ملتقى رابطة الواحة الثقافية
ملتقى رابطة الواحة الثقافية
التسجيل مدونات الأعضاء روابط إدارية مشاركات اليوم التعليمـــات البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
Loading...
نرحب بكل حر كريم من أبناء الأمة ينتسب لهذا الصرح الكبير شرط أن يلتزم ضوابط الواحة وأهمها التسجيل باسمه الصريح ***** لن يتم تفعيل أي تسجيل باسم مستعار ولهذا وجب التنويه ***** نوجه عناية الجميع إلى ضرورة الالتزام بعدم نشر أكثر من موضوع واحد في قسم معين يوميا ، وكذلك عدم رفع أكثر من موضوعين لنفس العضو في الصفحة الأولى لأي قسم ***** كما يرجى التفاعل المثمر مع جميع مواضيع الملتقى والتركيز على رقي الطرح وسمو المضامين **************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************
أطلب عضويتك اليوم كلمة د. سمير العمري في انطلاقة الاتحاد حصاد جديد من سنابل الواحة سارع بالانتساب للاتحاد العالمي للإبداع ديوان حب في اليمن عدد جديد من مجلة الواحة الثقافية القطاف الثاني من خمائل الواحة
في كؤوس الدمع أنصبُّ مداما [ الكاتب : فتون حسين سلمان - المشارك : عادل العاني - ]       »     هـطـول [ الكاتب : أيمن غالب الثلجي - المشارك : عادل العاني - ]       »     تعال لأخبرك [ الكاتب : أميمة محمد - المشارك : ناديه محمد الجابي - ]       »     بوح لصهيل راحل [ الكاتب : لمى ناصر - المشارك : ناديه محمد الجابي - ]       »     عتاب [ الكاتب : احمد المعطي - المشارك : عادل العاني - ]       »     الشاهدة [ الكاتب : عبدالكريم الساعدي - المشارك : عبدالكريم الساعدي - ]       »     دولة الشعر [ الكاتب : احمد المعطي - المشارك : احمد المعطي - ]       »     قدر نافذ [ الكاتب : عماد هلالى - المشارك : عماد هلالى - ]       »     دهاليز [ الكاتب : عبدالسلام حسين المحمدي - المشارك : عبدالسلام حسين المحمدي - ]       »     سلامي إلى عينيك [ الكاتب : حنان الدليمي - المشارك : ناديه محمد الجابي - ]       »     ****************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************
العودة   ملتقى رابطة الواحة الثقافية > مِنبَرُ الفِكْرِ وَ المَعْرِفِةِ > مَكْتَبَةُ الوَاحَةِ > المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

يتيمةالأحزان من حوادث الزمان/ذكريات تقية بنت يحيى حميد الدين

المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

يرجى من الأعضاء الالتزام بما يلي
1- عدم انكفاء العضو على مشاركاته ونصوصه والتفاعل المثمر مع جميع مواضيع الأعضاء والتركيز على رقي الطرح وسمو المضامين.
2- عدم إغراق الصفحة الأولى للقسم بمواضيع عضو بذاته ولا يسمح للعضو يوميا إلا بنشر موضوع واحد في القسم ورفع اثنين من مواضيعه كحد أقصى.
3- نحن هنا نلتقي لنرتقي بتفاعل كريم بعيدا عن النرجسية والأنانية والتقوقع ومعا نكون أقدر وأظهر فطوبى لكريم وتبا للئيم.
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع أنواع عرض الموضوع
قديم 30-05-2012, 04:13 PM   #11
معلومات العضو
شاعر
الصورة الرمزية د. مختار محرم


سنة أولى في معتقل بستان الخير:

وأصبح اعتقال عوائل آل حميد الدين في بستان الخير حديث مقايل ومجالس أهل صنعاء فقد لاكت الالسن السجانين وتبرم الناس من سوء افعالهم واسمعوا الكثير من النقد فأبلغونا : بالسماح للأولاد بالدراسة بعد ضياع سنة من أعمار الأولاد وتوالت الاذونات فقد سمحوا لأخوالي بزيارتنا في حوش معتقل إبراهيم وقاسم بزيارة ابنة أخيهم التي هي ابنتي وقيل لي يومها:
ان أولاد الوزير إبراهيم وقاسم هم من طلب من عبد الله السلال تعيين مدرس للأولاد فقد كانت علاقتهم بالسلال قوية إذ أيد كل من إبراهيم والقاسم الثورة في البداية ولما ايقنوا سوء المآل انقلبوا ولحقوا بأل حميد الدين في الخارج وسمح لأولادنا بالدراسة وخصصت غرفة مقابلة لمعتقلنا للتدريس وجاء المدرس بالفعل ولكن تحت الحراسة والمراقبة. يباكر الأولاد في الذهاب إلى الغرفة وقد استعدوا فيتسلمهم العساكر المدججين بالبنادق والرشاشات ويفتشون وتفتش حقائبهم أو اكياسهم ويدخلون إلى صف المعتقل الدراسي والعساكر تطوق الغرفة عند كل شباك وقف عسكري كانت مدرسة تحت السلاح أولادنا يتلقون العلم في هذا الجو المخيف المقيت ولكن مهما كانت الاحوال فالأولاد لا بد أن يتعلموا وكان مدرس أولادنا شهما ساءه ما كان عليه حال المدرسة التس يدرس فيها فتبرع بايصال رسائلنا إلى أهلنا ولم نعدم الوسيلة لاخفاء الرسائل مخافة أن تقع في ايدي الرقباء وبالفعل فقد تسلمنا العديد من الرسائل عن طريق ذاك المدرس الشهم ونجحنا في ايصال شيفرا خاصة بنا إلى رجالنا في الخارج وبدأت الرسائل المشفرة تصل الينا. وداوم أولادنا على الدراسة وبعدها يسمح لهم بالتجول أو كما يقولون: فورة السجن في الحديقة ولكن أيضا تحت الحراسة ثم يعودون إلى المعتقل قبيل المغرب وكان ولدي عبد الله يتأخر وأقلق عليه وأذرع الساحة ذهابا وإيابا سائلة عنه أو منتظرة له فيطول تأخره وكان يدور في فكري أن هؤلاء يمهدون لاحتجازه في سجن آخر طالما أن والده قد نجا ولما يحضر متأخرا كنت أسأله عن سبب تأخره فيقول لي: تأخرت عند الضباط فازداد خوفا عليه ولكن ما حضر إلا وهو محمل بأنواع الحلوى ويروي لي أقاصيص عن طيبة ذاك الضابط ولما حاولت معرفة اسم ذلك الضابط يجاوبني: أنا لا اعرف. وفي إحدى اليالي قطعت الكهرباء بسبب طارىء ولفنا ظلام دامس وكنا قد نزلنا إلى غرفة الشاذروان فالماء فيه متوفر وأسرتي وأولادي وأحفادي وبناتي الأكثر من باقي عوائلنا . وللظلام وحشة وما هي إلا بضع ساعة حتى سمعنا على باب الشاذزران قرعا فقلت لعبد الله : أنظر من القارع ولما استفسر منه وعرفه فتح الباب فإذا بالرجل يعطيه فانوسا مضاء" وسألت من هذا الذي حل لنا مشكلة الظلام أجاب: هذا هو نفسه حقي الضابط. يا الله الضابط أصبح حق ولدي عبد الله فطلبت إليه أن يسأله عن اسمه فقال: أنا فلان وقد سبق لي مرافقة والدك وبقيت أنا وأخي عند والدك ضيوفا بيننا عيش وملح وواجبكم علي أرد به بعض معروف والدك فعل هذا الضابط الشهم أعاد إلى نفسي الثقة الدنيا ما زالت بخير. وتطل الكوارث مرة أخرى ولكن حذاري من الضعف والانهيار يا تقية. كنت لا اعلم مصير زوجي وعرفت فيما بعد انه رافق الإمام البدر إلى المملكة العربية السعودية وبحثوا عنه طويلا وكثيرا سألوا عنه كل من له اتصال به فما وجدوه ولا عرفوا عنه شيئا ومن ثم استنطقوني عنه فما أفدتهم بكلمة واحدة بل تركتهم حيارى ولأنه سلم وبدا له نشاط في الخارج ضدهم فانتقاما منا ارسلوا دبابات إلى هجرة الكبس لهدم منزلينا اللذين بنيناهما بأموالنا امعانا في سياسة العقاب الجماعي وقامت الدبابات بما يلزم بقذائف المدفعية ولما كان أساس البيت متينا فلم تتمكن من تسوية أساساته بالأرض وهو ما يريدونه وحتى لا نقوم ببنائه مستقبلا ارسلت طائرة وقامت بدكه دكا عنيفا وانتصروا على حائط برلين. وذات ليلة سمعنا دربكة مزعجة وخطى ثقيلة على السلالم والادراج فنهضت مسرعة إلى الباب الرئيسي فرأيت عساكر تجري هن وهناك وتتدافع وكأنهم يوم الحشر مدججين بالاسلحة يتراكضون وكأنهم يبغون صيدا ثمبنا فاعترضت طريقهم مذهولة ماذا تريدون؟ لماذا كل هذا الازعاج في الليل، الكل نائم، فمالكم كأنكم في خضم معركة. فقال ضابطهم: أين الراديوهات . تنفست الصعداء وعرفت أن في الامر شيئا. قلت له: في امكنتها ظاهرة وليس مخفية لماذا تريدونها وبدون أن يجيبني أمر الضابط رجاله بجمع كل الراديوهات واحضارها إليه وبسرعة جنونية تخاطف العساكر كل الراديوهات من غرفنا كأنها غنائم حرب وأخذوها وولوا مدبرين. ولم يحتج ما فعلوه إلى شيء من التفكير فما صلة الراديوهات باعتقالنا سوى أنها تنقل أخبارا لا يريدون لنا أن نسمعها وغمرتني موجة من الفرح ووزعت ابتساماتي على بناتنا وأولادنا وأطفالنا والذين لم يعودوا يضطربون أو يخافون من مثل أفعالهم هذه. وقدرت أن قواتنا الملكية ألحقت بهم هزائم وخاصة بالقوات المصرية التي وصلت لمساندتهم بعد أيام قليلة. هم لا يريدوننا أن نسمع أخبار هزائمهم التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية ونظرت إلى السماء : الحمد لله فإن الفرج قريب يا رب العباد. وفي اليوم التالي: وصلوا إلينا في النهار وبدأ الضباط بحديث لطيف ودود. قال أحدهم: نحن لا نريد سوى راحتكم ولا نريد أن تظلوا على هذه الحالة فلماذا لا توافقوا على السفر إلى القاهرة.
وأضاف: لقد أبلغونا في القاهرة بأنكم ستكونون ضيوفا أعزاء وستلقون كل معاملة كريمة فأخوانكم من عوائلكم الذين كانوا في تعز سافروا ولاقوا أطيب معاملة من المصريين وسهلت لهم كل الأمور. فكان الرد: نحن لا نوافق على السفر ولا الترحيل نحن في بلدنا وهل ينفى اليمني من وطنه اليمن.
كنت أشعر بأن كلماتي تلامس وجدان الضابط فما عاود الحديث وإنما كان يطرق إلى الأرض بين الفينة والفينة وينظر الي بحسرة ظاهرة. دار بخلدي أنهم يريدوننا رهائن أو يعتبروننا أسرى ومن خلالنا يمارسون الضغط النفسي على رجالنا وهذا كله بتدبير من سادتهم قادة مصر وعلى رأسهم أنور السادات والذين ورطوهم في حرب ما كان لهؤلاء الجنود المصريين فيها من ناقة ولا جمل. ولما يئسوا من اقناعنا عادوا من حيث أتوا وعلائم الانكسار بادية على وجوههم. ثم كانت الغارة العشوائية المفاجئة مرة أخرى ، وكانت أخبار ما يسمونه "التفتيش المكثف العشوائي " قد سُرِّبت إلينا من بعض العساكر جزاهم الله خيرا ، فقد أبلغوا إلى أولادنا وخاصة عبد الله: ياعبد الله ، أبلغ أهلك بأنهم يعدون الليلة لهجوم مكثف عشوائي عليكم ، سينبشون كل شيء ، وسينثرون كل شيء ، الأسرة ، الخزانات ، الصناديق ، المطابخ ، الدواليب ، الملابس والفراش ، التفتيش سيكون دقيقا وحازما .
وأخذنا حذرنا مسبقا ، وأعددنا للأمر عدته ، فكل ما عندنا من ذهب أو فضة أو نقود أخفي ما بين ملابسنا الشخصية التي كنا نرتديها ، وما عدا ذلك فلا شيء ، سوى "ديواني" سفينتي التي كنت أنقل إليها أشعار أخواني وأشعار عمي حسين عبد القادر وفيه قصائد غزلية.
كان مصدر خوفي تلك القصائد الغزلية ، فماذا لو سيطروا على ديواني ، وما الذي يمنعهم من التعريض بنا ، فأسرعت إلى الديوان ، وغطيته بكيس قماش صغير ، وقلت لولدي عبد الله أسرع إلى الضابط حقك ، وقل له هذه الوديعة أمانة الله أن يحفظها ، فإن عشنا يرجعها إلينا .
وبالفعل ؛ خرج عبد الله مسرعا ، فقد قطع درجات السلالم بقفزات محدودة ، وسلمها للضابط ، حيث قال له ذاك الضابط الشهم ، يا ولدي عبد الله ، أبلغ والدتك أنها بإذن الله في الحفظ ، وهي أمانة في عنقي ، سأحافظ عليها كما أولادي وروحي. وعاد إلي عبد الله فرحا ، وأبلغني ما قاله ذلك الضابط اليمني الأصيل.
واستطرادا ؛ فإن ذلك الضابط احتفظ بالوديعة ، وبعد سنوات دعا الولد إبراهيم بن محمد الهجوة لضيافته ، وأكرمه بضيافة خاصة ومقيل وقال له : عندي أمانة للوالدة تقية ، أريد أن أُبرِئ ذمتي منها ، وسلمه الأمانة قائلا : الأمانة محفوظة على رباطها كما هي. رعاه الله وزاد من أمثاله من رجال الأمانة ، وبعد سنوات سلمني الولد
إبراهيم بن محمد الهجوة الأمانة عندما التقينا في أمريكا.
كان هذا الدفتر وما زال من أعز الأشياء إلى نفسي ، فيه ذكريات لي إبان طفولتي ، وأحداث وطرائف كانت لي مع والدي ، وأشعار لأخواني وخاصة أخي علي ، إذ كان يرتجل الشعر أحيانا وهو في زيارتي أو ونحن في داره ، فأُسرع إلى دفتري وأسجل ما ارتجله ، ومنها الكثير ، ومنها بعض الأشعار التي يجود عليَّ الله بنظمها في ساعات خلوتي إلى نفسي .



الطلعة البهية للبقرة
سلَّم الله ديواني من عبثهم وتفتيشهم العشوائي المكثف ، وكانت له فرحة ، غير أن فرحي لا يدوم كما تعودت .
فمنذ أيام لم يعرف أطفالنا طعم الحليب ، وفيهم الصغار الذين يحتاجون إليه في هذا الوقت المبكر ، وبدأت شكوانا ترتفع ، نريد حليبا للأطفال ، ولا من يسمع ، وعاودنا الشكوى ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، ولا أدري ما تم ، ففي صباح أحد الأيام ، دخل عساكر على حوش معتقل بستان الخير وهم يسوقون عدة بقرات ، ونادوا علينا ووزعوا الأبقار الحلوب على عوائلنا ، وكان نصيب عائلتي بقرة حمراء ، دقيقة رشيقة ، فرحبت بها ، وكانت بقرتنا تصعد السلم ، ما أجمل طلتها ، جاءت بقرتنا لتشارك في اجتماعاتنا ، أما فضلها بالحليب فكان مدرارا ، وما بخلت عليّ.
ولا أدري أن كان كرما منهم أو كرم شيوخ اليمن ، فقد سمعوا بنقص الحليب عند أطفالنا ، فتبرعوا بتلك البقرات ، إنه كرم من الله سبحانه فقد منّ علينا بنعمه وفضله ، لقد سلّمنا أمرنا لله تعالى ، ورضينا بمشيئة الله وقدره ، ورضينا الاعتقال في بستان الخير وفي حي التقى ، قصر أخينا الإمام أحمد ، رحمه الله ، كان هذا القصر مشرع الأبواب لاستقبال كل مظلوم أو مستغيث أو محتاج ، كان باب خير لكل من عرفه ، فحولوه إلى معتقل لأهله وسجنا لأطفاله الأبرياء.
ولكن مصدر صمودنا وقوتنا ، اعتمادنا على الله سبحانه وتعالى ، وعلى تعاطف أهل صنعاء معنا ، ثم مواقف الشيوخ الشرفاء الذين ما سمعوا بمظلمة أو شكوى أو ضيق لحق بنا إلا هبوا مستنكرين ومتوعدين .
لكني لا أخفي ، لقد أمضينا في معتقلنا أياما طيبة ، وإن داخلها الحزن ، وعندما كنت أقف على مفرج بستان الخير ، أتذكر أبيات الشعر التي قالها أخي علي عند الانتهاء من بناء المفرج في 18شعبان 1357هـ ، قال:
يا مفرجا في الجمال آية ... ومربع الفضل والهداية
تخال من تحته المباني ... كالجند تصطف حول راية
بناه من لا يقوم عمري ... له بمدح ولا سوايه

وتنهدت وأجلت ناظري في أفق صنعاء ، وانحنيت أرى الناس في شوارعها ، وارتسم أمامي صورة موكب والدي في الدورة اليومية، واستعراضات العرضي ، وموسيقى الجيش ، ورن في أذني الصوت الرخيم لعمي حمود الشمسي ، مؤذن الإمام ، واستفقت من هيامي وشرودي لأرى نسوة وأطفالا وأولادا معتقلين وتحت الرقابة ، وتفنن في الإزعاج والإرهاب.
فقلت أيها النازحون عنا ، عودوا إلينا ، فمكانكم مهجة القلب ، ومقلة العين.
أيها الراحلون عنا ، قد سلبتم منا الروح ومزقت الجسد ، ولم يبق إلا الدموع تجري كأمواج البحر.
لعلي أكون كالطير فأطير ، ولكن كيف يطير الطير وقد هاض منه الجناح ، وانحدرت من عيني قطرات دمع حارقة لاهبة، واستعذت بالله فقلت: تجملي بالصبر يا تقية ، أن ما عند الله قريب ، فرجه أقرب من حبل الوريد ، ونزلت أدراجي أجرُّ كلي جرا.
وتمضي السنون ، وتتعاقب التفتيشات والمضايقات والإزعاجات في النهار والليل ، حتى كانت أواخر سنة 1385هـ / 1965م ، فإذا بخبر مفرح يصل إلينا ؛ أبشروا فإنه سيجري تبادل الأسرى بين القوات الملكية من جهة والقوات المصرية والقوات الجمهورية من جهة أخرى ، وعرفنا أن رجالنا وقبائلنا قد حققت انتصارات في ميادين القتال.
وجرى تبادل الأسرى بواسطة الصليب الأحمر الدولي ، ليشمل كل المعتقلين من رجالنا في قصر غمدان ، وبالفعل فقد أفرج عن الأولاد ، محمد بن القاسم ، وعلي بن علي ، وعلي بن إبراهيم ، ومحمد بن عبد القدوس ، وأولادنا الصغار المحتجزين معنا وغيرهم ، وكان عدد المفرج عنهم ثلاثين شخصا ، وكان من ضمنهم ابنتي الصغيرة رجاء ، ولم يسافر من النساء غيرها ، وسبب قبولي بسفرها أنها كانت تعاني من التهاب باللوزتين بحيث أثر المرض على صحتها وظلت في مرض دائم ، وكنت أخاف عليها. أما وقد وصل حال ابنتي لما هي عليه ، ولابد من إجراء عملية جراحية لها ، فقبلت التضحية ببعدي عنها إنقاذا لحياتها.
وبالفعل فقد سافر المفرج عنهم بطائرة الصليب الأحمر الدولي وتحت إشراف الأمم المتحدة ، فوصلوا إلى جدة ومنها إلى بيروت ، وعلمت أن العملية أجريت لابنتي بنجاح والحمد لله .
وأدخل الأولاد المدارس ، فدرسوا في مدرسة المقاصد الإسلامية بداية ، ثم قام مندوب الصليب الأحمر الدولي بزيارتنا في معتقلنا، وسألنا عن حالنا ، وما نلاقيه من معاملة ، وأبدى استعداده لتوصيل رسائلنا إلى أهلنا للاطمئنان ، وكان يرافق مندوب الصليب الأحمر الدولي العقيد شوكت المصري ، وضابط آخر يمني .
لقد أثارت مرافقة العقيد شوكت المصري عدة تساؤلات عندي ، تأكدت حينها أن الأمور بيد الضباط المصريين وما الضباط اليمنيون إلا للتنفيذ.
وأدركت عندها سبب حسن معاملة عوائلنا المحجوزين في معتقلات قصور الإمام أحمد ، وسوء معاملتنا في صنعاء وكثرة التضييق علينا وإزعاجنا .
كان سبب ذلك كما قدَّرتُه ، أننا في صنعاء كنا تحت حكم وإدارة المصريين مباشرة ، فمارسوا أساليبهم في الضغط والإزعاج والتهديد بالترحيل ، ومنع الخروج والدخول ، والعساكر تحيط بالمعتقل من كل جانب ، وتفتيش مكثف ، وهجمات ليلية عشوائية ، ومحاولة حرماننا من الخبز والحليب والطعام إلا ما خشن وصلب. أما في تعز فكانوا بعيدين عن عيونهم ، فكانت معاملة أهلنا في تعز -وهم الذين خبروا الإمام أحمد والأخوان- طيبة ، وما أشعروا عوائلنا بأنهم في معتقل أو إقامة جبرية مفروضة
وجاءت أول قطرة من غيث الفرج ، فقد أوصل لي مندوب الصليب الأحمر الدولي ، رسالة من ولدي عبد الله ، لازلت محتفظة بها حتى الآن ضمن أوراقي ووثائقي ، نصها:
صورة الرسالة من الولد عبد الله بواسطة الصليب الأحمر الدولي في 3 رمضان
سيدي الوالد العزيز الغالي الحنون أحمد حميد الدين ، حماكم الله
بعد التحية والاحترام
أبعث إليكم أحر الأشواق ، أرجو من الله لكم دوام الصحة والعافية مع أخواتي العزيزات ، أحرر لكم وإحنا في البيت معنا فرصة ، سبق أن حررت إليكم قبل هذا بنظر والدي إن شاء الله وصل ، ولم قد عاد لي جواب عسى أن يكون المانع خير . وأبارك لكم دخول شهر رمضان الكريم أسأل الله أن يدخله على الجميع باليمن والبركة.
أهدو تحياتي لأختي أمة العزيز وأخواني جميعا ، وأيضا أمي تقية ، وسيدي شرف الدين ، وسيدي يوسف ، وأختي أمة الغني وأختي خديجة وجميع من لديكم ، وعماتي من هنا يسلمن عليكم ، عمتي أمة الرحمن وعمتي أم هاني الحسين ، وأخوتي في خير ، ويسلموا عليكم.
والسلام
ولدكم المشتاق عبد الله
استبشرنا خيرا بالإفراج عن أولادنا الذين كانوا معتقلين في قصر غمدان ، وأصبح أملنا قريبا بعد زيارة مندوب الصليب الأحمر الدولي لنا ، وهانحن قد أمضينا قرابة ثلاثة أعوام وبضعة أشهر، ونحن بين فظ المعاملة في أغلب الأحيان ، ولينها ، وخاصة بعد تدخل الصليب الأحمر الدولي ، وساءت حالتي الصحية إثر إصابة لحقتني ، نتج عنها انزلاق غضروفي بعد أن وقعت عن السلالم في المعتقل ، وازدادت الحالة ، فأحضروا طبيبا روسيا اسمه روسي ، ولما عاين إصابتي ، ألزم بضرورة إجراء عملية جراحية عاجلة ، وحيث أنهم لا يريدون علاجي في اليمن ، لعله لأسباب فنية طبية ، مما مهد لبعض الأصدقاء بالتعاون مع ابنتي فسمحوا لي ولبناتي بالسفر



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

 

 

 

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 30-05-2012, 04:14 PM   #12
معلومات العضو
شاعر
الصورة الرمزية د. مختار محرم


السفر ورحلة العذاب
ووقعت في مشكلة أخرى ، فما تعودت السفر إلا في صحبة آمنة ، أو مع محرم، وكتبت لخالي إسماعيل غمضان أنقل إليه ما توصلنا إليه ، وكان رده كما توقعت منه إيجابيا ، ووافق على مرافقتي وبناتي في السفر ، وحين حصلت الموافقة أبلغناهم بتيسر أمورنا ، وظهر أمامي عائق آخر ، فقد استدعي خالي إلى الجهة المسؤولة عندهم. وبعد أخذ ورد ؛ أخذوا على خالي إسماعيل كفالة وتعهد ، بمقتضاها إلا نمكث في بيته إلا يومين اثنين فقط ، تحت طائلة العقوبة والحبس ، ووقع خالي على التعهد ، وقدم الكفلاء ، وجاء إلينا وقد تهلل وجهه بالفرح والسرور ، ووصلت وثيقة إطلاق سراحنا ، ونصها:
تقية بنت يحيى حميد الدين ، وبناتها أمة المغيث و وداد ونبيلة وأمة العزيز
السيد ضابط بستان الخير.. يكون تسليم السيد إسماعيل غمضان المذكورات ، وهن تقية وبناتها وهن أمة المغيث ، ووداد ونبيلة وأمة العزيز ، الجملة خمس حسب الأمر من السيد وزير الداخلية ، عطفا عن أمر رئيس الجمهورية ، والمحال إلى إدارة المباحث العامة بإطلاق سراح المذكورات. ملاحظة: الأمر محفوظ لدينا . الختم والتوقيع

تطلّب أمر إطلاقنا إذن، موافقة رئيس الجمهورية عبد الله السلال ، فعلاج مريضة أصبحت حركتها صعبة وآلامها مبرحة احتاج كل هذه التدخلات ، ثم إلى وزارة الداخلية وإلى المباحث العامة ، كما حُذِّر ضابط بستان الخير من تجاوز العدد ، الجملة خمس ، والأمر محفوظ لديهم .
والمهم قد حانت ساعة الفرج ، وبدأنا نعد أنفسنا للرحيل ، ووصل خالي إسماعيل بسيارتين ، وتعمدت أن أجلس في السيارة التي ركبها خالي وقلت له : مستحيل أدخل بيتك.
عندها وجم خالي من هول المفاجأة.
قلت له أنت تعرف الكفالة والتعهد التي التزمت بهما ، وأخشى أن يقع ما لا يحمد عقباه ، وهم الآن يتربصون أي فعل يصدر منا أو منك ، وبين القبول والرفض ، رضي أن نستقر في بيت ابنته .
أطلق سراحنا من معتقل بستان الخير ، ولا وثائق لدينا ، لا جوازات سفر ولا بطاقات شخصية ، ولا حتى ورقة رسمية ، وسفرنا يقتضي جوازات سفر وبطاقات ( تذاكر سفر ) ، وبدأ خالي يجري من دائرة إلى دائرة ، ومن مسؤول إلى مسؤول ، يريد جوازات سفر حتى نستطيع الرحيل ، وتمضي الأيام ، أسبوع ثم أسبوعان ولا بارقة أمل ، وزاد قلقي. قلت لهم : لعلهم تراجعوا عن إطلاق سراحنا ، فتجاربنا معهم مريرة ، أما خالي ففي كل يوم يختلق عذرا يهون علي ، ففي اليوم التالي يقول إن شاء الله ستحل الأمور وستفرج بإذن الله.
وذات يوم ناديت خالي ، وقلت له بكل الصراحة والجد ماذا يجري؟ أريد أن أعرف الآن ، وإلا فإني عائدة وبناتي إلى معتقل بستان الخير.
عندها نطق خالي وقال : لم يوافقوا على إعطاء أي فرد من آل حميد الدين ، ومن يمت لهم بصلة جوازات سفر يمنية بأي حال من الأحوال .

وصدمت صدمة عنيفة ، ودار في فكري خاطران:
أولهما: خوفي على خالي إسماعيل فهو دائم الرعاية لنا ووقع تعهدا وكفالة بيومين لا أكثر ولا أقل ، وقد ضى علينا أسبوعان.
وثانيهما : لماذا يجردوننا من جوازات بلدي اليمن ، هل يريدون اعتبارنا لسنا من أهل اليمن؟ يعيبون على والدي الإمام يحيى ، وعلى أخي الإمام أحمد أنهم كانوا يدققون جوازات كل أجنبي قادم إلى اليمن ويفرضون قيودا على سفر بعض المشبوهين ، ولكن ماصدر يوما من والدي ولا من أخي حرمان أحد من جواز سفره اليمني ، ولو تجاوزنا ذلك ، فإن هؤلاء الجدد وبكل صلافة أصدروا قرارات بحرماننا من بلدنا ، وما سمعت بذلك في العالم أجمع إلا منهم ، أصولنا ضاربة جذورها في أعماق تراب اليمن منذ آلاف السنين ، ولكن كيف نتدبر الأمر؟
أمسكت قلمي ، وكتبت رسالة إلى الشيخ صالح بن ناجي الرويشان ، أطلب إليه العمل على عودتنا إلى المعتقل ودون أن يعرف خالي . فلما عرف عاتبني ، لماذا فعلت هذا يا تقية؟ الفرج قريب بإذن الله ، وأجبته : أن اضطراري للسفر لم يصل لدرجة أن أضحي بك فينالك الضرر بسببي ، والكفالة والتعهد سيفان مسلطان على رقابنا جميعا ، فوعدني ببذلل الجهد والتعاون مع الشيخ المذكور رحمه الله. وبالفعل ؛ فقد أرسلوا لنا بطاقات سفر فقط بعد ثلاثة أسابيع.
وفي آخر ليلة اجتمع الأقارب والأصدقاء لوداعنا ، وتوسمت من الجميع المشاركة الفعالة في اجتياز المحنة .
قال خالي : أرى أن نسافر بالسيارات إلى تعز ، ومن تعز يكون السفر إلى أثيوبيا بالطيران الأثيوبي ، وعلينا انتظار قدوم الطيران ، ولهذا ننزل في يريم في بيت القاضي عبد الوهاب الزبيري ، وقد سافر القاضي عبد الوهاب بالفعل ، ليكون في استقبالنا وتجهيز المنزل الذي سنقيم فيه ، وكان القاضي عبد الوهاب الزبيري من كبار التجار المعدودين في اليمن ، وهو صديق حميم لخالي إسماعيل.
فكان جوابي : مستحيل أن ننزل ضيوفا عند القاضي عبد الوهاب الزبيري ولا غيره ، لا أقبل أن ألحق أي مشقة أو ضرر لا بك ولا بصديقك فأنت تعلم أن عيونهم كثيرون ، وهم يحاولون إيجاد أي سبب لمنع سفرنا ، وأمام إصراري واصلت سيارتنا طريقها إلى تعز ونزلنا في فندق الأخوة في تعز، بانتظار الطائرة الأثيوبية.
كانت بناتي قد ارتحن، وبدت حالة الانبساط والسرور ظاهرة على وجوههن ، حتى أنا ، وإن كنت أتحسب لمواقف مفاجئة ، فقد أبديت نوعا من الانشراح وهدوء الأعصاب.
في الصباح ، حضر موظف من دائرة البرق ، وانتحى بخالي جانبا ، وأبلغه بوصول برقية إليه مرسلة من صنعاء ، وذهب خالي إلى دائرة البرق يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، وما هي إلا ساعة زمنية ، وعاد إلينا ووجهه مصفرّا ، مرتبكا ، كان مشوش التفكير ، تظهر منه حركات عصبية.
قال : هيا نعود إلى صنعاء.
حدثتني نفسي بالتمنع ، وعدم العودة إلى صنعاء ، ولكن اكفهرار وجهه ، وعصبية حركاته ، أكدت لي أن خالي يكتم شيئا عظيما، وكاد قلبي ينفطر للحالة التي وصل إليها هذا الخال العظيم ، مثال التضحية والشهامة.
قلت : يالله بنا ، أما بناتي فأمطرنني بسيل من الأسئلة. يماه .. هل سنعود إلى المعتقل أم إلى بيت خالكم؟ واحترت بما أجيب ، فلا جواب عندي.
حين سافرنا من صنعاء خصصت سيارة لخالي وأنا واثنتين من بناتي. والسيارة الثانية ركبها محمد ابن خالي وابنتي الكبيرة وأختها والمساعدة ، وعندما خرجنا من فندق الأخوة أسرعت إلى السيارة التي فيها ابن خالي محمد لكي أعرف حقيقة ما جرى ، مادام خالي ظل كاتما لما يحدث ومن حسن الأدب إلا ألح في سؤاله وانطلقنا عائدين إلى صنعاء ، وبعد دقائق سألت ابن خالي محمد ماذا حدث ؟ لماذا نعود إلى صنعاء؟
قال: وصلت برقية من أخي أحمد ، ففي الليلة الماضية خُطف أخي عبد الرحمن غمضان ، ولا نعلم مصيره حتى الآن ، ويبدو أن ما جرى هو بسبب السفر ، والمسافرين معكم .
وفي أثناء السير توقفنا ، وقلت لخالي : لن ندخل صنعاء نحن وأنتم ، بل يواصل محمد السفر إلى صنعاء ، ونحن جميعا ننزل في بيت القاضي عبد الوهاب الزبيري الذي رفضنا تلبية دعوته بالأمس ، فحبذ خالي الفكرة.
وفعلا نزلنا في يريم في منزل القاضي عبد الوهاب ، وواصل ابن خالي محمد سفره إلى صنعاء. وفي منزل القاضي عبد الوهاب الزبيري ,تسامع الناس بضيافتنا لمنزله ، فجاؤوا للسلام علينا من كل حدب وصوب ، وغص المكان بالمرحبين ، أناس يندر وجودهم في زمن تمرد فيه اللئام ، لقد بالغوا في إكرامنا وضيافتنا ، وفي خضم هذا الترحيب والتكريم ، غطتني حالة غريبة من الحزن. رحمة الله واسعة .. وأكملنا يومنا في منزل القاضي عبد الوهاب الزبيري ، وبعد صلاة العشاء ناداني خالي ، يبشرني ، وذهبت معه إلى الصالون ، لأجد خالي أحمد الذي بعث البرقية ، ومحمد ابن خالي وعبد الرحمن الذي اختطف ، واستبشرنا والحمد لله.


حادثة الاختطاف
ابن خالي عبد الرحمن كان تاجرا نشطا ، وله منافسوه من التجار يحسدونه ، فاختلقوا وشاية أوصلوها إلى عبد الله السلال ، ثم ذهبوا إلى السلال وهم في 17 سيارة.
قالوا للسلال : نريد ابن غمضان.
فقال لهم السلال: لا أعلم بشيء مما حصل.
وبعد التحريات والبحث تبين كذب ما افتروه، ولم يصل محمد ابن خالي إلى صنعاء إلا وكان عبد الرحمن قد عاد بالسلامة من أيدي الخاطفين ، فبادروا جميعا بالوصول إلينا ، وحمدنا الله كثيرا.
ولما كان موعد إقلاع الطائرة الأثيوبية في نفس اليوم ، وقد غادرت ، فتوجب علينا العودة إلى صنعاء ولمدة يومين ـ ثم سافرنا على متن طائرة يمنية إلى أسمرا ، وكان الأخ عبد الله غمضان قد سبقنا إلى أسمرا لأجل تهيئة سكن لإقامتنا. ووصلنا إلى أسمرا ، وأدخلونا صالة كبار المسافرين ، قال خالي : اقر}وا سورة "ياسين" وارتاحوا ، وقدَّموا لنا عصيرا ، وأكملنا قراءة السورة ومضت ساعة ونصف ونحن في الصالة ، لا ندري ما يجري ، وخالي لا يقول شيئا ، وهذا سمته ، دائما يكتم المزعج من الأخبار في صدره ، يتحاشى رحمه الله أن يزعجنا أو يثير القلق في نفوسنا ، ويحافظ على مشاعرنا هادئة ، وطال الانتظار ، وسألت خالي بإلحاح : لماذا كل هذا الانتظار؟ ماذا يجري؟.
وكان جوابه : خرجتم من اليمن بدون جوازات سفر ، فقد رفضوا بشكل قاطع إصدار الجوازات لكم ، والسلطات الأثيوبية تريد الجوازات لتسهيل الخروج ، ولكن لا تقلقي ، فقد رتبت الأمور ، وأجريت الاتصالات اللازمة ، وكانت لي مكالمة تليفونية مع ولدي عبد الله ، والجوازات ستصل قريبا.
وماهي إلا هنيهة إلا ورأينا الأخ عبد الله وعلي باناجه يلوحون لنا بالجوازات من وراء السياج ، فقد بعث أولاد أخوتي بالجوازات من السعودية إلى أسمرا ، وأوصل الجوازات عامل حريب ، رحمه الله ، وغادرنا صالة المطار واستقبلنا عدد من الأهل والأصدقاء ، وحينها تنفست الصعداء ، وشعرت بارتخاء أعصابي ، وهدأت نفسي.
أمضينا في أسمرة أسبوعا ، ونمت أول ليلة نوما عميقا ، فمنذ أكثر من ثلاثة سنوات وبضعة شهور ما تنسمت عطر الحرية ، وتخلصت من القيود والمظالم إلا في تلك الليلة . ومن أسمرا كان سفرنا إلى جدة حيث لقيت زوجي رحمه الله ، ثم إلى الطائف لأطمئن على ابنتي رجاء ، وفي الطائف كانت عائلة زوجي وابنتي وحفيدي خالد وولدنا محمد ، وأخيرا التم شمل عائلتنا الصغيرة .
لعلّي في هذا المقام أوجه شكري وتقديري وعظيم ثنائي إلى ملك المملكة العربية السعودية ، والأمراء والشعب السعودي لما أحاطونا به من كرم ورعاية ومساندة ، وستظل أعناقنا مطوقة بجميل ماقدموه لنا أبد الدهر ، فنحن وهم توأمان عبر الزمن.
أقمت في الطائف أياما وسافرت إلى لندن للعلاج برفقة أعزاء على نفسي وقلبي ، والأولاد يدرسون في معاهد بيروت ، وابنتي الكبيرة نزلت من عندنا إلى من بالطائف مع ولدها خالد للإقامة عند أعمامها ، وفي نفس العام تزوجت بالشاب التقي علي الشامي ، وعدت من لندن بعد الشفاء لأنشغل بشؤون الأولاد والأسرة .
فقد جاء من يقول لزوجي أن الدراسة في معاهد بيروت لا خير فيها ، فكل برامجهم على الأغلب تهتم بالتاريخ الفينيقي ، فأرسلنا في طلب الأولاد ليدرسوا في الطائف ، وكانت مدارس الطائف حتى ذلك الوقت كغيرها من مدارس المنطقة ، لا تعتني بتدريس اللغات الأجنبية ، وداوم الأولاد على الدراسة في مدارس الطائف ، أما البنات فيدرسن في البيت .
ذات يوم جاءني ابني عبد الله وخاطبني ، أكاد أنسى ما تعلمته من اللغة الإنجليزية وأتمنى أن أعود إلى لبنان ، خامرني إحساس مرير ، فنحن المسؤولون عن عدم إتاحة الفرصة لأبنائنا للدراسة في أفضل المعاهد ، وصممنا على السفر إلى لبنان ، حتى يكون أولادنا تحت إشرافنا المباشر ، وبالفعل التحقوا في مدارس المقاصد الإسلامية.
ثم كان زفاف ابنتي أمة المغيث في منزل الوالد ، الحسن بن الحسن ، وسافرت مع زوجها أحمد بن الحسن إلى أميركا .
كنا في بيروت حوالي أربعين عائلة ، وعشنا في بيروت حياة ممتعة ، لقينا فيها المعاملة اللطيفة ، حتى في الدوائر الرسمية كانوا يسرعون في كل ما نطلب ، وكان لنا الأسبقية ، ونفس المعاملة الرائعة لقيناها عند الأطباء ، وكافة الخدمات كانت سهلة ميسرة .
ما كان يدعو لسعادتنا في لبنان تلك الصورة الحسنة التي رسمها كل من أقام من آل حميد الدين في لبنان عند الأخوة اللبنانيين . فالأولاد في المدارس عرفوا بالجد والاجتهاد ، وفوق هذا وذاك الدين والأخلاق ، ومعاملة رجالنا كانت صادقة وكريمة وبشوشة مع كافة جيراننا ، نصون حرمة الجار ، ونهبُّ لمساعدته ، ولا يسمعون منا إلا ما حسن من الكلام ولطيفه ، كنا حريصين على ترسيخ صفة الصلاح والتقوى .
والعلم أن لم تكتنفه فضائل *** تعليه كان مطيّة الإخفاق
كلنا قد أخذنا الصلاح والتقوى منهجا وطريقا في الحياة ، فلم تبدر شائنة ولا عيب من أي واحد منا ، ترسخت لدى جميعنا مفاهيم الحياة الدينية والعقلية ، كأن الأحداث صقلت الجميع ، فما كانوا يحفلون بالتلفاز والأغاني ولا المتعة وأمثالها.
ولما كان أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض ، وهم أمانة في أعناقنا ، وواجبنا أن نربيهم التربية الجادة المثالية ، فقد حرصنا على ذلك في اغترابنا . والاغتراب في طلب العلم له فوائده ، ينمي الشخصية ويصقل النفس ، ويهذب الطبائع ، ويوجد الإبداع ، أن كان هو المقصد دون غيره .
وطارت العصافير من أعشاشها ، وبدأ الافتراق المحبوب ، وثارت الأشواق من جديد ، ولكنها سنة الله في خلقه .
في بيروت احتفلنا بزواج ابنتي نبيلة على الولد الحسين بن يحيى الحسن ، وكما قلت لكم فإن أفراحي لا تدوم ، فقد اشتعلت أحداث الحرب الأهلية في بيروت حماها الله سنة 1975م ، وكنا نسمع طلقات المدافع والقذائف الصاروخية والبنادق الآلية ، ونحذر ونحتاط ، ننزل في الطوابق السفلية تارة ، وعلى النوافذ تارة أخرى ، ونتدبر طعامنا وشرابنا وحاجاتنا ، فأرسلت ولدي عبد الله وأخاه حسين إلى لندن ، عند والدهم ، وولدي إبراهيم إلى أميركا طرف أخته لمواصلة دراسته ، أما أنا فارتحلت إلى المملكة العربية السعودية ، تفرق الجمع ولكن برضانا محفوفين بعين الله ورعايته .
أمضيت في المملكة العربية السعودية عاما ، سافرت بعدها ومن تبقى من بناتي إلى برملي ، وعشنا مع زوجي . وشعرت بطعم السعادة ولكن هيهات ، ففي أثناء إقامتي في لندن نُعِي إليّ خالي الفاضل الجواد الكريم إسماعيل غمضان ، رحمه الله ، وهات يا حزن ، بكيته بكاء لا أستطيع وصفه ، مر شريط ذكرياتي متوجعا على هذا الخال الذي لن يجود الزمان بمثله عليّ ، مواقفه ، خدماته ، محاولاته للتخفيف عنا ، شهامته ، وبكيته .. وقد شاركني أحزاني على خالي الكثير من أبناء أسرتي ، أخي عبد الرحمن ، حفظه الله ، وابن أخي البدر الإمام ، رحمه الله ، أنا لله وأنا إليه راجعون .
وطال مكثنا في لندن ، فقد تحسنت صحة زوجي ، وبناتي يدرسن ، وكان ولدنا عبد الله يواصل تخصصه في جامعة البترول والمعادن في الظهران ، وهي واحدة من أرقى جامعات المملكة العربية السعودية ، ثم سافر ولدي عبد الله إلى اليمن وخطب ابنة أحد الأقارب ، واحتفل به عمه والد العروسة السيد أحمد الخزان وبنو عمومته ، وها نحن دخلنا سنة 1401 هـ / 1980م.


من ذكرياتي في لندن
وصل إلى لندن زائرا العالم الأديب أحمد الشامي ، ويوم وصوله نزل ثلج كثيف ، غطى المنازل والأشجار ، وكان منظرا رائعا ، فاللون الأبيض حط بجلاله على كل شيء أمامه ، وبدت كعروس ببدلتها البيضاء ليلة زفافها ، وحبات الثلج تتراقص فوق أغصان الشجر ، فأوحت العبقرية الشعرية لأديب من آل شرف الدين بهذه الأبيات ، قالها وهو يشرب قهوة الصباح ، فارتجل :
ما(لكنت) القصور ماللحديقة *** ما كساها بيض الثياب الرقيقة
ما لها أشرقت بدون شموس *** مثل إشراقة المنى بالحقيقة
ما لأشجارها الكبار تحلت *** من جمان ويا لآلي وريقة
آه يا(كنت) كم أسرت حبيبا *** كم طويت من الشجون السحيقة
أنت ذا اليوم درة غير أني *** سوف أطويك في البحار العميقة
في فؤادي لكي أخلد فيه *** ذكريات اللقا دقيقة دقيقة
إنها فرصة الحياة وحسبي *** أنني قد كتبت أغلى وثيقة
فلما عرضها عليّ زوجي تمنيت أن أعارضها ، وقد قيل مع كثرة الأدباء في اليمن : فما كل مصقول الحديد يماني ، وما معارضتي إلا محاولة ،
فقلت :
إنما كنت للغريب ملاذا *** من صروف كما علمتم سحيقة
ثم ما بالكم بنا هل تظنوا *** أن فينا من لم يغص بريقه
يرقص الثلج في الغصون فلا ند *** رك إلا ما ينمحي من بريقه
وإذا أشرق الفؤاد بلحن *** من شدو الحمام أو تصفيقه
حجبتنا عن الوجود غيوم *** حيث لا يعرف الصديق صديقه
غير أنا من الدواهي أمضى *** من هصور في القفر ضل طريقه
ما لقلبي وللأماني وقلبي *** دمية الدهر والسهاد رفيقه
والليالي من المآسي حبالى *** والدواهي بكل وادٍ محيقة
ما الثريا وما الشواطي وماذا *** سوث اند ما أكسفورد العريقة
فأنا اليوم في سجون شجوني *** وشجوني في قعر بئر عميقة
ما لصوتي صدى ولا لشكائي *** راحم أن شكوت نار عقوقه
أين مني عزيزتي وهي بنتي *** وهي في كل حالة لي شقيقة
وهي اليوم في الحجاز ونفسي *** لتلظى النوى بأعلى شهيقة
ونأى في نيو جرسي حبيب *** بأميركا وأين مني عبيقه
وبظهران شمس قلبي توارت *** وهي عندي أغلى الكنوز العتيقة
أنا لولا وداد خير مثال *** ورجائي من للرشاد خليقة
واعتصامي بخالقي ثم إبني *** عبده والخليل نهج الطريقة
وبأفلاذ مهجتي كل نجم *** وثريا على فؤادي شفيقة
من حفيد وسيط الكل عندي *** كحياتي كروحها في الحقيقة
هذا ما لا أسميه شعرا ، ولكنها حكايات ، وكل يأتيك بقدر فهمه
إنما هو حنين إلى الوطن وشوق إلى ترابه ، فالنفس إلى مولدها مشتاقة ، وإلى مسقط رأسها تواقة ، وفطرتي معجونة بحب الوطن ، أتروح بنسيم أرضي. قالوا : أكرم الإبل أشدها حنينا إلى أوطانها .
وصدق الله العظيم {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} سورة النساء الآية 61

خاتمة المطاف
سافرنا إلى أميركا لزيارة أخي المولى الحسن رحمه الله ، وكنت أنا وزوجي وابنتينا ، وكان زفاف ابنتي رجاء على الولد علي زبارة في أميركا عام 1973م ، ثم سافرنا إلى المملكة العربية السعودية ، واحتفلنا بزفاف ابني إبراهيم على ابنة المرحوم السيد حسين الكبسي عام 1984م ، ثم كان زواج أحفادي عبد الوهاب وخالد بصنعاء عام 1984م ، وزفاف ابنتي وداد على الولد عبد الملك حميد الدين بجدة عام 1985م.
هذه حكايتي ، وتلك قبسات من ذاكرتي ، فتقية بنت الإمام يحيى حميد الدين تكتب عما لاقته وعانته ، وما تركته الأحداث من الآلام ، وحتى لا نكون جاحدين ، فقد أغدق ربي نعماءه علينا وعوضنا عما أصابنا ، لقد وهبنا الله فوق أمانينا ، وقد تناسيت ما كان ، فلا أحمل حقدا على أحد ، ولا أدفن ضغينة في قلبي ، فسامح الله الجميع ، لقد امتصت الذاكرة كل أحزاننا فلا رواسب ولا آثار .
وفي الختام ؛ أدعو الله من كل قلبي أن يصلح أمور جميع المسلمين ، وأن يتولانا بالحسنى ، ويزيننا بالتقوى ، أسأل الله الأمن والسلام والاستقرار لكل بلاد المسلمين ، وأن يحفظ الله البلد الأمين ، ويحمي كعبته المشرفة ، وملكه وأمراءه وعلماءه وشعبه الوفي ، ودعائي أن يحفظ الله وطني اليمن ويظل سعيدا بعلمائه وفقهائه وشيوخه.
اللهم لا حقد ولا ضغينة .
اللهم اغفر لي ولكم ، وللعموم من أسلاف وأخلاف .
اللهم اجمعنا بأسلافنا الشهداء وبرجالنا الذين قضوا في سبيل الله .
وأن آخر دعواي ، أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وآله الطاهرين . وليرحمنا الله وإياكم .

انتهى كتاب يتيمة الأحزان من حوادث الدهر والزمان..
قام بجمعه د. مختار محرم



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

 

 

 

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 31-05-2012, 11:08 PM   #13


مجهود رائع أستاذي الفاضل نشكرك ألفاً عليه
وكنت أتمنى أن يوضع ككتاب يسهل تحميله وحفظه على الجهاز
واسمح لي بنسخه على وورد وحفظه لقراءته وقتما تسنح لي الفرصة بتتمة قراءته
جزيل شكري
تحاياي



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

 

 

 

 

 

التوقيع

  رد مع اقتباس
قديم 30-07-2012, 04:09 PM   #14
معلومات العضو
شاعر
الصورة الرمزية د. مختار محرم


شكرا أستاذة آمال على مرورك وكلماتك الطيبة
والكتاب موجود بصيغة ملف لكني آثرت نشره هنا مكتوبا ليكون في متناول من يمر على واحتنا دون الحاجة لتحميل..
سيما وأن الروابط تتبدل وتنتهي بمرور الوقت ..
دمت بخير أستاذتي القديرة



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

 

 

 

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 03-02-2013, 10:16 AM   #16
معلومات العضو
شاعر
الصورة الرمزية د. مختار محرم


الرائع محمد الحميري
الأروع هو مرورك وتعقيبك أيها النبيل
دمت أصيلا
محبتي



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

 

 

 

 

 

  رد مع اقتباس
قديم 27-04-2013, 12:12 AM   #17


قمت بنفسك بطباعة الكتاب
وأنا وقفت عند المشاركة الرابعة وقلت في نفسي أتابع غدا

أنت إنسان عظيم د. مختار
أشكرك



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ

 

 

 

 

 

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
أنواع عرض الموضوع

الانتقال السريع




Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
vBulletin Optimisation by vB Optimise.

HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة