أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: الزبون الوحيد ـ قصة ـ

  1. #1
    الصورة الرمزية عبدالسلام المودني أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 162
    المواضيع : 36
    الردود : 162
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي الزبون الوحيد ـ قصة ـ

    مستند بكوعه إلى المشرب الخشبي. وجهه متغضن، عضلاته متقلصة و طرفه ذاهل في نقطة بعيدة مخترقاً حدود المكان و الزمان. تململ بدون مقدمات، فأحدث ذلك قطيعة مع صمت طويل لم يجرؤ أحدهما على قتله، ثم قال بصوت متهدل، كأنه يحتاج لمدة طويلة و لدًُربة قاسية كيما ينفض عنه الغبار، كاشفاً عن فضلات أسنان لبقايا فم لشظايا وجه لذكرى رجل عاش في شبه زمن.
    -" باقلال" !
    بحركة لاإرادية تململت لتملمه المفاجئ، و زاد في ربكتها أنه أعتق أخيراً لسانه من معتقله. لكنها تملك ما يكفي من حنكة السنين لمجاراة الإحتمالات الطارئة، رغم أنها كانت تنتظر منه كل شيء إلا أن يبادرها الحديث. حتّى عندما دخل بدا و كأنه ثمل، صامت متصلب في مسالك الصمت البعيد. لم يلق تحية، وعندما أراد أن يختار مشروبه لم يتفوه بكلمة بل أشار لها بطرفه في حركة حادة، و لبت طلبه متوقعة أن يتجرأ مع الوقت و ينطلق لسانه كما يحدث دوماً مع السكّيرين من أشباهه لكنه أبداً لم يكن كظنها به من طينة الآخرين. ثلاث ساعات أمضتها مبدية لامبالاتها الظاهرة، بيد أنها في قريرتها ووعيها توجست منه، و ظلت ترقب سكناته. رفعت حاجبيها بعدما ازدردت وقع المفاجأة لحظةَ ارتطام المتوقع مع الواقع، و اصطنعت ملامح دهشة أخرجتها من رف تعاملها، و قد اطمأنت إلى أن المفعول السحري للسائل الناري يصيب و لو بعد حين.
    - الموقعة؟
    عاد ليقول بتثاقل مضجر، و كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة أو أنه تحت رحمة كائن يجبره على الحديث معه رغم أنه البادئ و المبادر:
    - الكابرال "باقلال". الكابرال رتبتي، و"باقلال" إسمي. أما الموقعة فقد سميت لأجلي كما اقترنت الرتبة باسم "كابو" الإيطالي الشجاع.
    حسبت أنه أمضى زمناً لم يتكلم. كان كطفل يدرج خطواته الأولى في الحديث. هي تكره أشدّ ما تكره في مهنتها زبوناً صامتاً. و الأشد ثقلاً على نفسها و وطأة على أعصابها و طاقة تحملها أن تبتلى بآخر مجنون، تزيد الخمرة في دفعه إلى أعماق هوته السحيقة حيث لا قرار غير سديم أعمى. لكن ماذا تملك غير الصبر و مجاراة الزبون الوحيد. فالزمن زمن أزمة حانات. والطرقات هُجرت إلى المضاجع مخافة الهلاك بعدما سقطت قذيفتين الأسبوع الفائت على حانتين في الشارع الخلفي فأحالتاهما إلى أثرين لبقايا حديث متشظي ملفوظ مع حشرجات الألم لقاء صدمة مفاجئة.
    لاشك أنه مجنون فعلاً ليدخل في ساعة مثل تلك إلى هذه الحانة. أما هي فلا تملك و لا تعرف غيرها التي اختزلت سني تواجدها في هذه المقاطعة. اختارت مجبرة البقاء على الفرار وقالت بإصرار:
    (الأجدر بالمرء أن يُقضى في مكان كسب عيشه على أن يَهلك جوعاً).
    ألقى إليها بهذا الخيط الدقيق الذي لن تضيعه. ستستأجر ما فضل لها في جورب صبرها لتتحمله، وستُعمل كل حنكتها علها تظفر منه بشيء. من يدري؟ ليلة مؤداة الثمن مثلاً. أعادت تقليب صورته أمامها مرة أخرى بعدما عبثت بها مرات قبل ذلك علها تفلح في فك شفرة الزبون العصّي. كل ما كان عليه يشي بعته حقيقي يتخايل مع وجوده.
    في الساعة الأولى لدخوله بدا كعسكري مستقيم يؤدي واجباً مقدساً في بزّة عسكرية أنيقة، عمد إلى فتح أزرار قميصه في الساعة الثانية. و انتهى مع بداية الثالثة إلى نزع كنزته و إلقائها بإهمال على كرسي بجانبه، و تخلّى معها عن هالة الصمت التي أدخلها معه و صحبته كل تلك المدة مطوّقة وجوده. لقنتها مهنتها المتعبة جداً أن تحفظ حدوداً وهمية تصون بها بعضاً من رمزية شخصها كأنثى وحيدة، و سلعة وحيدة معروضة في حيّز ذكوري خالص، تستثمرها فيما بعد في التفاوض في ليلة مؤداة الثمن مثلاً. لأجل ذلك أظهرت نفوراً مقابلاً لصمته المعلن في الساعة الأولى، و بدأت تلين بعض الشيء في الساعة الثانية و كادت تبادره الحديث. ولاطفته بنظرة رقيقة لم تفعل سالف فعلها. و جربت عطرها الذي تلاشى في المسافة الفاصلة بينهما قبل أن يتسلل إلى خياشيمه، لكنها أحجمت استناداً إلى قاعدتها الذهبية. و عند بداية الساعة الثالثة ركنت إلى جهاز التلفاز أنيسها الوحيد بعدما فقدت كل أمل في زبونها الوحيد. هي تلعن الزمن الذي دحرجها إلى هوّة مثل هاته لتصبح عرضة لموقف ساخر مثل ذاك.
    في سني اشتغالها الأولى ما كانت لتلحظ وجود شيء مثله، بيد أنها الآن تخطت مسرعة عقدها الرابع من عمر أنفقت أكثر من نصفه في السهر و الإنطلاق إلى أن اصطدمت يوما بالأحداث الرهيبة لصور بثتها مرآتها اللعينة. فاجأتها التجاعيد مستلقية على وجه كان نضراً طرياً، و زحفت حتّى أسفل عنقها. واكتشفت متفاجئة أكثر من مرة وزنها الذي تضاعف في لحظة غفلة منها. و تراخت طبقات اللحم المطعّمة بالشحم بعضها فوق بعض في فوضى جسدية بادية، تحاول مداواتها بالتحسرعلى ما مضى، وبالأصباغ و بعض الغنج البائد.
    في الماضي كان الزبناء كالنمل. حيثما ولّت وجهها تلتقي بنظرات الأمل والرجاء. يتسابق الجميع لأجلها. هي نقطة البداية والنهاية. لأجلها أقيمت الولائم والمراهنات والمقالب والمطاحنات. الكل كان يأتي لأجلها، علّه يظفر بليلة مؤداة الثمن الباهض مثلاً أو بموعد أو بكلمة مجاملة أو حتّى بنظرة تجود بها في لحظة من لحظات رضاها و صفاء خاطرها. كل ذلك غدا أثراً من ذاكرة أيام هرعت فارة مقررة عدم العودة حتّى صار جسدها قفراً كالمكان تماماً.
    فكرت قليلا في أن جنونه معروف يقوده كما يفعل دوماً مع جل السكارى، يدارون خيباتهم بالحديث عن بطولات وهمية، لكنه مضى أبعد قليلاً إذ زعم أن الموقعة الشهيرة التي عرفت تكبد إخوة الشمال هزيمة مريرة. رغم كل ذلك ظلت مصرة على حفظ حبل الكلام معه. فعمدت إلى قاموس المجاراة تبحث في ثناياه عن كلمات تبقي الأحمق المدّعي أطول فترة ممكنة داخل حانتها المهجورة، المائل ضوؤها إلى الإحمرار. وبينما هي في محاولات بحثها عن الكلمة المناسبة قال فجأة وقد انتصب و عيناه على التلفاز:
    - ارفعي الصوت.
    استسلمت مذعنة لأمره. أليس الزبون ملكاً؟
    أخذ يحملق بعته جليّ في مقدمة الأخبار التي رأى فيها وجهاً آخر لساقيته. تصورهما متشابهتين حد التطابق. ملامح وحيدة، نفس الشفتين الممتلئتين و ما تفرجان عنه من كلمات ملغومة، و الطلاءات الصاخبة التي أحالتهما إلى دميتين آدميتين. كذاك كانتا فعلاً. قالت بصوت حماسي:
    ( يحتفل شعبنا اليوم بالذكرى الأولى للإنتصار الكبير في موقعة "باقلال" الشهيرة على العدو الغاشم، حيث كبده خسائر فادحة في الصفوف و العتاد و أجبره على التقهقر خارج "تل الملح" بصفة نهائية. وعرفاناً منه بخدماته الجليلة، قام رئيسنا المفدى بتوشيح الكابرال"باقلال" البطل الذي استطاع بمفرده التغلب على جيش العدو فألحق به العار أبداً. إليكم مراسيم منح وسام البطولة مع مراسلنا الدائم من القصر الرئاسي العامر).
    تابعت باهتمام مزيف اهتمامه المحموم بالموضوع، ثم ما لبثت أن شرعت عينيها دهشة بصدق هذه المرة لمّا رأت زبونها الوحيد نفسه يقف متصلباً أمام الرئيس في مراسيم التوشيح بوسام صنع خصيصاً له. كان يرقب الجهاز صامتاً و من خلفه دوي مدفعية العدو وأشلاء جثت تتخبط في رقعة الموت. وجوه تستغيث بالموت و أخرى تهذي. كل تلك الوجوه يعرفها ، يحفظها. أصابته شظية عمياء في ساقه اليسرى جعلته يترنح قبل أن يهوي بلا حراك. و استفاق على دوي أناشيد النصر الحماسية تصك صماخيه. و أمعنت في التودد له بعدما اكتشفت أنه لم يكذب، بأن رفعت صوت الجهاز بيد أن ردّة فعله أتتها مخيبة محاولتها إذ صاح بصوت مجلجل:
    - غيري لنا هذه القذارة.
    و بدون قصد منها، هُرعت قناة العدو إلى واجهة الجهاز، إذ كانت التالية على اللائحة كأنها تتعقبه أنّى اتجه. و لمّا لحظت أهتمامه الكبير الذي تواطأ مع رغبتها المنطلقة، أبقت على الصورة مثبتة على قناة العدو. أعاد حملقته مجدداً في مقدمة الأخبار التي بدت شبيهة بمن سبقتها و ساقيته. وبنفس الصوت الحماسي قالت:
    ( يحتفل شعبنا اليوم بالذكرى الأولى للإنتصار الكبير في موقعة"الزيزي" الشهيرة على العدو الغاشم حيث كبده خسائر فادحة في الصفوف و العتاد أجبره على التقهقر خارج "تل الملح" بصفة نهائية. و عرفاناً منه بخدماته الجليلة، قام رئيسنا المفدى بتوشيح الملازم "الزيزي" البطل الذي استطاع بمفرده التغلب على جيش العدو فألحق به العار أبداً. إليكم مراسيم منح وسام البطولة مع مراسلنا الدائم من القصر الرئاسي العامر).
    تابع بحذر شديد صورة الملازم و حركاته. كان كالماثل بين يدي موت آتيه. وقف قبالته تماماً بعدما استعاد وعيه. لاحظ أنه مصاب أيضاً لكن في ساقه اليمنى . وقف متصلباً و بندقيته اتجاه صدره. شيء ما يمنعهما من الحركة. أتاهما دوي مرعب لأناشيد احتفالية. روحها الوطنية دفعتها إلى خفض الصوت. فعلت ذلك مترددة ما بين ادعائين كالحقيقة تماماً. كلتا الجبهتين تصران على أنهما انتصرتا، و قدمت للشعبين صيغتين مختلفتين لنفس الرواية لكن بنهايتين متناقضتين. لم يعد يهمها شيء أكثر من معرفة الحقيقة التي كان زبونها الوحيد جزءاً منها. لم تعد تعنيها ليلة مؤداة الثمن مثلا ً. أدخلها دوّامة جديدة. عليها أن تحسن التصرف إذا ما أرادت كسب ثقته و فك لسانه الذي أضاف بتثاقل واضح و قرف كبير:
    - غيري لنا هذه القذارة.
    تتكالب الصدف تباعاً، و تبزغ قناة الحقيقة إذ كانت التالية. يظهر وجه ذكوري هذه المرة، لا تلتقي تفاصيله مع من سبقتاه، فقال بصوت رصين:
    ( نحتفل اليوم بذكرى مرور عام على الإنتصار في موقعة "تل الملح" حيث نجحت قوات الحلفاء في القضاء على المتمردين و ردعهم عن أرضنا أبداً في بداية حرب تشهد هذه الأيام آخر فصولها. وحتّى نعيد إلى ذاكرتكم مظاهر قوة جيش الحلفاء التي ستُكرر عمّا قريب، نبث لكم الحقيقة لتلك الأحداث الموشومة في أرشيفنا الوطني. إليكم الصور كما التقطها المصور المصاحب لجيش الحلفاء).
    كأنها تتنصت لوجيب صدرها المدوي و هي تكافأ على طول صبرها. مدرعات تشق المسافات في "تل الملح" حيث وقف رجلان أو بقايا جيشين، أحدهما في مواجهة الآخر و كلاهما يحمل بندقية موجهة صوب صدر الآخر، و ساد بينهما تصلب اضطراري عجزا معه عن الحركة بعدما بلغهما هدير مرعب لآليات آتية من الغرب صوبهما مباشرة. و في نفس اللحظة تماماً كأنهما ينفذان أمراً عسكرياً صارماً، تراجعا مستديرين و قد بدا عرجهما.
    كانت التحذيرات من عقلاء الشمال و الجنوب قد انطلقت منذ مدة، تقول أن الوحدة سبيلهما الوحيد لمواجهة جيش الحلفاء، بيد أنهما لمّا اقتربا كثيراً و أوشكا على الحدث المأمول، اشتبكا في حرب أنهكت الجند والميزانية. فزحف جيش الحلفاء بسهولة و يسر دون أن يجد من يعترض سبيله. حينما استفاقت من صدمتها التي ألقتها إلى وهاد الصمت، أرادت سؤاله عن مكمن الضعف و الخلل.
    ( لا يمكن أن يحدث هذا، لقد قالوا أننا انتصرنا، و احتفلنا بذلك. واليوم يوم ذكرى و عيد و...) لكنها لم تجده أمامها، بينما هرعت نظراتها تحاول اللحاق به، فأدركت شظايا طيفه يعرج مخترقاً باب الحانة، وقد خلّف كنزته حيث وضعها أول مرة. و على المشرب الخشبي بضع وريقات نقدية كانت كل ما تسلمه من القيادة العامة، و هي ثمن سنين كذب مؤداة الأجر، و وسام يلمع. أخذت الوريقات ثم وضعتها بعناية و حرص في جارور خزنتها. ترددت لحظة ثم أخرجتها بحركة عصبية و ألقتها و الكنزة والوسام في سلة القاذورات، بينما جرتها صور قناة الحقيقة التي انتصبت على زاويتها العلوية كلمة "مباشر"، وهي تتعقب مُدرعات جيش الحلفاء.
    أطفأت الجهاز والهلع يركبها. لا زالت تسمع ذلك الهدير القوي المرعب. خرجت شبه مهرولة خارج الحانة لتجد نفسها في مواجهة جيش الحلفاء مباشرة.


    سلا 18يوليوز2005

  2. #2
    الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+ الكويت
    العمر : 44
    المشاركات : 1,087
    المواضيع : 110
    الردود : 1087
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    السلام عليكم

    أخي الأديب القاص / عبد السلام

    النص ينقل الينا واقعا مريرا ، لقمة العيش المغموسة في الدماء والذل ، والاحتلال ، ما لفت نظري هنا اللغة فائقة الروعة ، والاسلوب الرصين في نقل الأحداث .

    تحيتي .

  3. #3
    الصورة الرمزية د. محمد حسن السمان شاعر وناقد
    تاريخ التسجيل : Aug 2005
    المشاركات : 4,317
    المواضيع : 59
    الردود : 4317
    المعدل اليومي : 0.72

    افتراضي

    سلام الـلـه عليكم
    الأخ الفاضل الأديب عبد السلام المودني

    إنها لوحة قصية غير عادية , تتضمن فلسفة وفكرا , وتوغلات نفسية عميقة , واسلوب
    سردي ناجح , بناء مشوّق , ومفارقات ومقاربات ذكية الملامح .
    تقبل احترامي واعجابي

    أخوكم
    السمان

  4. #4
    الصورة الرمزية حسام القاضي أديب قاص
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+الكويت
    العمر : 60
    المشاركات : 2,167
    المواضيع : 74
    الردود : 2167
    المعدل اليومي : 0.38

    افتراضي

    الأخ الفاضل الأديب/ عبد السلام المودني

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    قرأت هنا عملا عميقا لكاتب متمكن

    لا أجد ما أقوله

    سوى انني سعيد جدا بهذا المستوى الرائع .

    تقبل تقديري واحترامي.
    حسام القاضي
    أديب .. أحياناً

  5. #5
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.59

    افتراضي

    المودني..
    الحقيقة ذلك الوهم الذي اصبحنا نفقد كل شيء من ذاتنا من اجل الوصول الى خيط رفيع له..خيط وحيد.. عابث حتى،منطوي،مهجور،حزين،تعس، فقط لخيط وحيد،لكننا دائما وابدا نصطدم ببائعي الحقائق لا الحقيقة، بمروجي الشعارات،لا الحقائق، ببائعي الانسان، لا بحقيقة الانساني، نصطدم بهم في بيوتنا،في مدارسنا،في مناهجنا،في صحفنا ومجلاتنا،وكل شيء يمكن ان يصل الينا،اننا نعيش على وهم كبير منذ ان وعينا الحياة بمجرياتها،اننا نعيش الزيف بكل صوره ،ولاشيء يوقف هذا الزيف فينا،لا..لان الزيف اقوى منا فقط، انما لاننا اصبحنا مدمينا عليه،حتى نواري عوراتنا،جبننا،ودوام تخاذلنا،بل حتى عبوديتنا لغيرنا، احيانا نلوم التكنولوجيا لانها اوصلت هذا الزيف بهذه الصورة البهية الى داخل منازلنا بل حتى ونحن في فراشنا نمارس حياتنا الداخلية اصبحنا نعيش على انغام هذا الزيف،وكأننا لسنا وجدنا للبحث عن الحقيقة وممارسة حقها في وجودنا.
    الزيف..بات سمة عصرنا،اننا كما اقول ابدا،دائما نصنع من هزيمتنا نصرا،باستعانتنا باللغة،وباعداد خطاب حماسي والقائه بصوت جوهري،وعلى انغام موسيقية وضعت بعناية ودراية..بمكنونات الذات السامعة، وهو الشيء الوحيد الذي تفكر فيه السلطة بغيرها من اجل مصلحتها واخفاء الحقائق عنهم.
    القصة تحكي لنا واقعا ملموسا وبصورة تضعنا امام المشاهد وكأننا نعيشها واحدة اثر اخرى،ولقد وضعت المشاهد بعناية فائقة من حيث تسلسلها،تسلسل الاحداث،وقيمة السرد هنا ياتي لكونه اخذنا من جو عام، الى خاص وتعمق في الخاص الى حد عريه تماما من مكنوناته ورغباته وميوله واسترجاع ماضيه واظهار الجانب الاخر للنفس الانسانية وللذات التي تعي اللحظة وما قبلها،ومن ثم اخذتنا الى جو عام،داخلي وخارجي، واعطتنا الصور الحية من كلا الطرفين،واظهرت لنا بان الاجناس البشرية التي تقتل وتمارس القتل وتعطي لنفسها فعل ذلك تحت اية مبررات كانت لابد وانها تخفي الحقائق ولاتنقلها لشعوبها كاملة،بل انها تتعمد حصرها في مشاهد انبعاثية فتقلد هذا، وتمدح ذاك،وتقوم تكريم فلان، وتمنح اخر،وووو..كلها مشاهد اسميها تمويهية لاخفاء الحقيقة الابرز عن الاخرين..وكلا الطرفين يمثلون الامر ذاته، ولكن الحقائق التاريخية والوقائع لاتموت بسرعة فسرعان ما تاتينا بعض ملامحها التي تتسم ولو قليلا بالحقيقة، فندرك اي زيف نعيشه نحن.
    وبعيدا عن هذا وذاك القصة تعطينا صورة واقعية جدا، وهي اننا بذواتنا لانستطيع فعل شيء، اننا في كل معاركنا نستمد قوتنا من غيرنا،لاننا في الاصل لانملك شيئا غير تاريخ نتباها به، وحرفنة الخضوع والتخاذل، ومعجم لغوي لامثيل له.
    النص يمثل حقبات متوالية من تاريخ يصنعنا ولسنا نصنعه.
    عذرا لاني اطلت...
    محبتي وتقديري
    جوتيار

  6. #6
    الصورة الرمزية عبدالسلام المودني أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 162
    المواضيع : 36
    الردود : 162
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد سامي البوهي مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم
    أخي الأديب القاص / عبد السلام
    النص ينقل الينا واقعا مريرا ، لقمة العيش المغموسة في الدماء والذل ، والاحتلال ، ما لفت نظري هنا اللغة فائقة الروعة ، والاسلوب الرصين في نقل الأحداث .
    تحيتي .



    العزيز محمد سامي البوهي

    أشكرك على كلماتك الطيبة بحق خربشتي هنا، بالفعل هو واقع يطل علينا برأسه ليقول لنا: انظروا إلى بشاعتكم.

    ممتن لك بالفعل..

    دمت على قيد الحرف..
    عبدالسلام المودني

  7. #7
    الصورة الرمزية عبدالسلام المودني أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 162
    المواضيع : 36
    الردود : 162
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. محمد حسن السمان مشاهدة المشاركة
    سلام الـلـه عليكم
    الأخ الفاضل الأديب عبد السلام المودني
    إنها لوحة قصية غير عادية , تتضمن فلسفة وفكرا , وتوغلات نفسية عميقة , واسلوب
    سردي ناجح , بناء مشوّق , ومفارقات ومقاربات ذكية الملامح .
    تقبل احترامي واعجابي
    أخوكم
    السمان

    العزيز د. محمد حسن السمان

    جزيل الشكر لهذا التواجد الدائم بين بياضات حرفي..
    و شديد امتناني لروحك النقية التي تزف لي مع كل إطلالة الفرح، والحبور.

    دام لك النقاء و البهاء..
    محبتي الصافية..
    عبدالسلام المودني

  8. #8
    الصورة الرمزية عبدالسلام المودني أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 162
    المواضيع : 36
    الردود : 162
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسام القاضي مشاهدة المشاركة
    الأخ الفاضل الأديب/ عبد السلام المودني
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    قرأت هنا عملا عميقا لكاتب متمكن
    لا أجد ما أقوله
    سوى انني سعيد جدا بهذا المستوى الرائع .
    تقبل تقديري واحترامي.

    العزيز حسام القاضي..

    شكراً على تواجدك الجميل الدائم بين بياضات نصوصي.
    و سعيد بك قارئاً متذوقاً..

    دام لك النقاء والبهاء.
    محبتي الصافية..
    ع.السلام المودني.

  9. #9
    الصورة الرمزية عبدالسلام المودني أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 162
    المواضيع : 36
    الردود : 162
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
    المودني..
    الحقيقة ذلك الوهم الذي اصبحنا نفقد كل شيء من ذاتنا من اجل الوصول الى خيط رفيع له..خيط وحيد.. عابث حتى،منطوي،مهجور،حزين،تعس، فقط لخيط وحيد،لكننا دائما وابدا نصطدم ببائعي الحقائق لا الحقيقة، بمروجي الشعارات،لا الحقائق، ببائعي الانسان، لا بحقيقة الانساني، نصطدم بهم في بيوتنا،في مدارسنا،في مناهجنا،في صحفنا ومجلاتنا،وكل شيء يمكن ان يصل الينا،اننا نعيش على وهم كبير منذ ان وعينا الحياة بمجرياتها،اننا نعيش الزيف بكل صوره ،ولاشيء يوقف هذا الزيف فينا،لا..لان الزيف اقوى منا فقط، انما لاننا اصبحنا مدمينا عليه،حتى نواري عوراتنا،جبننا،ودوام تخاذلنا،بل حتى عبوديتنا لغيرنا، احيانا نلوم التكنولوجيا لانها اوصلت هذا الزيف بهذه الصورة البهية الى داخل منازلنا بل حتى ونحن في فراشنا نمارس حياتنا الداخلية اصبحنا نعيش على انغام هذا الزيف،وكأننا لسنا وجدنا للبحث عن الحقيقة وممارسة حقها في وجودنا.
    الزيف..بات سمة عصرنا،اننا كما اقول ابدا،دائما نصنع من هزيمتنا نصرا،باستعانتنا باللغة،وباعداد خطاب حماسي والقائه بصوت جوهري،وعلى انغام موسيقية وضعت بعناية ودراية..بمكنونات الذات السامعة، وهو الشيء الوحيد الذي تفكر فيه السلطة بغيرها من اجل مصلحتها واخفاء الحقائق عنهم.
    القصة تحكي لنا واقعا ملموسا وبصورة تضعنا امام المشاهد وكأننا نعيشها واحدة اثر اخرى،ولقد وضعت المشاهد بعناية فائقة من حيث تسلسلها،تسلسل الاحداث،وقيمة السرد هنا ياتي لكونه اخذنا من جو عام، الى خاص وتعمق في الخاص الى حد عريه تماما من مكنوناته ورغباته وميوله واسترجاع ماضيه واظهار الجانب الاخر للنفس الانسانية وللذات التي تعي اللحظة وما قبلها،ومن ثم اخذتنا الى جو عام،داخلي وخارجي، واعطتنا الصور الحية من كلا الطرفين،واظهرت لنا بان الاجناس البشرية التي تقتل وتمارس القتل وتعطي لنفسها فعل ذلك تحت اية مبررات كانت لابد وانها تخفي الحقائق ولاتنقلها لشعوبها كاملة،بل انها تتعمد حصرها في مشاهد انبعاثية فتقلد هذا، وتمدح ذاك،وتقوم تكريم فلان، وتمنح اخر،وووو..كلها مشاهد اسميها تمويهية لاخفاء الحقيقة الابرز عن الاخرين..وكلا الطرفين يمثلون الامر ذاته، ولكن الحقائق التاريخية والوقائع لاتموت بسرعة فسرعان ما تاتينا بعض ملامحها التي تتسم ولو قليلا بالحقيقة، فندرك اي زيف نعيشه نحن.
    وبعيدا عن هذا وذاك القصة تعطينا صورة واقعية جدا، وهي اننا بذواتنا لانستطيع فعل شيء، اننا في كل معاركنا نستمد قوتنا من غيرنا،لاننا في الاصل لانملك شيئا غير تاريخ نتباها به، وحرفنة الخضوع والتخاذل، ومعجم لغوي لامثيل له.
    النص يمثل حقبات متوالية من تاريخ يصنعنا ولسنا نصنعه.
    عذرا لاني اطلت...
    محبتي وتقديري
    جوتيار

    العزيز جوتيار تمر..

    مساء المحبة..

    الزيف لا يدوم، وإن استمر عمراً لابد وأن تصرفه الحقيقة حين أول لقاء بينهما.
    و الكذب مهما عمر ينسفه الواقع نسفاً لايبقي له أثراً.

    أشكر حضورك الدائم، وتجاوبك مع خربشاتي.

    محبتي الصافية..
    ع.السلام المودني.

المواضيع المتشابهه

  1. الزبون الأخير,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,محمد محضار
    بواسطة محمد محضار في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 21-10-2018, 08:09 PM
  2. الجوقة و العازف الوحيد ........قصة بقلم بوفاتح سبقاق
    بواسطة بوفاتح سبقاق في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 15-08-2008, 03:07 PM
  3. ماتحاولش .. هو ده الحل الوحيد
    بواسطة محمود موسى في المنتدى أَدَبُ العَامِيَّة العَرَبِيَّةِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-09-2006, 12:35 AM
  4. يا سيد الحلم الوحيد
    بواسطة سحر الليالي في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 11-06-2006, 01:36 AM
  5. النبي هو الشاهد الوحيد
    بواسطة عصام مشعل في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 10-05-2006, 10:28 PM