أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: المحرقة تابع(2)

  1. #1
    الصورة الرمزية ابن الدين علي قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Sep 2006
    الدولة : الجزائر
    المشاركات : 520
    المواضيع : 98
    الردود : 520
    المعدل اليومي : 0.09

    افتراضي المحرقة تابع(2)

    في الليل لما قدم الثوار , وجدوه قابعا في مكانه, ربتوا على كتفيه واسعفوه حتى نهض, فخاطبه أحدهم :" لا بد من وجود شخص وراء هذا المنكر.. خائن قد وشي بوقوف أبيك إلى جانب الثورة عند العدو.. لن يفلت من أيدينا النذل.. طال الزمن أم قصر... هيا تعالى معنا إلى الجبل, لم يبق لك مكان هنا... لقد كلفنا من يقوم بعملية الدفن و ترنيب كل الأمور.. هيا بنا..". زيدان في لحظة من لحظات الزمن الغادر فقد كل شيء و لم يبق له ما يربطه بذلك الدوار سوى الماضي, فقرر الرحيل مع الثوار الذين بحكمتهم و خبرتهم جعلوه خلال أسابيع يألف حياة العراء في الجبل و يتدرب على استعمال بعض الأسلحة التي كانت بحوزتهم.

    من حين لآخر كان يذهب إلى الدوار يتفقد أحواله عند السكان الذين اصبحوا مع مرور الوقت يهابون مجيئه ليلا, كما كانوا يهابون نظراته الحادة التي تخفي وراءها بطشا و قلبا حديديا . لم يكن زيدان بكل هذه القسوة, بل كان يرى من واجبه أن يستمر في صرامته من أجل الثورة .. من أجل الحرية, هكذا علموه في الجبل, ثم أقنعوه باتباع اسلوب الصرامة كي تنجح الثورة و تحقق أهدافها و قد تعمد ترك الناس يصورون بخيالهم ما شاءوا و يضخمون و يبالغون في وصف قسوته و جبروته و صنع هذه الهالة حول شخصه, فاستغلها هو و رفاقه في السلاح لقمع الوشاة و الخونة و ترهيب كل من تسول له نفسه التقرب من العدو.

    ذات صباح قدم زيدان إلى القرية و توجه إلى خيمة "لعرج" الذي خطب منه ابنته عن طريق أحمد المكلف بالاتصال, في البداية امتقع وجه لعرج ثم ترجل و قام يستقبله و هو يتكلف الترحيب و التهليل و في نفس الوقت كانت صورة "سي مرزوق" تتراءى له و هو الذي خطبها الأول لابنه "لخضر". جلس زيدان بعد أن بادر لعرج بالتحية و قال:" لا شك أنك تعلم سبب قدومي ؟"رد لعرج بعد أن دعاه للجلوس و كأنه حضر مسبقا ما سيقوله:" يا سي زيدان طلبك شرف لي, عندما أراك..أرى الحاج سليمان رحمه الله و كأنه ما زال حيا بيننا, الله يعلم كم كنت أعزه ... البنت بنتكم .. خذها في عباءتها..". يجيبه زيدانببرودة:"أعلم ..أعلم .. ما هو شرطك؟..". لعرج يتصنع العجب:" أنا أشترط عليك.. يكفيني شرفا أنني صاهرت بطلا "في هذا الوقت كانت أم عائشة تنصت لحوارهما من خلف الخيمة مع ابنتها التي همست لها:"ألست مخطوبة من قبل لخضر ابن سي مرزوق؟" تقمعها أمها زاجرة:" اسكتي . لنت لا يهمك شيئا"تهم عائشة بمواصلة استفسارها لكن أمها تضع يدها على فمها لتمنعها من الكلام فتؤنبها قائلة:"قلت لك اسكتي .. لا نريد مصائب.." عائشة تقول مصرة:" و هل لخضر على علم بذلك؟"فتجيبها الأم مهونة عليها الأمر:"سواء علم أم لم يعلم , لا يملك إلا أن يسكت..."تهم الأم الاستمرار في تحذير ابنتها لكنها تصمت فجأة حين تسمع صوتا من الخارج:" حضروا الفطور".تنصرف الأم خفيفة إلى الكانون و تلحق بها عائشة لمساعدتها فتهمس لها:" أنت أجمل بنت في هذا الدوار, و زيدان لم يأت بنفسه لخطبتك إلا لأنه سمع عن جمالك, أما مرزوق فلم يكن بينه و بين أبيك سوى كلاما... ثم المرأة التي زوجها بطل يثير الرعب في قلوب الرجال هي كذلك تكون صاحبة قيمة و جاه بين قريناتها .."ثم يعود الصوت من الخارج مرتفعا" أما زال؟". و ما هي إلا لحظات حتى يدخل لعرج و وجهه يلمع من شدة العرق المتصبب على جبينه.. بعد أن ينظر مليا إلى عائشة التي أسدلت عينيها السوداوين حياء, يلتفت إلى زوجته التي تقدم إليه الطيفور و فيه ابريق من الشاي و الخبز و السمن الذي طال دهر تخزينه ينتظر من له الحق في أكله.
    شرع زيدان يأكل الخبز بعد تغميسه في السمن ثم يعقبه بجرعة من الشاي, و لعرج ابريقه في يده اليمنى ينتظر كلما فرغت الكأس ليعيد ملأها ثم يقطع له الخبز و يقرب منه آنية السمن و هو أثناء ذلك ينظر متفرسا في وجه زيدان و شاربه العريض و لما يرفع هذا الأخير رأسه, يدير لعرج وجهه و يتظاهر بإبعاد النمل الذي كان يسير في صف نحو فتات الخبز و من حين لآخر يهش بعصاه جروا كلما حاول الإقتراب من الطيفور.لما بدأ زيدان يمسح شاربه بالمنديل, بادر لعرج يقول له بكل أدب:" اسمح لي سي زيدان, لو اخبرتني عن موعد العرس حتى أحضر كل شيء." يضع زيدان المنديل على الطيفور و ينظر إليه و كأنه لم يخطر بباله مثل هذا السؤال:" العرس.. العرس...سأكلف أحمد بإخبارك ..حين أقرر.."ثم يقوم و ينصرفو يبقى لعرج في مكانه حائرا يفكر فيما سيقوله لمرزوق الذي له أفضال كثيرة عليه " لا بد أن سي مرزوق سيقدر الظروف و يتفهم الموقف المحرج الذي أنا فيه". ثم يتساءل إن كان عليه إخبار زيدان بأمر خطوبة بنته من قبل ولد مرزوق.."

    لما وصل زيدان عند رفاقه بادروا يسألونه عما انتهى إليه أمر الخطوبة فأخبرهم أن أباها كاد يطير فرحا. فأخذوا يهنئونه و يحثونه على إقامة العرس و يعدونه أنهم سيتكفلون بكل مراسيمه .مكث في الجبل إلى جانب المجاهدين يقاومون الاستعمار بكل بسالة و عزيمة لا تكل و بين الحين و الآخر يفكر في عروسه غير أن ظروف الثورة و مداهمة العدو المفاجئة و المتكررة تارة على الدوار و تارة أخرى على الجبل بالدبابات و الطائرات تصرفه عن التفكير في هذا الموضوع و كم كان يتمنى ملاقتها لمشاهدة هذا الجمال الذي حديث الكثيرين.لكن التقاليد الصارمة حالت دون ذلك, ثم كان يقاوم نفسه مقاومة شديدة كي لا يظهر تعلقه و لا حتى اهتمامه بها و لكن في قرارة نفسه تمنى لو يشاهدها خفية دون أن تشعر به هي أو غيرها إلا أن حرصه على الإحتفاظ بقيمته و هيبته و سطوته وسط الأهالي منعه عن مثل هذا التفكير, فكان يكتفي بإرسال بعض الملابس و الحاجيات إليها عن طريق أحمد الذي يسلمها لألبيها في المواسم و الأعياد.

    مر دهر من الزمن و الأمور على هذه الوتيرة, حتى تناهى إلى سمعه في مرة من المرات أن فلانا و فلانة يلتقيان كل ليلة جنب البئر تحت الشجرة الوحيدة في تلك الفلاة, مثل هذه الشجرة لم يألف القوم وجود نوعها في هذه المناطق, و لعل قربها من البئر هو الذي أمدها بالماء لتنمو شامخة باسطة ظلها على البئر و ما جاورها. ثارت ثائرته.. كيف يجرؤ هذان الشابان على مثل هذا المنكر في عشيرته التي تربى فيها ..أولاد الحرام.. و تذكر " طالب الدوار" و دروسه التي كان يلقيها حول الشرف و العار و الحياء... إذ لا يجوز للرجل أن ينظر للمرأة و لا هي تنظر إليه و يؤكد هذا الطالب أن مجرد النظر حرام... و سماع صوتها حرام...و حتى سماع وقع رجليها و هي تمشي حرام... و هذان الفاسقان تجاوزا كل الحدود والتقيا.. يا للعار... بعد هذا الاستعراض السريع لدروس الطالب يتذكر أمه التي كانت تنزع أسورتها من معصميها عندما يكون عندهم ضيف أو ضيوف و هي خلف الحائل مخافة أن يسمع صوتها عند تصادمها على ذراعها و هي تحضر الطعام أو تعجن الخبز. و هذان اللقيطان يلتقيان مع بعضيهما ... ثم يقرر أنه لا بد من عقابهما عقابا مرا تسمع به كل الدنيا.

    في إحدى أمسيات الشتاء و بعد غروب الشمس, قدم زيدان على غرة يحمل قارورة زجاجية .. و ما إن سمع بمقدمه السكان حتى انقبضت القلوب و تسلل من كان بالخارج إلى مأواه, و فزع الأطفال إلى مخادعهم بعد تخويفهم بالغول و الجنية التي تخطف الصغار, و بات كل واحد يتساءل دور من هذه المرة يا ترى ؟ .. و بينما هم في حيرتهم سمعوه ينادي أحمد المكلف بالاتصال فازدادت القلوب وجلا و الحناجر تشنجا واستنجد كل من كان في الدوار بوليه و توسله أن لا يجعل اسمه يأتي على لسان زيدان.
    خرج إليه أحمد فأمره بالقبض على الشاب و الشابة وإحضار هما أمامه مكبلين و إحضار أهل الدوار ليشاهدوا ما سيحدث.

  2. #2
    الصورة الرمزية مجذوب العيد المشراوي شاعر
    تاريخ التسجيل : Oct 2004
    المشاركات : 4,730
    المواضيع : 234
    الردود : 4730
    المعدل اليومي : 0.76

    افتراضي

    أيضا الجزء الثاني جد شيق .. يفصح عن قسوة الظروف في ظل الاستعمار .

    ننتظر الجزء الثالث ..

    شكرا

  3. #3

  4. #4
    الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : موطن الحزن والفقد
    المشاركات : 9,734
    المواضيع : 296
    الردود : 9734
    المعدل اليومي : 1.71

    افتراضي

    أسجل مروري ..
    بانتظار الجزء الثالث ..

    لك التحية.
    //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

المواضيع المتشابهه

  1. المحرقة...
    بواسطة ريمة الخاني في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 02-08-2015, 04:26 PM
  2. رغم المحرقة متحدين *اهداء لاخي العقيد ابي المعتصم/شعر لطفي الياسيني
    بواسطة لطفي الياسيني في المنتدى أَدَبُ العَامِيَّة العَرَبِيَّةِ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 30-10-2008, 04:58 PM
  3. المحرقة - مهداة إلى شهداء غزة الصامدين
    بواسطة فارس عودة في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 02-06-2008, 01:30 AM
  4. المحرقة ،، شعر ،، عبدالرحيم الحمصي
    بواسطة عبدالرحيم الحمصي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 15-04-2008, 04:08 PM
  5. المحرقة
    بواسطة ابن الدين علي في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 13-01-2007, 11:13 AM