أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الحاجة أم حسين

  1. #1
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : لا حاجة
    المشاركات : 305
    المواضيع : 52
    الردود : 305
    المعدل اليومي : 0.05

    افتراضي الحاجة أم حسين

    الحاجة أم حسين

    كلّ شيء كنا قد أعددناه بدقة متناهية للبقاء قربك، لاحتضان ربيع النور الذي كنت أتلهف إليه للمثول بين يديك أنت أيتها الرحمة الظليلة في ذاكرتي التي لم تنساك أبداً.
    هانحن نقتسم رغيف الخبز فيما بيننا بصمت وسكينة وفرح قلوب، كلّ شيء كان معداً لتضليلهم وكان لابدّ أن يحدث هذا معنا، لا أجمل من إشراقة الشمس على نور وجهك الوضاء،ولا أروع من ابتهاج لجين القمر على محياك المتربع مثل سلطان مجيد، ولا أحلى من موسيقا النجوم وهي تتراقص من بعيد لتعلن عن بهجة الوجود في وجودك، لقد خُلقَ كلّ شيء من أجلك أنت فقط، ولأجلك أنت .
    سنين عمري التي ذهبت سبقتني إليك ليلة ناجيت ربي ودعوت باسمه حتى اخضلت عيناي، تركني زوجي وحيدة أصارع الفقر كي أربي أودلاي على لقمة شريفة، هذا كل ما كنت أملكه عفة وإرادة على تحمل شظف الحياة وأوجارها.
    هو مات، لكنني بقيت على قيد الحياة أتحمل برد الشتاء وريحه القارصة وأمسح بيدي جبيني الذي يتفصد عرقاً في فصل الصيف وأنا أحمل المكنسة وخرطوم الماء لأنظف صفوف وممرات وأدراج ومكتب المديرة ودورة المياه، لم أتعلم، حصلت على شهادة محو الأمية وسعيت أن أكون عاملة في قسم المستخدمين بوزارة التربية لأحصل على راتب أقدر من خلاله أن أعيش وأولادي خاصة حسين هذا العاجز المسكين.
    وتحولت سنوات عمري الطويلة إلى أوجاع وآهات وأنات بدأت تتراكم رويداً رويداً وشيئاً فشيئاً، حتى أوهن داء المرض عافيتي وما عدت قادرة على متابعة العمل، فبدأت أنقطع عن الدوام وبدأت أدور على عيادات الأطباء لأحشو معدتي بالحبوب المسكنة من الآلام فشفائي صار مستعصياً بل مستحيلاً.
    من يسأل عنك، إسأل عليه .....

    وزارتني من حسبتها لا تزور أمثالي، فمثلي لا تزوره المتعلمات من أصحاب الشهادات!
    هل بدأ الزمن لحظتها؟
    هل سوّى بين مرتبتينا؟ هل تساوينا؟
    كل الذي أدريه حين دخلت بيتي المتواضع الصغير أنني كنت في حالة تشبه الغيبوبة، حسين يرفع رأسي عن المخدة ويقول وقد ابتهج قلبه:
    - انظري يا أم حسين من جاء يزروك ؟

    دعني أتزود ببعض عافية لأرى هذا الوجه، وجه قدر ما أحببته قدر ما نفرت من بعض مطالبه وصرامة تشديده .
    ربما كنت على حق، لأنني كنت أجهد نفسي بما لا يتلاءم مع راتبي، لكنني اكتشفت وفيما بعد أنها على حق، كلانا كانا على حق!!

    شعرت بالخيبة من قوتي التي خانتني، لقد عاودتني الغيبوبة فخرجت من دون أن تسمع مني ولا أي كلمة!

    تُرانا لم نشفّ من عقدة النقص؟
    قلت بشيء من الوجع:
    - ماذا أحضرت معها؟
    أعترف أنني فوراً وضعت المبلغ داخل صدري تحت قميصي الداخلي، وكانت تعاودني الذكرى، حمامات الأطفال، سلالم الدرج، الممرات، فناجين القهوة التي لاتهدأ ولا تستريح، الغاز الذي ينفد ويثير لديها الشكوك والسؤال المربد!!
    أكتشف ذلك الوجع الموغل في عظام جسمي الذي تهالك مع آلام بطني حين تئن في داخلي حمى أمراضي، فأعود لأدخل في غيبوبة تتكرر كل يوم عدة مرات.

    هنا رأيت عظمة الأشياء، إرادتي التي تمت مع أمراضي ظلت قوية تبثني نسغ الحياة وتزودني بطاقة تغادرني فجأة وتعود إليّ فجأة!
    وتنهدت تسبقني ابتسامة مريضة وأنا ابتلع غبطتي الغامرة بشيء من المواربة والحنكة، وبحسرة يلوكها ألمي المستعصي شفاؤه قلت : - هل تسخرين مني؟
    أجابت كما عهدت فيها هذه الثقة الأفلاطونية:
    - فقط وافقي أنت والباقي علي!!

    كانت حالة استثنائية لهذا أحببتها، وبدمعة مكابرة في عينيها احتضنت رأسي وقبلته ثم قالت: - جهزي نفسك.

    عين واحدة استطاعت أن تجعل الدمع يهمي منها، فالأخرى كانت بيضاء لا حركة فيها ولا رؤيا، دمعة موجزة وقفت على خدي قبل أن تنحدر نحو الأسفل وصرخت بصوت عال: - حسين لقد قررت أن ...؟!
    - ماذا تقولين؟
    وتركت حسين وزوجه بحالة دهشة وأسرعت أستخف ما أقدر على حمله من حوائج وأشياء صغيرة تنفعني في سفري هذا.

    سمعت من شق الباب ابني حسين يقول لزوجته بصوت مهموس:
    - هل جنت أمي؟ يبدو أنها فقدت عقلها!!
    استصغرت حديثه عني بهذه الوصمة الخالية من الصحة، لقد نسي جنونه يوم خطبت له وماذا فعلت بنا أم العروس وهي تتشرط وتتبرم وتتطلب وأنا أحار من أين أؤمن لها كل هذا .
    وتفجرت في داخلي حسرات ومواويل وجع فكل هذا الشقاء من حقي أنا وحدي أم حسين، البنات بيتهن شاغر، ويدهن قصيرة لاحول لهن ولا قوة، وقد ملأني عجز حسين برجله اليمين حزناً على حزن ودمعاً على دمعٍ.
    لقد همدت حرارتي التلقائية نحوه واستقرت عليك أنتِ أيتها الحلم الاستثنائي لموجة من فرح أهدتني إياها سيدة التواضع أمل.

    كنت أتمهل ملك الموت وأرجوه أن لا يقترب مني حتى أحقق حلمي، بعدئذٍ سأمنحه الروح والقلب ليصافح جسدي طين الأرض، قالوا: الجبال لا تلتقي، البشر هم الذين يلتقون، واهتزت أوتار فؤادي شدواً وطرباً حين التقيت ببعض صديقاتي ممن شاركنني هموم الخدمة في مدارس بلدتنا، واتفقنا.
    أمل تبحث عني، تذيع اسمي من خلال مكبرات الصوت، لقد خنت المرأة! بعيني الوحيدة كنت أراها تتلفت عن يمناها ويسراها وقد أربكها اختفائي فجأة، انتهت مدة العمرة وعادت سيدة التواضع تجر خيبتها ومرارها على فقداني وقد كسا وجهها حزن أصفر، وراحت الأيام تجري مسرعة ونحن نتحنط بالصبر داخل غرفة صغيرة استأجرناها من امرأة مصرية مات زوجها وتركها وحيدة تعيش على ما تحصل عليه من أجور لهذه الغرفة حتى جاء موعد الحج، كانت مناسك الحج أجمل بكثير من مناسك العمرة، أخيراً أصبح اسمي الحاجة أم حسين بدل "الحجة" أم حسين.
    الذي أريد أن أعرفه الآن : هل ما فعلته يعتبر ذنباً ؟

    نظر الكاتب في وجهي بعد أن أطفأ آخر سيكارة وقال وهو يبتسم : لقد كتبت كل قصتك بحروف روحك وهذه نسخة قدميها لأمل حتى تعرف أنك ما تزالين على قيد الحياة!!!

    9/ 1/ 2007-04-12الساعة

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.59

    افتراضي

    سها..
    ايتها المتعمقة في اتون الوجع كما نحن..كانني اعرف هذا النوع من الوجع...لاتستغربي..الوجع والالم اصناف..فهناك من الالم والوجع ما يصيح منه الالم والوجع كفاك الما ووجعا بي..وها انت تصلين بوجعك الى هذه المرتبة..وانها لمرتبة رفيعة قلما يصل اليه..ولايعرفه الا من وصل...لقد لامست في النص هذه الصورة المتأنية للحياة الرتية التي باتت تقض على من يعيشها بهذه الصورة مضجعه..الحياة ارتابة ذاتها منذ ان كانت وتظل الى ان تنتهي..ولقد استطعت بمقدرتك السردية وخلفيتك الوجعية ان ترسمي لنا لوحة اجتماعية من واقع مؤلم حي ومباشر..وما اكثر من نراهن يمثلن الحجة ام حسين..بكل معاناتها..بل..بعضهن وصلن لحالة مزرية..حيث اصبحن يبحن اجسادهن من اجل اعالة اطفالهن...ولقلما وجدن من يبعث الامل في صدورهن..ومن يمدون ايدهم او يمدون ايديهن اليهن..وحتى وان وجدن من يفعلن فانهن يفعلن من اجل مصلحة لا من ايمان بالانسانية.
    سها.....اغفري لي...ليس بمقدوري الكتابة اكثر...فالوجع..يملئ مني العقل قبل القلب.
    محبتي لك
    جوتيار

  3. #3
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : لا حاجة
    المشاركات : 305
    المواضيع : 52
    الردود : 305
    المعدل اليومي : 0.05

    افتراضي

    جوتيار لأنك إنسان تلمس الوجع، لأنك من أعتز به تُدرك بعين البصيرة مواجيد السطور، هل هناك ما يستحق أن نكتب عنه غير هذا الوجع الصادق وهذا الألم الإنساني، إن كنت تعرف أنه يوجد غيرهما أخبرني لأعقد معك اتفاقاً حول تحويل هذا إلى حلم وأمل وابتسامات .....
    محبتي لك صافية
    تقديري

  4. #4
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 185
    المواضيع : 20
    الردود : 185
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    حروف تتألق بين البوح و الفكرة المتناهية
    قصة سردية تحمل الألم في طياتها
    و لا أجد ما أضيفه على المفكر جوتيار
    خالص المودة و التقدير
    عبد الرحمن حسن

  5. #5
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : لا حاجة
    المشاركات : 305
    المواضيع : 52
    الردود : 305
    المعدل اليومي : 0.05

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحمن حسن مشاهدة المشاركة
    حروف تتألق بين البوح و الفكرة المتناهية
    قصة سردية تحمل الألم في طياتها
    و لا أجد ما أضيفه على المفكر جوتيار
    خالص المودة و التقدير
    عبد الرحمن حسن
    أخي القدير عبد الرحمن
    لايوجد أرقى وأنزه من الألم رغم أنه ألم، أتدري لماذا؟ لأنه لايغشك ولا يكذب عليك، يؤلمك فتشعر به وتحس بوجوده، أنا أفضل الألم على غدر الإنسان لأخيه الإنسان.
    دمت بخير مع صافي محبتي وتقديري

  6. #6
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.59

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سها جلال جودت مشاهدة المشاركة
    جوتيار لأنك إنسان تلمس الوجع، لأنك من أعتز به تُدرك بعين البصيرة مواجيد السطور، هل هناك ما يستحق أن نكتب عنه غير هذا الوجع الصادق وهذا الألم الإنساني، إن كنت تعرف أنه يوجد غيرهما أخبرني لأعقد معك اتفاقاً حول تحويل هذا إلى حلم وأمل وابتسامات .....
    محبتي لك صافية
    تقديري


    العزيزة سها....

    الوجع...الالم...توأما ذاتي...والانسان لايصدق الا اذا اصدق في ذاته..
    فكيف لي ان اصدق بدون الالم والوجع...
    لا...سها...ابقى هناك ابدا حيث الالم والوجع..
    واعقد اتفاقي معك..بين ثناياهما...لانهما انا...وانا لااكون الا انا...حتى وانا طلبت انا..غير انا..

    تعلمين مقدار محبتي لك
    جوتيار

  7. #7
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : لا حاجة
    المشاركات : 305
    المواضيع : 52
    الردود : 305
    المعدل اليومي : 0.05

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
    العزيزة سها....
    الوجع...الالم...توأما ذاتي...والانسان لايصدق الا اذا اصدق في ذاته..
    فكيف لي ان اصدق بدون الالم والوجع...
    لا...سها...ابقى هناك ابدا حيث الالم والوجع..
    واعقد اتفاقي معك..بين ثناياهما...لانهما انا...وانا لااكون الا انا...حتى وانا طلبت انا..غير انا..
    تعلمين مقدار محبتي لك
    جوتيار
    جوتيار الرائع دائماً بحزنه
    بلا حزن لن أوافقك أبداً
    دمت بخير مع صافي محبتي وتقديري

المواضيع المتشابهه

  1. فائضة عن الحاجة
    بواسطة عصام إبراهيم فقيري في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 01-10-2019, 05:55 AM
  2. من آداب قضاء الحاجة
    بواسطة مصطفى امين سلامه في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 16-06-2012, 09:46 PM
  3. زمانيَ أشكو أمِ النائباتْ..؟! // أمِ النفسُ أشكو.. فقد أسرَفَتْ
    بواسطة زياد بن خالد الناهض في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 30-09-2011, 12:13 AM
  4. الهام احمد سعد " فى أشد الحاجة لكم "
    بواسطة علاء عيسى في المنتدى الروَاقُ
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 02-08-2008, 07:19 AM
  5. الميراث... بين الحُجّة و الحاجة !
    بواسطة سيد أحمد قرشاوي في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-08-2007, 01:20 PM