أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: البصّارة (قصة قصيرة)

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد فتحي المقداد أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 869
    المواضيع : 134
    الردود : 869
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي البصّارة (قصة قصيرة)



    البصّارة..
    قصة قصيرة

    بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

    رشاقة حركة يديْها المدروسة في كلّ مرّة تُفرغ فيها خليط الحصى وقطع العظم والوَدَعِ من كيسها القماشيّ الأسود المعقود بقطعة خيط عتيق.
    وجهها الموشوم بخطوط متشابكة على ذقنها تحت شفتيها الرّقيقتيّن، موحٍ بطمأنينة تولّدت للتوّ، ابتسامتها تفسح المجال لِلِألاء نابها الذهبّي إبهار عينيّ، لتنقلان اكتمال اللّوحة بكامل بهائها للمخّ.
    محاكمةٌ صوريّة مُسبقة الحُكم: "كَذَبَ المُنجّمُون، ولو صدقوا". لم يمنعني من مُقاطعاتها، والإفلات من رجائها المُتوسّل بسماعها، ولو لمرّة واحدة..!!. قُبيل مُغادرتي لقهوتي، دقّت باب البيت المفتوح على مصراعيْه في مثل هذا الوقت من كلّ يوم.
    لذّة لَكْنَتها الغجريّة بطعم قهوتنا العربيّة، عندما ألقت التحيّة.
    هَمَمْتُ بالمغادرة، أجلستني بطلب التمهّل، بعد أن غرزت عينها في فنجاني تركيزًا باحثة عن مجهول. تُدوّره بين أصابعها، وتزمّ شفتيْها؛ لتكميل خارطة خطوط الفنجان الممتّدة إليها مَسحًا. قالت:
    - "بالله عليك امنحني دقيقة واحدة فقط".
    اهتزاز رأسي ترافق مع عدم ردّي، الدقائق تنفدُ مُخلّفة وراءها حسرة ضياعها.
    رفعت عينيْها لتشتبكا بنظراتي الزّائغة بنيّة افتراسها. تحفّز داخليّ كأنّما اهتزّت الأرض زلزلة تحت قدميّ، ارتعاشات لا إراديّة أطاحت بآخر حصون الدّفاع. داهمتني أمنية لو أنّي تسوّرت حصونها للإطاحة بها، وأطبق على شفتيْها في غارة خاطفة.
    -"فرسٌ أصيل يسير بسرعة البرق، خلفه غبار كثيف لمسافة طويلة، خيّاله يحثّ السّير بلا استراحة تحدوه الأشواق. أنتَ تقف في بداية طريق ممتّد من مكان بعيد، ولو قُيّض لك أن تركب الفرس القادم للتابع به، فربّا تصل مُبكّرًا". قالت كلامها. أتفقّد السّاعة، اطمأننتّ إلى أنّي ما زلتُ ضمن الدقيقة. هممتُ بالنهوض، بينما نثرت كيسها على بلاط الأرض.
    تابعت:
    -"إذا تطابقت قراءتي للفنجان، مع الأحجار؛ فأنت من أصحاب السّعد هذا اليوم".
    أدعو الله في سرّي أن يُخيّب مسعاها عندي، وأنا مُقيم على حكم اليقين فيها وبفعلها. رقّ قلبي لرجائها. اعتقدتُ أنّني فاتحة سعدها في الرّزق هذا اليوم، طموحها أن تحصل على إكراميّة العشر ليرات سوريّة.
    يا إلهي كم تتحمّل هذه المرأة المُتشبّثة بالحياة..!!؟
    وهي تحتال على لقمة العيش، ببيع الأوهام لي ولأمثالي.
    وكيف تُراق كرامتها في أحيان كثيرة على يد الأشقياء!!؟.
    ابتسامتها عريضة مُنبئة عن تطابقات في ذهنها، لا علم لي بما ستقول، ارتسمت بشائر فرِحة على وجهها، تألّقت في عينيّ مُجدّدًا، حاولت إزاحة وجه الجيوكندا من مُخيّلتي، وكدتُ أصرخُ على دافنشي، أين غفلته عن هذا الوجه القمريّ المتلألئ نورًا تغلغل في قلوب محيطيه.
    ابتسامتي طيلة يومي طيلة يومي لم تبرحني، على غير العادة تساؤلات الزّملاء والزّميلات تنهال عليّ.




    عمّان – الأردنّ
    2\ 6\ 2020

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 14,761
    المواضيع : 199
    الردود : 14761
    المعدل اليومي : 5.10

    افتراضي

    يا إلهي كم تتحمّل هذه المرأة المُتشبّثة بالحياة..!!؟
    وهي تحتال على لقمة العيش، ببيع الأوهام لي ولأمثالي.

    البصارة مهنة تتوارثها فتيات الغجر عن أمهاتهن وجداتهن
    تبدأ الفتاة في التعرف على عالم التبصير وخفاياه منذ الصغر
    وهى مهنة تتطلب الألهام والمهارة والفن، ومعرفة فطرية بنفوس البشر
    فتحلل وتستنتج لتجلب السعادة لمن يلجأ إليها ـ وتلامس أمورا هامة في
    حياتهم فتمنحهم جرعات أمل تبعث لديهم الراحة والإطمئنان، وتدفع اليأس والإحباط عنهم.

    راقت لي القصة كثيرا بأسلوبها الرائع،ولغة سامقة جاذبة، وسرد مشوق، وبتصوير دقيق بليغ
    أبدعت في رسم المشهد فآسرتنا، وسحرتنا به
    لك تحياتي وكل الإحترام والتقدير.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية محمد فتحي المقداد أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 869
    المواضيع : 134
    الردود : 869
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    يا إلهي كم تتحمّل هذه المرأة المُتشبّثة بالحياة..!!؟
    وهي تحتال على لقمة العيش، ببيع الأوهام لي ولأمثالي.

    البصارة مهنة تتوارثها فتيات الغجر عن أمهاتهن وجداتهن
    تبدأ الفتاة في التعرف على عالم التبصير وخفاياه منذ الصغر
    وهى مهنة تتطلب الألهام والمهارة والفن، ومعرفة فطرية بنفوس البشر
    فتحلل وتستنتج لتجلب السعادة لمن يلجأ إليها ـ وتلامس أمورا هامة في
    حياتهم فتمنحهم جرعات أمل تبعث لديهم الراحة والإطمئنان، وتدفع اليأس والإحباط عنهم.

    راقت لي القصة كثيرا بأسلوبها الرائع،ولغة سامقة جاذبة، وسرد مشوق، وبتصوير دقيق بليغ
    أبدعت في رسم المشهد فآسرتنا، وسحرتنا به
    لك تحياتي وكل الإحترام والتقدير.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    أستاذة نادية
    أسعدك الله وحفظك
    سييدتي
    هي الحياة ومشكلتها العويصة لقمة العيش
    واكتساب الرّزق .. وطريقة تحصيلها
    الخبز يساوي البقاء ..
    البشر مفطورون على التكيف مع الوسيلة
    المعتادة لهم في طريقة العيش..
    والتعلم بأخذ الأسباب الموصلة لها ..
    وهذه الغحريّة نموذج بشري يفرح
    إذا حصل ما يزيد عن حاجته الأساسية
    ويكتئب حزنًا ويأسًا إذا ما شحّ رزقه
    .. تحيات يلك سيدتي الراقية