أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 16

الموضوع: فاتـورة حسـاب

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي فاتـورة حسـاب

    فاتـــورة حســـاب
    أسبح بعمق نفسي الحائرة ، أبحث عن أشياء تائهة بطلاسم عقلي ، أقذف كتلي على مقعدي المفضل بزاوية المكتب المهموم ، أترك نفسي لنفسي تتداخل معها ، تعلو طبقات الحيرة داخلي ،يسترق جلد المقعد حرارتي بقيعانه المنتشرة ، يعود يضخها نحوي ؛ يزداد نزيفها تحت جلدي ، أنهي مجلسي إلى حجرة نومي ، ألامس جسدي بسريري المتلاحم مع تكويني ، الصوت يحوم حولي كروح تدور بين أنفاسي ، أسحب أنفاساً أخرى من أرصدة رئتي ، أعانق عظامي بلحمي المحفوظ بملح العرق ،يلح الصوت بذاكرتي ، يهتك بكارة تفكيري الليلية ، أنظر كوخ الهاتف المرصع بالأصواف ، وعيدان البوص المتشابكة ، أنهر وجوده ... أعود إلى رغبة زوجتي بطرده من منزلنا ، محو أرقامه السداسية من عقول كل من يحفظها ، شججت أستار نظراتي ، تقوقعت بها بعيداً عنه ، خشيت أن يلمحني أطالع وجهه البلاستيكي ؛ فيعود يحدثني بنفس الصوت المهيب :
    - غداً بالعاشرة صباحاً.. ينتظرك النائب العام .
    سحبت نفسي من بين مخالبه الحادة ، خرجت إلى ساحة عمري ، أدشن أركان حياتي المتناثرة على طاولة الطعام ، أعُد مقاعدها ، سقط مقعدان من تحت طائلة العد ، استبدلت أنفاسي بأنفاس أخرى طازجة ، عدت للغة الأرقام ، أدور بها بين المقاعد الخانعة ، سالت بقاياها على جوانب فمي الموصود ، جردت صندوق المحارم من منديله الأخير ، جفف به الأرقام السائلة على فمي ، أطوف حول لحدي ، أتمركز فوق نواة خلقي ، أسير بأشرطة الأحداث فوق اتجهاتي الأربعة :
    - ماذا يريد ؟!
    آآآه منك أيها المزعج ، أعض على ما تبقى لي من أنامل ، عصائر قلبي تفور بصدري ، رائحة ملابسي تتمدد نحو أنفي ،مسحت الجدار بنظراتي ، أغلقت عقارب الساعات المظلمة أبواب المحلات ، تراجعت بخطواتي خلف أشيائي ، تركت طاولة الطعام تتسامر و مقاعدها الكثيرة ، على رؤوس أصابعي دلفت غرفة نومي ، صديقي الثقيل ، نائم بكوخه على وسائد الأسلاك ، فتحت محلات خزانة ملابسي ، أتخير بين بزاتي القديمة المنشورة ، كانت تريحني دائماً من أوجاع الإختيار ، أتنهد ... أستوي مع ذاتي ، أشعر بالراحة بعد الدعاء – فليرحمها الله – اندرج صوت يعصف بأوبار البزات ، بأن أختار ذات اللون الأسود ، أمسكت بها ، حررت قيدها ، ضممتها نحوى ، الإختيار ليس لزوجتي ، الصوت ليس لزوجتي ، مسحت بكفي على جسد القماش الأسود ، امتزجت جميع الألون بلون وجهي الشاحب ، تلاعبت الأرقام بمقاعد سنيني ، اهتز الهاتف بالصمت ، نصب نفسه مليكاً على نفسي التائهة :
    - ماذا يريد ؟!
    التفت شراييني بخلايا قلبي المنهك ، تعلقت بنسيج بزتي السوداء ، ارتفعت الأصوات من حولى ، الهتافات حملتني على أعناقها ، استقرت بي على كرسي المنصب الكبير ، علت الأصوات أكثر فأكثر ، أبدلت من لوحات مكتبي الرخامية ، اللوحة تلو اللوحة ، فناجين قهوتي اليومية غيرت من لون شعري ، تسابقت مع اللوحات ، أخيراً كان الفوز للوحة الإستقالة ، تصدعت قدماي من تحتي ، بحثت عن أقرب مقعد ، مقاعد الطاولة لا تهمد ، زحفت أمامي بالخارج ، انصاع مقعد لجلوسي ، وآخر حمل مني البزة السوداء ، لفع بها عنقه ، أدلى لى وجهي بحقيقته المنعكسة على الزجاج ، حدقت ملامحي القديمة ، تحاول أصابعى نفض الغبار عنها ، زمجر الزجاج من تحتها، ارتبكت أوصالي ، ازحت وجهي بعيداً عني ، لمع صوت أخر من جيب الحلة العلوى ، اقتربت ... أملت جزعي نحوه ، جذبته من رأسه ، ياااااه ، إنه قلم توقيعي الذهبي ،خط حروف استقالتي ، وكان اللقاء الأخير، شهق بعودة روحه ، إعتصرته أصابعي ، لم تقو كثيراً على حمله ، ألقيته على ملامحي القديمة المطبوعة على الزجاج ، اعتمد وجهي بتوقيعي الذي اعتاد عليه ، طوى الصفحة على أيامي الماضية ، تدور المقاعد حولي ، تصفق ، تلفني بحياة الزعيم ، أنظر وجهي الملطخ ، قلمي اللامع ، بزتي السوداء ، ينتشي الصوت بأحياء منزلي:
    - ماذا يريد ؟!
    أبحث عن شىء غائب عني ، بين أشيائي ، فوق حلمى ، خلف قراراتي ، بأعماق خزائني الفارغة ، كان حذائي... يتصفح أوراقي الماضية ، اعتذرت للمقعد ، حملت نفسي ، عبرت صالة عمري ، مررت بحجرة نومي ، بحجرة ابني ، بأمنياتي العالقة بباب المنزل ، توقفت خلفه ، فتحت صندوق أوراق المناصب القديمة ، والأحذية ، جذبت حذائي من بين الأتربة ، وصوت الفئران المريضة ، حملته مع جسدي ، عدت من حيث أتيت ، أذن لي المقعد بالجلوس ، وضعته فوق قلمي اللامع ، فوق ملامحي الملطخة ... التقطت واحداً من أكمام البذة ... نظفت وجه حذائي ، بلون الماضي رأيت من حولي، بالشارع المتلألىء بالأضواء ، السيارات ، الموسيقى ، رائحة نجوم الفنادق ، كانت تجلس على الرصيف لا أعلم ماذا تنتظر ، كنت أجلس خلف نافذة المطعم الفاخر أنتظر الطعام ، أحسدها ... تمنيت أن أنفض عني الحراس ، الألقاب ،أعين الناس المتدنية ، أهبط أجلس معها ... تراجعت بشغفي ... لماذا تجلس هنا ؟! ... جاءت تتنسم من هواء النيل ، ألا تخاف ذئاب الطريق ؟ أتجازف بنفسها من أجل رشفة هواء ؟ ، ألاح إليها رجل من الجانب الآخر ، ألاحت رائحة الطعام لمعدتي الجائعة ، أقترب منها ، اقترب ... اقترب مني النادل بالطعام ، توقف أمامها ... توقف أمامي ... حط بقدمه على صندوق صغير قرب وجهها ... حط بالطعام الشهي على طاولتي ... أمسكت بفرشاتها ... أمسكت بشوكتي ... مسحت واجهة حذائه ... مسحت أطباق الطعام من حولي ... شعرت بالشبع ... جهلت شعورها بالجوع .. أخرج لها ورقة مالية من جيبه .... ألاح لي سكان الطاولة المجاورة .. بابتسامة ... بفاتورة حسابي ...
    محمد سامي البوهي

  2. #2
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Dec 2005
    المشاركات : 365
    المواضيع : 19
    الردود : 365
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي

    اخى / محمد

    جميل ما قرات هنا

    اسلوب بديع

    وسرد مشوق

    منذ البداية وحتى فاتورة الحساب

    خالص الشكر والود

  3. #3
    أديبة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    المشاركات : 951
    المواضيع : 57
    الردود : 951
    المعدل اليومي : 0.17

    افتراضي

    اخي العزيز سامي
    لقد رحلت بي الى عالم نجيب محفوظ .....غصت في أعماقك الحائرة المتألمة لذكريات
    رجل المناصب.....شكرا لك على هذا الحبك القصصي والكلمات التي تدل على قدرتك الأدبية
    دمت مبدع
    لك ودي
    [SIGPIC][/SIGPIC]

  4. #4
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    الدولة : في عقل العالم ، في قلب الحكايات
    المشاركات : 1,025
    المواضيع : 36
    الردود : 1025
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    قصة : فاتورة حساب
    للأديب القاص / محمد سامي البوهي
    ربما أكون قد تأخرت في عرض هذه القراءة وكان ذلك ناتجًا عن القراءة المتأنية لهذا العمل الإبداعي فائق المستوى .
    نحن أمام قصة استطاع كاتبها أن يستثمر كل قدراته في الإبداع البنائي للقصة مستخدمًا عبارات تحمل صورًا غير مهتوكة ، وتلون رائع البريق .
    عنوان القصة . فاتورة حساب
    لقد كان القاتب بارعًا في التعامل مع هذا الاسم من بداية القصة وحتى الغلق النهائي وذلك على النحو التالي :
    ـ فاتورة حساب مع النفس .
    ـ فاتورة حساب أمام المدعي الاشتراكي .
    ـ فاتورة حساب ماسحة الأحذية .
    ـ فاتورة حساب المطعم .
    هنا أصفق للكاتب على براعته في التعامل مع هذه المراحل التي أجاد استعراضها من خلال شخصية الموظف الكبير وعالميه ( الداخلي والخارجي )
    كنت في البداية أعتقد أن الكاتب بدأ باسترجاع زمني ، إلا أن الحقيقة هي أنه دخل مباشرة إلى عالم الموظف الكبير الذي بدأ يستحضر تاريخه في استعداد لمواجهة المدعي العام وقد أظهر لنا الكاتب أن هذا الموظف لم يكن نظيف التاريخ من خلال : القلم الذهبي .. وجهه الملطخ .. الفئران المريضة ..مساحة منزله ، وما ترتب على ترك المنصب من عدم وجود ما هو جديد من الثياب .
    استطاع الكاتب ، من خلال سرده وتعقيباته أن ينقلنا عبر عدة مراحل في حياة هذا الموظف إلى الواقع المعاش وسيطرة المناصب على أصحابها وسيطرة أصحاب الوظائف الكبرى على المقدرات في نفس الوقت الذي لا يشعرون فيه بمعاناة الناس من تحتهم لذلك جاء غلق القصة وكأنه قصة قصيرة مستقلة بذاتها حين استرجع الموظف الكبير موقفه من ماسحة الأحذية وعدم اكتراثه بها ورؤيتها من خلال منظوره هو لا من خلال الواقع . هنا استطاع الكاتب أن يحدث لنا مناظرة جميلة بين حال أهل القمة وأهل الدنيا من خلال التناقضات التي أجاد استخدامها في موقف واحد ثم يغلق بفاتورة الحساب التي دفعت من الطاولة المجارة في بيان حالة التملق والنفاق الاجتماعي والرشوة المقنعة ، وقد تبين ذلك من خلال عدم اللماح لأي علاقة بين الموظف الكبير ومن دفعوا الحساب ، وهنا يأتي الكاتب بتعبير جميل ( سكان الطاولة المجاورة ) ففيه من الإسقاطات والتداعيات الكثير .
    وعلى الرغم من هذه الروعة والألق في هذا العمل إلا أنني كنت أتمنى أن يستخدم الكاتب براعته المعهودة في إدخالنا إلى النص دون حيرة بين كون الموظف الكبير سيء السمعة أم ماذا وأن يمسك جيدًا بخيوط المسرحين الزماني والمكاني مستخدمًا ما يوحي بأن الدخول كان من خلال الواقع لا الاسترجاع ، هذا الاسترجاع الذي حدث عدة مرات لعدة مواقف بدا الكاتب حائرًا في إثبات الجو العام للقصة ، كما كنت أتمنى أن يستخدم أحد الروابط لإيجاد خط رابط بين الحدث في المطعم وباقي القصة ليزيل اللبس ويجعل هذا الحدث مرتبطًا برباط وثيق بها خصوصًا وأنها استرجاع .
    وبالإجمال .
    فاتورة حساب : عمل رائع تناول من خلاله القاص : محمد سامي البوهي عدة قضايا اجتماعية وسياسية بطريقة التعرية لبيان معاناة المواطن أمام أصحاب القمة ومبينًا معاناة من باعوا ضمائرهم وكأنهم بالون يرتفع بالهواء في الهواء فإذا خر انتظره السكين الذي كان قد تحصن ضد نصله ، ولا تعتبر أمنياتي إلا إلماح لرغبتي أن تأتي الأعمال على قدر مستواي كقارئ من العوام .
    أديبنا البوهي .
    تقبل احترامي وتقديري
    مأمون المغازي

  5. #5
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.59

    افتراضي

    البوهي..الرائع...

    ادخلتني عالم العبث...لامست في البدء صورا غريبة..كتلك التي تتقاذف على الذهن من مدن العبث والغثيان وضياع في سوهو..وغيرها..حتى لاحت لي هذه الكلمات في الافق فسطرتها دون ان اجد لنفسي مبررا فعذرا...!!
    يتفق ان يتهاوى حولنا ديكور حياتنا اليومية في حطام،اللباس،الترام، اربع ساعات في المكتب او المصنع،وجبة اكل،الترام،اربع ساعات من العمل، الاثنين،الثلاثاء،الاربعاء ،الخميس،المعة،السبت،كلها في نفس الايقاع ،والطريق يسهل السير فيه معظم الوقت، ولكن كلمة لماذا تظهر ذات يوم واذا كل شيء يبدو متعبا ملونا بالدهشة، كل شيء...لقد احسن انتقاء اللفظتين،اذا لم نغص في ارتابة ونغرق في السبات ثانية،فاننا نبدأ بالنظر الى حولنا بأعين جديدة ونشرع في مغامرة ملأى بالمخاطر،في مجابهة لهذا المقلق من الحياة،العبث،ويداهمنا حس بمرور الزمن نحن نعيش في المستقبل غدا.فيما بعد..وعندما تتوظف، عندما تكبر ستفهم، هذا اللاتلاحق رائع،لان المسالة في الواقع مسالة احتضار ان تمردنا على انقضاء حياتنا هذا وجه اخر من اوجه العبث.
    عذرا ان حلقت بعيدا
    محبتي لك
    جوتيار

  6. #6
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حاتم خفاجى مشاهدة المشاركة
    اخى / محمد
    جميل ما قرات هنا
    اسلوب بديع
    وسرد مشوق
    منذ البداية وحتى فاتورة الحساب
    خالص الشكر والود
    السلام عليكم

    أخي العزيز / حاتم

    أشكرك على هذا الثناء الذي ينم عن نفس ودودة

    محمد

  7. #7
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    الأخت الكريمة / ضحى

    أين أنا ونجيب محفوظ ، إنما هي ثرثرة ننفضها بأطراف أناملنا

    دمت مبدعة

  8. #8
    الصورة الرمزية ابن الدين علي قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Sep 2006
    الدولة : الجزائر
    المشاركات : 520
    المواضيع : 98
    الردود : 520
    المعدل اليومي : 0.09

    افتراضي

    لم يترك المتدخلون الدين سبقوني ما أضيفه . لك مني التحية أيها الأديب الواعد

  9. #9
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي الأديب القاص الناقد / مأمون
    بداية دعني أصفق لك أنت .....
    أعجبني جداً هذا التفنيد
    ـ فاتورة حساب مع النفس .
    ـ فاتورة حساب أمام المدعي الاشتراكي .
    ـ فاتورة حساب ماسحة الأحذية .
    ـ فاتورة حساب المطعم
    وهذا التفنيد والتحليل يا سيدى أليس رباطاً محكماً يربط زمن القص بالحدث ؟، حتى لو أنني قد استخدمت عامل من عوامل الترتيب الزمني وهو الاسترجاع ، الإسترجاع كان داخلياً ، وذلك للتناسب مع حالة البطل ، وتوتره، وقد ختمت القصة في زمن الإسترجاع النهائي ، وذلك لأنني لو عدت للواقع وانهيت قصتي ، لفرض علي أحداث أخرى تستدعي لقائه وحسابه من قبل النائب العام ، لكني قصدت أن أنهي القصة دون هذا اللقاء المرتقب ، لأن الهدف الاساسي هو حالة حساب النفس للنفس ، لا الغير للنفس ، أما عن التردد في تحديد كون الشخصية ، نظيفة أم مجرمة ، فهذا أيضا قصدته للتناسب مع المعادل الموضوعي للصراع النفسي ، لأن الحساب هو حالة من ( خذ ، وهات ) وإلا لو علم من اول وهلة أنه إنسان نظيف لما حاسب نفسه أو العكس ، لكن حالة التردد هذه جاءت للتناسب مع الحالة النفسية ، التي لم أجد غير قالب ( قصة تيار الوعي ) للتعبير عنها ، إلى الغرق مع البطل ، ونقل صراعاته الداخلية كأنه أنا ، وأنا من مررت بهذه الأحداث ، لذلك دارت القصة على لساني ....
    أما عن عامل الربط بين القصة ككل ، وجزء الاسترجاع الاخير فهو موجود بالفعل ويكمن في هذا التحول

    (التقطت واحداً من أكمام البزة ... نظفت وجه حذائي ، بلون الماضي رأيت من حولي، بالشارع المتلألىء بالأضواء ) ، لكني لم استغرق في توضيح التحول لعمل حالة من الاستواء النفسي مع البطل .
    أخي الرائع مأمون
    لافض قلمك
    محمد

  10. #10
    الصورة الرمزية د. محمد حسن السمان شاعر وناقد
    تاريخ التسجيل : Aug 2005
    المشاركات : 4,317
    المواضيع : 59
    الردود : 4317
    المعدل اليومي : 0.72

    افتراضي

    سلام الـلـه عليكم

    هكذا قرأت قصة " فاتورة حساب "
    للأديب محمد سامي البوهي
    بقلم د. محمد حسن السمان

    لقد سمعت الأخوة يتهامسون , وهم يروني اقرأ هذه القصة , كل يوم , ثم اتركها لأعود اليها , حتى أن أحد الأدباء قل لي , في احدى الجلسات الأدبية : لقد رأيتك تغوص في هذه القصة , لمدة فاقت ساعتين من الزمن , ولم أرك تنبث ببنت شفة , ثم نصحني آخر بأن لااكتب حول القصة , مشيرا الى أن القصة استحوذت علي , وبالتالي لن استطيع رؤيتها بشكل صحيح .
    والحقيقة , أنني عندما قرأت عنوان القصة , لم أقف عند هذا العنوان طويلا , لكنني بعد أن ولجت في النص , وجدتني أحسّ وكأن العنوان يعود أمامي , ليرسم خلف الابعاد المرئية , مجموعة من الأحرف , اقرأها في اللاوعي : " فاتورة حساب " , نعم مراجعة للذات , حتى أنه في لحظات معينة , كنت احس بضرورة التخلص من تأثيرالعنوان , لكي اكون حرّا في قراءتي للقصة , دون تأثير .
    ومنذ الوهلة الاولى , وجدتني أمام عمل فني ابداعي , وفي الجملة الاولى , وجدتني امام اشارة ذكية , تقود ملامح المسار , ممهدة الطريق بعناية , لحالة من التداعيات :
    "أسبح بعمق نفسي الحائرة ، أبحث عن أشياء تائهة بطلاسم عقلي "
    وفي صورة غنية الحيوية , نرى أن الكاتب قد ألمح الى شكل بطل القصة , في أكثر من مدلول , عندما يقذف كتله , على مقعده المفضل , والذي جعله يحس معه بالهموم , فربما اراد الكاتب أن يصور بطل القصة , مترهلا مكونا من كتل لحمية , كناية عن الغنى المادي والشبع , او ربما اراد فقط تصوير شكل الشخصية , وفي كلا الحالتين , نجح الكاتب في رسم الشخصية , في كلمتين اثنتين :
    "أقذف كتلي على مقعدي المفضل بزاوية المكتب المهموم "
    ثم تبدأ حالة التداعيات باستخدام جمل قصيرة , تمثّل صورا حيّة عالية التركيز , يكاد كل منها , أن يمثّل لوحة فنية , خارقة التأثير , فابتداء من صورة التداخل النفسي :
    " أترك نفسي لنفسي تتداخل معها "
    "،يسترق جلد المقعد حرارتي بقيعانه المنتشرة ، يعود يضخها نحوي ؛ يزداد نزيفها تحت جلدي "
    نلاحظ كيف أن الكاتب , رسم لنا صورا مبتكرة , اجبرتنا على اعمال التفكير والتخيّل , فكأننا نرى المقعد , وقد وقع عليه الجسم الممتلئ , الذي غالبا ما ينشر مزيدا من الحرارة , على المقعد , الذي صوّره لنا الكاتب , بأنه مقعد وثير , لوجود القيعان , ثم رسم لنا صورة التداخل الحراري , بين الجسم والمقعد ببراعة آسرة , ثم يأتينا الكاتب بصورة اخرى , غاية في البراعة , وهو يصوّر الجسد , وهو يرتمي على السرير , الذي صوّره لنا الكاتب , وهو يأخذ شكل الجسم ملتفا حوله , بما عبّر عنه من تلاحم مع تكوين الجسم .
    "ألامس جسدي بسريري المتلاحم مع تكويني "
    ثم يتالق الكاتب بتقديم صورة أكثر ابداعية , عندما يصوّر لنا سحب النفس , يتم من أرصدة الأنفاس ,
    "أسحب أنفاساً أخرى من أرصدة رئتي "
    والصورة الأكثر ابداعا , كيف رأى الكاتب العظام تعانق لحم الجسم المتعرق , مشبها ايّاه باللحم المحفوظ , بملح العرق .
    " أعانق عظامي بلحمي المحفوظ بملح العرق "
    ويسترسل الكاتب بتقديم الصور الابداعية الحيّة , والتي أكاد أجزم بأنه من الأدباء القلائل الذين يقدرون على الاتيان بمثلها , ثم ينقلنا الكاتب بحرفية , الى اشكالية تمثّل احد مفاتيح القصة , وهو الهاتف الهام جدا , عند اصحاب الشأن , مستخدما نفس المستوى من التفوق , في العبارات التصويرية الحيّة :
    "أنظر كوخ الهاتف المرصع بالأصواف ، وعيدان البوص المتشابكة ، أنهر وجوده ... أعود إلى رغبة زوجتي بطرده من منزلنا ، محو أرقامه السداسية من عقول كل من يحفظها ، شججت أستار نظراتي ، تقوقعت بها بعيداً عنه ، خشيت أن يلمحني أطالع وجهه البلاستيكي ؛ فيعود يحدثني بنفس الصوت المهيب :"
    ثم ينبجس التوظيف الماهر , بشكل صارخ , باستخدام الهاتف كمفتاح , وفق تكثيف راق جدا :
    "غداً بالعاشرة صباحاً.. ينتظرك النائب العام "
    ويتابع الكاتب تداعيات الحالة , باسلوبه المكثّف المبدع , باستخدام صوره الحيّة البارعة , توقفت طويلا عند البعض منها , للابداعية الخارقة فيها , عندما يعود الى الهاتف وارقامه , التي يصورها قد سالت على بقايا الفم الموصد , ثم تأتي صورة رائعة , عندما يتكلم عن استخدام المحارم الورقية , ليجفف الأرقام السائلة على الفم , إنه شكل غير مسبوق فعلا :
    "عدت للغة الأرقام ، أدور بها بين المقاعد الخانعة ، سالت بقاياها على جوانب فمي الموصود ، جردت صندوق المحارم من منديله الأخير ، جفف به الأرقام السائلة على فمي "
    ثم ينساب الكاتب بنا مع تداعياته , بنقلة خالية من الاطراف الحادة , في باقة من الصور السينمائية قوية التاثير , ليذكر المفتاح الهام وهو الهاتف , ولكن بشكل خاطف , ثم مشيرا بشكل مكثّف الى وفاة الزوجة , مستخدما خفقات انسانية موفقة , وهو في طريقه لاختيار البذة الملائمة , ثم يعود الكاتب مستحضرا المفتاح الهام ( الهاتف ) :
    أغلقت عقارب الساعات المظلمة أبواب المحلات ، تراجعت بخطواتي خلف أشيائي ، تركت طاولة الطعام تتسامر و مقاعدها الكثيرة ، على رؤوس أصابعي دلفت غرفة نومي ، صديقي الثقيل ، نائم بكوخه على وسائد الأسلاك ، فتحت محلات خزانة ملابسي ، أتخير بين بذاتي القديمة المنشورة ، كانت تريحني دائماً من أوجاع الإختيار ، أتنهد ... أستوي مع ذاتي ، أشعر بالراحة بعد الدعاء – فليرحمها الله – اندرج صوت يعصف بأوبار البذات ، بأن أختار ذات اللون الأسود ، أمسكت بها ، حررت قيدها ، ضممتها نحوى ، الإختيار ليس لزوجتي ، الصوت ليس لزوجتي ، مسحت بكفي على جسد القماش الأسود ، امتزجت جميع الألون بلون وجهي الشاحب ، تلاعبت الأرقام بمقاعد سنيني ، اهتز الهاتف بالصمت ، نصب نفسه مليكاً على نفسي التائهة :
    - ماذا يريد ؟!"
    ثم يوصلنا الكاتب لما يريد , من خلال التداعي , بنفس الاسلوب الابداعي المتميّز , معبّرا عن المشاعر بشكل غريب , ليشير الى مرحلة استلام الشخصية المحورية للمنصب الرفيع :
    "التفت شراييني بخلايا قلبي المنهك ، تعلقت بنسيج بذتي السوداء ، ارتفعت الأصوات من حولى ، الهتافات حملتني على أعناقها ، استقرت بي على كرسي المنصب الكبير ، علت الأصوات أكثر فأكثر ،"
    ثم وبطريقة مذهلة , نرى الكاتب يشير الى التدرج بالمناصب :
    " أبدلت من لوحات مكتبي الرخامية ، اللوحة تلو اللوحة ، فناجين قهوتي اليومية غيرت من لون شعري ، تسابقت مع اللوحات "
    ثم يعبّر عن انتهاء المشوار , بلوحة فنية خارقة , عندما يتوّج اللوحات بلوحة الاستقالة :
    " أخيراً كان الفوز للوحة الإستقالة "
    ثم يصوّر الكاتب الحالة النفسية للشخصية المحورية عند حدوث الاستقالة , مركزّا على ثلاثة رموز هامة , وان كانت تتفاوت في درجة قوتها : البذة السوداء التي تبرز الشكل الخارجي للشخصية الهامة , وزجاج المكتب الزجاجي , الذي يعكس صورة الشخصية الهامة , وراء المكتب , ثم القلم الذهبي رمز القوة واتخاذ القرار :
    "تصدعت قدماي من تحتي ، بحثت عن أقرب مقعد ، مقاعد الطاولة لا تهمد ، زحفت أمامي بالخارج ، انصاع مقعد لجلوسي ، وآخر حمل مني البذة السوداء ، لفع بها عنقه ، أدلى لى وجهي بحقيقته المنعكسة على الزجاج ، حدقت ملامحي القديمة ، تحاول أصابعى نفض الغبار عنها ، زمجر الزجاج من تحتها، ارتبكت أوصالي ، ازحت وجهي بعيداً عني ، لمع صوت أخر من جيب الحلة العلوى ، اقتربت ... أملت جزعي نحوه ، جذبته من رأسه ، ياااااه ، إنه قلم توقيعي الذهبي ،خط حروف استقالتي ، وكان اللقاء الأخير، شهق بعودة روحه ، إعتصرته أصابعي ، لم تقو كثيراً على حمله ، ألقيته على ملامحي القديمة المطبوعة على الزجاج ، اعتمد وجهي بتوقيعي الذي اعتاد عليه ، طوى الصفحة على أيامي الماضية "
    ثم يعود الكاتب الى استحضار المفتاح الهام ( الهاتف ) مرة اخرى , وكأنه هذه المرة يطلبه للعودة , من حيث أتى , بعد أن تتابع الاحداث والتاريخ , في اشارة الى دورة الحياة , انما بنفس الاسلوب الابداعي , في تقديم الصور الحيّة المميّزة :
    "أبحث عن شىء غائب عني ، بين أشيائي ، فوق حلمى ، خلف قراراتي ، بأعماق خزائني الفارغة ، كان حذائي... يتصفح أوراقي الماضية ، اعتذرت للمقعد ، حملت نفسي ، عبرت صالة عمري ، مررت بحجرة نومي ، بحجرة ابني ، بأمنياتي العالقة بباب المنزل ، توقفت خلفه ، فتحت صندوق أوراق المناصب القديمة ، والأحذية ، جذبت حذائي من بين الأتربة ، وصوت الفئران المريضة ، حملته مع جسدي ، عدت من حيث أتيت "
    ثم يبدع الكاتب , في عودة الشخصية المحورية , في سياق دورة الحياة , ليكون بين العامة , يعيشهم ويحس احاسيسهم , ويسلك سلوكياتهم , وبشكل ذكي ينقلنا الكاتب الى مشهد تلك التي تجلس خلف النافذة , في المطعم , وهو يراها تمثّل العامة , فيتمنى أن ينزل اليها ويجلس معها , بل كان يحسدها , ويتمنى لو نفض عنه كل ما له من هيبة وحيثيات :
    " التقطت واحداً من أكمام البذة ... نظفت وجه حذائي ، بلون الماضي رأيت من حولي، بالشارع المتلألىء بالأضواء ، السيارات ، الموسيقى ، رائحة نجوم الفنادق ، كانت تجلس على الرصيف لا أعلم ماذا تنتظر ، كنت أجلس خلف نافذة المطعم الفاخر أنتظر الطعام ، أحسدها ... تمنيت أن أنفض عني الحراس ، الألقاب ،أعين الناس المتدنية ، أهبط أجلس معها ... تراجعت بشغفي ... لماذا تجلس هنا ؟! .."
    وأخيرا , نجد أن الكاتب يذهلنا بتلك اللقطات التباينية , بين حالتين , الشخصية المحورية , المترعة بالامجاد , وهيبة المرور بالمناصب , وقد اصبحت رمزا اجتماعيا , وبين انسانة مجهولة , هي العامة ( وإن حملت مضمون اختلاف النوع ) , وهي المثقلة بالمعاناة , :
    "ألاح إليها رجل من الجانب الآخر ، ألاحت رائحة الطعام لمعدتي الجائعة "
    " أقترب منها ، اقترب ... اقترب مني النادل بالطعام "
    " توقف أمامها ... توقف أمامي ..."
    " حط بقدمه على صندوق صغير قرب وجهها ... حط بالطعام الشهي على طاولتي ..."
    " أمسكت بفرشاتها ... أمسكت بشوكتي ..."
    " مسحت واجهة حذائه ... مسحت أطباق الطعام من حولي ..."
    " شعرت بالشبع ... جهلت شعورها بالجوع .. "
    "أخرج لها ورقة مالية من جيبه .... ألاح لي سكان الطاولة المجاورة .. بابتسامة ... بفاتورة حسابي ... "

    قصة " فاتورة حساب " ليس عملا فنيا فحسب , بل هو حالة ابداعية , تميّزت جدا باستخدام الصوّر المبتكرة الحية , في كل صورة منها حالة شاعرية , تمثّل لوحة فنية خارقة , وقد نجح الكاتب في توظيف العنوان " فاتورة حساب " ليدلل عن حالة التداعي , ومراجعة الشخصية المحورية للذات , دون ضرورة لابراز الملامح الجيدة أو السيئة في الشخصية , انما جعل التداعي موقفا انسانيا , يشمل الجميع , وخاصة في حالة الضعف , تاركا الأمر للقارئ , وإن كانت مثل هذه المراجعة , تتضمن بعدا يشي بطيبة الشخصية , وقد نجح الكاتب في هذا العمل , في استخدام وتوظيف مفاتيح قوية الملامح , مثل : فاتورة الحساب , والهاتف , والبذة السوداء , ثم القلم الذهبي , ليقدم لنا عملا فنيا حداثيا , بل كما اسلفت عملا ابداعيا بامتياز .
    ولايفوتني أن اثني على القراءة الراقية التي قام بها الأديب الاستاذ مأمون المغازي , ولفتاته الذكية , وأنا اوافقه بالكثير , مما جاء في دراسته للنص , ولكنني لااوافقه في مسالة التملق الاجتماعي , عند دفع فاتورة الحساب , من سكان الطاولة المجاورة , فغالبا ما يحدث هذا , تجاه الشخصيات المعروفة في المجتمع , ورموز المجتمع , وليس في ذلك تملق , وأعتمد في رأيي على أن شخصية القصة , هو خارج اطار القوة والسلطة .

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة