْــرُهُ والـورَقْ

    طارَ فوقَ السحابِ يغوي شموسـاً
    تائهـــاتٍ واحْتـالَ حتـّى سَــــــرَقْ

    عَلـّـَمَ البــدْرَ كيــفَ يبـدو جميــلاً ؟
    قَبَّلَ اللـونَ في شـِـــفاهِ الشــــفـَقْ

    وغيــومٌ تـزورُهُ فــي الليــالـي
    إنْ تلاقـتْ فـي مُقـلـَتـَيـْـهِ بَرَقْ

    يَحـْمـلُ الزيـتَ ، لـو خبا أيُّ نـَجْمٍ
    أمطـرَ الزيـتَ فوقَـــــهُ والألـَـقْ

    يُرقِـصُ الـليــلَ بالغنـاء ويُمْسـي
    فوقَ عينيـهِ شَـــهْقـةٌ للغَسَــقْ
    ***
    دربُهُ الـوهْـمُ والهـوى مُبتـغـاهُ
    وجـنـونٌ يسـْــــري بــهِ والقلـَـقْ

    لوَّنَ الصـمْتَ بالـحروف وأعطـى
    للـقـوافـي ما خَفَّ لفـظـاً ودَقْ

    كـُلـّمـا اسْـــــوَدَّ ليــلـُهُ بهمــوم ٍ
    أسْـــرجَ الليـلُ شَــــــيبَـةً فأتلـَقْ

    وإذا مـا الخيــالُ ذابَ رقيـقـــاً
    صـــاغَ منـــهُ قـلائــــداً وحَلَـقْ
    ***
    وأشـــــاعـوا انّ الكـلامَ لـديـــهِ
    مَحْضُ كِـذبٍ جمالـُـــــهُ مُختـَلـَقْ

    كـذبـوا… بـلْ حروفـُهُ كعـذارى
    زاهــداتٍ ينـطـقـْنَ مِنْ وَحْي حَـقْ

    هــوَ والـفـنُّ والـجمـالُ رفـــاقٌ
    غاصَ فيــــــهِ الجمالُ والفـنُّ رَقْ

    وغريرٌ ما إنْ يرى السِــحْرَ بَحْراً
    فـي عيـونٍ إلا مضــى لـلغـــرَقْ

    فيــهِ قلـبٌ يتـوقُ للعشـــق لكـنْ
    هـوَ يبكي مِنْ خشـــيةٍ إنْ عَشــقْ

    وهْوَ(قيسٌ) في عِفـّةٍ حينَ يَهوى
    وعفافٌ بَراهُ سَــــوْطـُ الـشــــَـبَقْ

    وهْـوَ فـي زهْـــدهِ إمامٌ ولكـنْ
    رُبّمـــا ابْـتـَلَّ لـيـلـُــهُ بـالـعَــرَقْ

    هــوَ نــورٌ وفيـهِ عـشُّ ظــلامٍ
    بلْ ظـلامٌ عافَ الـدُجـى واحتـرَقْ
    ***
    فيــهِ رجْسٌ مِـنَ الشـــياطين لكـنْ
    فيـــهِ لـلأنبيـــاء ِ غـارٌ يُشَـــــقْ

    مُتعَــبٌ يَجـدفُ الـخيــالَ بحِبـْـرٍ
    وشــــــراعــاهُ قـلـْبُـــهُ والأرَقْ

    وهــوَ طـَيرٌ مـا بـاعَ يومـاً غنــاءً
    حسْــــــبُهُ الروضُ زهْرُهُ والعـَبَقْ

    شــــرَفُ الحَرفِ عندَهُ مثلُ وَحْيٍ
    مِـنْ اِلـهٍ فـالـحرْفُ لا يُـرْتــــزَقْ

    مِنْ حروفٍ في(كـُنْ) تـَكوَّن كـَوْنٌ
    كيـفَ حَرْفٌ يُبــــــاع ُأو يُختـَرَقْ؟!
    ***
    اِنّهُ الشــاعرُ المُشـَـظّـّى خيــالاً
    وغـرامـاً وعِيشُــــــهُ فـي رَهَــقْ

    فاقرؤوهُ يَعلـقْ بكـمْ دَفـْقُ عطـْرٍ
    واســمعوهُ فالســـحْرُ في ما نطقْ



    ............................
    القراءة:

    الشاعر

    /دَثــَّرَ الـلـيـْـلَ بـالــنــدى والأرَقْ
    ورَفــيـقـــــاهُ حِبْــرُهُ والـورَقْ

    طارَ فوقَ السحابِ يغوي شموسـاً
    تائهـــاتٍ واحْتـالَ حتـّى سَــــــرَقْ/

    من خلال هذين البيتين نستطيع أن نحكم على قوة البنيان في التراكيب البنائية للقصيدة، فكأنهما مفتاح الجمال لها، فمن ناحية يوظف شاعرنا الفعل الماضي/دثّر/ لليل كي يغطيه أو يدفئه من البرد بالندى والأرق، بالرغم من أن الندى يحمل البرودة أيضاً، لكنه للورد والنباتات يعتبر الدفء لهم، وكأن الشاعر يريد تدفئة الليل بما يناسبه من صفات، كي يكون الفعل صفة مناسبة للمفعول به،
    ثم الأرق الذي يحمله الشاعر جعله متحركاً مع صفات الليل ومتلاصقاً بفاعليته، فكان من النّدى له معنى الإيجابية في التدفئة، والأرق استرق منه المعنى السلبي، ليكونان في تضاد اجتمعت مع الليل والشاعر، ليكون تعبيراً عن أعماق الشاعر وما يلاقيه من جهد وتعب وهو يحلق بفكره وخياله مع حبره والورق، فوق السحاب فيغوي الشموس بهدف استحضار مكنونات القصيدة، حتى وكأنه شبّهه بالسارق للأفكار من عيون العلوّ في السماء مع الخيال.

    /عَلـّـَمَ البــدْرَ كيــفَ يبـدو جميــلاً ؟
    قَبَّلَ اللـونَ في شـِـــفاهِ الشــــفـَقْ/

    /عَلـّـَمَ البــدْرَ/ما أجملها من صورة مفعمة بالجمال والسحر، إذ هو الشاعر الذي يزركش بكلماته وجه البدر ليكون مكان تدبر وتأمل من خلال ما يوحيه من أحرف على وجهه ليراه الناس بمنظار جميل من فوهة قلم الشاعر ومن زاوية لوحته الإبداعية التي رسمها له بإتقان، وهذا كناية عن قدرة الشاعر في رسم الجمال على وجه كل لوحة يخطها ويلوّنها وفق إحساسه النابض وقلمه الرشيق.../كيــفَ يبـدو جميــلاً ؟*/مع علامة استفهام يعود جوابها للخالق المبدع البديع فيما خلق، وبمعنى أن الناس لا تلتفت لأوجه الجمال في البدر وجماله الساحر لولا أن بثّ الشاعر فيه روح التأمل، ومن خلال حروفه استطاع أن يلفت نظر الناس للبدر لرؤية آيات الإبداع والجمال الذي رسمها رب العزة في كونه وسمائه، ليكون الشاعر أداة تحفيز وتوجيه لمواطن كثيرة يغفل عنها الإنسان..ثم يكمل الشاعر قوله:
    /قَبَّلَ اللـونَ في شـِـــفاهِ الشــــفـَقْ/هذه صورة شعرية فنية فاقت حدود الجمال بوصف الشاعر لجمال الشفق وجمال البدر من هذا اللون الساحر في الشفق، وكم هو آية متقنة الرسم والسحر، سبحانه وتعالى أحسن الخالقين...عملية التقبيل تدل على قمة بلوغ الجمال وانتهاء بتقبيل الصورة التي لمسها بحبّ وانسجام وذوبان مع حالة هذا الجمال الرباني...


    /وغيــومٌ تـزورُهُ فــي الليــالـي
    إنْ تلاقـتْ فـي مُقـلـَتـَيـْـهِ بَرَقْ/

    الغيوم تحمل في جعبتها المطر والخير لتروي الأرض والبشر من ظمأ، وهنا أرادها الشاعر كناية عن الأفكار الذي يريد أن يلتقطها بما فيها كناية عن صيد الخاطر، فهي تزوره في الليالي، وليس في الصباح أو النهار، وذلك لما يحمل الليل من الهدوء والسكينة وإتاحة المجال للفكر أن يسبح في الأفكار وكيفية جمعها بكل أريحية دون أن يعيق عليه أحد والناس نيام..
    استخدم الشاعر الفعل المضارع/تـزورُهُ/ وليس الفعل/تأتيه/بدقة متناهية،حيث أن الفعل /يزوره/من المصدر زيارة، وهي تأتي كضيف لا يمكث كثيراً عند صاحبه، كالفكرة التي تزور الشاعر سريعاً وتختفي إذا لم يقتنصها ويدوّنها في مخيلته وذاكرته أو على الورق، لذلك اختياره لهذا الفعل كان بمنتهى الذكاء والدقة المهارة..
    /إنْ تلاقـتْ فـي مُقـلـَتـَيـْـهِ بَرَقْ/
    هذه الجملة ابتدأت بحرف/إنْ/وهو حرف شرط جازم، تبعه الفعل الماضي/تلاقتْ/ وهو جملة الشرط الفعلية التي تجلْت بهذا الفعل الماضي ليكون جواب الشرط هو الفعل الماضي/بَرَقْ/ فالجملة مرهونة ومشروطة في عملية التلاقي للغيوم في الأحداق لتتم عملية البرَق، والتي هي ظاهرة تدل على عملية المخاض للمطر والخير، كناية عن الأفكار التي تتمخّض في فكر الشاعر لتنزل محمّلة بالفكرة الجديدة..ثم /برَق/ فعل ماضي يومئ لنا بالإضاءة وإزاحة عوامل الظلام لتبزغ خلفها السماء بحلّة جميلة، وهذا كناية عن ظهور الفكرة من ذهن الشاعر وكأنه بزغ معها الضياء. ثم جعل الشاعر من الأحداق بالذات مجْمعاً للرؤيا الثاقبة للأشياء لتحديد معالمها وفق زاوية النظر التي تلامس الأشياء حتى تتم عملية الوصف لها بإتقان ودقة، لذلك توظيف هذه الجملة الشرطية كانت محل وصف صورة شعرية مذهلة حلّقت في ذهن المتلقي لجمع قوت الخيال..

    /يَحـْمـلُ الزيـتَ ، لـو خبا أيُّ نـَجْمٍ
    أمطـرَ الزيـتَ فوقَـــــهُ والألـَـقْ

    يُرقِـصُ الـليــلَ بالغنـاء ويُمْسـي
    فوقَ عينيـهِ شَـــهْقـةٌ للغَسَــقْ/

    الصورة الشعرية هنا وما حملت من جمال وأوصاف، جعلتنا نلهث وراء اللفظة لاستخراج ما حملته رسومات تعود لخيال الشاعر الخصب..
    استعمل الشاعر/الزيت/ كوقود للنجوم كي تدرّ عليه الأفكار البكر كلما خفت نورها، كي تبقى محل إضاءة لألق الحروف، حتى يُراقص بها الليل من جمالها، وحتى يكتمل اختمارها لتشهق عنها بالغسق وهو أول ظلمة الليل بعد الغروب،وكأنه يريد شهقة أخيرة للظلام كي تضيء الليل بأفكاره الجديدة..

    /دربُهُ الـوهْـمُ والهـوى مُبتـغـاهُ
    وجـنـونٌ يسـْــــري بــهِ والقلـَـقْ

    لوَّنَ الصـمْتَ بالـحروف وأعطـى
    للـقـوافـي ما خَفَّ لفـظـاً ودَقْ

    كـُلـّمـا اسْـــــوَدَّ ليــلـُهُ بهمــوم ٍ
    أسْـــرجَ الليـلُ شَــــــيبَـةً فأتلـَقْ

    وإذا مـا الخيــالُ ذابَ رقيـقـــاً
    صـــاغَ منـــهُ قـلائــــداً وحَلَـقْ/

    هنا وصف حالة الشاعر وقدرته على تحديد ملامح كل شيء بحرفه وأبعاد خياله وأفكاره، وكيف يستطيع أن يحوّل الليل لنور من سراج هو فاعله نتيجة فرز الهموم عن طريق القلم والشعر، ثم يصفه دائم الهموم والقلق، من كل ما يحيطه من أحداث وأزمات، لينقلها عبر أثير حرفه، فالشاعر يملك مشاعر الخلق وهمومهم وقضاياهم، لذلك يبقى في حالة شعورية دائمة القلق، يحلّق عبر خياله لأبعد مدى حتى ينسج من الآفاق ما يبقي قلمه حياً بفرز قوافيه من جمال السبك وبناء الحرف..

    /وأشـــــاعـوا انّ الكـلامَ لـديـــهِ
    مَحْضُ كِـذبٍ جمالـُـــــهُ مُختـَلـَقْ

    كـذبـوا… بـلْ حروفـُهُ كعـذارى
    زاهــداتٍ ينـطـقـْنَ مِنْ وَحْي حَـقْ

    هــوَ والـفـنُّ والـجمـالُ رفـــاقٌ
    غاصَ فيــــــهِ الجمالُ والفـنُّ رَقْ

    وغريرٌ ما إنْ يرى السِــحْرَ بَحْراً
    فـي عيـونٍ إلا مضــى لـلغـــرَقْ/

    يصف هنا حالة الشاعر وهو يتعرّض لما يشيعون عنه أنه كلامه وجمال ما ينسجه هو محض كذب واختلاق، ليدافع عنه الشاعر بنفي هذه الاختلاقات، ليبرز محاسنه بأوصاف العذارى لحروفه، ونطقه الحق، بل يقدم للأدب الفن والجمال..
    الشاعر هنا استعمل الصور البارعة والتشابيه/ كعذارى/ كي يضفي القوة على ألفاظه، وتكرمه بموقعه من البلاغة والبراعة في القول والفصاحة، وحذقه بصناعتها ما جمعت بين السهولة والرصانة مع السلاسة، وبين العذوبة والجزالة.. مما يفتح المجال للخيال أن ينسجم مع فكره العميق ضمن الدلالات المختلفة التي تقبع بين أوصاف الشاعر ومهامه العظيمة في نقل الصورة الحية من الواقع عبر قلمه البليغ وتجسيده المتقن لما يصادفه من حقائق أو ما ينسجه الخيال من تأويلات رؤيا تكون صيداً نفيساً يدلي بها بفكره الخصب..
    في هذه الأبيات نلاحظ ارتفاع نسبة الإقاعات الموسيقية والنبرة في النغمة على شكل لحن جميل، وهو يرسم التكرار لبعض الكلمات كتكرار كلمة/جمال/ ثلاث مرات، وكلمة/ الفنّ/ مرتين..

    /فيــهِ قلـبٌ يتـوقُ للعشـــق لكـنْ
    هـوَ يبكي مِنْ خشـــيةٍ إنْ عَشــقْ

    وهْوَ(قيسٌ) في عِفـّةٍ حينَ يَهوى
    وعفافٌ بَراهُ سَــــوْطـُ الـشــــَـبَقْ/

    يظهر الشاعر أوصاف الشاعر الحقيقي في مسألة عشقه وحبه، فهو يظهر أن الشاعر له قلب يحب ويعشق ولكنه يخاف من ذلك العشق أن يودي به لما لا يحمد عقباه فينسلخ عن درجات النقاء والطهر، وخوفاً من حرفه إن وقع في الذنوب، فالشاعر كما وصفه في حبه عفة وعفاف بعيداً عن الشهوات التي تلطخ نقاءه وطهره..فالشاعر أبعد من ذلك لأنه يحمل الحب العذري كقيس في حبه العفيف للقلب لا للشهوة..
    ثم يصوّر لنا صورة الشاعر ويجسدها بأوصاف دقيقة تزيد من عمق التأمل والتدبر. إذ يقول:

    /وهْـوَ فـي زهْـــدهِ إمامٌ ولكـنْ
    رُبّمـــا ابْـتـَلَّ لـيـلـُــهُ بـالـعَــرَقْ/

    هنا يرسم شاعرنا صورة الشاعر في زهده وتبتّله بتصويره كالإمام والرجل العالم الجامع للخير ‏، وكقائد للشعراء، بسبب ما يجمع من درر الكلام والبلاغة وجمال الألفاظ وقوة بناء التراكيب، لكنه يضيف له، أن ليله يبتل بالعرق من كثرة الجهد المضاعف في اعتصار خياله وفكره للحصول على لوحة بارعة الجمال، وكأنه يقول لنا أن الليل هو مفتاح الإلهام لحروفه وقصائده، من خلال ما يتدفق من الليل من سكينة وهدوء تسمح للخيال وللأفكار العبور في مخيلته بطريقة صافية لا يعكرها شيء من إزعاج أو ضوضاء.. لذلك الشاعر وضع للشاعر صورة بهية ينسجم مع قدرة الشاعر على الإتيان بكل صور الإبداع..

    /نــورٌ وفيـهِ عـشُّ ظــلامٍ
    بلْ ظـلامٌ عافَ الـدُجـى واحتـرَقْ/

    هنا تتجلى عناصر السحر والبراعة في صورة الظلام الذي يرقد عشه في منازل النور، وقد عاف واحترق الدجى فيه من كثرة وشدة ضوء ذلك النور الذي كان سبباً في هذا الاحتراق، والنور هو تلك الصورة المضيئة التي وضعها الشاعر لأوصاف الشاعر، وكأنه المرآة النقية التي تعكس الذات الحقيقية للشاعر الحقيقي وليس الذين يتطفلون على الشعر ويصعدون على الأدب بلا جذور وأساس حقيقي للشعر..

    /فيــهِ رجْسٌ مِـنَ الشـــياطين لكـنْ
    فيـــهِ لـلأنبيـــاء ِ غـارٌ يُشَـــــقْ/

    الشاعر هنا يضعنا بين صورتين متناقضتين للشاعر، من ناحية يصفه
    /نــورٌ وفيـهِ عـشُّ ظــلامٍ/ ومن ناحية أخرى يصفه/فيــهِ رجْسٌ مِـنَ الشـــياطين/ وهذا يعزز صورة الإنسان الذي خلق فيه نزعة الخير ونزعة الشر، ولا يخلو إنسان من وسوسة الشياطين له، ليغويه لطريق الضلال، وهنا تأتي درجة الإيمان وقوة الإرادة في التحكم بأنياب الذات التي تميل لعمل الشيطان، درجة القوة تكمن بقوة الإيمان، والتي يصدر حينها النور الذي يوقد في طريقه نحو الأمان والحق..بينما إذا اشتدت عليه وساوس الشياطين فإنها تغويه ليخرج عن دائرة الإيمان، ويصل للكفر خين ينسج حروفه بالألوهية وكأنه أصبح إله الحرف لا يغلبه أحد، لتكبر فيه خصال الكبَر والتكبر والتجبر فلا يرى أحد بمنزلته، وهذه الخصال تؤدي لمنازل الكفر البغيض، فالشاعر يقصد أن كل إنسان معرّض لغواية الشياطين، إلا أن الشاعر الحقيقي يسلم من هذه الحالة، بقوله:
    /لكـنْ
    فيـــهِ لـلأنبيـــاء ِ غـارٌ يُشَـــــقْ/
    هذا التناص من القرآن وسيرة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، الذي يأخذنا لغار ثور وغار حراء، غار ثور، تذكرنا بالهجرة بدين الله خوفاً من الكفار من القتل، انطلاقاً من غار حراء التي هي اتصال السماء بالأرض عن طريق الوحي لتعليم رسول الله رسالة السماء وبثّها للبشرية جمعاء..وانتهاء بغار ثور، فللغار معالم توحي بالكثير من الدلالات التي من خلالها تغيّرت معالم الأرض من الظلام إلى النور بدين الله سبحانه وتعالى..
    الشاعر أراد ن يلفت انتباهنا لقدرات الشاعر في تحريك عصب الأمة من خلال شعره وكلمة الحق في وجه الباطل والتوجيه نحو القلم لبثّ الدعوة لله وعدم الصمت بل بالجهر بكلمة الحق أمام سلطان جائر.. وطبعاً ندرك قوة القلم حين يقف أمام لسان الظلم ليفتك به..وهو يعلم يقيناً بأنّ قوة قلمه ستودي بحياته بسبب نطقه بنور الله..كما حصل مع المئات من العلماء ومنهم الشعراء الحقيقيين..
    لذلك الشاعر قال:/غـارٌ يُشَـــــقْ/وهو يوحي لانطلاقة الشاعر، وهو يقبع في الغار تأملاً ورهبانية، للكلمة الحقة والثورة على الباطل وأهله...

    /مُتعَــبٌ يَجـدفُ الـخيــالَ بحِبـْـرٍ
    وشــــــراعــاهُ قـلـْبُـــهُ والأرَقْ/

    ما أبلغ هذه الصورة التي جاءن تواكب المراحل التي يخوضها الشاعر قبل ولادة القصيدة، ما بين تكوين نواة الحرف حتى تمتد لبناء الكلمة لتنتهي في زفاف القصيدة، مراحل متعبة جداً تحتاج الوقت الشاق، فالشاعر هنا يصف المشقة التي يتعرض لها الشاعر في محض ولادة القصيدة، الأوصاف التي يرسمها هنا تبدأ من الخيال وهو يسبح في نهر الحبر أو بحره، ثم يستعمل الفعل المضارع/يجدّف/ وهذا الفعل يواكب ويلائم عملية تحريك الحروف للوصول لبر الأمان على شاطئ القصيدة، فالتجديف وصف بليغ كي نحرك فيه ثمار الكلمات وما نتلقاه من الجهد فيه للوصول لعملية حصاد القصيدة، لأن الخيال يحتاج للجهد العظيم باستخراج مكنون سحره والعلو في قمته ولملمة الكلمات واجتماعها كمنظومة إبداعية عن طريقها نحرك ذائقة المتلقي، والخيال يحتاج من الشاعر الجهر للسبح في بحور اللغة لاستخراج كنوزها على هيئة لوحة شعرية متدفقة الجمال.. والأبلغ من هذا التوظيف ما زاد عليه في عملية التجديف شراعاه:
    /وشــــــراعــاهُ قـلـْبُـــهُ والأرَقْ/
    فالقلب وهو منبع الأحاسيس، والأرق شراعه الثاني، به يبقى الشاعر يتخبط في استجماع حروفه حتى تستقر بكامل قواها كقصيدة تحرك مواطن الإحساس في القلب، فالقلب شراع مهم جدا في تحريك عصب المتلقي، بدونه لا نبض لقصيدة ولا تفاعل من القارئ، فالمشاعر هي المحرك الرئيسي للقصيدة، وإلا تفقد روحها وحلاوتها...

    /وهــوَ طـَيرٌ مـا بـاعَ يومـاً غنــاءً
    حسْــــــبُهُ الروضُ زهْرُهُ والعـَبَقْ

    شــــرَفُ الحَرفِ عندَهُ مثلُ وَحْيٍ
    مِـنْ اِلـظ°هٍ فـالـحرْفُ لا يُـرْتــــزَقْ/

    الصورة هنا تتبع ما قبلها من قوة البناء وحسن التراكيب التي تجمع ما بين الحرف والمحتوى بدقة متناهية.
    وصف شاعرنا الشاعر بالطير، ولم يصفه بالنسر أو الصقر، بل جعل من الشاعر إنساناً رقيقاً بمشاعره وقلبه كصفة الطيور برقتها وجمال براءتها، وحيث لا تعرف الحقد والضغينة، فالشاعر روحه حساسة جداً وقلبه يتراقص نقاء وعفة وصفاء، وهذا الوصف تشبيه لخصال الطير الرقيق، ثم يعرض لنا صفات هذا الطير والذي يشبهه بالشاعر/ ما باع يوماً غناء/ بمعنى أن الطير لا يتاجر بصوته، بل يغني بلا مقابل على السليقة والبراءة، والشاعر أيضاً لا ينظم حرفه للتجارة بالبيع والشراء، بغض النظر على وجود من يبيعون حروفهم للغير من أجل المال وغيره..
    /حسْــــــبُهُ الروضُ زهْرُهُ والعـَبَقْ/
    من نقائه وشفافيته أنه يكتفي بالبستان الذي يقف فيه إو يعيش وسطه بين زهوره وعبقه، وهذا يدل على القناعة والرضا بما هو فيه دون تملق أو ضيق..
    والشاعر يعيش بالقناعة والرضى تحت سقف الحمد والشكر..حيث لا يشتري الحرف الذي لا يرتزق، وهذا هو قمة الشرف في تلقّيه الإلهام والوحي بعون الله ومشيئته..

    /مِنْ حروفٍ في(كـُنْ) تـَكوَّن كـَوْنٌ
    كيـفَ حَرْفٌ يُبــــــاعُ أو يُختـَرَقْ؟!/

    هذا البيت لوحده يجعلنا نقف أمام حروفه تأملاً وتدبراً، وقد نقلنا الشاعر من خلاله نحو خالق الكون والتدبر فيما خلق، وكيف بقدرته العظيمة إذا قال للشيء كن فيكن، وكيف عظمته هذه لا تخضع له البشر أو تلين في قلوبهم المخافة والخشية من عقابه، ولا تدخل القسوة للقلب إلا بالمعاصي والذنوب والفساد، وهنا ربطها الشاعر بمن يبيع حروف غيره بعد أن ينسبها له أو يخترق مملكة غيره من القصائد ليتاجر بها لحسابه..فالشاعر يضع علامة التعجب والاستفهام، كدليل لاستغرابه ممن يسرقون حروف غيرهم ليتسللوا لمناصب أدبية..

    /اِنّهُ الشــاعرُ المُشـَـظّـّى خيــالاً
    وغـرامـاً وعِيشُــــــهُ فـي رَهَــقْ

    فاقرؤوهُ يَعلـقْ بكـمْ دَفـْقُ عطـْرٍ
    واســمعوهُ فالســـحْرُ في ما نطقْ/

    ينهي الشاعر لوحته الفنية كملخّص لصفات الشاعر وما يحمل من خيال مذهل يشوبه الأرق كلما نوى استحضار القصيدة من أفق خياله، فهو ينصح بالقراءة والاستماع لهذا الشاعر وما ينثر من عطر حرفه ليعلق على ألسنة قرائه من هذا العبق الفاتن. كناية عن جمال وعظمة الرسالة الأدبية التي ينقلها الشاعر عبر الأجيال بالتواصل عبر الأقلام.. رسالة الشاعر عظيمة، حين يوظفها في دروب الحق والصدق والنقاء، فيكون بحرفه أعظم من القنابل والأسلحة، لأن الكلمة الحقة الصادقة الهادفة، تؤثر في النفوس وتهذبها وتصقل الأرواح بما تستقيم بها الأعمال.
    كانت خاتمة القصيدة فنية بارعة تدل على حرفية كاتبها وقوة قلمه..

    الشاعر في هذه القصيدة حلّق بالمتلقي عند سدرة الجمال وقمة الإبداع..
    فالقصيدة ممتلئة بالصور الشعرية التي وظيفتها في إيصال المعنى بطرق عدة، كالرمز والإيحاء، كتعبير عن عواطفه وأفكاره وفكره المتقد، بهدف تجميل الشعر بالرقة والصدق والجمال، فهي تعد عنصراً من عناصر الإبداع الشعري، ثم فيها من الجماليات، من بلاغة وقوة بناء وفصاحة، ولديه القدرة في التلاعب بالجمل والمفردات بأسلوب متفرد ليوفّر للمتلقي الدهشة، خاصة ما خلق من تنغيم موسيقي كان عبْر التكرارات..
    هذه التكرارات المتعددة إنما جاءت لتحيي الموسيقى الشعريّة، داخل القصيدة وتبعث الجمال بين السطور، فتدخل إلى نفوسنا ما فيه من حلاوة جَرْس الألفاظ وانسجام في توالي مقاطع الكلام على مسافات زمنية وفق نظام ونسق معين، تحركها تلك التردّدات في القوافي وتكرارها وتكرار الكلمات التي تُكسب النص إيقاعاً محبّباً ذا أثر عظيم في النفس، لتنفعل معه القلوب.
    فالموسيقى الشعريّة عنصر بالغ الأهمّيّة، يكتمل جمالها عندما تقترن بالأفكار وحسن الألفاظ وتأجُّج العواطف والتجلّي بقدرة الخيال، وتطويعها وفق معاني عميقة، لتكسب القصيدة درجة عالية من الكمال ومواطن الجمال. فالوزن والموسيقى ليسا كافييْن، دون المعنى الواضح الذي يساهم على الإصغاء والاستمتاع والتأثّر.

    يستخدم الشاعر في القصيدة، التكرار للضمير الغائب/هو/فقد ذكره ستة مرات..وكذلك ذكر الليل ستة مرات/ الليل، الليالي، الليل، ليله، الليل، ليله/
    ثم كان للتكرار من جمالية في الألحان من خلال تكرار لحرف السين الرقيق عذب النطق واللحن، فقد تكرر 14 مرة، وحرف الشين 18 مرة، وحرف القاف 49 مرة، وأما حرف الراء 50 مرة.
    هذه التكرارات كانت عملية مساهمة في توزيع موسيقي داخل القصيدة، مما رفع من منزلتها ومكانتها، خاصة مع تدفق المعاني البليغة التي احتوتها القصيدة، وقدرة الشاعر في بناء متقن وتنسيق فني رائع للتراكيب الإبداعية، مما زادها قوة وجمالاً، لإكسابها إيقاعاً محبباً جميلاً بموسيقى عذبة مؤثرة بنغماتها تنساب مع أحاسيس الشاعر وانفعالاته..
    إنّ تنوّع التكرارات في القصيدة، تفسح المجال لتنوّع النغمة الموسيقية للكلمة أو الجملة الواحدة، لتكشف لنا الحالة النفسية للشاعر وتجربته الشعورية بما تحمله من انفعالات وحس داخلي يترجمه الحس الخارجي وفق الأفكار التي تختلج في نفس الشاعر.
    إنّ عملية التكرار لأي حرف، له دلالاته في فهم نفسية الشاعر، ومنها لها وقع شديد مثل حرف القاف، وهو حرف حلقي قوي يناسب موقف القوة الذي أكسب الأبيات موسيقى صاخبة قوية تتناسب مع غضب الشاعر لمن يتسلل ويخطف قصائد غيره لنيل الشهرة والمال. بالمقابل من حرف القاف الحلقي الشديد، يكرر الشاعر حرف الراء الرقيق، بنفس عدد التكرارات تقريباً، ثم حرف السين الرقيق وكأنه بين حالة مدّ وجزر، في معاني الكلمات وما يشعر به الشاعر من عواطف مختلفة، كلٌّ حسب موقعه في النفس الذاتية للشاعر مما أضاف ذلك إيقاعات داخلية عزفت الرقة والعذوبة في مجرى حلق القصيدة.
    فالقصيدة بأكملها عبارة عن مقطوعة موسيقيّة عذبة الأنغام ومتدفقة الألحان، حيث بناها الشاعر على رويِّ القاف الساكن الشديد، ثم أكثر استعماله في سائر الكلمات في القصيدة، ربما ليكون تعبيراً شديد اللهجة لما لاقاه من الشعراء المتسللين بغير وجه حق بين الشعراء الأحرار، حتى أصبح حرف القاف مهيمناً على سائر الأبيات تقريباً،حتى أنعم علينا بقيمته الصوتيّة وأنغامه المؤثرة.

    الشاعر الكبير المبدع المحترف
    أ.خالد صبر سالم
    كل الجمال ومتعة التذوق من خلال تدفق السحر من بين أنامل قصيدتكم الراقية، فقد أضأتم الأدب والشعر بحروفكم الراقية وعبقها التي تناسلت رقياً وجمالاً...
    بورك بقلمكم وما نثرتم من بلاغة في سماء الأدب..
    وفقكم الله ورعاكم وزادكم نوراً وعلماً وخيراً كثيراً
    .
    .
    .
    .
    .
    جهاد بدران
    فلسطينية

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 14,693
    المواضيع : 199
    الردود : 14693
    المعدل اليومي : 5.10

    افتراضي

    بل كل الجمال ومتعة التذوق من خلال أسلوبك النقدي العميق المدرك
    لتفاصيل الصور الشعرية، والقادر على استقراء جمالياتها
    قدمت نقدا مدهشا ورائعا بمعنى الكلمة ، ينم عن فهم عميق وتحليل دقيق
    قادر على إظهار جمال الموسيقى الشعرية حين يكتمل جمالها باقترانها بالفكرة
    والمعنى واللفظ الحسن والعاطفة والخيال.
    بورك الشاعر/ خالد صبر سالم وما أبدع من شعر وصور وبلاغة
    وبوركت عزيزتي جهاد.. وكل التقدير لك ناقدة حاذقة قديرة
    وزادكما الله نورا وعلما وخيرا كثيرا.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية خالد صبر سالم شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    المشاركات : 1,972
    المواضيع : 35
    الردود : 1972
    المعدل اليومي : 0.75

    افتراضي

    سيدتي شاعرتنا المبدعة والناقدة البارعة
    ماذا وكيف عساني أن أرد عليك وانت اغرقتني في بحر من العبير ولم أعد اتنفس الا كلماتك التي فيها اوكسجين السحر وانفاس الدهشة؟!
    حقا انني الآن اصعد على ارجوحة اشعر من خلالها انني طفل ملك كل لعب العالم الجميلة بل اشعر انني احلق الى مجرات خرافية فاكتشف عوالم الجمال وايقونات السحر.
    سيدتي الغالية
    لا أقول لك شكرا لأنني تحوّلت بكاملي الى سحائب شكر تمطر عليك امطار محبتها
    دمت والعائلة الكريمة بكل الصحة والخير العميم ولشعبنا العربي الفلسطيني كل امنيات النصر على عدونا الصهيوني العنصري
    انحناءة احترام واعتزاز ومحبة امام قامتك الثقافية الباسقة