ملتقى رابطة الواحة الثقافية
ملتقى رابطة الواحة الثقافية
التسجيل مدونات الأعضاء روابط إدارية مشاركات اليوم التعليمـــات البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
Loading...
نرحب بكل حر كريم من أبناء الأمة ينتسب لهذا الصرح الكبير شرط أن يلتزم ضوابط الواحة وأهمها التسجيل باسمه الصريح ***** لن يتم تفعيل أي تسجيل باسم مستعار ولهذا وجب التنويه ***** نوجه عناية الجميع إلى ضرورة الالتزام بعدم نشر أكثر من موضوع واحد في قسم معين يوميا ، وكذلك عدم رفع أكثر من موضوعين لنفس العضو في الصفحة الأولى لأي قسم ***** كما يرجى التفاعل المثمر مع جميع مواضيع الملتقى والتركيز على رقي الطرح وسمو المضامين
نرحب بالجميع مشاركين ومستمعين سارع بالانتساب للاتحاد العالمي للإبداع مسابقة درع الواحة الماسي
أطلب عضويتك اليوم كلمة د. سمير العمري في انطلاقة الاتحاد حصاد جديد من سنابل الواحة ديوان حب في اليمن عدد جديد من مجلة الواحة الثقافية القطاف الثاني من خمائل الواحة
دقيقة صمت .. ق ق ج [ الكاتب : بهجت الرشيد - المشارك : محمد حمود الحميري - ]       »     غرباء [ الكاتب : محمد ذيب سليمان - المشارك : محمد ذيب سليمان - ]       »     للمخيّم نكهةٌ أخرى .... [ الكاتب : إياد عاطف حياتله - المشارك : ربيحة الرفاعي - ]       »     مصدر معلوماتك .. خ ق ج [ الكاتب : فريد البيدق - المشارك : محمد ذيب سليمان - ]       »     عن القمر [ الكاتب : عبد السلام دغمش - المشارك : محمد ذيب سليمان - ]       »     التوارث بين المسلم والكافر [ الكاتب : رضا البطاوى - المشارك : رضا البطاوى - ]       »     أنامل السهد [ الكاتب : خالد عباس بلغيث - المشارك : خالد عباس بلغيث - ]       »     لقد زرعتني شمسا [ الكاتب : حسين العفنان - المشارك : ربيحة الرفاعي - ]       »     تسألني من أنا ؟ [ الكاتب : بهجت الرشيد - المشارك : بهجت الرشيد - ]       »     على قدم وساق ... [ الكاتب : د. عبد الفتاح أفكوح - المشارك : ربيحة الرفاعي - ]       »     ****************************************************************************************************************************************************************************************
العودة   ملتقى رابطة الواحة الثقافية > مِنبَرُ الفِكْرِ وَ الحِوَارِ المَعْرِفِي > الحِوَارُ الإِسْلامِي
إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-10-2003, 10:46 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو

No Avatar

  المهندس .. الشهيد يحيى عياش .. رمز الجهاد و قائد المقاومة في فلسطين



كتاب شامل عن حياة و جهاد الشهيد القائد يحيى عياش أضعه بين أيديكم إخواني الأحبة لأني أعرف مدى حبكم و عشقكم لهذا المهندس الذي أسس العمل الجهادي الاستشهادي في فلسطين و قاد مرحلته
حتى أستشهد تاركا خلفه أجيال متعاقبة من المهندسين و صانعي المتفجرات الذين غيروا الخارطة السياسية و الديمغرافية بأكملها و أثروا في رسم السياسة و القرار في المنطقة بأسرها و جعلوا القانون هو قانون القسام و الخارطة هي الخارطة التي يرسمها القسام في طريقه إلى خلاص الامة من دنس الاحتلال الصهيوني .

فإلى هذا المهندس نهدي الكلمات و النشيد و كل جهد مبارك نقدمه
لنوفي له حقه و إننا نعلم أننا لا نستطيع أن نوفيه حقه كما أوفى لنا و للأمة العربية و الاسلامية عندما أخرجها من حالة الهزيمة إلى نشوة الانتصار في عملياته الاستشهادية الفدائية المزلزلة التي دك فيها مدن القلب الصهيوني و أحال حياتهم جهنما و أمنهم سرابا و خوفا و رعبا
كل شيئ عن المهندس يحيى عياش ستجدونه في هذا الكتاب الذي سننشره على حلقات و لا أقول أنكم ستتمتعون بقرائته بل أسأل الله العلي القدير أن يكون لكم الشهيد المهندس قدوة في أخلاقه و فكره و جهاده و ثباته على الحق و الجهاد و المقاومة حتى لقي الله شهيدا


تقديم
شهيد الأمة "يحيى عياش"

لا يوجد جنس من المخلوقات تتفاوت أفراده، كما يتفاوت بنو الإنسان، الواحد منهم قد يحسب بمائة، وقد يعتبر بألف.
وفي الحديث الصحيح: «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة».
وفي حديث آخر «ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الإنسان»(1).

وقديما قال الشاعر:
(والناس ألف منهمو كواحد وواحد كالألف إن أمر دهى)

وقد قيل: فرد ذو همة يُحيي أمة.

وقال الشاعر:
(وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد!)

وقال تعالى: (^إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يك من المشركين).

وقال ابن مسعود في معاذ: إن معاذاً: «كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين».

وإنما يتفاوت الناس ويتفاضلون بما يعيشون له من أهداف، فيصغرون أو يكبرون، ويعلون أو يهبطون حسب هذه الأهداف.

فمن الناس من يعيش لشهوة بطنه أو فرجه، وقد قال حكيم: من كان همه بطنه وفرجه فنتيجته ما يخرج منهما!

وقال تعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم).

وينشدون لأبي نواس قوله:

(إنما الدنيا طعام وشراب ومنام)

(فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام)

ومن الناس من يعيش لهدف دنيوي، فوق شهوة البطن والفرج، ولكن لشهوة أخرى، شهوة الاستعلاء على الخلق، والوصول إلى النفوذ والجاه والتحكم في عباد الله، ليعز من يحب، ويذل من يكره.

وهذه لا تخرج عن كونها شهوة من شهوات النفس، بل هي شر من الأولى ، وهذه هي آفة إبليس: الكبر والغرور، إذ أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، وقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.

ومن الناس من جعل أكبر همه المال، أو الغنى، يريد أن يجمعه من حلال أو من حرام، لا يبالي في سبيله أن يدوس كل القيم، وأن يتعدى كل الحدود، يَذِل لمن فوقه، ويطغى على من دونه، لأن المال هو وسيلته لإشباع شهواته الظاهرة والباطنة، وأداته للحصول على المجد الزائف إن كان من هواته، وهيهات أن يسعده المال، بل هو أداة تعذيب له كما قال تعالى في شأن قوم: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) وقال سبحانه: (أيحسبون أن ما نمددهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون).

ومن الناس من يعيش في الدنيا ميتاً أشبه بالحي، وغائباً أشبه بالحاضر، ومعدوماً أشبه بموجود، لم يعرف له هدفاً، ولم يحدد له غاية، يميل حيث تميل الريح، وتجري به الأمواج يميناً وشمالاً. ولا يعرف له براً يرسو عليه، ولا منزلاً يأوي له، غافلاً عن نفسه وما حوله، كالذين قال الله تعالى فيهم: (لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل أضل، أولئك هم الغافلون).

ومن الناس صنف متميز ، لم يجعل الدنيا أكبر همه، ولا مبلغ علمه، ولم تشغله نفسه ولا شهواته، ولا مصالحه الذاتية، بل هو يعيش لهدف كبير، ولرسالة عظيمة، نذر نفسه لها، ووهب حياته وجهوده وقدراته لتحقيقها، لا يضن عليها بنفس ولا نفيس، ولا يبخل عليها بغال ولا خسيس، هي شغل نهاره، وحلم ليله، فيها يفكر، وبها يهيم، وإليها يسعى، عليها يحرص، ومن أجلها يحب ويبغض، ويصل ويقطع، ويسالم ويحارب، وهو الذي قال الله تعالى في مثله: (^ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد).

وقال سبحانه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً. ليجزي الله الصادقين بصدقهم).

وأحسب أن من هؤلاء الذين باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه: المهندس الموهوب، المجاهد الشهيد يحيى عياش، الذي نذر نفسه ومواهبه ووقته وجهده، وكل ما يملك: لقضية كبيرة خطيرة، هي قضية المسلمين الأولى: قضية أرض النبوات التي بارك الله فيها للعالمين، أرض الإسراء والمعراج، أرض المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.

نذر ذلك، وهو في ريعان الشباب، ومقتبل العمر، في السن التي يلهو فيها اللاهون، ويعبث فيها العابثون، ولكن أخانا الحبيب يحيى كان أمامه مُثُل أخرى: مصعب بن عمير، أسامة بن زيد، وأمثالهما من شباب هذه الأمة.

لقد سماه إخوانه (مهندس الأجيال) لأنه استغل مواهبه وخبراته في الهندسة والتخطيط للعمليات البطولية الاستشهادية، ضد بطش الكيان الصهيوني وجبروته، تلك العمليات التي أرقت على إسرائيل ليلها، وكدرت عليها نهارها، وجعلتها تبيت مفزَّعة، وتصحو قلقة خائفة، من أولئك الشباب الذين باعوا أرواحهم لله ولم يبالوا بما يصيبهم في سبيل الله (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم بها عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين).

ولقد عرفت إسرائيل العقل المدبّر وراء هذه العمليات، فجندت كل القوى العسكرية والمادية والتآمرية للانتقام منه، حتى استطاعت أن تنال ما تريد منه، ونال هو ما أراد أيضاً، فقد كان يريد الشهادة، ويعرف أنها مصيره اليوم أو غداً. (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم. ويدخلهم الجنة عرفها لهم).

لقد كان يحيى من ذلك الصنف الذي وصفه الله تعالى بقوله: (يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) وهو كان غيظاً لليهود في حياته، وكان وسيظل دمه نقمة عليهم بعد مماته.

في هذا الكتاب، عن سيرة الشهيد يحيى عياش، وقصص بطولاته الفذة، نلمس أثر النشأة الصالحة، والهداية المبكرة، في صناعة يحيى الشاب المؤمن ومن ثم المجاهد الصلب، والمتطلع بإخلاص عز نظيره لإحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، حتى أن المتابع لفصول بطولاته المتلاحقة يحس بوضوح أن يحيى بلغ من إيمانه بالله عز وجل، وتوكله عليه حدوداً أدرك معها، أن الله معه وهو إن شاء الله ناصره ومعزه.

ونود أن نقول للصهاينة القتلة: أن يحيى لم يمت. إنه موجود في إخوان له، يسيرون على خطه، ويعملون لهدفه، كل منهم يحيى عياش إن شاء الله.

إن المصنع الذي صنع البطل يحيى، ما زال يصنع الأبطال، وإن المعهد الذي خرجه ما برح يخرّج كرام الرجال. إنه الإسلام بعقيدته وشريعته وقيمه العليا، إنه الإسلام بقرآنه وسنته وسيرة رجاله الأطهار، الذين كلما غاب منهم كوكب طلع كوكب آخر أو أكثر.

(إذا مات منا سيد قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول!)

رحم الله شهيدنا الحبيب يحيى، وتقبله في عباده المرضيين، ونصر الله إخوانه السائرين على دربه من بعده....

آمين....

الفقير إلى عفو ربه
الأستاذ الدكتور . يوسف القرضاوي



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

الصور المرفقة
نوع الملف: jpg yahya2.jpg‏ (21.7 كيلوبايت, المشاهدات 68)
نصائح مهمة: 1- أفحص الملف المرفق بأي برنامج مضاد للفيروسات
2- قم بمراسلة المراقب عن أي مرفق يوجد به فيروس
3- المنتدى غير مسؤول عن ما يحتويه المرفق من بيانات

   

رد مع اقتباس
قديم 08-10-2003, 06:33 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



الحلقة الثانية
--------------
مقدمة
بقلم / الكاتب غسان دوعر


حين يُكتب تاريخ فلسطين -الشعب والقضية- بأيد منصفة وأمينة، ستدرك الأجيال المتعاقبة أن يحيى عياش أو (المهندس) كما عرف في حياته يحتل مكاناً بارزاً بعد أن سطر ملحمة تاريخية خالدة من أجل فلسطين ومات في سبيل الله وفلسطين فوق أرضية صلبة من الفهم العميق بطبيعة القضية الفلسطينية. فقد أدرك يحيى معادلة التعامل مع العدو منذ أن لمست يداه أول سيارة مفخخة أعدها لاستنهاض الشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته ومختلف تياراته نحو مقاومة شاملة للاحتلال الذي لا يفهم إلا لغة المقاومة ومفردات القوة، ولذلك أعلن زعماءه وقادته يأسهم واعترفوا قائلين: ماذا نفعل لشاب يريد الموت.

«المهندس» هو عنوان الأسطورة الفلسطينية الحقيقية التي جددت الأمل وقتلت اليأس وأعادت الحياة إلى روح الجهاد والمقاومة في فلسطين بما كتبته من صفحات مشرقة في حكاية الصمود والجهاد البطولي في ظل أسوأ الظروف. وقصة المهندس معروفة، ومحفوظة بمداد الحب في قلوب معاصريه، واسمه تردد بشكل دائم في كل منتدى وبيت وعلى كل شفه ولسان من المغرب وحتى اليمن. وذكره مئات الملايين من العرب والمسلمين عندما أظلمت الدنيا واشتدت الأزمات، وفاضت على وجوههم مظاهر الألم والقهر والإحباط.

لقد عرف يحيى عياش موطن ضعف عدوه، ومكمن قوة شعبه، فاستغل معرفته لإعادة جزء من التوازن المفقود للقوى بين شعبه الأعزل وعدوه المدجج بالأسلحة، عن طريق نقل الصراع من ساحة المادة الضيقة إلى ميدان المعنويات الأرحب. فأصبح الصراع بين عدو مكبل بالخوف من الموت وشعب يعشق التضحية في سبيل حريته. ولأن للبطولة طعم آخر في اللحظات الحاسمة فإن يحيى عياش يكاد يتفرد بين أبطال الشعب الفلسطيني، فقد جاء في ذروة الانهيار ليعلن أن الشعب الذي تحفر القبور لدفن قضيته ما زال مفعماً بالحياة، وأن مقولات اليأس الرسمية ليست أكثر من رماد يواري الجمر المتقد في صفوف الشعب.

في عمره القصير صنع يحيى عياش الكثير، فقد أدرك منذ البداية أنه يسابق الزمن حين قرر العمل على نسف جدار الأمن الشاهق الذي أقامه الصهاينة مستغلين ترسانتهم العسكرية وخبراتهم المتراكمة في مواجهة شعب أعزل محاصر، فكان مبادراً حيث لا فائض من الوقت لدى شعب يحيا واحدة من أكثر مراحل تاريخه المعاصر حرجاً. وعاش لشعبه ومن أجله رحل، في وقت يتصارع المهزومين على فتات يظنون أنه مغانم حرب وضعت أوزارها.

إن هذه الشخصية المتميزة في عطائها وقدرتها على المبادرة والتجديد تستحق أن نقف عندها وقفة متأملة، فاحصة نستطلع حياتها ومكامن العظمة في شخصيتها، ونقوم تجربتها الرائدة ونستخلص العبر من مسيرة عطائها الحافلة بالتضحيات في سبيل الرسالة التي آمنت بها ونذرت نفسها وحياتها لتحقيقها. ولئن جسد يحيى عياش، حالة الشاب القروي البسيط، الذي كان من الممكن أن يكون كغيره من الآلاف الذين يحملون الشهادة الجامعية مهندساً عادياً يعمل في إحدى الشركات أو الورش ويتقاضى راتباً مرتفعاً في إحدى الدول ويعيش في أفخم الشقق وأرقى الأحياء والمدن، إلا أن بطلنا تغاضى عن هذا كله وقفز فوق كل الحواجز وتمسك بإسلامه وقضيته. فكانت المقاومة والجهاد حبه الكبير الذي أعطاه عصارة أفكاره وعاطفته مجسداً في الوقت نفسه القدرة على الفعل الحقيقي من دون خطابة أو إعلام، فهو لم يظهر متحدثاً وراء الكاميرات ولا كاتباً عن إنجازاته وأعماله في صحف أو وسائل إعلام. ولم يكن يقلقه أبداً أن يعلن الآخرون عن أعمال قام بها، ولا حتى أن يختلفوا فيما بينهم حول هذه الأعمال ونسبتها، فقد تربى على يد والديه البسيطين، ونهل من منهل الإسلام، فنشأ بسيطاً ومتواضعاً تواضع المؤمنين بغير ادعاء، الذين يعطون بغير تفاخر. ولعله لاحظ أن الإعلان عن فعل العطاء يفقده الأثر، كما يفقد الجهر بالإحسان الثواب.

واطمأنت نفس مهندسنا إلى ضرورة التمويه والاختفاء، إذ أن العدو المحتل يقف بالمرصاد، يجمع فتات المعلومات، محاولاً الوصول إلى من تحول بالنسبة إليه العدو رقم (1) باعتبار أنه «مخرب خطير وشبح مفزع». وهكذا عرف الناس من البيانات الإسرائيلية وتعليقات الصحف العبرية من هو يحيى عياش دون أن يتحدث هو أو يتكلم وإنما كان يجتهد في وضع الخطط الجديدة وإعداد التعليمات التي تناسب المرحلة في ورش صناعة الشهداء. فترسخت صوره في العقول والقلوب والأذهان كشخصية أسطورية وبطلاً قومياً نشر الموت في دروب الاحتلال وهزم الأسطورة المزيفة من جيش وأجهزة أمن في الدولة العبرية.

لم يكن المهندس يبحث عن دور تاريخي بقدر ما كان الدور التاريخي يبحث عن قائد، ولم يكن يحيى نجومياً يبحث عن الشهرة والشعبية بقدر ما كانت الجماهير تائقة إلى بطل تلتف حوله يعيد للأيام بهجتها وللحياة طعمها وللإسلام انتصاراته وشموخه. ولأن نماذج القادة الأبطال الذين تنتجهم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لا يركبون موج الصدفة ولا يتسلقون حبال العشوائية أو يركبون أحضان المستجدات، بل هم دائماً على موعد دقيق مع أقدارهم وعلى أهبة الاستعداد لأداء دورهم في حيز الوجود والفعل ثم الرحيل بشموخ مع إشراقة الشمس، كان ألم محبيه من مشرق الوطن العربي ومغربه فاجعاً حين أفاقت عيون الملايين ذات صباح على صورته وهي تتصدر مئات المطبوعات والدوريات على اختلاف لغاتها ولهجاتها ولكناتها معلنة أن المهندس الذي أثار غيظ الصهاينة وسكن ساحة الرعب الهستيري لدى الجمهور الإسرائيلي قد استشهد وترك شعبه فجأة. ولكنها ليست مفاجأة على الإطلاق أن ينضم المهندس إلى طابور أبطال المقاومة والقادة والشهداء، ويتبع بلا خوف ولا تردد أو انقطاع هتاف صلاح الدين الأيوبي وعز الدين القسام وعبد القادر الحسيني. فالذي يعيش زهرة شبابه وحياته كلها مجاهداً تكون الشهادة نصب عينيه دائماً بل إنه اشتكى مراراً بأن هذه الأمنية التي كانت تراوده دائماً قد تأخرت. وحين جاءت، جاءت كجزء من العمل، بل كرمز لهذا الجهاد المشرف، تماماً مثل الرمز الذي حمله منذ أن أعد عمليته الأولى. وكل ما فعله المهندس الأسطورة أنه أكمل الرمز حتى النهاية، وأكمل حلقة الحياة التي بدأها منذ أن صرخ في أذن الدنيا ومسمع الحياة في السادس من آذار (مارس) عام 1966.

أما إسرائيلياً، فإن الكيان الصهيوني لم يبد اهتماماً بمقاتل أو شخص يفوق الاهتمام الذي أبداه تجاه المهندس يحيى عياش. فقد جند الآلاف من العسكريين لملاحقته وجعله رئيس مصلحة المخابرات العامة (الشاباك) هدفه الأول منذ تعينه في منصبه وسخر كل طاقاته وتفكيره وجهود جهازه وعملائه. وأُرسلت الوحدات الخاصة في أثره ونُصبت كمائن له في كل مكان، في الجبال والكهوف والبيوت المهجورة ومخيمات اللاجئين، ولم تعد تقريباً قرية إلا وداهمتها وحدة مختارة من الجيش الإسرائيلي وفيما اقتفى العشرات من ضباط المخابرات وقوات المستعربين وجنود المظلات الذين يحملون صورة الشاب صاحب الكوفية الحمراء أثاره لأكثر من ثلاث سنوات، أضحى يحيى عياش الهاجس الأساس لاسحق رابين الذي أصبح يسأل عنه في كل اجتماع لمجلس الوزراء، وفي كل مرة يلتقي هيئة الأركان وقادة الشاباك. ولهذا، كان يحيى عياش محور العديد من الدراسات الإسرائيلية التي حاولت حل لغز الشاب الذي ينتقل دون كلل أو ملل يجند وينظم الشبان ويصنع الأبطال والشهداء منهكاً دولة وحكومة وأجهزة استخبارات تعد من أشد الأجهزة العالمية.

ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن مشكلة سلطات الاحتلال مع المهندس، شكلت أعقد المشاكل الأمنية التي واجهتها المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية منذ قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين. فالرجل الأسطورة قد سن سنة غريبة عن بني صهيون تتمثل في العمليات الاستشهادية، والتي يستحيل مقاومتها حسبما قال رابين نفسه. فقد برع المهندس بتصنيع المتفجرات من أدوات ومواد متاحة، مما أوجد مشكلة كبيرة لدى أجهزة الاحتلال في تتبع مصادر الأسلحة، كما أن عياش ابتكر نموذج حقائب المتفجرات والقنابل البشرية (تفخيخ الاستشهاديين)، وهي مشكلة أعقد من السيارات المفخخة. وكأن المهندس أراد أن ينقل رسالة اعتبارية قبل أن يفوز بلذة النظر إلى وجه ربه الكريم وهي أن رجلاً واحداً -مخلصاً لهدفه ومعتقداته- وبعدة متاحة لكل من يشاء يستطيع أن يمرغ غطرسة الكيان الصهيوني في التراب ويرعب قياداته وجنوده ويجعلهم يحفظون صورته ويعلقونها في مكاتبهم ويحملونها في دورياتهم وينسجون حولها الأساطير الغريبة.

وإذا ترجل المهندس واستراح من عناء الملاحقة، فإن الأسطورة لم تنته. وإنما ترسخت، فالمهندس الذي استشهد في انفجار دبرته أجهزة الإرهاب ورحل بعد سنوات من الحرب بكل المقاييس بينه وبين جيوش وأجهزة الاحتلال في كل مكان، خط لجميع المجاهدين في فلسطين درباً لن يزول. فقد أمضى يحيى عياش العام الأخير من حياته في تدريب وإعداد عشرات الخلفاء له، إذ يؤكد المقربون له بأن المهندس الذي كان يتوقع الموت مع كل طرفة عين كان دائماً يردد: «بإمكان اليهود اقتلاع جسدي من فلسطين غير أني أريد أن أزرع في الشعب شيئاً لا يستطيعون اقتلاعه».

هذا الكتاب مجرد محاولة للإبقاء على يحيى الرمز بعد أن غاب يحيى الإنسان، وللحفاظ على جزء من الذاكرة الفلسطينية التي تتعرض لمحاولات طمس وتشويه استعداداً للدخول إلى عهد جديد تنقرض فيه البطولة ونماذج الفداء كما يريد أحبار هذا العصر وصناعه.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

الصور المرفقة
نوع الملف: gif ayash.gif‏ (19.3 كيلوبايت, المشاهدات 61)
نصائح مهمة: 1- أفحص الملف المرفق بأي برنامج مضاد للفيروسات
2- قم بمراسلة المراقب عن أي مرفق يوجد به فيروس
3- المنتدى غير مسؤول عن ما يحتويه المرفق من بيانات

   

رد مع اقتباس
قديم 11-10-2003, 04:17 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



خامساً: جولات غزية

1- هجرة رجل جريء وشجاع

لم يكن أحد يتأثر بحساسية مفرطة تجاه المهندس بقدر ما كان يتأثر اسحق رابين الذي يضطلع بالمسؤولية المباشرة عن عمليات الموساد والشاباك بحكم توليه منصب رئيس الوزراء. ففي اجتماعه الدوري مع القيادة المشتركة لأجهزة الاستخبارات الثلاث في شهر آذار (مارس) من عام ،1995 ضرب رابين الطاولة بغضب شديد حين عرضت عليه الشاباك اعترافات وسام فرحات، وهو أحد الذين اعتقلوا على خلفية شاحنة تل السبع. فقد تضمنت تلك الأوراق استنتاجات وخلاصات توصل إليها الجنرال يعقوب بيرى (رئيس الشاباك) بأن يحيى عياش قد نجح في مغادرة الضفة الغربية ووصل إلى قطاع غزة. ولم يجد رابين إجابات صريحة ووافية عن التساؤلات التي أثارها حول هذا الموضوع. ورغم ذلك، فقد طالب بإصرار من رؤساء أجهزة الاستخبارات بتفسيرات واضحة حول الكيفية التي استطاع المهندس من خلالها أن يتجاوز آلاف المخبرين الإسرائيليين الذين كلفوا بمتابعته وعشرات الآلاف من الجنود وحرس الحدود ورجال الشرطة الذين انتشروا في الضفة الغربية وقطاع غزة وبحوزتهم صور ملونة ليحيى عياش بأشكال مختلفة (حليق وملتحي وبشارب وبغير شارب...) ولديهم أوامر عسكرية مباشرة بقتله فوراً وحال القبض عليه(108).

ولكن خبراء الأمن والاستخبارات الإسرائيليون هم أول من اعترف بأن (هجرة) المهندس إلى قطاع غزة وجه ضربة قاسية لمكانة الحكومة وسمعة القدرات الأسطورية لأجهزة استخبارات الدولة العبرية. ففي الوقت الذي يفتخر فيه كل إسرائيلي بمآثر الموساد والشاباك وآمان التي تضمنت اغتيال قادة بارزين في منظمة التحرير الفلسطينية وتدمير المفاعل النووي العراقي بالقرب من بغداد، وعملية الأماكن الفذة لرهائن طائرة الركاب الفرنسية المختطفة إلى عنتيبى بأوغندة، بدا ضرباً من المستحيل وصعباً على التصديق عند المواطن الإسرائيلي أن يحير قروي فلسطيني بنفر قليل من الأتباع أكبر العقول الاستخبارية في الدولة اليهودية.

أحد الخبراء الأمنيين الإسرائيليين لم يستطع أن يخفي إعجابه بالمهندس ليس بسبب مهارته في التخطيط وصناعة القنابل فحسب، وإنما بسبب مهارته في التخفي وقدرته على التفكير وحساسيته تجاه السرية. وينقل هذا الخبير، والذي لم تشر صحيفة الأوبزيرفر البريطانية في تقريرها المطول عن المهندس إلى اسمه أو رتبته، عن أحد المعتقلين الذين عملوا في خلايا عسكرية لحركة حماس كانت تتبع يحيى عياش بأنه مضت عدة شهور قبل أن يكتشف أن المرأة التي كانت تجلس في أحد الحقول بمنطقته هي في الحقيقة (المهندس).

تقارير الاستخبارات الإسرائيلية حول الصراع اللامنتهي والخفي مع المهندس كانت تتضمن معلومات تفصيلية اجتهد عملاؤها في الحصول عليها. ولأننا أمام طرفان لا يستهين أحدهم بالآخر، فإن طبيعة الحرب بين المهندس والشاباك لا بد أن تتضمن تسريب معلومات يراد منها التضليل وإبعاد الأنظار عن أمر معين.

وفي إطار عملية التضليل التي مارسها المهندس على أجهزة الاستخبارات، نقل أحد المجاهدين المعتقلين -بإيعاز من المهندس- بأن التخفي خلف حجاب امرأة، واحد من أكثر التشكيلات التنكرية المفضلة ليحيى عياش كونها تمكنه من عبور نقاط التفتيش العسكرية بسهولة كبيرة. ففي أوساط الرجال الفلسطينيين قلما تثير امرأة محجبة أثناء سيرها في شوارع رام الله مثلاً انتباه المارة(109).

عبقرية المهندس وشخصيته الأسطورية التي تكاد تخلط الحقيقة بالخيال إذا ما أُسقطت عليها معايير العصر الحديث تتقدم على أعتى العقول العسكرية وأكفأها في حرب العصابات. فالرجل رغم غموض هدفه من تسريب هذه المعلومات عند رفاقه في قيادة كتائب عز الدين القسام ومساعديه، كان يخطط للطريقة التي سينتقل من خلالها إلى قطاع غزة. وعندما نقارن الأسلوب الذي اختاره يحيى عياش للهجرة مع شخصية المهندس المثيرة، نجد أنفسنا أمام إنسان غير عادي بقدراته وجرأته وشجاعته. فقد رفض أن ينتقل في عتمة الليل كخفافيش الظلام أو يجتاز السلك الإلكتروني المحيط بقطاع غزة عن طريق المهربين وغيرهم، وإنما اختار طريقاً اعتاد المتميزون من قادة ومجاهدي كتائب عز الدين القسام سلوكه. وإن كنا لا نقلل من قدر أحد أو جهاده، فإنه حتى هؤلاء المتميزون لم يكونوا مطلوبين بالشكل الذي كانت عليه حالة يحيى عياش مع سلطات الاحتلال. وما نقصده هنا، حول الطريقة أو الأسلوب الذي اختاره المهندس في الهجرة إلى قطاع غزة، هو العبور بشكل رسمي وفي وضح النهار عبر حاجز ايرز الذي يمثل البوابة الشمالية الشرقية للقطاع مستخدماً سيارة تحمل لوحات إسرائيلية صفراء وهوية حاخام يهودي، وهذه بلا شك مجازفة خطيرة. ولأنها تمت، وبنجاح، فإنه يسجل للمهندس وكتائب عز الدين القسام القدرة على حفظ السر والكتمان، إذ استمرت قوات الاحتلال والشاباك في حملتها المكثفة للبحث عن يحيى عياش في الضفة الغربية.

وفي يوم جميل من أيام الشتاء المعتدلة، انطلق المهندس في سيارته باتجاه حاجز ايرز في رحلة حبس القساميون في الضفة الغربية وقطاع غزة أنفاسهم لساعات عديدة بانتظار كلمة السر ترد عبر الأثير من المجاهد البطل كمال كحيل -قائد الكتائب في المنطقة الشمالية من قطاع غزة الذي خرج بدوره من قاعدته لاستقبال المهندس في الطرف الثاني من الحاجز الإسرائيلي. وقد روى أحد المجاهدين الذين عملوا مع المهندس في قطاع غزة لمراسل صحيفة بريطانية كيف اجتاز المهندس حاجز ايرز، حيث كتب شيام بهاتيا وتحت عنوان (بطل إرهابي يترصد إسرائيل) ما يلي: «بكل أدب، رد الجنود الإسرائيليون عند نقطة التفتيش في حاجز إيرز على تحية الحاخام الإسرائيلي، الذي اعتمر قلنسوة ضيقة -شالوم- وهم يلوحون لسيارته السبارو بالعبور إلى داخل مناطق الحكم الذاتي، معتبرين إياه واحداً من أربعة آلاف مستوطن يقطنون القطاع، خاصة وأنه لم يثر انتباه أي منهم. ولم يعلموا، أن اليهودي المبتسم وصاحب العيون الغائرة هو يحيى عياش، المطلوب الفلسطيني الأول، والذي يعتقد أنه وراء سلسلة من العمليات الانتحارية أسفرت عن مصرع 70 إسرائيلياً وجرح عشرات آخرين. فعندما اختار عياش التخفي في صورة حاخام يهودي حرص على التأكد من كتابة كل الشعارات الضرورية على سيارته، من قبيل: الله أعطى هذه الأرض لليهود، والجولان لنا، والخليل مدينة يهودية. كما وضع عياش رشاش العوزي بشكل ظاهر للعيان في المقعد المجاور للسائق. وعلى الرغم من مزاج التصالح بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن مجرد ذكر اسم المهندس يثير موجات من الذعر في صفوف الإسرائيليين. وبالنسبة للعديد من أبناء شعبه فإن عياش قدم للأهداف والقضية الفلسطينية خلال ثلاث سنوات، ما لم تستطع م.ت.ف تقديمه خلال ثلاثة عقود»(110).

2- في حي الشيخ رضوان

لم يكد المهندس يستقر في حي الشيخ رضوان حيث يتخذ القائد كمال كحيل إحدى قواعده السرية بين أهله الذين يعرفون بتأييدهم ومساندتهم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تمهيداً لدراسة الأوضاع ميدانياً بهدف اختيار أفضل وأنجع الخطط لتنفيذ الأهداف التي من أجلها وفد لقطاع غزة، حتى وجد المهندس نفسه أمام حالة استثنائية تتطلب منه التدخل بشكل مباشر ورد كيد الصهاينة إلى نحورهم بجواب عملي على رسالتهم الدموية. فقد اغتالت الشاباك المجاهد هاني عابد -أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة- بتفجير قنبلة متقنة الصنع وضعت خلف مقعد السائق في سيارته أثناء توقفها خارج مبنى كلية العلوم والتكنولوجيا في خان يونس، حيث يعمل كمدرس لمادة الكيمياء. وكان واضحاً بأن اغتيال عابد الذي تم يوم الأربعاء الموافق 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 يشكل (رسالة) أرادت الشاباك إسماع صداها لقادة حركة حماس، إذ علق إليكس فيشمان -المحلل العسكري في صحيفة معاريف الإسرائيلية- على عملية الاغتيال ومغزى اختيار أحد قادة الجهاد الإسلامي بدلاً من استهداف حماس بعد أن أوحت حكومة اسحق رابين بنيتها تنفيذ سلسلة اغتيالات في صفوف قادة حماس بعد عملية تل أبيب، قائلاً: «إن اغتيال عابد جاء ليؤكد أن قواعد اللعبة قد تغيرت، فهذه العملية تنطوي على عنصر عقوبة شخصية مباشرة يقول: إن من له ضلع في الإرهاب سيدفع الثمن. وهذه هي الرسالة التي حرصت إسرائيل على نقلها لحركة حماس، الفصيل الأكبر والأنشط، عن طريق حركة أصغر تعتقد إسرائيل أنها أقل قدرة على الرد. ومن جانب آخر، فإن إسرائيل لم توجه الضربة لحركة حماس مباشرة، رغم التهديدات الأخيرة، فهذا يعود إلى حرص إسرائيل على عدم توسيع نطاق حربها مع حركة حماس الأقوى من حركة الجهاد الإسلامي، ومقتل عابد جاء كرسالة عملية منها لزعماء في حركة حماس من أجل أن يأخذوا تهديداتها هذه المرة مأخذ الجد». وقد أكدت الحكومة الإسرائيلية ما جاء في تحليل فيشمان حين وصف أوري درومي، المتحدث الرسمي للحكومة، مقتل عابد بأنه كان «رسالة من جانب من قام بقتله»(111).

وفي رد فعل طبيعي، بدأ التوتر في قطاع غزة شديداً، وظهر جلياً أثناء تشييع جثمان الشهيد هاني عابد إذ أن مشاعر الغضب والتحفز قد طغت على أحاسيس الحزن لدى آلاف المشيعين. وفي أجواء مثل تلك، لم تغب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بطبيعة الحال، بل إنها كانت حريصة على إظهار مساندتها ووقوفها إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي. وظهر ذلك جلياً من خلال البيان المشترك الذي توعدت فيه الحركتان بأن تجعلا العدو الصهيوني يدفع ثمن هذه الجريمة(112)، إلى جانب تنظيم مظاهرة ضخمة شارك فيها نحو (18) ألف فلسطيني انطلقت من مسجد فلسطين في مدينة غزة عقب صلاة الجمعة أطلق فيها القائد كمال كحيل والمجاهد حاتم حسان النار في الهواء تكريماً للشهيد هاني عابد(113). ولم تكتف حركة حماس بهذه الفعاليات فحسب، بل اتبعتها بما هو أكبر وأقوى تأثيراً على الكيان الصهيوني. فقد طلب المهندس من القائدين كمال كحيل ومحمد الضيف رصد المواقع العسكرية والاستيطانية الإسرائيلية وترشيح أهداف مختارة بعناية بحيث يُحدث التعرض لها آثاراً حسية ومعنوية لدي العدو تتناسب مع عملية اغتيال القائد هاني عابد.

لم تكن تلك المهمة بالأمر السهل، في ضوء استنفار القوات الإسرائيلية وإعلانها حالة الطوارىء في صفوف قواتها العاملة في كافة أرجاء القطاع وداخل المستوطنات اليهودية فيه. ورغم هذه الحقيقة، رشحت وحدات الاستطلاع والرصد عدة أهداف منها ما هو عسكري كالنقطة العسكرية عند مفترق مستوطنة نتساريم ومنها ما هو استيطاني كغوش قطيف جنوب قطاع غزة. وبعد موازنة بين تلك الأهداف، استقر رأي المهندس على المباشرة بالتخطيط لتنفيذ عملية استشهادية ضد ضباط قيادة كتيبة المظليين المرابطين في مفترق نتساريم. ولإبعاد العيون عن عملاء الاحتلال، طلب المهندس من المجموعات التي كانت تعمل بإمرة القائد كمال كحيل تسريب معلومات استخبارية حول نية كتائب الشهيد عز الدين القسام تنفيذ هجوم استشهادي بواسطة سيارة ملغومة ضد إحدى المستوطنات اليهودية في منطقة غوش قطيف. وبالفعل، عززت قوات الجيش ووحدات المخابرات الإسرائيلية من تدابيرها وحراستها حول تلك المستوطنات، وعلى الطرق المؤدية إليها. كما قامت قوات الاحتلال بإجراء تفتيشات دقيقة جداً في سيارات المواطنين الفلسطينيين المارة على الطرق المؤدية لغوش قطيف أو المحاذية لها(114).

المعلومات التي جمعتها مجموعات الرصد التابعة للكتائب حول مفترق نتساريم دلت بأن الهدف قد تم تحصينه بمكعبات إسمنتية إلى جانب توسيع المنطقة الأمنية المحيطة والإعلان عن حالة الطوارىء في صفوف كتيبة المظليين. وبعد دراسة المهندس لتلك المعطيات، وجد أن استخدام سيارة مفخخة للهجوم يعد مجازفة غير مضمونة النتائج، خاصة وأن المركبات المسافرة على الطريق المؤدي للمفترق تسير ببطء شديد في انتظار الفحص الأمني عند الحاجز الإسرائيلي. وفي ضوء هذا الواقع، أخذ مهندس الأجيال يفكر بوسيلة يستطيع من خلالها إيصال قنبلة بشرية (استشهادي يحمل حقيبة متفجرات) إلى داخل الموقع العسكري بالمفترق متجاوزاً رتل السيارات ودون أن يثير شبهة أو انتباه جنود الحراسة في برج المراقبة. ولم يطل الأمر، حتى توصل المهندس إلى مبتغاه، والتي اعترف العسكريون الإسرائيليون بأنه لم يخطر على بالهم مواجهة عملية استشهادية على دراجة هوائية(115).

ولم يكن الاستشهادي الذي تطوع لتلك المهمة سوى الشيخ هشام إسماعيل عبد الرحمن حمد (أبو محمد) البالغ من العمر (21) عاماً والذي يعمل إماماً لأحد مساجد حي الشيخ رضوان، وهو أصغر أشقائه الستة سناً. ولأن اليوم المفترض لتنفيذ العملية لم يكن عادياً، بالنسبة للشيخ هشام، فقد طلب من والدته حين توجه للمسجد كعادته لأداء صلاة الفجر بأن تباركه وتدعو له بالجنة. وبعد الصلاة، التحق شيخنا بإخوانه حيث تم تدريبه على تشغيل المتفجرات وطريقة الوصول للموقع والنقطة العسكرية المقصودة، وهي تجمع ضباط الكتيبة. وعاد الشيخ إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، ثم ركب الدراجة الهوائية واتجه نحو المكان المعد لاستلام الحقيبة التي أعدها المهندس والتي احتوت على حزام من المتفجرات شديدة الانفجار تزن نحو عشرة كيلوجرامات(116).

بناء على التعليمات والخطة المعدة، غادر الشيخ هشام حي الشيخ رضوان ماراً ببيارات البرتقال المجاورة، ومن هناك صعد إلى الطريق الرئيسي المؤدي للمفترق. وتقدم المجاهد بدراجته دون أن يثير الشبهات عند أحد، وتابع طريقه نحو الضباط الإسرائيليين الذين كانوا يصدرون تعليماتهم إلى الجنود لاتخاذ جانب الحذر من عمليات متوقعة ويرشدونهم حول كيفية مواجهة مظاهرات غضب فلسطينية قد تصل حتى المفترق. ومن بين السيارات، انطلق الشاب الأسمر بسرعة فائقة نحو هدفه في نحو الساعة الثانية إلا ربع من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994. وفجر البطل عبواته الناسفة على بعد أقل من متر من الضباط الثلاثة (مقدم ونقيب وملازم أول) فقتلوا على الفور وأصيب ستة من الجنود وأفراد حرس الحدود، اعتبر الأطباء إصابة اثنان منهم خطيرة، وأحدهم أصيب بشلل جسدي كامل. وعلى الأثر، هرعت قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي إلى المكان، وأغلقته، ومنعت أحداً من الوصول إليه، وأشرف قائد المنطقة الجنوبية الجديد، الميجر جنرال شاؤول موفاز على عمليات التمشيط التي جرت في محاولة لتقصي أي أثر يقود إلى من أرسل الشهيد هشام حمد(117).

كانت العملية بما أحدثته من خسائر بشرية ومادية، وما أثارته من مناقشات وتصريحات حول العبء الأمني الكبير الذي يقع على الجيش الإسرائيلي نظير قيامه بحماية وحراسة المستوطنات، بالإضافة إلى اهتزاز الروح المعنوية لدى الصهاينة، رداً مناسباً على جريمة اغتيال الشهيد هاني عابد. وهذا ما دفع اسحق رابين ونائبه، شمعون بيريز على انتقاد هبوط الروح المعنوية وتآكل الجبهة الداخلية في الكيان الصهيوني، إذ قال رابين خلال لقاء عقده مع الصحفيين: «كانت الكوارث والعمليات تعطينا المناعة وترص صفوف الجمهور، أما اليوم فلست متأكداً من ذلك، إذ أن الجمهور الإسرائيلي ليس لديه مناعة ضد ظاهرة العمليات الانتحارية». كما حذر شمعون بيريز في تعليقه الجمهور الإسرائيلي من التعامل مع العملية الاستشهادية في نتساريم بروح ونفسية مهزومة إذ «إننا نتعامل مع منظمة سرية بالغة الخطورة لديها كثير من المهاجمين الانتحاريين في صفوفها» على حد تعبيره(118).



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-10-2003, 04:35 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



3- تحية عسكرية لعماد عقل

مثلت عملية الشهيد البطل هشام حمد في مفترق نتساريم بداية مرحلة جديدة ليحيى عياش، مهندس العمليات الاستشهادية الأول في فلسطين. وهذه البداية لا تقتصر على كون العملية، هي الأولى التي يشرف على تنفيذها في قطاع غزة فحسب، بل لكون المهندس قد اتفق مع قيادة الحركة الإسلامية في القطاع بألا تعلن كتائب الشهيد عز الدين القسام أو حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن تبني العمليات الاستشهادية التي تنفذ في قطاع غزة أو تنطلق من هناك. وكان البعد الأمني لهذا الموضوع واضحاً في هذا الاتفاق، إذ أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لم تكن على علم بأي شكل من الأشكال -حتى الأسبوع الرابع من آذار (مارس) 1995- بوجود المهندس في قطاع غزة، وكان آلاف الجنود والمخبرين ورجال الشرطة يبحثون عنه كما أشرنا في الضفة الغربية.

ويعود المهندس بنا إلى حي الشيخ رضوان حيث اجتمع مع مساعديه والقائد كمال كحيل لتقييم الهجوم الاستشهادي في مفترق نتساريم ودراسة الآثار والتوقعات المحتملة لردود الفعل الإسرائيلية، وتحرك أجهزة أمن واستخبارات شرطة الحكم الذاتي بحثاً عن الخلايا التي تقف وراء الشهيد هشام حمد. وفي ضوء التقارير الواردة من جهاز الأمن التابع لحركة حماس ومجموعات الرصد السرية في كتائب الشهيد عز الدين القسام، وجدت الكتائب بأن الوضع يتطلب نقل قاعدة المهندس إلى المنطقة الجنوبية من قطاع غزة (خان يونس - دير البلح - رفح)، خاصة وأن شرطة الحكم الذاتي قد ركزت مجهوداتها على مدينة غزة والمخيمات المحيطة بها.

لم تكن أجواء خان يونس غريبة على يحيى عياش، فقد عاصر الكثير من مجاهديها الذين وفدوا إلى الضفة الغربية مثل عبد الرحمن حمدان وإبراهيم سلامة ومحمد شهوان وغيرهم. كما أن صديقه القديم، محمد الضيف (أبو خالد) الذي وفد أيضاً إلى الضفة وعمل مع المهندس في أوقات سابقة، يقف اليوم على رأس الجهاز العسكري لحركة حماس في المنطقة. وسوياً، بدأ القائدان القساميان بتدريب وتأهيل المرشحين للعمل الجهادي إلى جانب وضع الخطط والتفاصيل الدقيقة لتنفيذ عمليات عسكرية تستهدف منشآت عسكرية وأهداف استيطانية ليس في قطاع غزة فحسب، وإنما في القدس والمناطق المحتلة منذ عام 1948 بالتعاون مع المجموعات التي نظمها المهندس في الضفة الغربية قبل مغادرته.

«قتل اليهود عبادة نتقرب بها إلى الله» عبارة كان الشهيد القائد عماد عقل يرددها في مجالسه وأمام إخوانه، ولئن غادر عماد مبكراً بعد أن ساهم في وضع القواعد الأولى وأساسات البناء السليم لكتائب عز الدين القسام، فإن آثاره وجهوده ما زالت راسخة يحفظها الصغير قبل الكبير والشاب قبل الشيخ. ولذلك، لم يكن مستهجناً أن يحتشد ما يزيد عن سبعين ألف شخص في حي الشجاعية الذي تشرف بإيواء القائد الشهيد في آخر أيامه، للمشاركة في المهرجان الإسلامي الكبير الذي نظمته حركة حماس في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده. ولأن عماد الفكر والممارسة والجهاد لم يمت، والشعب لم ينس ابنه البار حين هتفت الجماهير المحتشدة بصوت واحد كالهدير (تحية للكتائب، عز الدين) فإنه من باب أولى أن تتقدم كتائب الشهيد عز الدين القسام لتكون في طليعة الصفوف عند أداء التحية للبطل في ذكرى رحيله.

تحية الكتائب لم تكن تحية تقليدية يطلق خلالها مجاهدون ملثمون عيارات نارية في الهواء خلال مهرجان التكريم. فقد اتفق المهندس مع أبو خالد على إحياء احتفال القساميين بطريقة تليق بمآثر الشهيد عماد عقل. ولم تكن تلك الطريقة سوى المزاوجة بين الرشاش والعبوات الناسفة.

فالأولى، تمثل السلاح الرئيسي الذي استخدمه عماد وتميزت به عمليات الكتائب منذ انطلاقتها وحتى العام ،1993 بينما السلاح الثاني يمثل التطور الذي وصلت إليه حركة حماس وعنوان النجاح الذي بدأ يرافق الكتائب منذ بداية العام 1994. وأما الهدف، فقد كان سيارة جيب عسكرية تقوم بأعمال الدورية على طول السلك الحدودي الذي يفصل بين مدينة رفح وجمهورية مصر العربية. وبعد أن صمم المهندس ثلاث عبوات ناسفة تنفجر بواسطة جهاز تحكم عن بعد، قامت إحدى المجموعات القسامية بوضع تلك العبوات التي قدر خبراء سلاح الهندسة في الجيش الإسرائيلي قوتها بما يعادل انفجار ست قنابل يدوية في طريق الدورية القريب من بلوك (ج) بمخيم تل السلطان. وعند مرور السيارة العسكرية في حوالي الساعة الخامسة وسبع دقائق من صباح يوم الخميس الموافق 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 فجر المجاهدون العبوات الناسفة ثم أطلقوا زخات كثيفة من الرصاص باتجاه الجيب الذي دمر نهائياً جراء الانفجار مما أدى إلى مقتل أو إصابة العسكريين الثلاثة الذين كانون داخله(119).

وعلى الأثر، هرعت قوات كبيرة من جنود الاحتلال لتغلق المنطقة وتمنع الاقتراب منها ، فيما قامت الرافعات بنقل الجيب المدمر وإزالة الآثار. وقد اعترف المتحدث العسكري الإسرائيلي بمقتل ضابط برتبة كابتن، وضابط صف برتبة رقيب أول بينما أصيب ثالث بجروح بالغة(120).

4- أول ضابط طيران في الكتائب

لا بد من الإقرار بمقدرة وإمكانيات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فتلك الأجهزة أدركت السياسة الجديدة للمهندس ورفيقه. ولذلك، أوعزت لقوات الجيش والشرطة بالاستمرار في إجراءاتها الاحترازية والإبقاء على حالة الاستنفار واليقظة وبخاصة في الأماكن الحساسة والمهمة. وظهر ذلك بوضوح في مدينة القدس على وجه التحديد، فقد حذر وزير الشرطة الإسرائيلية من مغبة التراخي أو ترك ثغرة مفتوحة في جدار الأمن الذي أقامته الوحدات التابعة لوزارته بالمدينة. وإن كان موشيه شاحل قد توقع في سياق تحذيره بأن تنجح الكتائب القسامية في تنفيذ عملية كبيرة في القدس، وأن القضية هي مسألة وقت فقط(121)، فإن هذا التحذير لم يحل دون استمرار المهندس في وضع اللمسات الأخيرة في خطته الجديدة والتي تستهدف ضباط وطواقم الجنود العاملين في سلاح الطيران الإسرائيلي الذين يتجمعون في محطة كبيرة لنقل الركاب تقع قبالة مركز المؤتمرات الرئيسي وعلى بعد بضعة أمتار من مباني الكنيست عند مدخل القدس الغربي. ويستقل هؤلاء الضباط حافلة ركاب تابعة لشركة إيجد تعمل على الخط رقم (23) الذي يمر عبر الطريق السريع المؤدي إلى مدينة تل أبيب. وبعد أن رتب المهندس كافة الأمور المتعلقة بتفاصيل العملية، ابتدأ من تجهيز عبوة ناسفة تزن عشرة كيلوجرامات وإجراء الاتصالات مع المجاهد حاتم إسماعيل الذي أبقاه في المدينة المقدسة كضابط ارتباط لتوفير بدلة عسكرية مشابهة لما يستخدمه جيش الاحتلال وانتهاء باختيار موعد التنفيذ وطريقتها، حيث طلب من القائد أبو خالد أن يرشح له أحد المجاهدين لتنفيذ العملية. ولم يكن المجاهد المرشح سوى البطل أيمن كامل جمعة راضي (21 عاماً) وهو أحد شباب مسجد الشافعي بمخيم خان يونس الذين شاركوا بفعالية خلال الانتفاضة المباركة حتى أنه أصيب في إحدى المواجهات بعيار ناري في قدمه. ورغم أنه كان معروفاً كأحد نشطاء حركة حماس، إلا أنه التحق بشرطة الحكم الذاتي في أول دفعة لها وعمل في مركز شرطة الرمال بمدينة غزة كشرطي مرور(122).

ويغادر المجاهد أيمن راضي موقعه يوم الاثنين الموافق 19 كانون أول (ديسمبر) 1994 ليلتحق بالقاعدة السرية للمهندس حيث تم تدريبه على تشغيل العبوات الناسفة. كما وضع المهندس أمامه المخطط التفصيلي للعملية، وشرح له طريقة الخروج من قطاع غزة وكيفية الاتصال بالمجاهد حاتم إسماعيل بمدينة القدس. وركز المهندس في توجيهاته على ضرورة الالتزام بالسرية المطلقة وعدم التحدث عن العملية أو أي أمر يتعلق بها مع الأصدقاء والمقربين وحتى الأهل والوالدين. وعلى الرغم من الحصار المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن مجموعات الإسناد التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام تمكنت من تحقيق إنجاز استخباري وأمني حين استطاعت إيصال البطل أيمن راضي إلى قلب التجمعات الإسرائيلية في مدينة القدس يوم الجمعة. وهناك، قام المجاهدان حاتم وأيمن بالتجول في المنطقة ورصد الهدف والتعرف على موقع الهجوم ميدانياً.

«وداعاً يا أهلي ويا أحبائي، فأنا سأمضي إلى الجنة مع الحور العين بعد أن أطرق أبوابها بجماجم بني صهيون.. وداعاً شباب الكتائب.. أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير»(123). بهذه الكلمات، طوى الشهيد أيمن راضي صفحة مشرقة من حياته عندما كان على موعد مع الشهادة. ففي صبيحة يوم الأحد الموافق 25 كانون أول (ديسمبر) ،1994 صلى ضابط الطيران الفجر ثم انطلق يحمل حقيبة المتفجرات نحو محطة انتظار الحافلات. وتكون المفاجأة غير المتوقعة أمام مجاهدنا حين يجد نفسه في مكان متأخر من طابور الضباط والجنود المصطفين بانتظار الحافلة. وعند وصول الحافلة في نحو الساعة السادسة والربع، حاول المجاهد الصعود إليها، غير أن كثافة الأعداد التي كانت أمامه حالت دون ذلك حيث قام السائق بإغلاق الأبواب بعد صعود نحو أربعين من ضباط وجنود سلاح الطيران الإسرائيلي. فلحق المجاهد بالحافلة التي سارت سبعة أو ثمانية أمتار بعيداً عن المحطة، وشغل جهاز التفجير ليدوي انفجار شديد دمر المحطة بشكل كامل وأصاب الحافلة الإسرائيلية بأضرار وركابها بحالة من الهلع الشديد. وقد أسفرت العملية عن مقتل وإصابة ثلاثة عشر ضابطاً وجندياً يخدمون في سلاح الطيران وأنظمة الدفاع الجوي(124).

تقارير الشاباك وخبراء المتفجرات أشارت بأن العبوة الناسفة التي حملها الشهيد أيمن راضي أعدت بطريقة مشابهة تماماً للعبوة الناسفة التي استخدمها الشهيد صالح صوي في عملية تل أبيب، وهذا يعني بأن المهندس يقف وراء إعداد وتنفيذ الهجوم الاستشهادي بالقدس. وعلى الأثر، شنت قوات الاحتلال حملة تفتيش مكثفة في منطقة نابلس اعتقاداً بأن المهندس ما زال مختبئاً هناك. وتركزت الحملة في بلدتي بديا وياسوف تم خلالها تفتيش عشرات المنازل بعد إخراج أصحابها منها، واعتدى الجنود الصهاينة بالضرب المبرح على العديد من الشبان بعد أن اتضح لهم بأن حملتهم قد فشلت في تحقيق أي تقدم باتجاه الكشف عن المكان الذي يتوارى فيه المهندس ومجموعاته. كما قامت وحدات الهندسة بجيش الاحتلال بتفجير سيارة تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية أثناء توقفها في محيط مقام النبي يوسف القريب من بلدة بلاطة بعد أن اشتبهت سلطات الاحتلال بها نظراً لوجودها في مكان حساس وهام لليهود(125).

5- عربة مفخخة في كفارداروم

لم تكن النتيجة التي آلت إليها العملية الاستشهادية للبطل أيمن راضي لترضي المهندس أو تشفي غليل الثأر لاستشهاد القائد القسامي إبراهيم ياغي الذي اغتيل غدراً في أريحا قبل عدة أيام من العملية. وعلى الرغم من ذلك، أدركت الشاباك والقيادة العسكرية الإسرائيلية بأن الحظ وحدة كان الحاجز الذي حال دون إتمام العملية على الشكل الذي خططت له. وهذا الأمر، كان من أكثر المعطيات إثارة لقلق الأجهزة الأمنية والاستخبارية، لعلمها بأن المهندس يحتفظ بمخزون كبير من أنماط وأشكال مختلفة للمقاومة يستطيع من خلالها تجاوز إجراءات الأمن الاحترازية والوقائية التي تتخذها عادة تلك الأجهزة. ولم يطل الأمر بالمهندس ليثبت أن قلق الشاباك كان في محله، فقد طلب المهندس من إحدى المجموعات العاملة في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة رصد خطوط المواصلات ورحلات الحافلات الإسرائيلية التي تعمل بين المناطق المحتلة منذ عام 1948 ومستوطنات غوش قطيف القريبة من خان يونس.

المعلومات الأولية التي وفرتها مجموعة الاستطلاع دلت على أن هناك حافلة تمر بشكل يومي وفي وقت محدد على الطريق الشرقي بعد عبورها حاجز ايرز باتجاه مستوطنة كفارداروم. وأشارت المعلومات أيضاً إلى وجود سيارة جيب عسكرية تقل عدداً من جنوب حرس الحدود تسير أمام الحافلة لحراستها ومنع مرور السيارات ذات اللوحات الخاصة بقطاع غزة بمحاذاتها. وهذا يعني أن استخدام سيارة مفخخة غير مضمونة النتائج، وعليه بدأ المهندس بالتفكير بطريقة أخرى تتيح تحقيق الأهداف ونجاح العملية. وتفتقت العبقرية العسكرية على استخدام حمار يجر عربة محملة بالأغراض، وهي وسيلة نقل شائعة في القطاع ولا تثير الشبهة. وبعد دراسة هذا الاقتراح وتقليب الاحتمالات، ووفق الخطة المرسومة، جهز المهندس العبوات الناسفة ووضعها على العربة حيث انطلق المجاهد في صبيحة يوم الاثنين الموافق 9 كانون ثاني (يناير) 1995 نحو مستوطنة كفارداروم واجتاز كافة الدوريات العسكرية الإسرائيلية التي لم تكن تتوقع من المهندس استخدام هذا الأسلوب في الهجمات الاستشهادية. وما أن مرت سيارة الجيب التي تتقدم الحافلة الإسرائيلية، حتى تحرك المجاهد بعربته المفخخة باتجاهها. ويبدو أن سرعة تحرك المجاهد جعلته غير قادر على السيطرة على العربة، لتتساقط منها ما تحمله من بضاعة، ومن بينها حقيبة المتفجرات عند محاذاته لحافلة النقل العام التي كانت تقل جنوداً يحرسون مستوطنة كفارداروم.

وقد أدى انفجار العبوات إلى تحطيم نوافذ الحافلة وإلحاق خسائر مادية جسيمة فيها وإصابة المجاهد وعدد من جنود الاحتلال دون أن توقع قتلى. وعلى الأثر، انتشرت قوات مكثفة من الجيش ووحدات حرس الحدود وقامت بتفتيش المنطقة تفتيشاً دقيقاً وأغلقت الطريق الرئيسي، بينما قام المستوطنون الغاضبون بإشعال عدد من إطارات السيارات بالقرب من مدخل المستوطنة ورشقوا سيارات المواطنين الفلسطينيين بالحجارة(126).
6- هزيمة الجنرال يعقوب بيري

ستة أشهر مضت على غياب القائد القسامي علي عاصي، رفيق درب المهندس وأقرب الأصدقاء إليه. ورغم هذه المدة والانشغال بالجهاد والعمل الميداني اليومي، إلا أن اسم أبو جهاد وصورته ومآثره لم تغب عن الحضور بشكل دوري كلما جلس المهندس مع مساعديه يعد ويخطط للعمليات العسكرية النوعية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فكثيراً ما جاء علي عاصي وعدنان مرعي للمهندس في المنام ليسلما عليه ويسألاه عن أخبار الجهاد. ويعبر هذا الحضور عن طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين أقطاب الفريق الرباعي الذي قاد الجهاز العسكري لحركة حماس في منطقة شمال الضفة الغربية منذ عام 1992. ومع اتساع نطاق حركة المهندس وامتداد المجموعات التي أقامها في الضفة الغربية وتلك التي تعمل في قطاع غزة بقيادة محمد الضيف وكمال كحيل، وجد مهندسنا بأن الظروف والإمكانيات ملائمة لتنفيذ العملية التي خطط لها الشهيد علي عاصي قبل عامين تقريباً ضمن سياق سلسلة العمليات التي كان من المقرر تنفيذها تكريماً للمبعدين في مرج الزهور.

وفي ضوء الحقائق التي تراءت، وضع أبو البراء مخططات مفترق بيت ليد أو ما يعرف باسم مفترق هشارون إسرائيلياً أمام القيادة العسكرية لحركة حماس في قطاع غزة وشرح لإخوانه طبيعة هذا المفترق وأهميته لجنود الاحتلال، وتفاصيل العملية المقترحة ودور مجموعات الضفة الغربية في الدعم والإسناد وما يريده من المجموعات العاملة تحت قيادة محمد الضيف وكمال كحيل. وبعد دراسة مستفيضة لمشروع العملية، باركت القيادة العسكرية الخطة وأعطت الضوء الأخضر للتنفيذ بشرط ألا يصدر إعلان مسؤولية أو تبني باسم حركة حماس، حفاظاً على سرية وجود المهندس في قطاع غزة.

يعتبر مفترق بيت ليد من بين المفترقات الأكثر ازدحاماً في فلسطين المحتلة، وطبقاً لتقديرات دائرة المواصلات الإسرائيلية العامة، فإن ما يقرب من ثمانين ألف سيارة وحافلة تعبر هذا المفترق يومياً. وتتوزع من الموقع الاستراتيجي حركة المرور بين مناطق غوش دان والخضيرة وحيفا في شارع رقم (4) وبين مدن ناتانيا وطولكرم ونابلس في شارع رقم (57). وقد جعل الموقع المركزي للمفترق بين مناطق غوش دان (منطقة تل أبيب الكبرى) وشمال فلسطين منه نقطة انطلاق ونقل رئيسة للجنود الإسرائيليين في طريقهم إلى معسكراتهم وثكناتهم الكائنة في الضفة الغربية، ومكاناً يغص بالجنود الذين يسافرون بالحافلات إلى الخضيرة وحيفا وطبريا وكريات شمونة أو باتجاه تل أبيب والقدس. وإلى جانب ذلك، يوجد بمحاذاة المفترق سجن كفاريونا الذي يحتجز فيه مؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين(127).

ووفق الوقائع التي نشرت في وسائل الإعلام، واعترافات المجاهد عبد الحليم البلبيسي (29 عاماً) التي انتزعها الشاباك منه بالقوة وعن طريق استخدام أسلوب الهز العنيف بعد اعتقاله في 6 كانون أول (ديسمبر) 1995م، فإننا نستطيع رسم المخطط الذي وضعه المهندس على النحو التالي:

1- تجهيز ثلاثة حقائب، شبيهة بتلك التي يحملها جنود الاحتلال، بنحو عشرة كيلو جرامات من المتفجرات شديدة الانفجار لكل حقيبة.

2- يرشح قادة الكتائب في غزة ثلاثة من المجاهدين الاستشهاديين، ويقوم المهندس بتدريبهم على تشغيل المتفجرات.

3- تقوم مجموعات الإسناد بنقل المجاهدين الثلاثة من قطاع غزة إلى مدينة القدس.

4- تتولى مجموعات الإسناد في القدس استقبال المجاهدين كل على حدة، وتعمل على توفير ملابس عسكرية لهم ثم تقوم بنقلهم إلى منطقة شمال الضفة الغربية.

5- مجموعات الرصد والاستطلاع في منطقة شمال الضفة الغربية مسؤولة عن رصد المفترق والحراسات الإسرائيلية وأي تغيرات تطرأ حولها.

6- تقوم مجموعات الإسناد في الشمال بنقل المجاهدين الثلاثة إلى المفترق في يوم الأحد الموافق 22 كانون الثاني (يناير) ،1995 حيث تصل في أيام الآحاد من كل أسبوع حافلات لنقل أو إنزال الجنود الذين يخرجون في إجازات من الخدمة العسكرية أو يعودون من إجازاتهم للالتحاق بوحداتهم.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-10-2003, 04:39 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



7- يقوم المجاهد الأول بتفجير عبواته قرب الاستراحة والكافتيريا التي يرتادها الجنود. وبعد أن يخرج الجنود من المحطة المحمية جيداً هرباً، يتسلل المجاهد الثاني بينهم ويحيط بأكبر عدد ممكن منهم ثم يفجر حقيبته المفخخة. وأما الثالث، فإنه ينتظر قدوم طواقم الإنقاذ ووحدات التعزيز والحراسة ليفجر عبواته الناسفة وسط الحشود الكثيفة.

ترشح للعملية ثلاثة مجاهدين من قطاع غزة، نجح منهم اثنان في الوصول للهدف وتنفيذ الدور المطلوب منه بينما تأخرت مجموعات الإسناد في إيصال المجاهد الثالث إلى المفترق في الوقت المحدد مما جعل أمر تنفيذ ما خرج لأجله صعب التحقيق. وأما المجاهدان اللذان وصلا مفترق بيت ليد في الوقت المحدد فكان أحدهما صلاح عبد الحميد شاكر محمد (27 عاماً) وهو من سكان مخيم يبنا بمدينة رفح، واعتقل خلال الانتفاضة لمدة (18) يوماً وأصيب ست مرات. وكان صلاح قد انضم في بداية دراسته الثانوية إلى حركة الجهاد الإسلامي، إذ أن أخوته الكبار ينتمون إليها، ولكنه ترك الحركة وانضم لحماس التي أفرزته بعد عمليتي العفولة والخضيرة إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام وعمل في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة. والمجاهد الثاني الذي نجح في الوصول للهدف، هو البطل أنور محمد عطية سكر (25 عاماً) الذي يسكن قرب مسجد الشهداء بحي الشجاعية في مدينة غزة. واعتقل أنور مرة واحدة خلال الانتفاضة وقضى أحد عشر شهراً في سجون الاحتلال، وعند قدوم السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، اعتقل مرتين خلال الحملات التي نفذتها شرطة الحكم الذاتي ضد المجاهدين(128).

وبعد أن قام المهندس بتدريب المجاهدين الثلاثة وتوجيههم، كلف المجاهد عبد الحليم البلبيسي بالتنسيق مع القائد محمود الخواجة والمجاهدين نضال برعي وأيمن الرزاينة وعلاء الأعرج، وهم من أبطال حركة الجهاد الإسلامي لترتيب عملية مغادرتهم لقطاع غزة. وفي نفس الوقت، أجرى المهندس اتصالاته مع المجموعات التي أقامها في القدس ونابلس وطولكرم ورتب معها كافة التفاصيل المتعلقة بنجاح الهجوم وتعليمات الانسحاب من المكان بعد إيصال المجاهدين. وسارت الأمور كما رتب لها بالنسبة للمجاهدين صلاح وأنور اللذين ارتديا زي الجنود الإسرائيليين ووقفا في صباح يوم الأحد الموافق 22 كانون الثاني (يناير) 1995 في محطة الحافلات العسكرية بانتظار تجمع مئات الجنود. وحسب الخطة المعدة، دخل المجاهد أنور سكر الاستراحة والكافتيريا التي يرتادها الجنود وفجر عبواته الناسفة في نحو الساعة التاسعة وعشرون دقيقة مما أدى إلى تدمير المبنى وسقوط عدد كبير من الجنود بين قتيل وجريح. وعلى الأثر، خرج العشرات من الجنود الذين نجوا من الإصابة وهم في حالة فزع شديد وعدد منهم يبكي من هول الانفجار، وتجمع حول هؤلاء جمهرة من الجنود الذين وصلوا لتوهم إلى المفترق. وبعد دقيقتين إلى ثلاثة دقائق من التفجير الأول، تسلل المجاهد صلاح شاكر بين العشرات من العسكريين الإسرائيليين المذهولين من مشهد أشلاء القتلى والجرحى، وقام بتفجير الحقيبة التي يحملها بينهم مما أدى إلى سقوط عدد أكبر من الإصابات واحتراق حافلة عسكرية بالكامل بالإضافة إلى عدد من السيارات المتوقفة في المكان(129).

شكلت العملية البطولية للشهيدين صلاح وأنور سابقة متقدمة في تاريخ الجهاد على أرض فلسطين، فهي العملية الأولى من نوعها التي تستهدف هذا العدد من جنود الاحتلال وتحقق هذا النجاح على صعيد التخطيط والتنفيذ. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن المهندس عرف أين هو مكمن ضعف الكيان الصهيوني، فوجه ضربته بإتقان مخترقاً أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي تتمتع بسمعة خرافية. وجعل الآلاف من الإسرائيليين يتجمعون في مدافن الجيش ويبكون بألم أمام جثث الجنود القتلى عبرت عنه صحيفة هيرالدتربيون البريطانية بقولها: «فيضان من الدمع ينهمر عندما دفنت الدولة المضطربة شبابها»(130). ولم تقتصر آثار الهجوم الاستشهادي على سقوط اثنان وعشرون قتيلاً (أربعة ضباط وثمانية عشر جندياً وضابط صف) وخمسة وستون جريحاً من المظليين، فقد بدا المفترق أشبه ببقايا معركة خاطفة حيث تناثرت أشلاء القتلى والجرحى وطارت أجزاء من أجسامهم المحترقة في الهواء وتعلق بعضها فوق الأشجار، وتناثرت الأكياس والحقائب التي كان يحملها الجنود وبعض البزات العسكرية والعديد من البنادق المحطمة والتي تفتت إلى قطع، فيما انتشر الدمار الذي لحق بالمحطة وقطع السيارات وبقع الدماء في دائرة قطرها نحو (200) متر. كما أدى الانفجاران إلى اقتلاع بعض الأشجار القريبة وتطاير زجاج سجن كفاريونا الذي يبعد (30) متراً عن المفترق(131).

اهتزت أركان المجتمع الإسرائيلي برمته جراء الهجوم الاستشهادي، واختل توازن حكومة اسحق رابين التي وجدت نفسها في مأزق حقيقي معقد دفع برئيسها إلى فض الاجتماع الدوري لها والمغادرة في طائرة عسكرية مروحية إلى نتانيا حيث كان المئات من المتظاهرين الغاضبين يرددون هتافات تقول: (رابين خائن) و(الموت للعرب) و(الموت لرابين.. رابين مجرم) و (الدم العربي هو الذي يجب أن يسفك وليس الدم اليهودي) احتجاجاً على سياسة الحكومة الأمنية. وبعد أن تجول بالمكان برفقة قائد الجبهة الداخلية في الجيش ورئيسي الشاباك والاستخبارات العسكرية، عقد اسحق رابين مؤتمراً صحافياً قرب المفترق وسط حراسة مشددة شاركت فيها الطائرات المروحية التي حلقت فوق المنطقة ساهمت في عمليات التفتيش وتوجيه الأطقم الأرضية لإقامة الحواجز العسكرية على طول الشارع الذي يصل بين مدينة طولكرم ومدينة نتانيا. وفيما بدت آثار الإرهاق والإحباط بادية وواضحة على وجهه، لم يستطع اسحق رابين إخفاء حزنه وتأثره، فبدأ خطابه قائلاً: «إنه يوم رهيب وفظيع وأليم بالنسبة لكل شعب إسرائيل.. إن الحل الأمثل والجذري على المدى المتوسط والبعيد هو الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين بما لا يتيح للفلسطينيين من مواطني الضفة والقطاع الدخول إلى مناطق السيادة الإسرائيلية. وحتى هذا الفصل قد لا يمنع شخصاً انتحارياً مستعداً للموت من التسلل إلى داخل إسرائيل، إذ لا سلاح رادع في مواجهة انتحاري كهذا»(132). وأضاف رابين الذي كانت عيناه تبحثان طيلة الوقت في السقف عن الكلمات المناسبة مخاطباً المهندس دون أن يذكره بالاسم: «سننتصر عليكم وسنواصل السلام وضربكم ومطاردتكم في آن واحد، وأية حدود لن توقفنا وسنقضي عليكم»(133).

وأما رؤساء الأجهزة الأمنية والقادة العسكريون، فقد أجمعوا على ذكاء المهندس ومقدرته في التخطيط، وبالمقابل فشل أجهزتهم في وضع الإجراءات المناسبة للحيلولة دون نجاح ما يخطط له. فقد وصف الجنرال اساف حيفيتس، المفتش العام للشرطة العملية بقوله: «عملية التفجير تعتبر شديدة الإحكام ودقيقة. ووصول منفذي العملية إلى العمق الإسرائيلي هو فشل أمني يصعب تبريره»(134). وذهب الجنرال يعقوب بيري، رئيس جهاز الشاباك إلى أبعد من ذلك حين أعلن استقالته من منصبه بعد يومين من العملية حيث قبلها رئيس الوزراء بصفته مشرفاً على الجهاز، وعزت وسائل الإعلام الإسرائيلية سبب الاستقالة وموافقة رابين عليها إلى إخفاق الجنرال بيري في العثور على المهندس وإحباط العمليات الاستشهادية التي يجهزها ويشرف على تنفيذها(135).

وضمن السياق نفسه، أبرز المحللون العسكريون جرأة المخططين للعملية بتركيزهم على العسكريين. ومن المفيد في هذا الخصوص، استعراض ما كتبه امير اورن في دافار تحت عنوان (هزيمة الجيش الإسرائيلي في بيت ليد) والذي يرى بأن الهجوم يعد ضربة لجوهر قوة الدولة وأسطورة العزة الإسرائيلية، إذ جاء في التحليل: «هذه الأجواء الشعبية الحزينة، وما يرافقها من تخبطات سياسية، يجب ألا تطمس الحقيقة الخطيرة، وهي أن الجيش الإسرائيلي قد مني بهزيمة ذريعة، مقدارها الكمي انتزاع فصيلتين من حجم الجيش، ومقدارها النوعي خدش آخر لكلام أفضل جيش في العالم. فقد استطاع المتعصبون المسلمون أن يقوموا بعملية حرب عصابات واضحة، ضد جيش كبير مترهل وهش. وهذه ليست مجزرة، لأن الجنود سقطوا وهم موجودون في الحراسة. ولكن من ذا الذي يحرس الجنود؟ لقد أصبح كل جندي هدفاً للهجوم عليه أو اختطافه.. لو أتقنت القيادة والشرطة العسكرية مهمتها، لشعر كل عسكري، من الجندي حتى الميجر جنرال في مفرق بيت ليد، أنه نحشون فاكسمان القادم»(136).

المهندس من جهته التزم بقرار القيادة عدم إصدار بيان باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يتبنى العملية، ولكن بعض القيادات العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة تحركت بدون موافقة المهندس حيث اتصل مجهول بوكالة أنباء أجنبية في القدس وأعلن مسؤولية كتائب الشهيد عز الدين القسام. وفي قطاع غزة، أعلن عدد من نشطاء الحركة مسؤولية حماس عن العملية عبر مكبرات الصوت في مساجد مدينة غزة(137). ويبدو أن هذه التحركات قد تلقت ضوءاً أخضراً حين نشرت القيادة التنظيمية لحركة حماس في قطاع غزة بياناً في الصفحة الأولى من صحيفة الوطن الناطقة باسم الحركة تنعى فيه الشهيدين صلاح شاكر وأنور سكر، ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ حيت حركة حماس العملية الاستشهادية وكتب شبابها شعارات على جدران منزل الشهيدين في غزة ورفح عُرف منها: «تحية عطرة من حركة حماس إلى المجاهد الشهيد.. كتائب عز الدين القسام تعاهدك يا شهيد فلسطين على الثأر والانتقام لدمائك الطاهرة التي نزفت من أجل الله... لتتعانق روح الشهيد أنور سكر مع روح الشهيد صالح نزال لتصنع المجد والكرامة». وفي مدينة رفح، ظهر مسلحون ملثمون من كتائب القسام وأطلقوا النار في الهواء مساء يوم العملية تحية للشهيد صلاح شاكر(138).

7- رجل يعيش بزمن مستعار

كانت عملية بيت ليد الاستشهادية بمثابة انعطاف حاد في طبيعة الصراع القائم بين فصائل المقاومة الإسلامية والكيان الصهيوني بشكل عام، وبين المهندس واسحق رابين وأجهزته الأمنية بشكل خاص. إذ أن استمرار المهندس في توجيه الضربات العنيفة جعلت رابين وحزبه يفقدان مبرر وجودهما في السلطة أمام الجمهور الإسرائيلي الذي يريد الأمن باستمرار. ولذلك، انتفض رابين بشدة عندما مرر مرافقه العسكري التقارير الاستخبارية وتحاليل مختبرات خبراء المتفجرات في جهازي الشرطة والشاباك له أثناء تفقده آثار العملية البطولية. ويقول المحلل العسكري الشهير، زئيف شيف في تحليله للعملية الاستشهادية نشرته هآرتس يوم الاثنين الموافق 23/1/1995 ناقلاً بعض ما ورد في تلك التقارير: «يدل طابع العملية وأسلوب تنفيذها أن المهندس الفلسطيني يحيى عياش له ضلع فيها كما هو الحال في العمليات السابقة. وهناك علامة أخرى تدل على أن للمهندس ضلعاً في العملية هي وجود مواد متفجرة معيارية أضيفت إليها كميات كبيرة من المسامير، وبهذا الشكل يزداد عدد الإصابات. ولكن توجد تقديرات أن العملية نفذت بالتعاون بين حماس والجهاد الإسلامي، إذ يوجد مثل هذا التعاون في قطاع غزة منذ فترة من الزمن»(139).

وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد أشارت أيضاً إلى ذلك حين كتبت: «ويجزم الخبراء العسكريون في حقل المتفجرات بأن ثمة تعاوناً وتنسيقاً بين حركة الجهاد الإسلامي التي تبنت العملية الانتحارية وحركة حماس التي تحمل العبوات المتفجرة بصمات المطلوب رقم واحد في إسرائيل. ويؤكد مراقبون أن إعلان حركة حماس مسؤوليتها -ولو بلسان فرد- عن تنفيذ العملية ثم تراجعها بعد تبني الجهاد الإسلامي، دليلاً على وجود نوع من التعاون الذي يزيد من فاعلية مثل هذه العمليات وتطورها»(140).

يقول مسؤول عسكري إسرائيلي أن رابين الذي اجتمع مع كبار القادة العسكريين والأمنيين بعد وقوع عملية بيت ليد استغرق في التفكير وهو يقلب ملفاً عن المهندس ثم التفت إليهم قائلاً: «إن أمر اعتقال يحيى عياش يجب أن يكون في رأس قائمة أولويات نشاطاتكم اعتباراً من هذه اللحظة»(141). ثم تابع رابين خلال عرضه تقويماً للأوضاع ولمسار الأمور الذي ستسلكه حكومته خلال المرحلة المقبلة بأن «الإرهاب الإسلامي الذي يعبر عن نفسه في العمليات الانتحارية يعتبر تهديداً ذا مغزى استراتيجي بالنسبة لإسرائيل، وعائقاً أمام تقدم مسيرة السلام. لأن ظاهرة الشبان الانتحاريين الفلسطينيين، ظاهرة صعبة وأشد خطورة من كل أنواع الإرهاب التي عرفناها حتى الآن»(142).

وحيال المأزق الذي واجهته الدولة والمجتمع، تحرك الجيش وحرس الحدود وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة في حملة مشتركة واسعة النطاق استهدفت تقويض البنية المدنية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والمؤسسات الخيرية والاجتماعية والإنسانية التي تقدم العون والخدمات للمحتاجين من أبناء الشعب الفلسطيني بتهمة أن القائمين عليها يؤيدون الحركة الإسلامية ويعلنون مناصرتهم لها. وإلى جانب هذه المؤسسات، داهمت قوات الاحتلال مقرات رابطة علماء فلسطين والكتل الطلابية الإسلامية ونقابات العمال الإسلاميين ولجان الزكاة، حيث أشار روني شيكد -وهو مقرب من الشاباك- في تقرير خاص أعده لصحيفة يديعوت أحرونوت بأن أجهزة الأمن الإسرائيلية أدركت أن المؤسسات المدنية تعمل في خدمة الأجهزة السرية لحركة حماس وتقدم لها الغطاء الاقتصادي والسياسي ومخزوناً من القوى البشرية لنشاطات المهندس وكتائب عز الدين القسام(143).

ولم يكن توسيع حكومة اسحق رابين لجبهة المواجهة بحيث تشمل كافة أطر وأجهزة حركة حماس بالأمر الجديد، فقد اتبعت سلطات الاحتلال أساليب مشابهة بعد عمليات العفولة والخضيرة وتل أبيب. والجديد هذه المرة، هو إشراك مصورين تابعين لدائرة المتحدث العسكري الإسرائيلي خلال عمليات المداهمة، وهذا ما دفع مراسل صحيفة هآرتس العبرية ومعلقها لشؤون المناطق المحتلة، أوري نير إلى الاعتقاد بأن السلطات العسكرية الإسرائيلية أرادت من وراء هذه المواجهة التظاهر أمام الجمهور اليهودي بأنها تقوم باتخاذ إجراءات مضادة ضد «الإرهاب الإسلامي»(144).

ومع هذه الإجراءات، ازدادت المعركة بين المهندس والشاباك وبين المهندس والجيش الإسرائيلي شراسة. ففيما يتعلق بجهاز الشاباك الذي أجرى حملة تغييرات واسعة في صفوف الهيئات القيادية الأولى لمواجهة الأساليب المتطورة للمهندس، طالت خمسة من كبار المسؤولين وعلى رأسهم الجنرال جدعون عيزرا -نائب رئيس الجهاز- الذي كان يتولى قيادة الفريق المكلف بالبحث عن المهندس وتصفيته بالإضافة إلى الجنرال يعقوب بيري الذي قدم استقالته من الخدمة بعد عملية بيت ليد مباشرة، فقد عهد رابين إلى الجنرال كارمي غيون قيادة الجهاز وإثبات كفاءته ومهارته بالإجابة عن السؤال الذي يستهل به عادة اجتماعات القيادة المشتركة للموساد والشاباك وآمان، وهو أين المهندس؟. وجاء تعين الجنرال غيون على رأس الشاباك ليس لبراعته الفائقة في التعامل مع مثيري الاضطرابات من اليهود المتدينين وإنما لقدرته المفترضة على مواجهة التهديد الجديد الذي تشكله كتائب الشهيد عز الدين القسام وعلى رأسها القائد العبقري يحيى عياش. ولم يكن استبدال الجنرال غيون لرؤساء الأقسام الرئيسة والضابط المسؤول عن متابعة شؤون العملاء العرب العاملين لحساب الشاباك بأجيال شابة من الخبراء المحترفين في مجال الاستخبارات يتمتعون بكفاءات عالية مجرد إشارة عابرة على ضخ دماء جديدة في الجهاز، فقد علق أحد ضباط الشاباك على هذه التغييرات بقوله: «علينا أن نغير الاتجاه لأننا نواجه الآن عدواً من نوع مختلف»، في إشارة مؤكدة للمهندس(145). وإلى جانب ذلك، عبر التصريح الذي أدلى به رئيس الشاباك الجديد عن مغزى اختياره لهذا المنصب، إذ نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن الجنرال كارمي غيون قوله: «لا أذكر، منذ سنوات طويلة جهداً مكثفاً ومركزاً يشارك فيه مثل هذا العدد الضخم من الناس من أجل ملاحقة شخص واحد كما هي هذه الحالة. فمنذ بضعة أشهر تبذل قوات الأمن جهوداً حثيثة ومكثفة ليلاً ونهاراً في سبيل اعتقال المهندس الذي توارى عن الأنظار قبل نحو سنتين، ومنذ ذلك الحين اختفى وكأن الأرض انشقت وابتلعته». وأضاف غيون: «إن عياش يبرهن على قدرة عالية جداً في البقاء، وقد تبين أنه ذكي ومتملص وبارع. وعلى ما يبدو فهو يحرص على استبدال مخبئه بوتيرة عالية، وهذا يجعل عملية العثور عليه بالغة الصعوبة. ورغم ذلك، فإن إلقاء القبض عليه هي مسألة وقت فقط. فالرجل يعيش في زمن مستعار»(146).

لم يكتف الجنرال غيون بدراسة ملف المهندس المحفوظ في أرشيف الشاباك، وإنما طلب لوائح الاتهام التي وجهت لكافة معتقلي حركة حماس التي ورد فيها اسم يحيى عياش. وكان رئيس الشاباك يستهدف جمع تفاصيل دقيقة عن خطوات المهندس ودوره في تجهيز العمليات وتنفيذها(147). وفي نفس السياق طالب غيون الوحدات الخاصة وعناصر الشاباك الذين يراقبون منزل المهندس في قرية رافات بتوسيع مهمتهم بتفتيش المنزل بدقة ونقل أية معلومات أو أوراق تفيد في عملية المطاردة إلى جانب مضايقة عائلته وتهديدها. فأحاطت مجموعة كبيرة من جنود الاحتلال بالفناء الخارجي لبيت المهندس، وبدأوا بإلقاء الحجارة بصورة مفاجئة باتجاه زجاج النوافذ والأبواب في حوالي الساعة الحادية عشرة قبل منتصف ليل يوم السبت الموافق 1 شباط (فبراير) 1995 الموافق الأول من شهر رمضان المبارك ثم اقتحم الجنود بعد ذلك المنزل وأرغموا زوجة المهندس ووالده المسن ووالدته العجوز وشقيقه وزوجته وأطفالهم على مغادرة المنزل لعدة ساعات، وقام ضباط الشاباك بتفتيش أبو يحيى تفتيشاً دقيقاً بعد أن طلبوا منه خلع (كمباز) كان يرتديه. ولم تتوقف المضايقات عند هذا الحد، إذ كرر ضباط الشاباك تهديداتهم لزوجة المهندس بوضع فوهة البندقية في رأس ابنها الصغير وقتله إن لم يسلم والده نفسه(148).

وبلغت وحشية جهاز الشاباك بقيادته الجديدة ذروتها حين اتخذت اللجنة الوزارية المكلفة بشؤون الأمن قراراً يوم الاثنين الموافق 23 كانون الثاني (يناير) 1995 بتمديد الإذن الممنوح لمحققي جهاز الشاباك بإجراء تحقيقات أكثر قساوة مع المجاهدين من حركة حماس بشكل عام والمشتبه بانتمائهم لكتائب الشهيد عز الدين القسام أو تقديمهم خدمات لها بشكل خاص(149). ولم يضيع هؤلاء المحققون الوقت، فباشروا باستعمال ضغوط جسدية متطورة بحق كل من اشتبه بعلاقته بالمهندس والمجموعات التي نظمها في الضفة الغربية. وكان من نتيجة هذه الضغوط أن استشهد المجاهد ناظم محمود عبد الله عمران (18 عاماً)، وهو من قرية عزون بقضاء طولكرم، اعتقل في أعقاب عملية البطل صالح صوي، في زنازين التحقيق بمعتقل الفارعة(150). كما استشهد المجاهد بلال محمد عبد الرحمن أبو زيد (21 عاماً) وهو من قرية قباطية القريبة من جنين وعثر على جثته في 28 شباط (فبراير) 1995 وبها (37) طعنة سكين في منطقة تخضع للسلطة الإسرائيلية محاذية لأريحا. وكان الشهيد قد اعتقل في آب (أغسطس) من عام 1994 وقضى خمسة أشهر في المعتقل بتهمة الانتماء لحركة حماس وتقديم خدمات للمهندس وللشهيد رائد زكارنة. وبعد خروجه، استدعاه ضابط الشاباك المسؤول عن منطقة جنين وطلب منه أن يندس بين كتائب عز الدين القسام ويعاود الاتصال بالمهندس. ولكنه رفض، فاستدعاه مرة أخرى في 12 شباط (فبراير) 1995 لمراجعة الإدارة المدنية الإسرائيلية، واختفت آثاره منذ ذلك الوقت(151).

وترجل الشهيد الثالث، عبد الصمد سلمان حسن حريزات (30 عاماً) في أقبية التعذيب بسجن المسكوبية يوم الثلاثاء الموافق 25 نيسان (إبريل)،1995 ولم يستطع محققو الشاباك وعملائهم انتزاع أية معلومة من الشهيد الذي قالت سلطات الاحتلال بأنه كان ضابط الاتصال بين المهندس والقائد طاهر قفيشة الذي أوكل إليه المهندس مسؤولية المطاردين في كتائب الشهيد عز الدين القسام بمنطقة الخليل(152). وربط الضباط الإسرائيليون بين ما يمارسونه من إجراءات قاسية أثناء التحقيق مع المشتبه بعلاقتهم مع المهندس وقصور الوسائل التقليدية كالاعتقالات الكثيفة والفصل بين المناطق في مواجهة العمليات الاستشهادية. فكتب المحرر الأمني لصحيفة يديعوت أحرونوت، رون بن يشاي حول هذا الأمر مشيراً إلى ذلك التبرير: «إذا لم يكن لديك معلومات دقيقة حول المكان والساعة التي ستتم فيها العملية فليس بمقدورك أن تحول دون تنفيذها، وسيجد المخرب المنتحر ومخططو العمليات دائماً بطناً فارغاً يوجهون الضربة المفاجئة نحوه. وحتى إغلاق محكم لن يمنع من إحباط عمليات كهذه حيث من الممكن دائماً الوصول مشياً على الأقدام مع 10 كلغم من المواد المتفجرة من قلقيلية إلى مفترق بيت ليد أو رعنانا»(153).

أما في إطار الحرب بين المهندس والجيش الإسرائيلي. فقد دخلت مرحلة مهمة بعد عملية بيت ليد الاستشهادية، تمثلت بموافقة الميجر جنرال امنون شاحك الذي خلف يهودا باراك في رئاسة الأركان على إدخال مهمة (مكافحة الإرهاب) ضمن خطة عمل الجيش السنوية باعتبارها مهمة رئيسة تضاهي المهام الأساسية الثابتة للجيش تماماً كحماية (المجال الجوي للدولة) على سبيل المثال. وتنطوي المهمة الجديدة على الأهمية البالغة التي يوليها الجيش الإسرائيلي ولموقعها في سلم الأولويات من ناحية تخصيص الموارد. ويوضح المعلق العسكري لصحيفة معاريف، أليكس فيشمان بأن الانعكاس الفوري لهذا التحديد يتعلق ببلورة نظريات جديدة في كيفية (محاربة الإرهاب) وإنشاء هيئة قيادية معنية تجمع تحت سقف واحد كافة الجهات والأجهزة في الجيش الإسرائيلي التي تعنى بمواجهة المجموعات الفدائية(154).

الحرب بلا هوادة هي الوسيلة التي تعامل بها الجنرال امنون شاحك مع المهندس، ولذلك صدرت الأوامر للآلاف من الجنود وبضمنهم وحدات استخبارية خاصة ووحدات مختارة من الجيش لمشاركة قوات حرس الحدود والشرطة وأفراد الشاباك في المطاردة الواسعة لاعتقال أو تصفية القائد القسامي. وشددت الأوامر العسكرية الإسرائيلية على ضرورة تركيز الحصار الذي يستهدف شل حركة المهندس وإرباك خططه إلى جانب تنشيط الوحدات الخاصة (فرق الموت) العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة ومضاعفة نشاطاتها وجهودها(155). ولأن المعلومات الاستخبارية قد اقتصرت على تحديد الأماكن التي تفترض الشاباك بأن المهندس يتجول بحرية فيها، فقد اقتصرت نشاطات الجيش الإسرائيلي على منطقتي نابلس وطولكرم. فوضعت قوات الجيش الحواجز العسكرية على مداخل قرى عصيرة القبلية ومادما والزاوية يوم الأحد الموافق 22 كانون ثاني (يناير) ،1995 وأوقفت السيارات التي تقل المواطنين المتجهين إلى مدينة نابلس واعتقلت عدداً من ركابها(156). وفي منطقة طولكرم، نفذت قوات الجيش الإسرائيلي أوسع حملة مداهمة وتفتيش لها في المنطقة، حيث قامت باقتحام خمسة مساجد في مدينة طولكرم بآن واحد يوم الأربعاء الموافق 25 كانون ثاني (يناير) 1995. وبررت سلطات الاحتلال هذه الحملة بأن الشاباك تُرجح تواجد المهندس في المنطقة باعتبار أن طولكرم وقلقيلية هي الأقرب إلى مفترق بيت ليد. وعاودت قوات الاحتلال مداهمة مسجدين من الخمسة في الأسبوع التالي واعتقلت ثلاثة شباب من أنصار حركة حماس. كما قامت وحدات من المظليين انتقلت بطائرة عامودية بعملية إنزال فوق الجبال وأراضي قرية كفر عبوش، وأجرت عملية بحث وسط الأحراش عن القائد والأماكن عياش. وتزامنت تلك العملية بقيام وحدات أخرى عبرت بالسيارات العسكرية بنصب حواجز عسكرية فجائية وتنظيم دوريات راجلة جابت شوارع مدينتي طولكرم وقلقيلية(157).

ولم تسلم قرى كفر الديك وقراوة بني حسان ودير بلوط وبروقين وصرة وكفر قدوم وعوريف وتل بالإضافة إلى مخيم بلاطة من عمليات البحث والتفتيش التي طالت معظم المنازل. وشملت حملة التفتيش أيضاً الكهوف والأحراش المجاورة لتلك القرى بحجة أن المهندس والمجموعات التي تعمل معه يستخدمون المناطق المهجورة والمخابىء داخل الجبال كقواعد آمنة لهم(158).



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-10-2003, 04:45 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



8- خاروف ينسف سيارة عسكرية

منذ أن انتقل المهندس إلى قطاع غزة، قفزت العمليات العسكرية باستخدام العبوات الناسفة إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه سابقاً. وهذه الظاهرة لم تترك آثاراً على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فحسب، وإنما شملت أيضاً وسائل الإعلام والصحافة التي أولتها عناية خاصة بعد أن استمعت إلى تقارير الوحدات العسكرية الإسرائيلية المجاورة لمنطقة الحكم الذاتي في قطاع غزة. ويشير نداف هعتسنى في مقال نشره حول هذا الموضوع إلى أن الخطورة لا تنحصر في الكمية فقط، وإنما بنوعية تلك العمليات، والجودة العالية التي ميزت المواد المتفجرة المستخدمة. وقال هعتسنى في تحليله الذي بدا واضحاً أنه كان يستند إلى معلومات عسكرية خاصة: «تفيد المعلومات الواردة من الإسرائيليين والفلسطينيين، أنه منذ حادثة المسجد، ارتقت صناعة الإرهاب في غزة عدة صفوف، والنتائج في غزة ومحيطها واضحة. فهناك تطور مستمر على نوعية عمليات وضع العبوات وإطلاق النار.. وقعت حوادث إطلاق نار بكمية تجاوزت كل المقاييس، تقع خمس حوادث في اليوم أحياناً. وغالبية هذه الأحداث لا تصل إلى الصحافة، ففي الأسابيع الست الماضية تم اكتشاف سبع عبوات ناسفة، وبمعجزة لم تسبب خسائر في الأرواح. ولكن، في يوم الاثنين الماضي (23/1/1995)، انفجرت إحدى العبوات في موقع على محور كيسوفيم وأسفر الانفجار عن إصابة جنديين بجراح. وفي اليوم التالي، انفجرت عبوة أخرى على مسافة 200 متر من الموقع ذاته»(159).

كانت الدولة العبرية بأجهزتها وجيشها وإمكانياتها المتطورة تجتهد في عمليات البحث والتفتيش عن المهندس في الضفة الغربية، وتقيم الدنيا على سلطة الحكم الذاتي مطالبة الأخيرة بالمساهمة في المجهود عبر التضييق ومطاردة كوادر الحركة الإسلامية في مناطقها. وفي الطرف المقابل، ورغم ظروف المطاردة العصيبة والإجراءات الأمنية الاحترازية التي اتخذتها حركة حماس لحماية مجاهديها، فإن المهندس استمر في برنامجه الجهادي بعد أن أخذ في الحسبان التغييرات التي طرأت بعد عملية بيت ليد، وبخاصة انضمام سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وشرطتها وأجهزة استخباراتها إلى الفريق العسكري والأمني الإسرائيلي الذي يطارده. فعلى عكس ما ورد في الوثيقة التي وزعها هاني الحسن (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح) بعد مجزرة حي الشيخ رضوان التي راح ضحيتها عدد من قادة ومجاهدي الكتائب القسامية والتي أشارت إلى أن سلطات الاحتلال قد اكتشفت سر وجود المهندس في قطاع غزة، بعد الكشف عن شاحنة في تل السبع فإن الدلائل التي توفرت من خلال دراسة المصادر الصحفية المتعددة وبخاصة تلك التي تصدر في داخل الأرض المحتلة، تشير إلى أن المخابرات الفلسطينية العامة بقيادة أمين الهندي توصلت عبر تعريض المعتقلين من حركتي حماس والجهاد الإسلامي لأصناف قاسية وشديدة من التحقيق والتعذيب المستمرين منذ العملية البطولية في بيت ليد وحتى بداية الأسبوع الثاني من شهر شباط (فبراير) إلى حقيقة انتقال المهندس إلى القطاع. وإن كنا لا نملك أدلة تثبت بأن المخابرات الفلسطينية أوصلت ما توصلت إليه إلى الشاباك، فإننا متيقنين بأن أجهزة سلطة الحكم الذاتي قد سارعت إلى التحرك باتجاه القبض على المهندس.

فقد اعتقلت المخابرات العامة التابعة للسلطة خليل إبراهيم قدورة من حي الشيخ رضوان والبالغ من العمر 45 عاماً، ووجهت إليه تهمة إيواء المهندس وعدد من مطاردي الكتائب بالإضافة إلى حيازة كميات كبيرة من الأسلحة وتمويل عدد من التنظيمات. ويصف حسن خليل -ابن المعتقل- والبالغ من العمر (18 عاماً) طريقة الاعتقال وإجراءات التفتيش، فيقول: «لقد داهمت قوة كبيرة من رجال المخابرات والانضباط منزلنا في الساعة الثانية عشرة ليلاً من يوم الثلاثاء الموافق السابع من هذا الشهر (شباط - فبراير) وقاموا بتفتيش البيت بدقة ثم أخبروا والدي بأنهم يريدونه أن يذهب معهم إلى السرايا وطلبوا منه أن يخبرهم عن المكان الذي يختبىء فيه المطارد يحيى عياش الملقب بالمهندس وأن يسلمهم الأسلحة التي بحوزته. وعندما هددهم بأنه سوف يشنق نفسه إذا قضى ليلته في السرايا. أعادوه إلى البيت في الساعة الثانية ليلاً تقريباً بعد أن أعطوه بلاغاً بالعودة إلى السرايا في الساعة السابعة صباحاً من اليوم التالي.. وحتى هذه اللحظة لم يعد. وكانت قد انقطعت عنا أخباره في الخمسة أيام الأولى من اعتقاله، بعدها اتصل بنا تلفونياً أحد رجال المخابرات وطلب مني أن أذهب إلى السرايا لمقابلة والدي وعندما ذهبت وضعوني في زنزانة لمدة ساعتين بعدها أدخلوني في غرفة تحقيق وجاء أحد رجال المخابرات وأخذ يطلب مني أن أكشف عن مكان المطاردين والأسلحة، بعد أن قال لي أن والدي قد اعترف على كل شيء وأنه اعترف بأنه يمول التنظيمات وأنا الذي أقوم بتوصيل هذه الأموال. وعندما أنكرت ذلك وطلبت منهم أن يحضروا والدي أمامي رفض ذلك. وبعد ساعتين أحضروا أبي كي أراه وكان يبدو عليه التعب والإعياء وعرفت حينها أنهم يحققون معه في التهم التي ذكرتها مسبقاً»(160).

هذه هي قضية خليل قدورة مع الشرطة الفلسطينية التي أخذت على عاتقها مسؤولية البحث عن مهندس الأجيال بعد أن فشلت كل الأجهزة الاستخبارية والعسكرية الإسرائيلية في العثور عليه. وتشكل هذه القضية بداية دور السلطة في المخطط الذي وضعته سلطات الاحتلال للإطاحة بالمهندس، إذ أن شرطة الحكم الذاتي استمرت في حملتها بتتبع كل من تشتبه بعلاقته بالمهندس أو تقديمه المساعدة والمأوى له. وترافقت هذه الحملة بإجراءات تفتيش وتحقيق عنيفة، فكان المشتبه به يودع المعتقل لفترة طويلة يتعرض خلالها للتعذيب النفسي والجسدي. ففي حالة خليل قدورة، استمرت عملية الاعتقال ثلاثة وعشرون يوماً، ولم يفرج عنه إلا بعد ضغط من أهله وبمناسبة عيد الأضحى(161).

وفي هذه الأثناء، واصل المهندس توزيع المهام والواجبات على مساعديه والمجموعات التي أفرزت للعمل معه. وعلى الرغم من تركيز القائد القسامي على عمليات تأهيل تلاميذه وإقامة مخازن ومستودعات في أماكن مختلفة يجري تخزين المواد المتفجرة فيها، إلا أنه لم يهمل دوره في مساعدة القائدين محمد الضيف وكمال كحيل. وفي إطار هذا الدور، توصلت عبقرية يحيى عياش إلى الاستعانة بخاروف ميت لتدمير دورية عسكرية إسرائيلية تمر في وقت محدد على الخط الشرقي. وكانت المجموعات التي تعمل في المنطقة الشمالية من قطاع غزة قد رصدت الدورية وأبدت استعدادها لنصب كمين لها ومهاجمتها بالأسلحة الرشاشة. ولكن المهندس وجد أن استخدام السلاح الآلي في تلك المنطقة يتسم بالمجازفة نظراً لحيوية ذلك المكان وكثافة السيارات العسكرية الإسرائيلية التي تستخدمه. وبدلاً من ذلك، صمم المهندس عبوتين ناسفتين وصلتا بسلك كهربائي تنفجرا بالتحكم عن بعد وخبأهما في جوف خاروف ميت. وقامت المجموعة الفدائية بوضع الخاروف على بعد (500) متر من محطة وقود تقع بين مفترق نتساريم ونحال عوز، وعند مرور سيارة الجيب التابعة لقوات حرس الحدود، في صباح يوم الثلاثاء الموافق 21 شباط (فبراير) 1995 ضغط أحد المجاهدين على زر التفجير فتمزقت السيارة العسكرية وتطايرت أجزاءها إلى مناطق بعيدة. وعلى الفور، أغلقت سلطات الاحتلال المنطقة، وهبطت طائرتان عموديتان قامتا بإنزال جنود من لواء المظليين لتعزيز عمليات البحث والتمشيط. وقد أسفرت العملية الجريئة عن مقتل ضابط برتبة ملازم وجندي. حيث أكد شهود عيان أن الجيب قد دمر بالكامل وشاهدوا جثتين إلى جانب أجزائه(162).

9- شاحنة تل السبع تكشف سر أبو حسن

بعد الضربات العنيفة التي وجهها المهندس وهزت أركان الدولة والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء، وجعلت المؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن تتخبط في إجراءاتها وتحاول بشتى الوسائل والأساليب كشف وإحباط العمليات العسكرية المعدة قبل شروع الكتائب القسامية بالتنفيذ، وجدت الشرطة والشاباك في الشاحنة الغزية التي ضبطتها بالقرب من مدينة تل السبع بالنقب والتي كانت تحوي كمية من المتفجرات غير الجاهزة للانفجار قصة تستطيع فبركة فصولها بشكل يضفي إشارات النجاح على أجهزة الأمن كونها أحبطت عملية كبيرة كان المهندس قد أعد وخطط لها بعناية وإحكام. فقالت وزارة الشرطة الإسرائيلية بأن الشاحنة كانت محملة بعشرات الكيلو غرامات وأسطوانات الغاز وأن الهدف هو تفجيرها بمركز سكاني إسرائيلي في جنوب فلسطين المحتلة. وعدلت الشرطة في وقت لاحق روايتها وضخمت الإنجاز الذي حققته بالزعم أن الشاحنة فخخت بمئة كيلوجرام على الأقل من المواد المتفجرة ثم رُفع الرقم إلى مئتين كيلوجرام من مادة (ت.ن.ت) شديدة الانفجار(163). وأوردت الإذاعة الإسرائيلية من جهتها بأن الشاحنة كانت محشوة بأكثر من مائة كيلوجرام من المتفجرات فخخها «عدو إسرائيل الأساس يحيى عياش الذي يعيش متخفياً منذ عدة سنوات»(164). وأخيراً، عادت الإذاعة الإسرائيلية لتنقل عن متحدث باسم الشاباك بأن الشاحنة لم تكن معدة للاستخدام في عملية وإنما لغرض نقل مواد متفجرة غير جاهزة للانفجار عبأت في صناديق، والشابان اللذان اعتقلا لم يكونا ينويان تنفيذ عملية استشهادية كما روجت الشرطة في روايتها الأولى(165).

ومع هذا الوضوح في التخبط الذي وقعت فيه أجهزة الأمن الإسرائيلية، والتي أكدت بصورة قاطعة بأن القضية لا تعدو أن تكون فبركة إعلامية مقصودة، فإن قصة شاحنة تل السبع وإن كانت قد أربكت الشرطة الإسرائيلية لدرجة أنها لم تستطع مداراة ارتباكها، إلا أنها كشفت للشاباك سر كان حتى تلك اللحظة مجهولاً للمحققين. والسر الذي نعنيه هو أن القائد كمال كحيل لم يكن خبيراً بالمتفجرات ولم يتعامل في هذا السلاح أصلاً، بخلاف ما ورد في اعترافات المجاهد الجريح ضياء الشرفا الذي قال للمحققين بأن كمال أعد أكثر من عبوة ناسفة وأنه -أي كمال- جهز العملية الاستشهادية التي نفذها المجاهد أيمن عطا الله في أيلول (سبتمبر) من عام 1993(166).

تبدأ قصة شاحنة المتفجرات من قضية اعترضت استراتيجية المهندس الجهادية التي اعتمدها للتخفيف من آثار محدودية تحركه خارج قطاع غزة والإغلاقات المستمرة والحصار العسكري الذي تفرضه سلطات الاحتلال على القطاع في أعقاب كل عملية تنفيذ داخل فلسطين المحتلة منذ عام 1948. وتتمثل هذه المشكلة بشكل واضح بالحواجز العسكرية وقوات الشرطة والمفاجآت التي قد تعترض عملية نقل المجاهد الاستشهادي بالمتفجرات إلى داخل المناطق المحتلة. وحتى يتغلب المهندس على هذا العائق، وضع خطة تتضمن إقامة مخازن أو مستودعات آمنة في مناطق غير مأهولة بالسكان نسبياً يجري تخزين كميات كبيرة من المواد المتفجرة فيها بصورة سريعة ومتتالية، وفي وقت لاحق، تقوم مجموعات الإسناد بنقل المجاهد الاستشهادي إلى مكان المخزن ويتزود بالمتفجرات ثم ينطلق إلى هدفه بعد تزويده بالمعلومات والتفاصيل المطلوبة لتشغيل العبوة(167).

وبعد دراسة مستفيضة، وجد القائد القسامي أن منطقة تل السبع في النقب تعد غير مأهولة نسباً وقريبة في نفس الوقت على قطاع غزة والضفة الغربية. وعليه، طلب المهندس من أخيه كمال كحيل أن يتولى عملية تجهيز قاعدة آمنة في المنطقة بالتعاون مع عناصر سرية من أبناء الحركة الإسلامية. ولأن المجاهد وسام فرحات* [وسام فتحي رباح فرحات: من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة ويبلغ من العمر 22 عاماً، وهو من مؤيدي حركة حماس وشقيقه نضال معتقل في سجن النقب على قضية لكتائب عز الدين القسام. وقد استشهد القائد عماد عقل في منزل عائلة وسام.] اعتاد العمل في قطاع البناء منذ فترة طويلة بمدينة تل السبع، فقد وجد فيه القائد كمال كحيل الشخص المناسب لترتيب إجراءات نقل وتخزين المواد المتفجرة، خاصة وأنه أقام علاقات جيدة مع عماد أبو رقيق (23 عاماً) وهو بدوي من سكان تل السبع ومؤيد للحركة الإسلامية.

وخلال اللقاء الذي تم بين كمال كحيل ووسام فرحات في منزل الأول بحي الرمال، في شهر كانون الثاني (يناير) من عام ،1995 بهدف تحديد دور وسام في المساعدة بتأسيس المخزن وتسهيل عملية نقل المجاهدين الاستشهاديين من حاجز إيرز إلى تل السبع، اقترح وسام استخدام الشقة التي استأجرها في تل السبع والاستعانة بعماد أبو رقيق. وبناء على ذلك، التقى القائد كمال كحيل مع عماد وتحدث معه عن أفضل الطرق للوصول بالمواد المتفجرة إلى داخل الخط الأخضر، واتفق معه أن ينتظر المجاهدين عند حاجز ايرز ويرشدهم للطريق إلى تل السبع(168).

ولكن الخطة جمدت بسبب الإغلاق الشامل الذي فرض على قطاع غزة بعد عملية بيت ليد. وما أن أعيد فتح حاجز ايرز بتاريخ 19 آذار (مارس) ،1995 حتى طلب المهندس من القائد كمال كحيل المباشرة بتنفيذ الخطة السابقة حيث اتفق مع وسام فرحات ورياض محمد أحمد السمري، وهو سائق شاحنة من غزة يبلغ من العمر (44 عاماً) ولديه شاحنة من طراز فولفو تحمل تصريح إسرائيلي بدخول المناطق المحتلة منذ عام 1948 لنقل الدجاج من قطاع غزة، على اللقاء في ورشة تقع بين بيت لاهيا والشجاعية في الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم الاثنين الموافق 20 آذار (مارس) 1995. وفي الموعد المحدد، وصل وسام ورياض وأدخلت الشاحنة إلى الورشة التي كانت محاطة بجدار حجب ما يجري بالداخل.وكشف وسام للمحققين الإسرائيليين فيما بعد بأن أربعة أشخاص فقط اشتركوا في نقل عبوتين جانبيتين وأربعة حقائب من نوع جمسبون، تزن الواحدة بين 5 و7 كيلوجرامات من المتفجرات (المجموع الكلي بين 30 و42 كيلوجرام)، إلى مكان أعلى كابينة السائق وموهت بشكل لا يستطيع من يبحث في الشاحنة أو يفتشها اكتشاف الحقائب.

ولم يكن الأربعة سوى وسام ورياض وأبو حسين وهو أحد قادة حركة حماس في مدينة غزة، وفق ما ذكره وسام، بالإضافة إلى شاب التقاه أكثر من مرة عند القائد كمال كحيل ولكنه لم يتعرف على اسمه حيث اكتفى بتعريف نفسه باسم (أبو حسن). ولأن وسام لا يحمل تصريح دخول للمناطق المحتلة منذ عام ،1948 فقد اختبأ داخل الشاحنة التي انطلقت باتجاه حاجز ايرز. وبعد عبور حاجز ايرز، تتبعت الشاحنة سيارة عماد أبو رقيق نحو تل السبع حيث وصلت المنطقة المسكونة في نحو الساعة السادسة والربع مساءً. وعندئذٍ، نزل رياض السمري من غرفة السائق وتوجه إلى الجزء الخلفي للسيارة وطلب من وسام الخروج من مخبأه. وما أن بدأ وسام بالنزول حتى عاد رياض وأشار إليه بالبقاء في مخبأه داخل الشاحنة، إذ لاحظ دورية شرطة تقترب من الشاحنة. وهنا حدث الخلل، فقد ارتبك عماد أبو رقيق وأطلق العنان لسيارته رغم تحذيرات دورية الشرطة التي توقفت بجانب الشاحنة. وازدادت شكوك الشرطيين الإسرائيليين عندما تلعثم رياض بالإجابة عن أسئلتهما، فطلبوا منه تفريغ الشاحنة من أقفاص الدجاج، بينما قام أحدهما بالتفتيش داخل غرفة القيادة. فارتبك المجاهد رياض السمري، وقام بمهاجمة الشرطيين بقضيب حديد وضربهما بقوة على رأسيهما قبل أن يهرب باتجاه قرية تل السبع. ومع قدوم التعزيزات من قوات الشرطة وحرس الحدود وتفتيش الشاحنة وإلقاء القبض على وسام فرحات ومن ثم رياض السمري في اليوم التالي، قام خبراء متفجرات من الشرطة الإسرائيلية بتفجير الشاحنة التي تطايرت بقاياها على مسافة مئات الأمتار بعد فشلهم في إبطال مفعول العبوات الناسفة والحقائب المفخخة التي أعدها المهندس(169).

وتلقفت أجهزة الإعلام الإسرائيلية الموضوع، وبدأت تنسج الأكاذيب والقصص الخيالية عن الشاحنة وعن كمية المتفجرات في سياسة مقصودة ومبرمجة. وفي نفس الوقت، تعرض المجاهدان لظروف اعتقالية خطيرة بسبب التحقيق والتعذيب الشديدين في سجن عسقلان. فقد نقل المحامي صالح محاميد الذي سمحت له سلطات الاحتلال زيارة المجاهدين المعتقلين يومي 28 و29 آذار (مارس) 1995 «أنهما يتعرضان لتعذيب جسدي عنيف خلال التحقيق من قبل ضباط المخابرات الإسرائيلية لانتزاع اعترافات منهما حتى أن رياض بسبب التعذيب الوحشي أغمي عليه ثلاث مرات خلال اللقاء ولم يستيقظ خلال ساعة الزيارة سوى خمس دقائق فقط». ويضيف المحامي محاميد: «إن وضعهما سيئ للغاية وبحاجة سريعة لعلاج طبي ونقل للمستشفى»(170). وتؤكد مصادر أمنية رفيعة المستوى تعمل مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة بأن الجنرال كارمي غيون - رئيس الشاباك- أشرف بنفسه على التحقيق بشكل مباشر مع وسام ورياض حيث اعترف المجاهد وسام فرحات بأنه خطط مع كمال كحيل وأبو حسن وعماد أبو رقيق لأسر جندي إسرائيلي من إحدى المحطات بين اسدود وبئر السبع بعد إقناعه بركوب سيارة من نوع (GMC) مزودة بلوحات إسرائيلية صفراء كان عماد قد اشتراها لهذا الهدف. وتضمنت الخطة أيضاً، تنويم الجندي بغاز التنويم ثم نقله إلى اسدود، ومن هناك يدخل إلى شاحنة كبيرة تقله إلى قطاع غزة، ويضيف وسام بأن أبو حسن طلب منه مرافقة عماد أبو رقيق في جولاته الاستكشافية بين أسدود وبئر السبع لفحص المنطقة والتأكد من وجود جنود في الطريق إلى جانب فحص الوضع العام من ناحية الحواجز العسكرية. وقد تجمدت عملية التنفيذ بعد وقت قصير من الجولة الاستكشافية بسبب الطوق الشامل إثر عملية بيت ليد(171).

اسم أبو حسن هذا عاد إلى تصدر أوراق التحقيق مرة أخرى حين اعترف المجاهد وسام فرحات بأنه كان أحد أفراد المجموعة التي وضعت عبوات ناسفة بالقرب من مفترقات الطرق المؤدية إلى المستوطنات والثكنات العسكرية، ثم.. وهنا كانت المفاجأة الأهم، كشف للجنرال غيون أن القائد كمال كحيل لم يقم بتجهيز العبوات الناسفة ولا الحقائب المفخخة لأنه يجهل التعامل مع المتفجرات، وأن الذي قام بذلك هو أبو حسن الذي التقاه أكثر من مرة ليتسلم منه عبوات ناسفة. وحين ضغط الجنرال غيون وكبار مساعديه على المجاهد المعتقل طالبين أوصاف هذا الشخص، قدم وسام إجابة دقيقة مكنت المختصين في الشاباك من رسم صورة تقريبية بُنيت على الوصف، فكانت الملامح فيها أقرب ما تكون إلى ملامح القائد يحيى عياش. وعندئذٍ اطمأن رئيس الشاباك إلى المعلومات التي وردته من بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية في سلطة الحكم الذاتي، فأمر المحققين بالضغط أكثر على وسام لتقديم معلومات وافية عن مكان إقامة كمال كحيل في حي الشيخ رضوان، وهو المكان الذي التقى فيه وسام بالمهندس دون أن يتعرف على شخصيته(172).



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-10-2003, 04:48 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



10- ويمكرون ويمكر الله

اعتبر المحققون الإسرائيليون، وأولهم رئيس جهاز الشاباك، أن فرصة القضاء على المهندس والتخلص من الرعب الذي يشكله داخل المجتمع الإسرائيلي قد أصبحت فرصة واقعية بعد انتهاء التحقيق مع المجاهدين المعتقلين، فالاعترافات التي توفرت للجنرال كارمي غيون تشير إلى أن المهندس والعديد من قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام يقضون وقتاً محدداً في شقة سكنية بحي الشيخ رضوان. وحتى لا تضيع هذه الفرصة، وضع قسم العمليات بجهاز الشاباك خطة لمراقبة الشقة ومعرفة كل من يتردد عليها، وأوقات وجود المهندس فيها، ومداخلها ومخارجها، قبل الإقدام على تنفيذ أي عملية عسكرية. وقامت خطة المراقبة على ثلاثة أسس هي:

أ- الاعتماد على العملاء المحليين الذين يعرفون سكان المنطقة لرصد وتسجيل أوصاف كل الغرباء، وتمرير المعلومات أولاً بأول إلى ضباط الاتصال بالطرق المعتادة. ويستهدف هذا الأمر، التأكد من وجود المهندس بشكل محدد.

ب- تقديم رسم دقيق جداً للمبنى الذي تقع فيه الشقة، وتصوير مداخله إن أمكن، إضافة إلى تصويره من الخارج، مع تركيز الاستطلاع على الدرج الممتد من بداية المبنى إلى طابقه العلوي، ومعرفة ما إذا كان السكان يستخدمون بيت الدرج في تخزين أي مواد وما هي طبيعة هذه المواد وحجمها.

ج- التعاون مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والتنسيق مع مسؤولي الأجهزة الذين يمكنهم المساعدة في تقديم التسهيلات اللازمة والمشاركة في العملية مباشرة. واستناداً لما كشفه هاني الحسن (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح) فإن العميد غازي الجبالي الذي كان يتولى مسؤولية إدارة شرطة الحكم الذاتي في مدينة غزة في ذلك الوقت، استطاع إقناع القائد كمال كحيل بأن المخابرات الإسرائيلية تعتزم تصفيته، وأن الشاباك تمارس ضغوطاً كبيرة عليه -أي الجبالي- لتقديم المساعدة. واقترح العميد الجبالي على القائد القسامي وضع ضابط للاتصال بينهما من أجل تلافي اعتقال كحيل أو تصفيته. وبناء على ذلك، عين الجبالي شخصاً يدعى عاطف العايدي كضابط اتصال مع القائد كمال كحيل. وأكمل الجبالي مسرحيته بإيهام القائد القسامي بصدق نواياه حيث قام بتسريب جملة معلومات أمنية قيمة حتى بات الشهيد كمال كحيل ميالاً للاقتناع بصدقه وحسن نواياه(173).

وبعد انتهاء عملية المراقبة وجمع المعلومات من عملاء الشاباك ومخبري غازي الجبالي، تسلم محققو الشاباك النتائج والتقارير. وعند مقارنة أوصاف المطلوبين من كتائب الشهيد عزالدين القسام، تبين أن أبرز الذين يترددون على الشقة هم: يحيى عياش، وكمال كحيل، ونضال دبابش وحاتم حسان. كما أشارت التقارير أيضاً إلى وجود ما يشبه المستودعات المليئة بصناديق القمامة والصناديق الفارغة تحت بيت الدرج، وهي صناديق تحوي مواد كيماوية خاصة بالدهان وصبغ السيارات تعود لصاحب الشقة كونه يعمل في تلك المهنة.

وقد ركز ضباط الشاباك على هذه النقطة بشكل كبير لاستغلالها لاحقاً في وضع العبوات الناسفة شديدة الانفجار في أسفل الدرج المقابل للطابق الثاني حيث تقع الشقة. وفيما يتعلق بأنسب الأوقات لعملية التفجير، أفادت التقارير الاستخبارية بأن المهندس وعدد كبير من مقاتلي الكتائب يتواجدون في الشقة بين الثانية عشرة ظهراً والرابعة بعد الظهر. ولأن أجهزة الأمن الإسرائيلية تعرف المنطقة جيداً، فقد تم تأشير المبنى على خارطة مدينة غزة، وخارطة حي الشيخ رضوان تحديداً، وعرضت الخارطتان على العملاء الذين قاموا بالاستطلاع لإضافة أي معلومات ممكنة بشأنها قبل تنفيذ عملية التفجير. وأما فيما يتعلق بالعملية نفسها، فقد تقرر وضع العديد من العبوات الناسفة في بيت الدرج وعبوة ناسفة تحتوي على كيلو غرامين من مادة (ت.ن.ت) في صندوق القمامة القريب من الباب الرئيسي للشقة، حيث أكدت الاستطلاعات بقاء هذا الباب مغلقاً بشكل دائم، وهو ما أدى إلى تسهيل العملية إلى حد كبير. وفي أثناء وضع اللمسات الأخيرة على خطة تفجير المبنى، قررت الشاباك إخلاء المنطقة من العملاء بشكل كامل في ساعة التفجير(174).

وبعد أخذ موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية، أمر الجنرال كارمي غيون بالمباشرة بالعملية حيث قامت خلية تجسس تعمل لصالح الشاباك يتزعمها رفيق عليان ومن أبرز أعضائها، رائد العجور الذي يشغل منصب قائد القوة التنفيذية لأمين الهندي (رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية العامة) وأسامة الغول الذي يشغل أيضاً منصب قائد القوة التنفيذية للعميد موسى عرفات (رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية) بوضع العبوات الناسفة في بيت الدرج يوم الأحد الموافق 2 نيسان (إبريل) 1995. وحتى تتأكد الشاباك من وجود المهندس في ذلك الحين داخل الشقة، قام عاطف العايدي وبرفقته رفيق عليان بزيارة القائد كمال كحيل. ولكن عناية الله، جعلت تلك الزيارة تحقق عكس ما هو مرجو منها، إذ أثارت استياء المهندس الذي احتج بعد خروج العايدي وعليان على قبول الشهيد كمال كحيل باستقبال أشخاص لا يعرف انتماءهم الحقيقي. ولذلك، خرج المهندس وبرفقته عبد الفتاح السطري من الشقة مباشرة بعد مغادرة العايدي وعليان، أي في تمام الساعة الثالثة من بعد الظهر.

وفي نحو الساعة الثالثة والثلث، عاد رفيق عليان إلى المبنى متنكراً بزي امرأة، دون أن يدري بخروج المهندس -وكان يحمل بيده حقيبة سوداء تحوي كيلو غرامين من المتفجرات وسلمها إلى الطفل بلال سعيد دعبس (ابن صاحب الشقة)، وطلب منه أن يسلمها إلى القائد كمال كحيل* [ذكر تقرير لحركة حماس في قطاع غزة بأن شباب عاديين من حماس شكوا برفيق عليان في ذلك اليوم لأنهم رأوه متنكراً بزي امرأة، وقد حلق شاربه، واعترف لهم بما فعل. ولكنه تمكن من الهرب منهم حيث لم يكونوا مسلحين، وتوقع التقرير أن العميل هرب إلى مصر أو ألمانيا.]. وما هي إلا ثوان حتى دوى انفجار هائل دمر المبنى وأودى بحياة القائد كمال كحيل وحاتم حسان وبلال دعبس وسعيد إبراهيم دعبس الذي توفي متأثراً بجراحه بعد خمسة أيام من الجريمة بينما أصيب على الصباح ونضال دبابش بجروح وحروق متوسطة نقلا على أثرها إلى المستشفى حيث قامت عناصر تابعة لجهاز الأمن الوقائي بسلطة الحكم الذاتي باختطاف الأخير للتغطية على (المجزرة - المؤامرة) كونه الساعد الأيمن للقائد كمال كحيل وشارك منذ خمس سنوات في الجهاز العسكري لحركة حماس وعمل بشكل أساسي بالتنسيق بين المهندس والقائد الشهيد لنقل الوسائل القتالية ووضع الخطط لتنفيذ العمليات العسكرية وتصفية خلايا التجسس الإسرائيلية في مناطق قطاع غزة(175).

لم تكتف شرطة الحكم الذاتي بالدور الذي قامت به، بل عملت على ترويج الأكاذيب والافتراءات في محاولة مكشوفة لبث الدعاية المغرضة بأن حركة حماس غير مهتمة بأمن وسلامة الجمهور الفلسطيني. فقالت السلطة الفلسطينية عبر العميد غازي الجبالي والطيب عبد الرحيم بأن الشقة في الحقيقة هي «مركز تستخدمه حماس لصنع المتفجرات، والانفجار ناتج عن أخطاء ارتكبها أعضاء الحركة أثناء عملية التعامل مع هذه المتفجرات»(176). ومع أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لم تكلف نفسها عناء الرد على هذه الأكاذيب لوضوح الحقيقة لدى جماهير الشعب الفلسطيني، فإن بعض الشرفاء من داخل سلطة الحكم الذاتي نفسها انبروا يفندون هذه الافتراءات حيث عقد خبيرا المتفجرات في مديرية الدفاع المدني مؤتمراً صحافياً في غزة نفيا فيه رواية غازي الجبالي، وأشارا إلى أن الانفجار ناجم عن عبوة ناسفة موقوتة وضعت بفعل فاعل أثناء غياب سكان المنزل عنه(177). كما شاهد الجميع على شاشات التلفاز كيف أن أحد ضباط غازي الجبالي ضغط بقدمه على الحقائب التي قيل أنها كانت مفخخة، ثم ادعى أنه يفكك عبوات، وبعد ذلك حمل العبوات وسار وسط حشود من أفراد الشرطة الفلسطينية، وهو ما لا يقبله عقل أو منطق. إذ لو كان ما يحمله عبوات، لما سار معه أحد، ولما حملها على صدره خشية انفجارها(178).
- لغز القبر الرابع

بعد الانفجار العنيف في حي الشيخ رضوان، راجت شائعات قوية بأن المهندس قد قتل، وأخذت وكالات الأنباء الأجنبية ووسائل الإعلام المختلفة تبث في صدر نشراتها بأن يحيى عياش الذي اشتهر بلقب (المهندس) كان بين قتلى الانفجار في غزة. واستندت هذه الإشاعات إلى معلومات سربتها الشاباك بشكل غير مباشر بطلب من الجنرال كارمي غيون الذي حاول أن يضفي هالة من العبقرية على هذا الإنجاز الذي يشكل حلم الدولة العبرية. ومما دعم هذه الروايات، تضارب الأنباء حول عدد الشهداء الذين قضوا في (المجزرة - المؤامرة) التي استهدفت قادة ومجاهدي كتائب عز الدين القسام. فقد بدأت بيانات شرطة الحكم الذاتي بالإعلان عن سقوط ثمانية شهداء، ثم خفضت العدد إلى ستة قبل غروب شمس اليوم. ولم يمض أربع وعشرون ساعة حتى نقص العدد إلى خمسة. وأخيراً، أعلنت الشرطة الفلسطينية في بيانها العثور على أربعة جثث تعود ثلاث منها للشهداء: كمال كحيل وحاتم حسان والطفل بلال الدعبس بينما لم يتم تشخيص الجثة الرابعة نظراً لعدم توفر وسائل فنية لتشخيص الجثث وفحص أنسجة العظام. ولم تكن هذه الجثة التي دفنت في قبر مستقل إلى جانب قبور الشهداء الثلاثة سوى أشلاء الشهداء أنفسهم التي تناثرت لمسافات كبيرة نتيجة شدة الانفجار. ولئن تجاوزنا هذه الحقيقة، فإن (الجثة المجهولة) كانت مشوهة بدرجة كبيرة جعلت التعرف على صاحبها أمراً متعذراً. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن العميد غازي الجبالي الذي كان متيقناً من وجود المهندس داخل الشقة، أراد أن يكون صاحب البشرى بأن الجثة المجهولة قد تكون ليحيى عياش. ولم يكتف العميد الجبالي بذلك، بل أنه حاول تأكيد هذه الرواية بالزعم «أن مسؤولي الأمن الفلسطينيين ضبطوا وثائق في المبنى المكون من ثلاثة أدوار تفيد بأن يحيى عياش وكمال كحيل تعاونا في إعداد المواد المتفجرة التي كانت حماس تعتزم استخدامها في غزة ضد مسؤول رفيع في منظمة التحرير الفلسطينية»(179).

وتلقفت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأخبار، لتضع صحيفتي يديعوت أحرونوت ومعاريف الصادرتين يوم الثلاثاء الموافق 4 نيسان (إبريل) 1995 في صدر عناوينها الرئيسة أن الشرطة الفلسطينية تعتقد أن المهندس يحيى عياش من بين قتلى الانفجار في حي الشيخ رضوان. وأبرزت الصحيفتان توضيحات قائد شرطة غزة، العميد غازي الجبالي التي جاء فيها: «إن الشرطة الفلسطينية تفحص إمكانية أن إحدى الجثث التي لم يتم تشخيصها حتى الآن هي جثة يحيى عياش». واستخدم الجبالي كلمات (قد تكون) و(إمكانية) و(نعتقد) حتى لا يفهم بأنه كان على علم بوجود المهندس داخل الشقة.

وكان سفيان أبو زايدة، عضو اللجنة الحركية العليا لحركة فتح بقطاع غزة، أكثر حذراً حين دعا المتفائلين الإسرائيليين بنجاح جريمتهم إلى التريث ريثما يتم التأكد من الجثة الرابعة، وإذا كان يحيى عياش من بين الأشخاص الذين قضوا في عملية التفجير أم لا، وإن كان أبو زايدة قد قال صراحة للإذاعة الإسرائيلية بأنه (يعتقد) أن التحقيقات وتشخيص الجثة ستقود إلى هذه الحقيقة، أي مقتل المهندس(180). وانجر اليكس فيشمان، المحرر المسؤول عن الشؤون الأمنية في صحيفة معاريف وراء هذه الإشاعات، فأخذ يحلل طبيعة العلاقة بين كمال كحيل ويحيى عياش وتعاونهما في التخطيط والتنفيذ، ومما جاء في المقال الذي كتبه تحت عنوان (الحكم الذاتي ليس ملجأً آمناً لمطلوبي حماس): «الانفجار الذي وقع أمس في شقة في حي الشيخ رضوان، شطب من رأس قائمة المطلوبين القساة جداً في القطاع اسم كمال كحيل رئيس خلايا عز الدين القسام، الذي تلوح صورته في ملصق المطلوبين المعلق في غرف وحدات الجيش والشرطة، إلى جانب صورة المطلوب رقم واحد في الضفة المهندس يحيى عياش. إن حقيقة وجود صورهما الواحدة إلى جانب الأخرى ليست عفوية، حيث تعاونا لفترة طويلة سواء بتحضير العبوات على اختلاف أنواعها أو بترويج أسلوب المنتحرين»(181).

نام الإسرائيليون، حكومة وشعباً، تلك الليلة بهدوء واطمئنان بعد أن وضع الجنرال كارمي غيون الذي تعهد لدى تسلمه مهام منصبه بأن تكون مهمته الأولى تصفية المهندس، النهاية السعيدة -باعتقادهم- للمطاردة المتبادلة مع الأسطورة التي أقلقتهم لثلاث سنوات، والذي تصادف مع مرور ثلاث سنوات على الإعلان عن يحيى عياش كمطلوب للحكومة الإسرائيلية. ولم يكن يخطر ببال أحد منهم، وحتى رابين أو غيون، بأن تتبخر السعادة وتستبدل الطمأنينة بالشك والخوف بعد أربع وعشرين ساعة فقط. ففي اليوم التالي للجريمة، بدأ الغموض يحوم حول ما اعتبره الجبالي وغيره حقيقة، إذ أوضحت تحقيقات أجراها طاقم خاص بشرطة الحكم الذاتي بأن يحيى عياش لم يكن من بين القتلى.

ونقلت صحيفة معاريف تصريحاً لمسؤول كبير في السلطة الفلسطينية لم تشر إلى اسمه جاء فيه: «لدينا دلائل أن يحيى عياش كان بالفعل في مصنع المتفجرات في حي الشيخ رضوان، ولكنه خرج من البناية قبل بضع دقائق من وقوع الانفجار». وفي إشارة إلى الدلائل التي توفرت لديه، أضاف المسؤول الفلسطيني بأن جميع القادة السياسيين لحركة حماس في قطاع غزة توجهوا بسرعة بعد وقوع الانفجار إلى مستشفى الشفاء وتفحصوا هوية الشهداء، ولم يغادروا إلا بعد أن تيقنوا بأن المهندس قد نجا(182). وازداد الغموض لدى سلطات الاحتلال وأجهزتها الأمنية حين أكدت الشرطة الفلسطينية في اليوم التالي أنه لا يوجد قتيل رابع. وعليه، فإن القبر الرابع احتوى على أشلاء للشهداء الثلاثة لم يتم تحديدها بالضبط. وعندئذ، تنصل العميد غازي الجبالي من روايته وادعى بأن وكالة رويتر نقلت عنه معلومات غير دقيقة، بل أنه نفى أن يكون قد تحدث مع المراسلة أصلاً(!). وليس هذا فحسب، فحين توجهت صحيفة يديعوت أحرونوت بالسؤال لعدد من المسؤولين في غزة حول ما إذا كان المهندس حي أم ميت أو يعيش في الضفة الغربية، رد العميد الجبالي بالقول: «إن يحيى عياش لم يكن هناك». وجاءت الردود الأخرى مثيرة للتكهنات المتناقضة أوقعت جهاز الشاباك في حيرة من هذا الأمر. فمن جهة حركة حماس في ذلك الوقت، قال عماد الفالوجي: «لا توجد معلومات واضحة، هذه كلها إشاعات وسيظهر الأمر لاحقاً ونحن لسنا متعجلين من أمرنا»، بينما رد الدكتور غازي حمد على تساؤلات الصحيفة: «إذا كان المهندس قتل فلن نخفي ذلك، وأنه لشرف له أن يكون شهيداً.. إن هذه الأنباء ما هي إلا تصريحات من الشرطة الفلسطينية تستهدف تهدئة الإسرائيليين، ولكن هذا النبأ عار عن الصحة». ويضيف سفيان أبو زايدة بما يناقض ما ذهب إليه في يوم الانفجار بقوله: «ليس هناك أحد يعرف ما حل بمصير يحيى عياش وأين يتواجد»(183).

أما عائلة المهندس، فقد بدت غير مكترثة لكل هذه الشائعات، لإيمانها بأن كل شيء في يد الله سبحانه وتعالى. ولم تخرج إجابة أبو يحيى عن هذا المفهوم، إذ أجاب مذيع القناة الأولى بالتلفزيون الإسرائيلي الذي زار رافات لمعرفة رد فعل العائلة بقوله: «إن كان موجوداً في غزة فلم يبحثون عنه عندنا، بإمكانهم التفتيش عنه في غزة، وإذا كان قد قتل فهذا من عند الله والموت حق على كل إنسان، وكلنا سنموت وليس يحيى فقط.. عدا عن ذلك، فإن يحيى ليس وحيداً، فكل الناس هم يحيى.. إياك أن تظن أن يحيى يعمل لوحده، فكل الشعب هو يحيى»(184).

ويبقى الأثر الأهم للغز القبر الرابع، ما يتعلق بجهاز الشاباك نفسه، الذي دبر عملية التفجير للتخلص من المهندس. فقد بقي ضباط الاستخبارات ومحققي الشاباك أسبوعاً كاملاً يتساءلون هل قتل يحيى عياش أم لا زال بين الأحياء يتجول بصمت في منطقة ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة وربما حتى داخل الخط الأخضر.

فيكتب محرر الشؤون الأمنية في صحيفة يديعوت أحرونوت تقريراً مطولاً تحت عنوان (المهندس: حي أم ميت) جاء فيه: «ليس هناك معلومات تتيح الرد على هذا السؤال. ولكن يبدو أن هذا الأمر لا يحول دون رواج الشائعات في غزة والضفة وحتى داخل إسرائيل ذاتها من قبل: كان في البيت في حي الشيخ رضوان أثناء الانفجار؟ تمكن من الخروج من البيت قبل لحظات؟ قتل؟ يتجول بين نابلس ورام الله؟ كل وإشاعته، فإذا كان المهندس لا زال بين الأحياء، فإن ذلك يعد إخفاقاً لجهاز المخابرات الإسرائيلي لا سيما وأن هذا الرجل لا يعمل كذئب منفرد وإنما بالاستعانة بشبكة كبيرة من المعاونين الذين يزودونه بالوثائق اللازمة لتنقلاته والمواد المتفجرة والمأوى والغذاء، كما يزودونه بالملابس ويجرون لحسابه اتصالات مع منفذي الهجمات ومع القيادة».

وتمضي الصحيفة إلى القول: «في أوساط الهيئة الأمنية الإسرائيلية باتوا يشعرون بالجنون، ويتساءلون، إذا كان عياش على قيد الحياة فلماذا لا يظهر دلائل تشير إلى أنه حي يرزق؟ غير أن هذه الأوساط تعتقد أن الرجل الذي يتوق الإسرائيليون شوقاً إلى شطبه من قائمة الأحياء يتجول سالماً معافى، وربما كان يعد العدة لهجوم مباغت غير مبال بالأسئلة التي تحوم في الفضاء حوله»(185).

12- شيخ أزهري يشارك في جنازة بدون شهداء

«قاس، ومجنون، وماكر.. الأكثر جرأة والأقل خوفاً» هذه هي بعض الأوصاف التي نسبت للشهيد القائد كمال كحيل. والتعابير الأولى مأخوذة من انطباعات إسرائيلية لضباط ومعلقين عسكريين، بينما الأوصاف الأخيرة ترددت على لسان جماهير الشعب الفلسطيني التي عرفت كمال عن قرب. فالشهيد القائد الذي ولد في حي الرمال بمدينة غزة عام ،1961 كان الابن الرابع لأسرة فقيرة عاشت أوضاعاً اقتصادية صعبة، الأمر الذي اضطر معه إلى ترك الدراسة في الصف الثالث الإعدادي ليعمل مع والده في المخبز الصغير بحي الصبرة، قبل أن يتحول للعمل في مهنة السمكرة داخل الخط الأخضر. وعرف الشهيد طريقه إلى مسجد العباس منذ نعومة أظافره فكان شبلاً إسلامياً، تميز على الدوام بنشاطه وفعاليته في صفوف الحركة الإسلامية في القطاع. وحين تفجرت الانتفاضة المباركة، شارك الشهيد بفعالية في المواجهات والصدامات ليلتحق بكتائب الشهيد عز الدين القسام بعد تشكيلها بفترة قصيرة ضمن مجموعة الشهيد طارق دخان والشهيد ياسر الحسنات. وسرعان ما تحول إلى واحد من أخطر المطلوبين الذين كانت تبحث عنهم الشاباك وعرف عنه بأنه المطلوب رقم واحد لسلطات الاحتلال في قطاع غزة حيث لعب دوراً مهماً في تنظيف غزة من العملاء إلى جانب مسؤوليته في انتقاء وتجنيد المجاهدين وتأهيلهم. كما نفذ الشهيد القائد العديد من العمليات البطولية، والهجمات الناجحة ضد دوريات وجنود العدو، إذ كان من أبرزها الثأر للشهيد عماد عقل بقتل الكولونيل مئير مينتس -قائد الوحدات الخاصة في القطاع- وضابط آخر برتبة رائد بعد شهر واحد فقط من استشهاد عماد. وإلى جانب هذه المساهمات، بذل القائد القسامي ماله في سبيل دعم الجهاد وظل حاملاً روحه على كفه يرافقه الشهيد حاتم حسان والجريح نضال دبابش في سبيل الله. وحين وفد المهندس إلى قطاع غزة، أوكل للشهيد كمال كحيل توفير الحماية ومجموعات الإسناد والدعم له، ولم يكتف بذلك، فقد أصر على مشاركة المهندس في وضع (14) عبوة ناسفة والتخطيط لثلاث عمليات استشهادية(186).

ولأن القساميون يمتلكون مصداقية عالية في أوساط الشعب تراكمت عبر العطاء الجهادي المتواصل، فقد تجمع نحو خمسين ألف شخص من أبناء قطاع غزة في صلاة ظهر اليوم التالي بالمسجد العمري الكبير بمدينة غزة حيث كان مفاوضون من حركة حماس قد اتفقوا مع سلطة الحكم الذاتي أن تُسلم لهم -أي حماس- جثث شهداء مجزرة حي الشيخ رضوان لتشيعها. وتتفاجأ الجماهير المحتشدة بأن السلطة قد تراجعت عن الاتفاق بحجة البيان الذي أصدرته كتائب الشهيد عز الدين القسام حول الجريمة. وليس هذا فحسب، وإنما قامت الشرطة الفلسطينية بدفن الجثث دون أن يعلم أحد أو تسمح لأهاليهم بإلقاء نظرة الوداع عليهم. وعندئذٍ، غضبت الجماهير، وقررت القيام بمسيرة تنطلق من المسجد باتجاه المقبرة الشرقية في حي الشجاعية حيث دفن الشهداء. وتحولت الجنازة الرمزية التي حملت خلالها ثلاث نعوش فارغة إلى تظاهرة عارمة ضد سلطة الحكم الذاتي، وعبرت الجماهير وكلمات المشيعين عن غضب وسخط لا حدود لهما جراء إجراءات السلطة حيث رفعت الجماهير صوراً ليحيى عياش ورددت هتافات من قبيل: (الانتقام.. الانتقام يا كتائب القسام)، (ولازم يعرف كل الناس.. مين رجالك يا حماس) و(عياش انتقم لشهدائنا)(187).

المئات من أفراد شرطة الحكم الذاتي راقبوا المسيرة، والطائرات المروحية الإسرائيلية حلقت فوق الحشود، وطواقم التلفزيون الإسرائيلي صورت الجنازة الرمزية من المسجد وحتى المقبرة لتبث مشاهدها في المساء. وكل هؤلاء، أو بعضهم، لا بد أن يكون قد مر بالقرب أو حتى لمح ذلك الشيخ الأزهري، ذو اللحية الطويلة الذي يرتدي جلابية ويضع على عينيه نظارة. فقد كان هذا الشكل مميزاً في وسط هذه الجموع. ولم يكن أحد من بين هؤلاء وحتى من بين آلاف المشاركين في الجنازة يعلم بأن هذا الرجل يتنكر وراء هذه الهيئة. وكما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية، فقد اتضح فيما بعد بأن المهندس يحيى عياش الذي كان المئات من الشبان يرفعون صوره مطالبين بالثأر قد ضلل الجميع بتنكره على هيئة الشيخ الأزهري حيث كان يلازمه أثناء تواجده في المسجد وطوال المسيرة مرافقاه، أبو مصعب وأبو سليمان(188). ولئن كانت هذه مجازفة خطيرة من قبل القائد القسامي، فإنها تعبر بصدق عن مدى العلاقة الأخوية الصادقة التي توثقت عبر المعايشة اليومية والجهادية.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-10-2003, 05:06 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



13- عاصفة الثأر

كتائب الشهيد عز الدين القسام لم تسكت في الماضي، وبادرت إلى الانتقام الفوري لكل جريمة صهيونية استهدفت جماهير الشعب الفلسطيني أو قادة المقاومة الإسلامية، وهذا الأمر كانت تدركه حكومة اسحق رابين التي أعلنت الاستنفار في صفوف جيشها وقوات حرس حدودها وطالبت المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة بالحذر وعدم التحرك إلا بمرافقة وحدات عسكرية. وفي الطرف المقابل، ثارت تكهنات في أوساط مؤيدي الحركة الإسلامية حول طبيعة الرد المتوقع وما إذا كان المهندس ما يزال قادراً على الرد بقوة توازي ما قام به بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي ومسجد فلسطين. وتعود هذه التكهنات إلى المعلومات التي وردت للشاباك بأن المهندس قد غادر قطاع غزة عائداً إلى الضفة الغربية بعد استشهاد رفيقه وساعده الأيمن حيث شنت قوات الاحتلال ليلة الخميس الموافق 6 نيسان (إبريل) 1995 حملة مداهمات وتفتيش في منازل العديد من أهالي قرية كفر الديك أثر ورود إخبارية من العملاء بوجود المهندس هناك(189). ولذلك، ليس من قبيل الصدفة أن يرد أحد قادة الحركة الإسلامية السياسيين في قطاع غزة على شائعات مقتل المهندس في جريمة التفجير التي نالت من الشهيد القائد كمال كحيل بقوله: «نحن ننتظر من يحيى عياش دلائل من نوع آخر تثبت أنه ما زال حياً»(190).

باختصار، يمكن القول بأن المهندس يختار أهدافه ويضع خططه بعناية لا تقل بحال من الأحوال عن اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة لعملية التنفيذ. ولذلك، حين سار مهندس الأجيال في جنازة كمال كحيل وحاتم حسان الرمزية، كان مطمئناً بأن الثأر للشهداء سيكون موجعاً وعنيفاً، ولن يتأخر. وبدا واضحاً، منذ أن طلب المهندس من القائد محمد الضيف أن يرشح له مجاهدان استشهاديان، بأنه وضع نصب عيناه أن يثبت لاسحق رابين بأن بقاء قواته ومستوطنيه في قطاع غزة بات مكلفاً للغاية، مالياً وبشرياً. وإلى جانب ذلك، أراد أن يوصل لحكومة تل أبيب أن سلطة الحكم الذاتي قد فشلت في المهمة التي رسمت لها في اتفاق أوسلو، أي منع المقاومة الإسلامية من ممارسة أي نشاط سياسي أو عسكري، وحماية حدود الدولة العبرية ومستوطنيها.

الاستشهاديان اللذان تطوعا لتنفيذ برنامج المهندس بالانتقام للعملية الجبانة هما خالد محمد محمود الخطيب من مخيم النصيرات وعماد محمود سليمان أبو أمونة من مخيم الشاطىء، وكلاهما من أسرة متوسطة الحال ويبلغان من العمر (24 عاماً). فخالد، عمل في مهنة البناء وشارك في الانتفاضة المباركة، وقضى وقته من المسجد للبيت ويمارس الرياضة والكاراتيه، ويتمنى الشهادة ويتحدث عنها كثيراً. وعلى غرار البطل خالد الخطيب، فإن البطل عماد أبو أمونه التزم في الصلاة بالمسجد منذ صغره وشارك في فعاليات الانتفاضة، واعتقل مرتين احترازياً (1989 و 1990) وأصيب مرتين في قدمه خلال المواجهات في مخيم الشاطىء أيضاً. ويعمل عماد الذي أنهى دراسة السمكرة ودهان السيارات وحصل على دبلوم من معهد في مدينة غزة، في مصنع للملابس(191).

وقبل مرور أقل من أسبوع على استشهاد كمال كحيل وحاتم حسان، وضعت إحدى مجموعات الاستطلاع التابعة لكتائب عز الدين القسام أمام المهندس تقريراً عن رصد تحركات الحافلات والسيارات العسكرية المرافقة لها ومواعيد انطلاقها من المحطة المركزية في عسقلان باتجاه المستوطنات اليهودية في قطاع غزة. وبعد دراسة كافة الظروف المحيطة، والإمكانيات المتاحة، استقر الرأي لدى المهندس وأبو خالد على استخدام سيارتين مفخختين، الأولى ضد حافلة تعمل على الخط رقم (36) بين عسقلان ومستوطنات غوش قطيف المحاذية لساحل خان يونس، بينما تهاجم الثانية حافلة أخرى متجهة إلى مستوطنة نتساريم الواقعة إلى الشرق من مدينة غزة.

وعلى هذا الأساس، قام المهندس بتجهيز سيارة من طراز فولكس فاجن وسيارة أخرى من طراز سوبارو بالمتفجرات حيث اشتملت كل منهما على ثلاثة ألغام مضادة للدبابات (سبعة كيلو غراما/ اللغم) وثلاثة ألغام مضادة للأفراد (كيلو غرام واحد/ اللغم) وكمية كبيرة من البارود ورزم من الديناميت والمتفجرات المصنعة والمسامير. وقد قدر خبير المتفجرات في الشرطة الإسرائيلية كمية هذه المتفجرات بين أربعين وسبعين كيلو غرام(192). وبعد تدرب المجاهدان على تفاصيل الخطة وطريقة تفجير السيارتين، قامت مجموعات الإسناد بنقل السيارتين اللتين كتب عليهما شعارات باللغة العبرية للتمويه إلى موقعين قريبين من مكان الهدف(193).

وفي الموعد المحدد، غادر المجاهد خالد الخطيب منزل ذويه في نحو الساعة السادسة من صباح يوم الأحد الموافق 9 نيسان (إبريل) 1995 دون أن يدري أحد من المقربين له والأصدقاء عما خطط له. وقاد خالد سيارة فولكس فاجن على الطريق الواصل بين مستوطنتي كيسوفيم وكفاردروم، وانتظر لفترة من الوقت على الجانب الشرقي من الطريق. وعندما وصلت الحافلة الإسرائيلية التي خصصت لنقل الجنود من مدينة عسقلان وتوزيعهم على القواعد العسكرية في مستوطنات غوش قطيف في نحو الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق ظهراً، خرج المجاهد بسيارته المفخخة من الطريق الجانبي وتوجه بسرعة كبيرة متجاوزاً سيارة الجيب التي كانت تحرس الحافلة من الخلف واصطدم بالحافلة من الوسط لتنفجر السيارة والحافلة معاً على بعد (200) متر من مدخل مستوطنة كفاردروم. وتحولت المنطقة إلى ما يشبه ساحة حرب، إذ احترقت الحافلة بالكامل وقتل وجرح كل ركابها، واندفع مئات الجنود من مواقعهم المخصصة لهم عند مداخل المستوطنات إلى مكان الانفجار. ووصلت ثلاث مروحيات عسكرية وعشرات من سيارات الإسعاف لنقل القتلى والجرحى إلى المستشفيات الإسرائيلية في المدن المجاورة، وأعلن جيش الاحتلال قطاع غزة منطقة عسكرية مغلقة(194).

وظنت سلطات الاحتلال العسكرية أن إغلاق حاجزي ايرز ونحال عوز ومنع حركة السيارات الفلسطينية بين المدن الواقعة تحت سلطة الحكم الذاتي كفيل بتحقيق الأمن لجنودها ومستوطنيها، ولم يكن يخطر ببال أحد من القادة العسكريين والأمنيين بأن المهندس قد جهز ضربة أخرى للأمن الإسرائيلي. فبعد ساعة تقريباً من العملية البطولية التي نفذها الشهيد خالد الخطيب، والتي أسفرت -وفق الرواية الإسرائيلية- عن مقتل سبعة جنود وإصابة اثنين وخمسين آخرين بجروح وصفت جروح خمسة منهم بأنها خطيرة، اندفع المجاهد عماد أبو أمونة بسيارته المفخخة على طريق (كرني - نتساريم) واتجه بسرعة فائقة نحو حافلة تقل عسكريين ومستوطنين متجهين إلى مستوطنة نتساريم. ولكن سيارة الجيب التي كانت تحرس الحافلة اعترضت سيارة السوبارو واصطدمت بها لتنفجر السيارتين وتندلع النار بهما. وقد أسفرت العملية الثانية عن مقتل جندي من حرس الحدود وإصابة أحد عشر جندياً ومستوطناً اعتبرت جروح ستة منهم خطيرة(195).

لم يخف الغزيين هذه المرة شعورهم بالنشوة لما حدث أو ما سموه (الانتقام السريع)، بينما اعتبرت حكومة اسحق رابين العمليتين ضربة قوية للجهاز الأمني الإسرائيلي الذي كان قد اتخذ الاحتياطات وأعلن حالة التأهب القصوى. وما أن تلقى رئيس الوزراء ووزير الدفاع، خلاصات التقرير الذي قدمه جهاز الشاباك بعد يومين عن عاصفة الثأر والذي حدد بأن بصمات يحيى عياش تبدو واضحة في الهجومين، حتى خرج اسحق رابين عن طوره معترفاً ومتوعداً في نفس الوقت حيث صرح للإذاعة الإسرائيلية بأنه «شبه متأكد أن عياش حي يرزق وأنه موجود في قطاع غزة حيث يمارس نشاطه». وأضاف رابين في نبرة حادة: «إن يحيى عياش سيسعى إلى توجيه ضربات إلينا، لكن نهايته آتية وسيكون مصيره مثل مصير غيره من الإرهابيين»(196).

14- معلومات مضللة لصرف أنظار الشاباك

قد يختلف البعض مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ولا يوافقها الرأي في توجهات سياسية معينة أو يأخذ عليها في الموقف من قضايا محددة، ولكن أحداً من أبناء الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية لا يختلف معنا حول والأماكن عياش باعتباره أسطورة ورمزاً للجهاد والمقاومة في العصر الحديث. وكلما تعمقنا في دراسة وتحليل هذه الشخصية المبدعة، نجد بأن يحيى عياش أو المهندس كان مصدر قلق ورعب للكيان الصهيوني، وسيبقى كذلك بما أورثه لتلاميذه.

وطالما وصلنا إلى المحطة الجهادية الجديدة من حياة القائد القسامي، وهي محطة يبرز من خلالها الكفاءة الأمنية والبعد الاستخباري في الحرب بين المهندس والكيان الصهيوني. ومع أن هذا البعد قد يثير التساؤلات حول اختلال الموازين والإمكانيات بين طرفي الصراع، إلا أن المهندس أداره بنجاح حقق به الإنجازات والأهداف المرجوة بتضليل الآلاف من أفراد الشاباك وعملائها. ويكفي أن يكون المهندس هو المبادر في تفجير هذه المحطة في الحرب الاستخبارية، إذ تم الاتفاق بين قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام في قطاع غزة على كتابة شعارات على جدران منازل حي الشيخ رضوان وفي بعض المساجد يوم 19 أيار (مايو) 1995 بأن (المجاهد الكبير يحيى عياش نجح في الوصول إلى مصر) و (يحيى عياش غادر مدينة غزة ووصل بأمان إلى بلد عربي مجاور) و(يحيى عياش في السودان) وغيرها من العبارات التي استهدفت خداع الشاباك وتضليله ومساعدة المهندس بتخفيف الضغط عنه(197). وتكمن العناية الآلية التي تدخلت للمساهمة بشكل كبير في الحرب النفسية إلى جانب المهندس، برفع وحدة عسكرية إسرائيلية كانت تقوم إحدى مجموعاتها بدورية على امتداد خط الحدود مع مصر تقريراً عن نشاطاتها في الليلة التي أعلن عن مغادرة المهندس لقطاع غزة يفيد بأنها رصدت وسط الظلمة الحالكة شبح إنسان يرتدي عباءة، ويحاول أن ينسل بحذر للجانب المصري. وعندئذٍ -يضيف التقرير- ألقت الدورية حزمة قوية من الضوء على جدار الحدود وأطبقت أضواء سيارة الجيب فجأة على هذا الشبح، ولكنه استمر في عدوه بسرعة ليتوارى في الظلمة داخل الأراضي المصرية دون أن يتمكن الجنود الذي شرعوا بإطلاق النار باتجاهه في تحقيق هدفهم بمنعه من الهرب. وقبل أن يتضح لحكومة تل أبيب وأجهزتها الأمنية أو العسكرية بأن الشخص المجهول الذي نجح في الفرار إلى مصر، والذي كانت الإشاعات تقول بأنه يحيى عياش، لم يكن إلا أحد السكان البدو من مدينة رفح الذي كان مطلوباً لسلطة الحكم الذاتي بتهمة ارتكاب مخالفات جنائية، وقع الجنرال كارمي غيون في حيرة من أمره بعد أن تلقى تقارير ومعلومات متضاربة من الطاقم المكلف بمتابعة المهندس، فمنهم من قال إنه فعلاً هرب إلي مصر، والبعض ما زال مصراً بأنه قتل في الانفجار الذي وقع داخل البيت بحي الشيخ رضوان. وفريق ثالث رفض هذه التحليلات وأصر بأن المهندس ما يزال يختبىء في الضفة الغربية، وشكل هذا الارتباك الذي استمر لفترة طويلة من الوقت، ظاهرة أرقت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية إلى أن انحصرت التحليلات بين بقاءه في القطاع أو مغادرته للضفة الغربية بعد أن انكشف سر الرجل المجهول عند خط الحدود(198).

وبانشغال الكثيرين من ضباط القيادة العسكرية والأمنية في تل أبيب في التكهن من صحة الأنباء حول مغادرة المهندس لقطاع غزة، تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه القضية مثيرة جوانب مهمة من شخصية المهندس وتساؤلات كلها تصب بشكل غير مباشر في قدرة القائد القسامي على مناكفة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي تطارده. فتحت عنوان (عياش يخلف وراءه جرحاً مفتوحاً في الشاباك)، كتب المعلق روني شيكد في صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 21/5/1995: «إن هرب المهندس يحيى عياش سيبقى كالجرح المفتوح في جهاز المخابرات الإسرائيلي، إذ أن ملاحقة عياش كلفت أجهزة الأمن وقتاً وموارداً وجهوداً تفوق كل الجهود التي بذلت لاعتقال أي مطلوب آخر حيث أن ملاحقته والبحث عنه استمرت طيلة السنوات الثلاثة الماضية». وأشار شيكد إلى أن «المهندس وبسبب الأعمال المنسوبة إليه والتقارير التي نشرتها وسائل الإعلام عن أعماله وشخصيته جعلت منه أسطورة ورمزاً للأعمال المسلحة النوعية التي تقوم بها حركة حماس، ولذلك فان تصفية عياش أصبحت مسألة اعتبارية بالنسبة لجهاز المخابرات، خاصة وأن رئيس جهاز المخابرات الجديد تعهد لدى تسلمه لمهام منصبه أن مهمته الأولى ستكون القضاء على المهندس الذي تجول خلال السنوات الأخيرة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وفي قطاع غزة ولربما داخل إسرائيل أيضاً . إذ أنه يستعين بشبكة تضم نحو ثلاثين مساعداً على الأقل يوفرون له الغطاء والمأوى والبطاقات المزورة وغير ذلك من الأمور والاحتياطات اللازمة له في تخطيط وإعداد الهجمات». واختتم المعلق الأمني بقوله: «إذا صحت أنباء هرب عياش فإن ذلك يعتبر فشلاً ذريعاً لجهاز المخابرات، خاصة وأنه لم يكن يعمل بمفرده».

وفيما أشارت الصحف العبرية إلى مصادر في الشاباك شككت في صحة أنباء مغادرة المهندس إلى دولة عربية مجاورة، نظراً إلى عدم توفر معلومات موثوقة لدى الهيئة الأمنية الإسرائيلية، تناول الكولونيل شمعون رومح، وهو مسؤول كبير سابق في جهاز المخابرات، في حديث للإذاعة العبرية في سياق تقرير حول نبأ نجاح يحيى عياش في الوصول إلى مصر الموضوع من جانب تأثير ذلك على العمل العسكري لحركة حماس حيث قال: «حتى إذا كانت هذه الأنباء صحيحة فإن الأمر لا يعني توقف الهجمات المسلحة وعمليات التفجير التي تقوم بها حركة حماس، إذ أنه لا زال هناك من بين تلامذة المهندس عدد كاف من الأشخاص القادرين على إعداد عبوات ناسفة نوعية يمكن لها التسبب بوقوع هجمات جديدة»(199).

في نهاية المطاف، رجحت المخابرات الإسرائيلية أن يكون المهندس قد غادر قطاع غزة وعاد للاستقرار في الضفة الغربية. وعلى هذا الأساس، كثفت قوات الجيش والعملاء من تحركاتهم في منطقة نابلس على وجه التحديد حيث أوقفت الحواجز العسكرية المارة والسيارات العربية ابتداء من يوم 20 أيار (مايو) ،1995 وكان الجنود يحملون صورة المهندس ويسألون الركاب عنه. كما نفذت سلطات الاحتلال واحدة من أكبر حملات التفتيش في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية حين جمع الجنود الإسرائيليون المئات من سكان حي الصناعية الواقع على سفح جبل جرزيم، شرقي مدينة نابلس وفتشوا بيوتهم. ففي الساعة السابعة من مساء يوم الاثنين الموافق 13 حزيران (يونيو) ،1995 بدأت الحملة الإسرائيلية باقتحام قوات ضخمة للحي بعد فرض الطوق العسكري وحظر التجول الشامل عليه ثم أمر الجنود السكان بمغادرة منازلهم بعد تركها مفتوحة الأبواب والنوافذ. ونقلت الوحدات العسكرية الإسرائيلية النساء والأطفال إلى مسجد الحي، بينما جمعت الرجال في الملعب البلدي. وفي ظل الإسناد الجوي الذي قامت به الطائرات المروحية، شرع الجنود بتفتيش سبعمائة منزل بحثاً عن القائد يحيى عياش الذي وردت معلومات من العملاء بأنه يختبىء في إحداها. وداهم الجنود أيضاً منزلين في طور البناء بعد إطلاق عدة صواريخ وصليات كثيفة من أسلحتهم الرشاشة، ولكنهم لم يعثروا على أحد. وقد غادر الجنود الحي خائبين في ساعات الفجر من اليوم التالي دون أن يعثروا على أحد أو يكشفوا أي وسائل قتالية قد تكون مخبئة هناك(200).



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-10-2003, 05:18 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



15- الجهاد أصبح غريباً على قطاع غزة

أصبح أسطورة شعب فلسطين يعيش في مناخ وبيئة لا يحسد عليها، وهي لا شك، بيئة لم تعد تسمح للحركة الإسلامية أن تقول كلمتها بصراحة، ولا أن ينفذ المهندس برنامجه الجهادي بحرية. فالإسلام الحكومي أو الإسلام (المستأنس والموجه)، الذي جرد من كل سلاح من أسلحة القوة والحيوية هو الإسلام المسموح له في مناطق سلطة الحكم الذاتي. ولم يكن هذا فحسب، فقد مر علينا كيف تطوعت الشرطة الفلسطينية لمساندة القوات الإسرائيلية ومخابراتها في مطاردة المهندس في مناطقها وساهمت بشكل كبير ومؤثر في تنفيذ الجريمة في حي الشيخ رضوان، إلى جانب الاستمرار في اعتقال نشطاء وأنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتحقيق معهم وتعذيبهم بهدف الحصول على معلومات تساعدهم في تتبع خطوات القائد القسامي. واستكمالاً لهذه المهمة، داهمت قوات كبيرة من جهاز المخابرات العامة بقيادة العقيد أمين الهندي قدرت بمئات الأفراد المدججين بالسلاح عدة منازل في منطقة النصيرات ليلة الاثنين الموافق 12 حزيران (يونيو) ،1995 بعد أن تلقت معلومات استخبارية حول وجود المهندس داخل أحد هذه المنازل. وقد طلب العقيد الهندي من القوات المداهمة اعتقال يحيى عياش حياً. ولمعرفتهم بخطورة المهمة وصعوبتها، يقول أحد ضباط المخابرات بأن علامات الخوف والترقب والرعب بدت بوضوح على وجوه الجنود وأفراد الشرطة الذين اشتركوا بهذه الحملة. وعلى الرغم من تفتيش المنازل بدقة وحذر، إلا أنه لم يتم العثور على أي شيء في هذه المنازل(201).

لم يكن ما واجهه المهندس من قبل السلطة الفلسطينية وشرطتها وأجهزة مخابراتها بالأمر الجديد أو المؤثر على قدرته بالحركة والعمل الجهادي، بل أنه اعتاد على مواجهة ما هو أشد منه. فالمخابرات الإسرائيلية والشرطة والقوات العسكرية ذات كفاءة مشهود لها على مستوى دول العالم المتقدم، ورغم ذلك، استطاع أن ينتصر عليها ويربك مخططاتها في مراحل عديدة وفي مواقع كثيرة. ولكن عدم وضوح الرؤية وحسم التوجه لدى القيادة المحلية للحركة الإسلامية في قطاع غزة، والوهم الذي عاشه البعض من ناحية العلاقة مع سلطة الحكم الذاتي، جعلت من إقامة المهندس في القطاع تفقد مبرراتها شيئاً فشيئاً. ولأنهم أصبحوا ينظرون إلى العمل الجهادي الذي يقوم به القائد القسامي وإخوانه إحراجاً لياسر عرفات وسلطته الذاتية. وذهب البعض منهم إلى إصدار بيانات تنفي مسؤولية كتائب الشهيد عز الدين القسام عن بعض العمليات البطولية التي نفذها المهندس. فحين سألنا الأخت هيام عياش، زوجة المهندس، التي انتقلت إلى قطاع غزة للعيش معه ابتدأ من آذار (مارس) ،1995 عن آخر ما دار بينها وبينه من حديث، أجابت: «في الفترة الأخيرة، كان أبو البراء، متضايق من بقائه في غزة، وكان يود العودة إلى الضفة. ويوم الخميس، وقبل أن يخرج، قال: أن هذا آخر مشوار لي، وقريباً سنعود إلى الضفة وربما قبل العيد»(202). وكان أبو مصعب، أحد مرافقي المهندس لفترة طويلة قد صرح بشكل أكثر وضوحاً حين قال: «أن العمل العسكري كان قد تقلص في الآونة الأخيرة لاعتبارات متعددة، يحيى كان يشعر كالسمكة التي تخرج من الماء. فهو لا يقدر أن يعيش طوال حياته في مخبأ لا يستطيع فيه أن يمارس نشاطه الجهادي، وكان مرغماً على ذلك، ولكنه كان يقول: آمل أن أترك ورائي آلاف المهندسين، فلربما يطول هذا الأمر»(203).

وفي هذا الجو الخانق، عمل المهندس ويده مغلولة وأقدامه مقيدة، تشن عليه الحرب من كل الجبهات، داخلية وخارجية، وبكل الأسلحة: جسدية ونفسية، فكرية وإعلامية، اقتصادية وسياسية. وعلى الرغم من هذه الظروف الصعبة التي عاش المهندس في ظلها آخر ستة أشهر من حياته، إلا أن أحداً لا يستطيع أن ينكر نشاطه وما قدمه على صعيد توريث علمه وخبرته لإخوانه. وإلى جانب ذلك، فإن المهندس قدم لنا إثباتات بأن دوره لم ينتهي. وأدرك اليهود أنفسهم هذه الحقيقة، فهم يعلمون أن المارد المحبوس في قمقمه يمكن أن يفك الطلاسم ويبطل السحر في أي لحظة ويخرج من أسره عملاقاً جباراً، وهذا ما كان في مستوطنة نتساريم ونيفية ديكاليم، حيث نفذ المهندس عمليتين نوعيتين خلال أقل من أربعين يوماً.

في يوم السبت الموافق 20 أيار (مايو) ،1995 أرسل المهندس أحد المجاهدين إلى منطقة الدفيئات الزراعية داخل مستوطنة نتساريم. وقام المجاهد بوضع عبوة ناسفة في بيت بلاستيكي للزراعة، وأوصلها بسلك كهربائي ربطه في الباب. وعندما فتح المستوطن اليهودي الباب محاولاً الدخول، شد السلك، فانفجرت العبوات الناسفة محدثة خسائر مادية جسيمة، ونقل المستوطن الذي أصيب بجروح من جراء الشظايا إلى أحد المستشفيات. ولم يكن هذا المستوطن هو المطلوب من وراء هذه العملية، إذ أن المهندس استهدف خبير المتفجرات في الجيش الإسرائيلي. ولذلك، صمم القائد القسامي عبوة ناسفة كبيرة شبيهة بتلك التي جهزها للنيل من الميجر يوسي حيون في يونيو (حزيران) عام 1993. ونجح المهندس هذه المرة أيضاً في صيد خبيرين كانا يبحثان عن عبوات ناسفة وألغام في أعقاب الانفجار السابق، حيث انفجرت العبوة الكبيرة في الساعة الثانية عشرة من بعد ظهر يوم الأحد الموافق 21 أيار (مايو) 1995. وقد اعترف الناطق العسكري الإسرائيلي بإصابة الخبيرين العسكريين بجروح خطيرة نقلا على أثرها إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع(204).

وأما العملية الثانية، فقد استهدفت حافلة عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً بين مدينة عسقلان ومستوطنة نيفية ديكاليم. وبسبب الإجراءات الأمنية المشددة التي جعلت من استخدام سيارة مفخخة أمراً صعباً، فإن المهندس صمم عبوة ناسفة كبيرة وضعها على عربة يجرها حمار حيث قاد المجاهد معاوية روكة* [معاوية أحمد إسماعيل روكة: ولد في مخيم خان يونس عام 1974 لأسرة ملتزمة إسلامياً. وهو طالب في قسم التاريخ في كلية العلوم والتكنولوجيا، اعتقل ثلاث مرات خلال الانتفاضة المباركة خضع خلالها للتحقيق العنيف رغم إصابته في إحدى المواجهات الجماهيرية مع قوات الاحتلال برصاصة في قدمه حيث كان يقود المواجهات في المخيم.] العربة في حوالي الساعة الرابعة من فجر يوم الأحد الموافق 25 حزيران (يونيو) 1995 مغادراً منزل والديه بحجة إحضار سمك من البحر. وتوجه معاوية ناحية الجهة الشمالية من المستوطنة. وبناء على التوجيهات التي قدمت له، والتي تشير بموعد وصول الحافلة الإسرائيلية التي تسير بحراسة سيارتين جيب، تحرك الشهيد في حوالي الساعة الحادية عشر إلا ربع واقترب من المفترق الذي ستصل إليه الحافلة. وكانت المفاجأة، بمرور إحدى الدوريات العسكرية في تلك اللحظة. وما أن هم الشهيد بمعاودة التحرك بعد أن أوقفه الجنود وسألوه عن وجهته، انفجرت العبوات الناسفة التي كانت مؤقتة مما أدى إلى تدمير السيارة العسكرية الإسرائيلية واستشهاد البطل القسامي ومقتل جندي وإصابة اثنان آخران بجروح متوسطة(205).

وجاءت العملية، وفق البيان العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام، تضامناً مع المعتقلين المضربين عن الطعام وانتقاماً لاغتيال المخابرات الإسرائيلية للمجاهد محمود الخواجه، المسؤول في حركة الجهاد الإسلامي(206).

لم يكن عدم تحقيق النجاح الكامل في عملية الشهيد معاوية روكة هو ما ألم قلب المهندس وجعله يشعر بالغربة بين إخوانه ورفقائه، وإنما كان البيان الذي صدر باسم كتائب عز الدين القسام بعد يومين من العملية البطولية، ويبدو أن الذين أصدروه كانوا يريدون تجنب الاعتقال من قبل سلطة الحكم الذاتي. وقد تيقنا من ذلك، أثر إفراج السلطة التي شنت حملة اعتقالات طالت أكثر من خمسين من نشطاء وأنصار حركة حماس في القطاع عن بعض الرموز والقادة. فقد جاء في ذلك البيان: «إننا في كتائب عز الدين القسام نعلن ونؤكد أن لا علاقة لنا من قريب أو بعيد بهذه العملية.. إن الشاب الشهيد معاوية روكة قام بعمله بعيداً عن الجهاز ومثل هذه الأعمال الفردية حدثت في عهد الانتفاضة وحتى في عهد السلطة.. إن الشهيد ربما فعل عمله الاستشهادي بصورة فردية، أو بالتعاون مع أشخاص أو جهات أخرى». واستغلت إحدى المنظمات هذا البيان لتعلن مسؤوليتها عن الهجوم بدون وجه حق(207) .



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 13-10-2003, 10:39 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
عضو

No Avatar

 



الفصل الأول
-----------
البيئة والرمز

توطئة

- بقلم الكاتب / غسان دوعر


يعتمر القلب شرف عظيم ويشعر المرء في الوقت نفسه بالتضاؤل حين يهم باسترجاع صفحات من قصة عاشق الجهاد الذي اختار البندقية وجاهد بدون ادعاء وقدم دون أن يأخذ وعاش من أجل أن يعيش الوطن وتبقى القضية. ومع أن رحيل الشهيد القائد يحيى عياش نخر العظم وأدمى الفؤاد وأوجع الأمة التي حفظت اسمه كمعلم من معالم فلسطين وتاريخ ناطق يحكي عن عبقرية رجل كان على موعد مع الأقدار، فركل زخرف الدنيا بقدميه وأقسم على مواصلة الدرب حتى الشهادة، إلا أن عزاءنا أن المهندس لم يكن في حياته والتزامه مجرد شخص اختار طريق العزة، بل كان إلى جانب ذلك نموذجاً بارزاً لجيل فلسطيني كامل. ومن خلال تمثيله لهذا الجيل، ومن خلال تعبيره عنه، اكتسب قيمته كمجاهد وقائد.

والذين يعرفون يحيى عياش، يقولون بأنه ينتمي إلى طبقة أولئك الناس البسطاء الذين يشكلون القاعدة العريضة لمجتمعنا. ولأنه من هذه الطبقة، فقد تربى على الإيمان والصدق والوفاء والبساطة والتواضع، وعلى البر بالأهل والوطن. وجسد هذا الفتى القروي البسيط، تلك الشخصية المتميزة والرائدة التي تركت مهنة الهندسة وما تمثله من إغراءات وحوافز دنيوية وكرست نفسها وحياتها وحياة عائلتها لصناعة المجد في ربوع الوطن ونثر عطر الشهادة وسط عتمة الليل. وظل شهيدنا حتى آخر نبض في عروقه مخلصاً لعقيدته، ممتطياً صهوة جواده في ميادين الجهاد والمقاومة، لا يكل ولا يمل ولا توقفه أكذوبة (الأمر الواقع) أو (الظروف)، يتقدم جماهير الشرفاء في دك حصون الأعداء ويلقن جنودهم وقطعان مستوطنيهم طعم الرعب والموت. وهو بذلك يستحق أن نقف عنده وقفة متأملة، فاحصة، نستطلع حياته والبيئة التي عاش فيها والتربية التي تلقاها، محاولين استخلاص العبر ومكامن العظمة في مسيرة عطائه الحافلة بالعمل والجهد الخلاق.

واليوم، وقد غادرنا المهندس مبحراً بعيداً عن شواطىء الحياة، راحلاً إلى الفردوس الأعلى وجنات النعيم بعد أن قضى عمره بأفضل ما تقضى به الأعمار، وأضيف اسمه إلى لائحة أبطال هذه الأمة وغدا رمزاً يقتدي به الفتيان ويتربى على سيرته الأطفال وتردد الصبايا اسمه في أناشيدهن وأغانيهن. فإن افتقار الذاكرة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية إلى مثل هذه الشخصية، يدفعنا إلى اختراق الجدار الذي أقامه الشهيد حول حياة الشموخ والعزة التي عاشها ومسيرة التاريخ منذ أن تفتح الفجر في عينيه. فقد كان -رحمه الله- كما سنرى مدرسة كاملة في الخلق والتضحية والجهاد والإيثار الذي يسمو بصاحبه فوق الأغراض والأشخاص والمآرب الذاتية الضيقة.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ الإِسْلامِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: المهندس .. الشهيد يحيى عياش .. رمز الجهاد و قائد المقاومة في فلسطين
الموضوع
مفتي مصر: فلسطين بحاجةٍ إلى المقاومة المُسلَّحة
وقالت نملة ( المهندس البطل الشهيد )
قائد الميدان ....أحد قادة الإخوان
عياش يحيا-قصيدة في ذكرى الشهيد المهندس يحيى عياش
يحيى عياش ** حياته ** جهاده ** إستشهاده



Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
vBulletin Optimisation by vB Optimise.

HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة