أحدث المشاركات
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 26

الموضوع: رائحة الخشب

  1. #11
    الصورة الرمزية د. نجلاء طمان أديبة وناقدة
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    الدولة : في عالمٍ آخر... لا أستطيع التعبير عنه
    المشاركات : 4,218
    المواضيع : 71
    الردود : 4218
    المعدل اليومي : 0.78

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد سامي البوهي مشاهدة المشاركة
    رائحــة الخشــب

    كنت أرسم بقلمي الصغير حدود الدنيا بين ضفاف مدينتي، قدر لها ان يحصرها النيل بزرقته، والبحر بأمواجه، أنظر ناحية البحر فأتعثر بنهاية العالم، استدير ناحية النيل فيواجهني بمنتهى الجمال، بنيت معتقداني الصغيرة ان مدينتنا هي الأرض الشاسعة، وما دون ذلك من أمكنة جزر عالقة بمياه البحر الممتدة، أغمض عيني، أنام كما النيل في أحضان البحر، أصبح على تلك الدقات المتتالية، المنتظمة، تنظمها جواكيش النجارين، الكلمات الصباحية تهشم أقفال ورش النجارة الصغيرة 'يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. أصبحنا وأصبح الملك لله'، أشم رائحة الخشب المطحون، أتلذذ بها، أستعيد معها أيام إجازتي الصيفية، حيث الحاقي بإحدى ورش النجارة للعمل، ذلك ما تجري عليه العادة في مدينتي العاشقة 'دمياط'، بل كان تعلم الحياة هو الغاية من هذه العادة، كل شيء في الورشة كان له في ذاكرتي مدلوله الخاص، الغراء بأبخرته الساخنة، يترك داخلي صورا للخوف، أرتعد منه، من سطوته، طغيانه، يغلي فوق الموقد الحجري، يلهث بفقاقيع ملتهبة، أكتم أنفاسه بفرشاة كبيرة، يستعين بها 'المعلم' ليفرض هيبتها على ألواح الخشب المسكينة، كانت 'المنجلة' تمثل لي رمزا للقيد، السجن، بل للموت أحيانا، يعتقل 'المعلم' يد المذنب بين شفرتيها الخشبيتين، يشد عليها بقوة كقطعة خشب صغيرة أبت الانصياع للتشكيل، يأتي يوم الخميس أجمل أيام حياتي، يوم الحصاد، نجني فيه ثمرة تعبنا، اتقاسمها بين نفس الطفل الكامنة داخلي، وبين حصالتي الخشبية، أفرح عندما أهدهدها، أسمع صوت النقود تزغرد داخلها، أشم رائحة الخشب المنبعثة منها ، أهتف بالحياة لكل أشجار العالم، أطير الى البحر لشراء 'الدوم، التين الشوكي، غزل البنات'، اتبادل مع اصدقائي المعلومات، عن ورش النجارة التي يعملون بها، 'المعلمين'، الأجور، عند المغرب نودع الرمال المبللة، جحورنا التي بنيناها، الأمواج العائدة، بقايا أشرعة القوارب البعيدة التي كنا نتسابق على رؤيتها، نطوي الشمس خلفنا تصارع النوارس المهاجرة، نعود، أصبح كي أهشم قفل الورشة، أنظف الأرضية من قشور الأخشاب المتطايرة، أدير مؤشر الراديو، أتوقف به على اذاعة القرآن الكريم، أنشغل برش المياه أمام الباب لإحباط محاولات الغبار من التراكم بالداخل، انتظر 'المعلم' لابدأ معه قطف يوم جديد من باقة إجازتي الصيفية، أودع أيام العمل، استعد لاستقبال أيام الدراسة، أهشم بالفرح المخلوط بالشغف غطاء حصالتي الخشبية، أعد نقودي، أطير صوب أبي كي أبلغه بما جمعت، يطعمني بابتسامته الحانية، يربت على كتفي، يضع بين يدي أضعاف المبلغ، بأول أيام عامي الدراسي، أكتسي ملابسي الجديدة، جوربي، حقيبتي، حذائي، أمشي ببهاء المنتصر، أشم رائحة الخشب العالقة بندى الصباح، فأهدي شكري لكل أشجار العالم .
    محمد سامي البوهي
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــ
    المنجلة : هي أداة يدوية تستخدم في تثبيث قطع الخشب ليتمكن النجار من تشكيلها.
    نشرت القصة بجريدة القبس الكويتية بتاريخ :22/1/2007
    القصة من مجموعة: أهرامات الضحك

    تنفست معك..
    رائحة النيل..
    البحر..
    الخشب..
    فانتشيت..
    ثم تنفست..
    رائحة الغراء..


    فارتعدت

    أجمل الشذى من دمياط الحبيبة
    الوردة السوداء.
    الناس أمواتٌ نيامٌ.. إذا ماتوا انتبهوا !!!

  2. #12
    الصورة الرمزية سحر الليالي أديبة
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    الدولة : الحبيبة كــويت
    العمر : 35
    المشاركات : 10,147
    المواضيع : 309
    الردود : 10147
    المعدل اليومي : 1.71

    افتراضي

    مبدع أنت دوما اخي سامي
    رائع وأكثر
    دمت ودام ابداعك الجميل

    لك خالص تقديري وباقة ورد

  3. #13
    أديبة
    تاريخ التسجيل : Jul 2003
    المشاركات : 5,436
    المواضيع : 115
    الردود : 5436
    المعدل اليومي : 0.81

    افتراضي

    الفاضل

    منذ اللحظة الأولى لعرض نصك كنت قد كتبت تعليقاً عليه .. و لكنه للأسف ضاع في لحظة فساد اتصال . و الحق أن جمال نصك يكمن جلّه في صدق الحس و عمق التجربة ؛ فذكريات الطفولة أكثر ما يعلق بالروح و أعظم ما يحفظه القلب و أجود ما يعبر عنه القلم .. فتخرج صادقة .. صادقة لتصل نقية .. نقية و مؤثرة .

    بعض زلل لغوي فاتك تصحيحه .

    كل التقدير .

  4. #14
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الوردة السوداء مشاهدة المشاركة

    تنفست معك..
    رائحة النيل..
    البحر..
    الخشب..
    فانتشيت..
    ثم تنفست..
    رائحة الغراء..
    فارتعدت

    أجمل الشذى من دمياط الحبيبة
    الوردة السوداء.
    الأستاذة الوردة السوداء

    بنفس المكان تنفسنا هواءً مشتركاً ، وضمنا وطن واحد ، وبحر واحد ، وجب له علينا كل الوفاء والولاء .

    أشكرك

  5. #15
    الصورة الرمزية حسام القاضي أديب قاص
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+الكويت
    العمر : 60
    المشاركات : 2,167
    المواضيع : 74
    الردود : 2167
    المعدل اليومي : 0.38

    افتراضي

    أخي الأديب / محمد سامي البوهي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سكبت هنا ذكريات الطفولة بعفوية
    تناسب تلك الفترة البريئة ..
    هذه العفوية والتلقائية جعلت نصك يأتي بسيطاً دون تعقيد
    صادقاً دون افتعال فمس داخل كل منا مناطق كامنة في تلافيف
    الذاكرة .
    "أشم رائحة الخشب العالقة بندى الصباح، فأهدي شكري لكل أشجار العالم ."
    نهاية رائعة ، أروع ما فيها أنها جاءت من نفس مفردات العمل .

    تقبل تقيري واحترامي .
    حسام القاضي
    أديب .. أحياناً

  6. #16
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    المشاركات : 113
    المواضيع : 25
    الردود : 113
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد سامي البوهي مشاهدة المشاركة
    رائحــة الخشــب

    كنت أرسم بقلمي الصغير حدود الدنيا بين ضفاف مدينتي، قدر لها ان يحصرها النيل بزرقته، والبحر بأمواجه، أنظر ناحية البحر فأتعثر بنهاية العالم، استدير ناحية النيل فيواجهني بمنتهى الجمال، بنيت معتقداني الصغيرة ان مدينتنا هي الأرض الشاسعة، وما دون ذلك من أمكنة جزر عالقة بمياه البحر الممتدة، أغمض عيني، أنام كما النيل في أحضان البحر، أصبح على تلك الدقات المتتالية، المنتظمة، تنظمها جواكيش النجارين، الكلمات الصباحية تهشم أقفال ورش النجارة الصغيرة 'يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. أصبحنا وأصبح الملك لله'، أشم رائحة الخشب المطحون، أتلذذ بها، أستعيد معها أيام إجازتي الصيفية، حيث الحاقي بإحدى ورش النجارة للعمل، ذلك ما تجري عليه العادة في مدينتي العاشقة 'دمياط'، بل كان تعلم الحياة هو الغاية من هذه العادة، كل شيء في الورشة كان له في ذاكرتي مدلوله الخاص، الغراء بأبخرته الساخنة، يترك داخلي صورا للخوف، أرتعد منه، من سطوته، طغيانه، يغلي فوق الموقد الحجري، يلهث بفقاقيع ملتهبة، أكتم أنفاسه بفرشاة كبيرة، يستعين بها 'المعلم' ليفرض هيبتها على ألواح الخشب المسكينة، كانت 'المنجلة' تمثل لي رمزا للقيد، السجن، بل للموت أحيانا، يعتقل 'المعلم' يد المذنب بين شفرتيها الخشبيتين، يشد عليها بقوة كقطعة خشب صغيرة أبت الانصياع للتشكيل، يأتي يوم الخميس أجمل أيام حياتي، يوم الحصاد، نجني فيه ثمرة تعبنا، اتقاسمها بين نفس الطفل الكامنة داخلي، وبين حصالتي الخشبية، أفرح عندما أهدهدها، أسمع صوت النقود تزغرد داخلها، أشم رائحة الخشب المنبعثة منها ، أهتف بالحياة لكل أشجار العالم، أطير الى البحر لشراء 'الدوم، التين الشوكي، غزل البنات'، اتبادل مع اصدقائي المعلومات، عن ورش النجارة التي يعملون بها، 'المعلمين'، الأجور، عند المغرب نودع الرمال المبللة، جحورنا التي بنيناها، الأمواج العائدة، بقايا أشرعة القوارب البعيدة التي كنا نتسابق على رؤيتها، نطوي الشمس خلفنا تصارع النوارس المهاجرة، نعود، أصبح كي أهشم قفل الورشة، أنظف الأرضية من قشور الأخشاب المتطايرة، أدير مؤشر الراديو، أتوقف به على اذاعة القرآن الكريم، أنشغل برش المياه أمام الباب لإحباط محاولات الغبار من التراكم بالداخل، انتظر 'المعلم' لابدأ معه قطف يوم جديد من باقة إجازتي الصيفية، أودع أيام العمل، استعد لاستقبال أيام الدراسة، أهشم بالفرح المخلوط بالشغف غطاء حصالتي الخشبية، أعد نقودي، أطير صوب أبي كي أبلغه بما جمعت، يطعمني بابتسامته الحانية، يربت على كتفي، يضع بين يدي أضعاف المبلغ، بأول أيام عامي الدراسي، أكتسي ملابسي الجديدة، جوربي، حقيبتي، حذائي، أمشي ببهاء المنتصر، أشم رائحة الخشب العالقة بندى الصباح، فأهدي شكري لكل أشجار العالم .
    محمد سامي البوهي
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــ
    المنجلة : هي أداة يدوية تستخدم في تثبيث قطع الخشب ليتمكن النجار من تشكيلها.
    نشرت القصة بجريدة القبس الكويتية بتاريخ :22/1/2007
    القصة من مجموعة: أهرامات الضحك
    اخي المبدع/ محمد سامي البوهي
    للروائح إذن ذكرى تعود حين تعود اليها النفس ، رائحة تعبق الانف وما تلبث ان تتفلت لتعود ادراجها رغم الأنف الى الماضي التي أتت منه ... وتتمنى النفس ألا تتفلت .. تتمنى لو امسكت بالأماكن واللحظات والروائح، لكن للزمن ناموسه الخاص ...
    اجدت في أخذنا الى عالمك ، فكأننا كنا معك ...
    وان كان لنا همسة فهي ان مساراً واحداً للنص أفقده بعض التشويق فكأننا توقعنا ما هو آت ..
    دمت بكل ود ...
    خالص تحياتي ...

  7. #17
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سحر الليالي مشاهدة المشاركة
    مبدع أنت دوما اخي سامي
    رائع وأكثر
    دمت ودام ابداعك الجميل
    لك خالص تقديري وباقة ورد
    السلام عليكم
    أختي الكريمة/ سحر
    أشكرك على هذا الإطراء ، والثناء
    تحيتي

  8. #18
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حوراء آل بورنو مشاهدة المشاركة
    الفاضل
    منذ اللحظة الأولى لعرض نصك كنت قد كتبت تعليقاً عليه .. و لكنه للأسف ضاع في لحظة فساد اتصال . و الحق أن جمال نصك يكمن جلّه في صدق الحس و عمق التجربة ؛ فذكريات الطفولة أكثر ما يعلق بالروح و أعظم ما يحفظه القلب و أجود ما يعبر عنه القلم .. فتخرج صادقة .. صادقة لتصل نقية .. نقية و مؤثرة .
    بعض زلل لغوي فاتك تصحيحه .
    كل التقدير .
    الأستاذة الأديبة / حوراء
    من سوء حظي اني لم أحظ بهذا التعليق المسهب ، والذي كنت سأستفيد منه بالتأكيد ، فقط كنت أود من حضرتك توضيح الزلل اللغوي على العام كي أتعلم من أخطائي ....
    تحيتي

  9. #19
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسام القاضي مشاهدة المشاركة
    أخي الأديب / محمد سامي البوهي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سكبت هنا ذكريات الطفولة بعفوية
    تناسب تلك الفترة البريئة ..
    هذه العفوية والتلقائية جعلت نصك يأتي بسيطاً دون تعقيد
    صادقاً دون افتعال فمس داخل كل منا مناطق كامنة في تلافيف
    الذاكرة .
    "أشم رائحة الخشب العالقة بندى الصباح، فأهدي شكري لكل أشجار العالم ."
    نهاية رائعة ، أروع ما فيها أنها جاءت من نفس مفردات العمل .
    تقبل تقيري واحترامي .
    السلام عليكم

    الأستاذ الأديب / حسام القاضي

    لكم هي شهادة أعتز بها من ناقد مثلك ، يعلم ما يقول ، ويقول ما يعلم ، ولا يخرج عن الحيادية .

    تحيتي

  10. #20
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    العمر : 51
    المشاركات : 3,586
    المواضيع : 419
    الردود : 3586
    المعدل اليومي : 0.64

    افتراضي

    فيها عبق الماض والبيئة الغائبة والشوق للعودة
    تحية لقلمك الشجي
    فرسان الثقافة

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. مع الريح.. والى رائحة.
    بواسطة معاذ الديري في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 06-08-2017, 01:02 PM
  2. تراتيل الحلاج على الخشب المقدس
    بواسطة محمد الخولي في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 15-09-2015, 07:05 PM
  3. سوس الخشب
    بواسطة مصلح أبو حسنين في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 30-08-2014, 07:52 PM
  4. رائحة الطباشير
    بواسطة جلاء الطيرى في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 10-04-2006, 02:19 AM
  5. رائحة المكان
    بواسطة ريان الشققي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 29-10-2005, 12:48 PM