أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: اليويو (قصة قصيرة)

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد فتحي المقداد أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 851
    المواضيع : 130
    الردود : 851
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي اليويو (قصة قصيرة)


    (أدب العزلة في زمن الكورونا)


    اليويو
    قصة قصيرة

    بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

    يا لطفولة لم أعشها..!! خُلقت هكذا لا أدري على وجه الدّقة؛ ما هي أوّل كلمة نطقتُها؛ لكن من خلال إحساسي العميق: "ماما.. بابا"، حالة نسيان رهيب استفقتُ منها في الصفّ الأوّل على المُعلّم وكتاب القراءة، من جديد.. استعدتُ ذاكرتي لأكتب أوّل كلمة في حياتي: "ماما.. بابا".
    لم يكن عندي كيس أو كرتونة للألعاب مليئة بالألعاب المختلفة؛ لأحتار بأيّ منها ألهو، أو أُحطّم أكثرها في حالة غضب ممزوجة بالملل السّريع منها، درّاجة ذات الثلاثة دواليب بمقعدها الخشبيً القاسي، لونها الأحمر شوّه ذاكرتي، ووَسَمها تشاؤمًا منها، وأضاع عليّ متعة مُراقبة قوس قُزح، ومحاولة قيادتي لها الفاشلة بين الأحجار الناتئة كرؤوس الشّياطين في ساحة بيتنا الترابيّة، وخارج البيت الأزقّة والطّرق لم تكن مُعبّدة بالزّفت الأسود بتوقيت بُصرى آنذاك.
    إلى الآن لم أُدرك ميلي الشديد لعود الثقّاب برأسه الأحمر المُدبّب الصّغير؛ المُغري بإشعال الحرائق للورق ومخلّفات الأشياء. تخويف شديد من النّار بألسنتها التي لا ترحم. وانتهت صلاة عيد الأضحى لأدخل في حالة بُكاء وفقدان حذائي البلاستيكيّ بلونه الأحمر.. يا لتعاستي.. البِشرُ يرسم خطوط على وجوههم، وهم خارجون من بُوابة الجامع، عبارات متبادلة بالتهاني والأمنيات، ودموعي لم تتوقّّف، تُعاند حيرتي الحزينة، وأنا أبحث مع بعض الذين يكبرونني بسنوات، كنتُ جازمًا أن لا طفل آخر في القرية كلّها يمتلكُ هذا اللّون؛ لأنّ أبي أحضره من الشّام على حدّ زعمي. وصلتُ البيت حافيًا خائبًا من يومها فقدتُ إحساس فرحة في العيد.
    نوبة شرودي بعيدة في مجاهل طفولة بعيدة من هنا بمسافة نصف قرن، ضجيج الأولاد ومناكفاتهم المُتأجّجة على مدار السّاعة، حُرموا كما حُرمت الخروج من البيت، التزامًا بالحظر المفروض علينا خوفًا من الوباء كورونا الخطير.
    أنا في وادٍ آخر أخذني طوفانه الرّبيعيّ في مثل هذه الأيّام التي أعيشها الآن داخل البيْت، اجترار القديم المُحبّب إليّ. خجلي يمنعني من الكلام مع أبنائي؛ لاستغرابهم..!! كلّما يسألونني عن صغري، وضحكاتهم الواخزة قلبي على حرمان معظم أبناء جيل ذاك الوقت، وما بعده من رفاهيّة امتلاك الألعاب الغالية.
    الوقتُ يمرّ بطيئًا.. ديمومة الموبايل بين يديّ ملّلتني. كثرة البحلقة في شاشته أتعبت عينيّ، أعود للكتاب، والتلفزيون، ومداعبة الأولاد اللّاهين في مشاريعهم اللامتناهية، وابتعادهم عن عالمنا في البيت.
    أغرتني لعبة جديدة للمرّة الأولى في حياتي تقع بين يديّ، سمعتُ كثيرًا في سنوات سابقة كلمة (اليويو) تتردّد على ألسنة الأولاد. فُقداني رغبة السّؤال عنها ظنًّا منّي، وما هذا الشيء الذي سأضيفه لموسوعة معارفي؟. غرابة الاسم أشعرتني يومها بتفاهته.
    اليوم غيّرتُ رأيي عندما عثرت قدمي بخيط غليظ، مربوط ببكرة كادت إسقاطي أرضًا، والنتيجة معلومة سلفًا على الأقلّ رضّ السّاق، أو الكتف، وملازمة الفراش، والمُداومة على المُسكّنات ؛لإسكات الآلام المُبرحة المانعة من النّوم ليلًا، والرّاحة وحريّة الحركة نهارًا.
    صراخي ملأ البيت، مما أخرَجَ الأولاد من عوالم انسجامهم مع ألعابهم المُحبّبة إليهم، عدا لعبة (ببجي)، التي أجبرت ابني على حذفها قسرًا، ومنعته من تنزيلها ثانية، إلى أن أخبرني بأنّه سيبيعها بمبلغ معقول سيساعدني به؛ لتجاوز عقبة مصروف العائلة المُثقل لي فترة توقّفي عن العمل، دهشتي مما أخبرني به أزالت غضبي من (اليويو).
    بدأت أولى تجاربي عليه، إغراء غير طبيعيّ، ساعات أمضيتُها بعدما أتقنتُ فنّها؛ بتوازن ارتفاع اليد مع اهتزازاتها؛ كموج البحر الخفيف المتوّتر، مما يُسرّع حركة دوران دولاب اليويو الجميل. ضاعت سُخرية زوجتي إهمالًا مع انسجامي التامّ، مثل ذاك اليوم قبل نهاية الألفيّة الثانية بشرائي لعبة (الأتاري)؛ عند عودتي من (أبو ظبي) بإجازة الصّيف.
    ساعات طويلة أجلسُ اللّعب ببرنامج الطّائرات بمراحله العديدة بمستوياتها، مرّات قليلة وصلت فيه للنهائي. انسجامي لفت انتباهها، جلَستْ للمرّة الأولى تُراقبني، رغبة التّجريب بإلحاح قادتها لمُجالستي ساعات، نسيت تساؤلاتها قبل ذلك:
    -"لماذا اشتريتها..!! لسنا بحاجة لها.. عندنا أوليّات غيرها؟".
    -"من أجل الصبيّ..!! ابننا الوحيد آنذاك".
    -"مازال صغيرًا لا يُدرك معنى اللّعبة، ولا يستطيع التعامل معها، لو أجّلتها حتّى يكبُر قليلًا..!!".
    -"ها نحن نلعبُ بها.. وعندما يكبُر نعطيها له".
    مهارة اللّعب بالأصابع، بداية كانت على تمرين الوُسطى؛ لتجاوز ألم خفيف في مفصلها يمنعني من طيّها للآخر. منذ ذاك اليوم عندما أشرتُ بحركتها المفهومة تلك لأمر ما..!!، جلستُ مُستندًا للجدار، تداخلت أصابع الكّفيْن بتشابك، وتدوير الإبهاميْن بحركة لولبيّة للأمام تارة، وتبديلها معاكسة للخلف، جعلتني أتذكّر زميلي الطّالب في الصفّ التّاسع، وهو يقف أمام الطلّاب بانتظار فراغ الأستاذ من الاستماع لإجابات من حفظوا الدّرس.
    انبته الأستاذ لحركة أصابعه المماثلة لي الآن، وسأله:
    -"ألا تعرف غير هذه..!!؟".
    السّؤال خفّف من توتّره؛ ظنًّا منه بنجاته من العقاب الجسديّ؛ لتقصيره في واجبه، فأجاب بجديّة:
    -"نعم أستاذ، أعرفُ أيضًا بهذا الشّكل".
    وبدأ بلفّ إبهاميْه عكس الحركة الأولى. كتمنا ضحكنا، ومازال مكتومًا في صدري إلى الآن؛ فالعصا بيد الأستاذ لا ترحم، لمن يخرج عن مسار الدّرس، أو يُحاول.
    إزهاق الوقت مُهمّة عملٌ شاقّ؛ صعّبت عليّ تعبئة وقتي بأشياء جديدة، جرّبتُ وجرّبتُ، راودتني لعبة (البَبْجي)، وما سمعتُ عنها، موقفي الجازم من ابني حازم، ومنعه منها؛ أخذني للتفكير بتجريب اللّعب فيها بعد نومهم، لكنّني أستسلم للنّوم بلا مُقاومة، وهم مازالوا يقظين. وفي النّهار لا يذهبون إلى المدارس، وصاروا مثل بلاد الأجانب يتعلّمون عن بُعد.

    عمّان – الأردنّ
    23 \4 \ 2020



  2. #2
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 4,557
    المواضيع : 73
    الردود : 4557
    المعدل اليومي : 1.56

    افتراضي

    أحيانا نشتري أغراضا ندّعي أننا سنهديها ونعطيها أبنائنا بينما نريد اللعب واللهو فيها قليلا ، والأبناء مجرّد حجة على الألسنة
    حقيقة منذ فترة لم أقرأ قصصا ، ولا أستطيع المجاملة في أنّ الأسلوب القصصي الخاص بكم أعاد لنا نكهة الروح القصصية الأصيلة في السرد والاسترسال وعدم الغرق في الوصف والمجازات
    كان رغم فكرته العادية والبسيطة ممتعا ومسليًّا وهادفا
    وباختصار أنت فنان في القصّ وعلى السجية دون تكلف وزخرفة

    سرّني المرور هنا
    كل التقدير
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

  3. #3
    الصورة الرمزية محمد فتحي المقداد أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 851
    المواضيع : 130
    الردود : 851
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة براءة الجودي مشاهدة المشاركة
    أحيانا نشتري أغراضا ندّعي أننا سنهديها ونعطيها أبنائنا بينما نريد اللعب واللهو فيها قليلا ، والأبناء مجرّد حجة على الألسنة
    حقيقة منذ فترة لم أقرأ قصصا ، ولا أستطيع المجاملة في أنّ الأسلوب القصصي الخاص بكم أعاد لنا نكهة الروح القصصية الأصيلة في السرد والاسترسال وعدم الغرق في الوصف والمجازات
    كان رغم فكرته العادية والبسيطة ممتعا ومسليًّا وهادفا
    وباختصار أنت فنان في القصّ وعلى السجية دون تكلف وزخرفة

    سرّني المرور هنا
    كل التقدير
    أستاذة براءة
    أسعد الله اوقاتك بكل الخير
    هي مواضيع ذات بعد تربوي حقيقي.. صراع الأفكار
    بين الأجيال.. التي عانت الفقر والعوز.. وبين جيل
    الوفرة والرّفاه،، يريدون كل شيء.. ويطلبون كل شيء
    الحرمان ما زال يحفر مساربه العميقة في نفوسنا نحن
    الآباء والأمهات..
    طريقة التفكير والصراع الأبدي بين الأجيال .. وفرض
    الإرادات..
    تحياتي وتقديري لمرور
    سعدت بقراءتك الدقيقة
    كل عام وانت بخير

  4. #4
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 14,499
    المواضيع : 196
    الردود : 14499
    المعدل اليومي : 5.09

    افتراضي

    لقد رصدت هنا أمرا هاما ـ وهو أن الجيل الأول لم يعش طفولته ـ أو بالأصح
    كانت طفولة فيها من الحرمان مالم يعرفه أطفال هذا الجيل ـ الذي نشأ مدللا مرفها
    بمختلف الألعاب حتى الألكترونية منها ، وكأننا نعوض فيهم ما حرمنا منه.
    وإن كنت لم استطع الربط بمعرفة مدلول اللون الأحمر عند صاحبنا فهو في مقعد الدراجة
    الخشبي، وفي عود الثقاب ذو الرأس الأحمر المدبب، وفي الحذاء البلاستيكي الأحمر الذي
    ضاع يوم العيد في الجامع فأفقده الإحساس بفرحة العيد.
    ولكنها كانت جولة في مجاهل الطفولة البعيدة وما عاشته من حرمان.
    مازلت أقول إن مقالاتك الملفقة قد اكسبتك خبرة في ربط مواضيع مختلفة بنسج جميل
    فتجعلنا نجول معك وسردك الرائع لنخرج بالمتعة والتسلية والفائدة.
    تحياتي وتهانئي لكم بشهر رمضان المبارك
    وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    الصورة الرمزية محمد فتحي المقداد أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 851
    المواضيع : 130
    الردود : 851
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    لقد رصدت هنا أمرا هاما ـ وهو أن الجيل الأول لم يعش طفولته ـ أو بالأصح
    كانت طفولة فيها من الحرمان مالم يعرفه أطفال هذا الجيل ـ الذي نشأ مدللا مرفها
    بمختلف الألعاب حتى الألكترونية منها ، وكأننا نعوض فيهم ما حرمنا منه.
    وإن كنت لم استطع الربط بمعرفة مدلول اللون الأحمر عند صاحبنا فهو في مقعد الدراجة
    الخشبي، وفي عود الثقاب ذو الرأس الأحمر المدبب، وفي الحذاء البلاستيكي الأحمر الذي
    ضاع يوم العيد في الجامع فأفقده الإحساس بفرحة العيد.
    ولكنها كانت جولة في مجاهل الطفولة البعيدة وما عاشته من حرمان.
    مازلت أقول إن مقالاتك الملفقة قد اكسبتك خبرة في ربط مواضيع مختلفة بنسج جميل
    فتجعلنا نجول معك وسردك الرائع لنخرج بالمتعة والتسلية والفائدة.
    تحياتي وتهانئي لكم بشهر رمضان المبارك
    وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    كل عام وأنت بخير سيدة نادية

    في الواقع.. أنّ اللون الأحمر للدراجة البائسة، ومقعدها الخشبي القاسي
    وضياع البوط الأحمر.. هما اضاعا عليّ متعة متابعة قوس قزح الذي
    يمثل الحياة بأطيافها.. لككن يبدو أن هناك شيئا في العبارة .. مما جعل
    غير معبّد للفهم بيسر وسهولة.. سأعود إليها ..
    والصراع بين الأجيال هو صراع داخل الأسرة الواحدة.. يريد الأبناء
    ترسيخ مطالبهم بقوة حبنا لهم ودلالهم.. هم لا يأبهون إلّا لمطالبهم ..
    وخوفًا منا أن لا يلجؤؤوا للدموع تفرض علينا قلوبنا مطاوعتهم..
    وفي الحقيقة الحظر في هذه الفترة أكسبنا أبعادا فكرية جديدة برؤية
    متجددة..
    تحياتي وتقديري لك سيدتي الراقية
    تقبل الله طاعاتكم