أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: زائر آخر الليل : الحلقة الخامسة ..

  1. #1
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Aug 2006
    المشاركات : 52
    المواضيع : 14
    الردود : 52
    المعدل اليومي : 0.01

    Exclamation زائر آخر الليل : الحلقة الخامسة ..

    ملخص ما سبق :
    وسط الأجواءالمنذرة بنشوب الحرب بين ( اسرائيل الكبرى ) و ( الاتحاد اللبنانى ) يقتحم أحد الأشخاص مخدع الملك المصرى فى قصره و يعتدى عليه .. ( ستيفن جيلر ) قائد المارينز المكلفين بحماية الملك يبذل قصارى جهده للوصول الى الفاعل .. يساعده مستشار الأمن الداخلى الذى يعتقل زوجة هذا الفاعل و عدد ضخم من سكان منطقته لاستجوابهم بشأنه بشتى وسائل الاستجواب ..
    الفرعون المصرى و حاشيته يسافرون الى ( اسرائيل ) لحضور القمة العبرية العاجلة لمناقشة كيفية مواجهة التهديدات اللبنانية ..
    المهندس الشاب ( أمين ) يسعى للحصول على فرصة للعمل فى ( اسرائيل ) ..
    المقدم ( وليد الغرباوى ) ضابط الأمن الداخلى و ( ديفيد شمعون ) العميل الاسرائيلى يطاردان شابا مجهولا تسلل الى شبكة الأمن الداخلى عبر الانترنت ، و تقودهما المطاردة عبر شوارع ( الاسكندرية ) الى احدى محطات مترو الأنفاق ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    " وقف الخلق .. ينظرون جميعا كيف أبنى قوااااااعد المجد وحدى ...و بناة الأهرااااااااام .." ..
    انسابت الكلمات على لسان الراحلة ( الست أم كلثوم ) مصحوبة باللحن العذب و مشوشة قليلا بفعل الكهرباء الاستاتيكية من مسماع المذياع العتيق ، و راح أحد ركاب ( الميكروباص ) يهز رأسه باستمتاع مشاركا بذلك السائق العجوز الذى راحت اصابعه تنقر عجلة القيادة تماشيا مع اللحن ، بينما شارك محرك السيارة فى السيمفونية بصريره المتعالى المزعج المصاحب لرجرجة السيارة بفعل المطبات الطبيعية و الصناعية ..
    أما ( أمين ) فلم يبد عليه أنه منتبه الى أى شئ مما حوله سوى حديث صديقه الجالس بجواره الذى قال له بانفعال :
    - معقولة يا ( أمين ) ..؟؟.. حد يلاقى وظيفة زى دى و يرفضها ..؟؟.. انت أكيد اتجننت يا جدع ..
    زفر ( أمين ) قائلا بتوتر :
    - وظيفة ايه بس يا ( محمود ) ..؟؟.. انت فاكر انها وظيفة بصحيح ..؟؟
    - أمال تسمى موظف ف الصرف الصحى ايه ..؟؟..
    - أسميه تهريج .. و سد خانة .. يا ( محمود ) أنا مهندس بترول .. قضيت أربع سنين من عمرى أدرس استخراج البترول و تنقيته و تحضير مشتقاته .. تقوم تقوللى بعد كده أروح أشتغل ف المجارى ..؟؟؟.. طب هاشتغل ايه هناك ..؟؟.. و هاشتغله ازاى و أنا ماعرفش عنه أى حاجة ..؟؟..
    - يا عم .. ابقى اتعلم .. يعنى حد م اللى بيشتغلوا ف الصرف اتولد من بطن أمه بيفهم ف شغلته ..؟؟.. انت روح استلم ، و شوية شوية هاتلاقى اللى يفطمك على كل حاجة ..
    - ( يزفر بحرارة ) ........
    - يا أخى .. الناس بتتنشق على وظيفة أقل من وظيفتك بكتير و مش لاقية .. تقوم انت تتبطر على النعمة اللى ربنا باعتهالك ..؟؟.. ده حتى يبقى كفر..
    " أنا تاج العلاء فى مفرق الشرق .. " ..
    - انت عارف يا ( محمود ) مرتب الوظيفة دى أد ايه ..؟؟..
    - زى ما يكون ..
    - 105 جنيه بعد خصم الضرائب و المستحقات و الصناديق ..
    - .................
    - ( بمرارة ) : أنا عايزك تقوللى الميت ملطوش دول ممكن يعملوا ايه ..؟؟..
    - بتتقضى يا ( أمين ) ياخويا .. طب ما آنى ظروفى قريبة من ظروفك و أدينى عايش أهه ..
    - ( بمرارة ) : عايش ..؟؟.. طب ما أنا كمان عايش و باتنفس أهه .. هى العيشة نفس و أكل و شرب بس ..؟؟.. هانشتغل امتى بجد ..؟؟.. و ياترى ممكن ييجى اليوم اللى نتجوز فيه و يبقى عندنا عيال ..؟؟.. لاحظ انك بطولك .. ماوراكش مسئوليات .. انما أنا ورايا كوم لحم ف البلد عايز تقله فلوس علشان يعيش .. و أبويا خلاص .. مال تحت الحمل ، و مابقاش قادر يشيله لوحده ..
    - ( بحنق ) : خلاص .. قفلتها يا فقرى ..؟؟..
    - ( يتنهد ) : متقفلة لوحدها ..
    " أنا ان قدّر الاله مماتى .."
    توقفت السيارة ( الميكروباص ) مرة واحدة اثر ضغطة مفاجئة من قدم السائق على الكابح ، فاندفعت أجساد الركاب لتصطدم بظهور المقاعد المقابلة لها ، و تعالت أصواتهم " تلعن سنسفيل " السائق الأحمق ، الذى سارع بفتح النافذة المجاورة له ليندفع هواء الليل البارد داخل السيارة ، و يطل من النافذة وجه رجل فى أواسط الثلاثينات يرتدى زيا رسميا يشير لكونه أمين شرطة ..
    - باشا ..
    كذا هتف السائق منافقا ، فابتسم أمين الشرطة فى سخرية قائلا :
    - عامل ايه يا ( عبده ) ..؟..
    - بخير يا باشا طالما راضى عنى ..
    - ( يتفحص السيارة ببصره ) : عربيتك مخالفة لتعليمات الأمن و المتانة يا ( عبده ) .. معاك طفاية حريق ..؟؟..
    - ( ينزع المطفأة الحمراء المميزة و يبرزها ) : طبعا يا باشا .. و أنا أقدر أمشى من غيرها ..؟؟..
    - ( يلقى نظرة خاطفة عليها ) : دى ماتنفعش .. عايزين المقاس الأكبر ..
    - ازاى بس يا باشا ..؟.. ده هو ده المقاس المعتمد ..
    - ( يخرج دفترا صغيرا من جيبه ) : عندك كده مخالفتين أمن و متانة ..
    - ( يتوسل ) : يا باشا ما آنى ماشى ف السليم و الله .. حرام عليك دا آنى عندى عيال ..
    - ( بصرامة ) : انت هاتنوّح لى يا بن المكنسة ( بضم الميم ) ..؟؟..
    أسرع السائق يلتقط من الشمّاسة ورقة مالية من فئة العشرين جنيها ، و ناولها لأمين الشرطة قائلا بضراعة :
    - مالناش بركة غيرك يا باشا ..
    التقط الرجل الورقة المالية و دسها فى جيبه على الفور ، و ضرب على صاج السيارة هاتفا بصرامة :
    - ياللا اطلع .. جاتكم البلا بهايم ولاد كلب ..
    أسرع السائق يدير المحرك لينطلق بالسيارة و هو يتنفس الصعداء ، فى حين تعالت تعليقات الركاب " لا حول و لا قوة الا بالله " .. " حار و نار ف جتته " .. " يجيب بيهم دوا ان شاء الله " .. و هتف السائق :
    - ابن الكلب كل يومين يطلع لى و ياخد منى اللى اشتغلت بيه طول اليوم .. طب آنى نجيب منين نديله ونصرفو ع اللى ف البيت و اللا ع العربية .. الله يلعن أبوها شغلانة على أبوها بلد بنت ( ... ) .. حسبى الله و نعم الوكيل .. حسبى الله و نعم الوكيل ..
    " أترى الشرق يرفع الرأس بعدى ..؟؟ "..
    كذا تساءلت كلمات الأغنية ، و لكن أحدا لم يعد ينتبه لها ، فعاد ( محمود ) يقول ل ( أمين ) :
    - متقفلة متقفلة .. بس برضه خسارة تضيع الوظيفة دى .. امسك فيها يا أخى لغاية ما تلاقى حاجة أحسن ..
    - البلد دى يا ( محمود ) ما بقاش فيها حاجة أحسن .. ما بقاش فيها حاجة خالص ..
    - ايه ..؟؟.. ناوى تسافر برة ..؟؟..
    توقفت السيارة فى هذه اللحظة ، و ارتفع صوت السائق :
    - اللى نازل ( العامرية ) ..
    غادر اثنان من الركاب ، ثم عاودت العربة اهتزازها مرة أخرى ..
    - ( باقتضاب ) : أيوة .. هاسافر ..
    - فين يا فالح ..؟؟..
    - ( ينظر بعينيه يمنة و يسرة ثم يهمس بحذر ) : ( اسرائيل ) ..
    - ( بذهول ) : ( اسرائيل ) ... بتتكلم جد .. ؟؟..
    - ( يضع سبابته على فمه هامسا ) : شششششش .. انت عايز تفضحنا ..؟؟..
    - ( يهمس بانفعال ) : هاتسافر ( اسرائيل ) يا ( أمين ) ..؟؟.. طب ازاى ..؟؟.. و لقيت شغل هناك ..؟؟..
    - ( هامسا ) : صبرك عليا .. أما ننزل ..
    و لم تكد تمضى دقائق حتى كانا يسيرا متجاورين تغمرهما أضواء المصابيح الليلية الشاحبة و ..
    - ايه الموضوع بالظبط ..؟..
    - ( يتنهد ) : لما مجلس الكلية رفض يقبلنى كمعيد ، فكرت انى أقدم ف شركات البترول الاسرائيلية ف ( سيناء ) ، بس للأسف رفضوا يقبلونى ، فقلت للسمسار يدور لى على أى شغلانة ف ( اسرائيل ) آكل منها عيش ..
    - و لقى لك حاجة ..؟..
    - أيوه ..
    - ايه ..؟؟..
    صمت ( أمين ) للحظات ، ثم أجاب بصوت خفيض ، و قد أطرق برأسه أرضا :
    - زبّال ..
    - ( مصعوقا ) : زبّال ..؟؟؟.. انت أكيد اتجننت يا ( أمين ) ..
    - ( بصوت ضعيف ) : اسمعنى بس يا ( أبو حنفى ) ..
    - ( بغضب ) : بلا ( أبو حنفى ) بلا ( أبو زفت ) .. انت خلاص يا بنى لسعت .. تتعلم و تدرس علشان لما تتغرب تروح تشتغل زبّال ..؟؟..
    - ( بتخاذل ) : يا ( محمود ) هناك بيدّوا فلوس كويسة و ..
    - ( مقاطعا ) : مهما كانوا هايدوك .. تروح تلم زبالة ف ( اسرائيل ) ..؟؟.. دى وكسة ايه دى بس ..؟؟.. هى دى الأحلام اللى كنت بتحلمها أيام الكلية يا ( أمين ) ..؟؟..
    - ( بثورة مباغتة ) : أحلام ايه و نيلة ايه ..؟؟.. ماخلاص يا بنى .. دى زى ما انت قلت .. كانت أحلام .. احنا دلوقت ف الواقع .. الأحلام دى مش هاتوكل أبويا و أمى و اخواتى لما يجوعوا .. مش هاتكسيهم لما يتعروا .. مش هاتداويهم لما يرقدوا .. الأحلام دى للى يقدر يحققها .. انما هنا ف ( مصر ) .. الكبار بس همّا اللى يقدروا يحلموا .. لأنهم يقدروا يحققوا أحلامهم .. أما اللى زيى و اللى زيك ، فكفاية عليه انه ياكل و يشرب زى الحيوانات .. و يحمد ربنا على كده ..قال أحلام قال .. يا أخى ( أ.. ) ..
    - ( ينظر اليه مشفقا ) : …….
    - انت فاكر انه سهل عليا انى أروح أشتغل زبّال ..؟؟.. ربك وحده اللى يعلم أنا عايش ازاى ..؟؟.. قال ايه اللى رماك ع المر ، قال اللى أمرّ منه .. و مفيش أمرّ م اللى ف البلد الوسخة دى ..
    - أيوة بس ..
    - ( مقاطعا ) : ما بسّش و لا حاجة .. انت من شوية كنت بتحاول تقنعنى انى أقبل وظيفة ف الصرف الصحى .. طيب تفرق ايه الزبالة عن الصرف الصحى ..؟؟.. أهى كلها مخلّفات .. ع الأقل الزبالة هاتجيب فلوس أكتر ف ( اسرائيل ) .. و ما دام كده كده الواحد هايتشحطط ، يبقى الشحططة اللى بفلوس أحسن م الشحططة أم 100 جنيه ف الشهر ..
    - ( بعد لحظة من الصمت ) : و نويت تسافر امتى ..؟؟..
    - كمان يومين ان شاء الله ..
    - ( بدهشة ) : معقول بالسرعة دى ..؟؟..
    - ( يفرك كفيه بتوتر ، بينما البخار يتصاعد من فيه ) : مفيش وقت .. السمسار قاللى أجهز الليلة و أجهّز له فلوسه لو عايز أسافر ..
    - و جبت له فلوس منين ..؟؟..
    - ربك اللى يعلم .. سافرت البلد رهنت القيراطين بتوع أمى ، و استلفت من ناس معارفنا بعد ما كتبت على نفسى كمبيالات ..
    وعاد الصمت ليسود بينهما لفترة ظلا خلالها صامتين يكتمان ما يعتمل فى نفسيهما من خواطر و مشاعر و هما يسيران على الطريق الأسفلتى المؤدى الى ( ….. ) بينما الهواء البارد يكاد يجمدهما ، و الأبخرة تتصاعد من أنفيهما ، و لم يلحظ ( أمين ) أن ملامح وجه صديقه تتقلص ، و كأنه يعانى صراعا داخليا حادا ، قبل أن يقول بغتة و كأنه حسم أمرا :
    - مفيش داعى انك تسافر يا ( أمين ) .. أنا عندى حل كويس لمشكلتك ..
    التفت اليه ( أمين ) متسائلا بلهفة :
    - حل ايه ..؟؟..
    - بس يا ( أمين ) الموضوع ده خطير جدا .. و لازم يفضل سر حتى لو ماوافقتش ..
    - اطمن ..
    - وعد ..؟..
    - وعد ..
    - ( يتلفت حوله فى حذر ثم ) : حيث كده بقى ركز معايا .. و اسمعنى كويس ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    كان افتتاح مشروع مترو أنفاق ( الاسكندرية ) حدثا جللا بكل ما تحمله الكلمة من معان، فهو من ناحية أول و أضخم مشروع اسرائيلى يقام على أرض مصرية ، و اعتبره الخبراء شهادة الميلاد الحقيقية للتطبيع فى المنطقة ، و من ناحية أخرى فقد حل هذا المشروع أزمة حقيقية فى المواصلات نشبت فجأة منذ سنوات بعد ترحيل الملايين من سكان العاصمة القديمة ( القاهرة ) – حاليا : العاصمة الاسرائيلية ( القاهيرات ) – بقوة سلاح جيش الدفاع الاسرائيلى الى العاصمة المصرية الجديدة ( الاسكندرية ) ، و نتج عن ذلك أن اكتظت ( الاسكندرية ) – المكتظة أصلا – بأضعاف سكانها الأصليين ، و من ثم نشأت مشكلة سكانية ضخمة ذات مضاعفات رهيبة ، و مشاكل أخرى صعبة ليست أزمة المواصلات أشدها وطأة .. و من ناحية ثالثة ، فقد شكّل هذا المشروع مصدر جديد للدخل القومى المصرى ، حيث تحصل ( مصر ) بموجب الاتفاق المبرم فى العقد على ثلث العائد الشهرى من المشروع ، على أن يتولى الديوان الملكى المصرى مراقبة ايرادات المشروع ، و تحصيل النصيب المصرى منها ..
    و من هنا كان انشاء مشروع خطوط مترو أنفاق ( الاسكندرية ) خطوة ناجحة بكل المقاييس .. و كان توقيع العقد بين الشركة الاسرائيلية و الحكومة المصرية مصحوبا بضجة اعلامية كبيرة ، لم تفقها الا الضجة الاعلامية الأكبر التى صاحبت افتتاح المشروع فى حفل وطنى ضخم حضرته نخبة من الشخصيات المصرية و الاسرائيلية البارزة ، و لا تزال – رغم مرور سنين طويلة على هذا الحدث الكبير – صورة الملك المصرى و هو يحيط كتف رئيس الوزراء الاسرائيلى بذراعه فى حفل الافتتاح ، و كلاهما ينظر مبتسما بود الى الكاميرا ، و قد طفت البهجة على وجهيهما .. لا تزال هذه الصورة مثبتة الى اطار خاص فى مدخل كل محطة من محطات المترو التى صارت منتشرة فى جميع أحياء ( الاسكندرية ) ..
    و نظرا لأن الادارة كانت للشركة الاسرائيلية صاحبة المشروع ، فقد كانت تقوم على أحدث النظم الادارية المعروفة بدءا بضبط توقيتات وصول و مغادرة المترو للمحطة و تنظيم دخول و خروج الركاب ، مروا بتوزيع الاختصاصات ، و اختيار الموظفين بدقة بالغة حتى أصغر موظف ، و انتهاء بالّلافتات الأنيقة التى ترشد بحروف عربية و أخرى عبرية واضحة الى مواضع الخدمات المختلفة كشبابيك حجز التذاكر و الكافيتريا و مكتب شرطة المترو .. الخ ..
    هذه النظم الدقيقة كانت جديدة فى البداية على جمهور المستخدمين من المصريين الذين اعتادوا الاهمال و التراخى و عدم تحمل أى مسئولية فى كل الخدمات التى تقدمها المؤسسات الخدمية المصرية ، ففوجئوا فى مشروع مترو الأنفاق بمستوى راق من الخدمات ممثلا فى التوقيتات الدقيقة لمواعيد وصول و مغادرة المترو الذى يسير آليا من دون تدخل بشرى ، و النظم الاليكترونية المريحة فى الحجز و فحص التذاكر ، و المحطات المريحة الفاخرة النظيفة دوما ، و المعاملة الراقية من قبل العدد القليل من الموظفين العاملين و المبتسمين دوما .. كل هذا فاجأ الجمهور المصرى فى بادئ الأمر ( بفضل الادارة الاسرائيلية الصارمة ) ، ثم لم يلبث أن اعتاده و أقبل عليه رغم نفوره فى البداية من التعامل مع مشروع اسرائيلى ..
    لذا فقد كان غريبا على جمهور المواطنين المتواجدين فى محطة ( ...... ) أن تنغلق أبواب المحطة آليا فى وقت واحد ، مصحوبة بصوت أنثوى يتردد عبر السماعات المنتشرة فى أرجاء المحطة :
    - السادة المواطنين مستخدمى المترو .. نعتذر لكم عن هذا الاجراء الأمنى الذى تطلب اغلاق أبواب المحطة .. الرجاء من سيادتكم الابتعاد عن الرصيف و التكرم بالتعاون مع شرطة المترو حتى ينتهى الاجراء بسرعة قبل موعد وصول المترو القادم من محطة ( .... ) .. على كل مواطن ابراز بطاقة هويته ، و السماح لشرطة المترو بفحصها ..
    راح النداء يتكرر مرات متوالية ، و ارتفعت همهمات استنكارية من جمهور المواطنين مصحوبة ببعض السباب ، و التمعت الأردية الزرقاء المميزة لشرطة المترو التى راح رجالها يطالبون الناس – بمزيج من الأدب و الحزم – بابراز هوياتهم .. و حاول بعض المواطنين الاعتراض ، و كادت أصواتهم تعلو ، لولا أن ارتفع بغتة صوت جهورى :
    - أبرز هويتك بلا مناقشة يا ابن العاهرة ..
    و أعقب ذلك دوى الصفعة التى هوت على وجه أحد المواطنين ، فأسقطته أرضا عند قدمىّ المقدم ( وليد ) الذى تعلقت العيون بخوف بقامته الفارعة و زيه الرسمى الأسود المخيف .. و تحركت قدمه هو لتركل ضلوع المواطن الملقى أرضا ، قبل أن يلتفت – ( وليد ) طبعا لا المواطن الملقى – الى رجال شرطة المترو هاتفا بصوت صارم مسموع و مشيرا الى جموع المواطنين :
    - أى كلب ابن كلب من هؤلاء لا يحمل هوية أو يرفض اطلاعكم عليها ائتونى به على الفور ..
    و على الفور و بلا اتفاق مسبق خفتت الهمهمات الاعتراضية ، و سارع المواطنون بابراز هوياتهم لرجال الشرطة .. و جال المقدم ( وليد ) فيهم بعينين صارمتين ، و هو يرفع ميكروفون جهاز الاتصال المثبت مسماعه الى اذنه قائلا بصوت هادئ :
    - سيد ( شمعون ) .. هل رأيته ..؟؟..
    أتاه صوت ( ديفيد شمعون ) حانقا :
    - ليس بعد أيها الضابط .. لقد ذاب تماما وسط جموع الناس .. من دون حتى أن نرى ملامح وجهه بوضوح .. كل ما لاحظته أنه ممشوق القوام ، صاحب شارب كث ، و يرتدى سترة جلدية سوداء ..
    - لا تقلق يا سيدى .. انه محاصر تماما بعد أن أغلقنا جميع منافذ المحطة ، و لن يتمكن من الهرب .. لقد علمنا من حارس البناية التى كان يختبئ فيها باسمه .. ( محمد مرعى ) .. و الرجال الآن يقومون بفحص هويات المتواجدين فى المحطة ، و لن يلبث أن يقع فى أيدينا ..
    - أتعشم أن ينجح هذا ..
    قالها ( شمعون ) مختتما الحديث ، و راح يتحرك وسط جموع المواطنين الذين تطلّعوا بمزيج من الدهشة و الفضول و الخوف الى قامته الممشوقة و حلته المدنية الأنيقة ، و المنظار الداكن الذى يخفى عينيه و – و هو الأهم – البطاقة البلاستيكية المثبتة الى صدر سترته ، و التى تحمل بوضوح شعار مستشارية الأمن الداخلى ..
    تحرك ( شمعون ) ببطء مجيلا بصره فى مجاميع الناس المستسلمين لفحص رجال الشرطة ، محاولا اختراق أجسادهم ، و استحضار هيئة جسد طريده من بينهم .. و أكثر من مرة خيل له أنه عثر عليه ، فيندفع نحو الشخص الذى يشك فيه و يجذبه بعنف من سترته السوداء آمرا اياه أن يبرز هويته ، و عندما يطالعها و يقارن بين الصورة المثبتة بها ، و بين وجه صاحبها ، يتبين له خطئه ، فيعيدها اليه من دون كلمة واحدة ، و يستدير مرة أخرى باحثا عن هدفه ..
    استمرّت هذه العملية لما يقرب الساعة الا الثلث ، حتى سمع ( شمعون ) صوت ( وليد ) يخاطبه عبر المسماع المثبت فى أذنه :
    - سيد ( شمعون ) .. لقد فحصنا هويّات جميع المتواجدين على رصيف المحطة ، و ألقينا القبض على عدد منهم لم يكن يحمل بطاقات هوية .. هل ترغب فى رؤيتهم ..؟؟..
    - ( بضيق ) : بالطبع ..
    - ( بتردد ) : و ماذا عن المترو ..؟.. مدير المحطة يقف أمامى ، و يقول أن خطوط المترو معطلة لمايقرب من الساعة الا الربع ، و يطلب منّا السماح بتشغيل الخط المعطل ..
    - أخبره أن المسألة خطيرة ، و قد تحتاج وقتا أطول ..
    - لا أنصح بذلك سيدى .. لقد استغرقنا وقتا طويلا بالفعل ، و شركة المترو شركة اسرائيلية لا تخضع بحكم القانون لسلطة الأمن الداخلى .. و اذا أراد تشغيل الخط ، فلن يمكننى منعه و ..
    - ( مقاطعا بغضب ) : كفى .. دعه يفعل ما يشاء ..
    و بالفعل لم تكد تمضى لحظات حتى عاد ذلك الصوت الأنثوى يتردد عبر سمّاعات الاذاعة الداخلية للمحطة :
    - مسموح الآن للسادة المستخدمين مغادرة المحطة أو ولوجها .. انتهى الاجراء الأمنى .. ادارة المحطة تعتذر لكم ، و تشكركم على تعاونكم مع رجال الشرطة .. المترو القادم من محطة ( .... ) يصل على رصيف ( 2 ) فى غضون ثوان .. أكرر .. مسموح الآن للسادة .. " ..
    راح النداء يتردد عدة مرات ، و اختلط باشارات التنبية المصاحبة لدخول المترو ، و توقفه الى الرصيف ( 2 ) و تكالب المواطنين عليه اثر انفتاح أبوابه بنعومة .. أما ( شمعون ) فقد تحرك فى اتجاه معاكس نحو مكتب شرطة المحطة و هو يكاد ينفجر غيظا و غضبا لفشله فى اقتناص هدفه و ..
    وبغتة ومض بريق خاطف فى ذهنه عندما مرت عيناه للحظة على شئ ما داكن ملقى داخل صندوق المهملات ، و ان تدلى جزء منه خارج الصندوق .. تحرك نحو الصندوق بخطوات أقرب الى العدو ، و فتح غطائه ليخرج منه هذا الشئ ، و يرمقه بنظرة فاحصة ..
    كان هذا الشئ عبارة عن سترة جلدية سوداء عثر بجيبها الداخلى على شارب مستعار ، و بقايا بطاقة هوية ممزقة تحمل صورة شاب وسيم ذو شارب ، و بجوارها اسمه : ( محمد مرعى ) ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    " .. كل ما لاحظته أنه ممشوق القوام ، صاحب شارب كث ، و يرتدى سترة جلدية سوداء .. " ..
    " .. لقد علمنا من حارس البناية التى كان يختبئ فيها باسمه .. ( محمد مرعى ) .. "
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    تيييييييييييييييييييييت ..
    " المترو رقم ( .... ) المتجه الى محطة ( ... ) يغادر الآن رصيف المحطة " ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    استوعب ( شمعون ) الموقف فى جزء من الثانية فانقبضت أصابعه بقوة على السترة الجلدية ، و هو يلتفت بحركة حادة الى عربات المترو التى بدأت حركتها ، قبل أن يندفع نحوها ، و يخاطب ( وليد ) عبر ميكروفون الاتصال هاتفا :
    - انه يهرب أيها الضابط ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    - نحن لن نخاف .. و لن نتراجع عن مواقفنا تجاه الارهاب و التطرف العربى ..
    ( تصفيق شديد ) ..
    - ان الاتحاد اللبنانى بما يرتكبه من جرائم ضد ( اسرائيل ) يذكرنى بما ارتكبه النازيّون فى حق اليهود من جرائم بشعة .. بل بكل ما عانى منه الشعب اليهودى عبر تاريخه الطويل من اضطهاد و تطرف مقيت على يد الشعوب المختلفة لا لشئ الا لكونه شعب الله المختار ..
    و لكن لكل شئ حد .. و لقد نفد الصبر الآن .. و لا أرى حقا ما يدفع الشعب اليهودى لمزيد من الصبر على الاستفزاز اللبنانى المتواصل .. و انى من موقعى هذا أعلن أن جامعة الدول العبرية بصدد اتخاذ مواقف سياسية و عسكرية غير مسبوقة فى تاريخها اذا لم يستجب الاتحاد اللبنانى لمطالبها ، و التى يأتى على رأسها اعادة الجنود المخطوفين ، و الاطاحة بالحكومة الحالية لدعمها المستمر للارهاب ..
    ( تصفيق شديد جدا ) ..
    ( قطع على استوديو قناة الجزيرة بالدوحة ) ..
    - كان هذا أيها السادة جزءا من المؤتمر الافتتاحى لقمة الدول العبرية السادسة و الخمسين ، و الذى حضره ملوك ( السعودية ) و ( مصر ) و (الأردن ) و ( العراق ) .. و قد أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلى الذى ترأس المؤتمر أن الجامعة العبرية ستتخذ اجراءات سياسية و عسكرية غير مسبوقة ضد الاتحاد اللبنانى لم يتم الاعلان عنها حتى الآن .. هذا و قد بدأت بالفعل منذ دقائق الجلسات الغير معلنة بين ملوك و قادة الدول العبرية ، و سنوافيكم بالأخبار تباعا ان شاء الله ..
    و الآن .. مع النشرة الاقتصادية برعاية ( كيوتك ) ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    - هويتك لو سمحت ..
    نطق رجل شرطة المترو الخاص بمحطة ( ... ) بهذه العبارة بلهجة هى مزيج من الأدب و الحزم ، فمد الشاب الذى وجهت اليه العبارة أصابعه الى جيب قميصه ، و ناول بطاقة هويته للشرطى الذى تفحصها بعناية ، و قارن الصورة بوجه صاحبها الذى تشير البطاقة الى أنه محام يدعى ( مكرم بسطا ) ، قبل أن يعيدها اليه قائلا بابتسامة :
    - شكرا لتعاونك سيد ( مكرم ) ..
    و انصرف الى شخص آخر دون أن يبالى بالابتسامة التى أجاب بها ( مكرم ) تحيّته ، و التى اختفت على الفور بمجرّد التفاته عنه ، لينتقل النشاط بعدها الى عينىّ صاحبها اللتان راحتا تدور فى وجوه الحضور ، و كأنهما تبحثان عن شخص محدد ..
    " الوقت يمر بسرعة .. أين أنت يا ( ماهر ) ..؟؟.." ..
    كذا هتف الشاب فى أعماقه – و ان ظلّت ملامحه هادئة لا تبوح بالانفعالات المختلفة التى تجيش فى صدره – و هو يبحث بين جمهور الرّكاب عن وجه صديقه المدعو ( ماهر ) .. الزحام شديد حقا .. لربما كانت هذه نقطة فى صالحه .. الزحام يقلل من فرص العثور عليه .. ينظر فى ساعته .. يرفع رأسه ليجوس بعينيه فى وجوه الناس .. أين أنت يا ( ماهر ) ..؟؟..
    يحمد الله أن قد وفقه الى حمل بطاقة هوية احتياطية مزورة باسم ( مكرم بسطا ) .. لولاها لما فكر فى التخلص من هويته الأولى – المزورة أيضا – و التى تحمل اسم ( محمد مرعى ) ، و لما تمكن من الافلات من حصار المحطة السابقة .. النداء يتكرر عبر الاذاعة الداخلية مطالبا الجمهور بالتعاون مع شرطة المترو ، و معتذرا عن توقف الخط لوجود مشكلة أمنية .. مزيج من الذعر و السخط ينتشر بين الناس .. " خير اللهم اجعله خير " .. " ايه الحكاية بالظبط ..؟ " .. " هو فيه ارهابيين واللا ايه ..؟ " .. " ماما .. فى ايه ..؟ " .. " ( بغلظة ) احنا ناقصين عطلة ..؟؟ " ..
    التوتر يملأ نفسه .. بين لحظة و أخرى سيصل رجال الأمن الداخلى .. و هم أقدر بالتأكيد على كشف أمره .. و هم لا يرحمون .. المشكلة أن الاسطوانة مازالت معه .. و وقوعها فى أيديهم كارثة بكل المقاييس .. يلتقط نفسا عميقا .. يشق طريقه نحو " الكافيتريا " حيث ينتظره ( ماهر ) ..
    أصوات احتداد بين المواطنين .. طفل صغير ينفجر باكيا ..
    أصابعه تتحسس الاسطوانة .. يكاد يسمع صوت رئيسه يتردد فى جنبات عقله " لابد أن تصل الخريطة فى موعدها يا ( أحمد ) باذن الله .. لا مجال لأى تأخير أو اعاقة .. ".. يخفق قلبه مع وقع الكلمات فى رأسه ، و يقترب من الكافيتريا و ..
    هاهو ذا .. يقف مستندا الى الحائط بجوار المدخل و يطالع احدى الصحف بتراخ ، و من آن لآخر يرفع رأسه ليديره فى وجوه المحيطين ، و هو يتثاءب .. التقت عيناهما .. لم يصدر عنهما أى رد فعل معين .. غير أن ( أحمد ) بدّل اتجاه سيره متجها نحو دورات المياه ، و ظل ( ماهر ) واقفا يقرأ صحيفته لثوان ، قبل أن يطويها ، و يتحرك – بدوره - بخطى متثاقلة نحو دورات المياة ..
    " شايف المكنة اللى واقفة هناك دى ..؟ " .. " احنا مش هانخلص بقى ..؟ " ..
    ببطء يدوران دورة كاملة .. يخترقان الزحام .. يقتربان من بعضهما البعض ..
    " البطاقة من فضلك " .. " هو فى ايه بالظبط يا باشا ..؟ " ..
    يقتربان أكثر و أكثر ..
    مد ( أحمد ) أصابعه و أخرج الاسطوانة ، و تأهب ليسقطها بين أصابع ( ماهر ) عند لقائهما ..
    هاهو ذا يتقدم منه وسط الزحام .. ثلاثة أمتار فقط تفصلهما و ..
    " مرحبا بك يا سيد ( مرعى ) " ..
    رفع ( أحمد ) عينيه بسرعة الى صاحب الصوت الذى يخاطبه ، و رآه ..
    رأى ( ديفيد شمعون ) ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    كان ( ماهر ) يتحرك نحو ( أحمد ) بهدوء ظاهر يخفى فى أعماقه انفعالا و تحفّزا كبيرا لالتقاط الاسطوانة المدمجة من بين أصابعه عند التقائهما ، غير أنه تجمد فى مكانه عندما لمح ( شمعون ) يتحرك ليقف بينهما مواجها ( أحمد ) ، و سمعه يخاطبه بالعبارة سالفة الذكر ..
    أمّا ( أحمد ) نفسه ، فخطر له لجزء من الثانية أن يستدير و يطلق ساقيه للريح ، و لكنّه تمالك اعصابه بمقدرة فائقة ، و تطلع بهدوء الى ( شمعون ) الواقف أمامه بقامته الفارعة و منظاره الداكن الأنيق الذى يخفى عينيه برغم أن الوقت مساء ، و ابتسامته الظافرة و البطاقة البلاستيكية المثبتة الى صدر سترته و الّتى تحمل شعار الأمن الداخلى ، و تساءل :
    - هل تكلمنى ..؟..
    اتسعت ابتسامة ( شمعون ) و هو يجيب :
    - بالطبع ..
    - لابد أنك مخطئ يا سيدى .. اسمى ليس ( مرعى ) .. أنا ( مكرم بسطا ) .. محامى بالنقض و هذه بطاقتى تشهد بذلك ..
    و ناوله البطاقة ، فألقى ( شمعون ) نظرة متفحصة عليها ، قبل أن يدسّها فى جيبه قائلا :
    - تبدو حقيقية .. و لكننّا سوف نستوثق من ذلك ..
    - هى حقيقية بالفعل سيدى ..
    خفض ( شمعون ) بصره بغتة و تطلع الى الاسطوانة بين أصابع ( أحمد ) و سأله مشيرا اليها :
    - ماذا تحوى هذه الاسطوانة ..؟..
    - ( على الفور ) : قضية هامة أعمل عليها ..
    - ( يمد يده ) : أعطنى ايّاها ..
    - و لكن يا سيدى هذه أسرار عمل و ..
    قاطعه ( شمعون ) و هو يستل مسدسه من غمده بحركة مباغتة و يسدده اليه :
    - لا داعى للمراوغة يا فتى .. لقد كشفتك منذ اللحظة الأولى ..
    تراجع المتجمهرون الّذين التفوا حولهم اثر ظهور السلاح ، و ارتفعت شهقات و صيحات الارتياع ، فى حين سيطر ( أحمد ) على أعصابه ، و قال متظاهرا بالدهشة :
    - سيدى .. أنا لا أفهم شيئا ..
    - ( بغلظة ) : لا تتذاكى علىّ .. أعطنى الاسطوانة و سر أمامى بلا مناقشة ..
    هنا – و على ذكر الاسطوانة – تدفق الدم حارا فى عروق ( أحمد ) ، و تحفّزت عضلاته للقتال و ..
    و بغتة هوت تلك الضربة القوية على رأس ( شمعون ) الذى ترنّح مطلقا صيحة ألم ، و حاول أن يستدير مواجها ( ماهر ) الذى ضربه ، و لكن هذا الأخير عاجله بضربة أخرى عنيفة أسقطته أرضا ، و صاح مخاطبا ( أحمد ) و هو يختطف المسدس من بين أصابع ( شمعون ) :
    - اهرب يا فتى .. اهرب ..
    قال ( أحمد ) بتوتر :
    - و لكن ..
    - ( مقاطعا بحدة ) : لا تدعهم يحصلون على الاسطوانة .. هيّا ..
    مرة أخرى حسم ذكر الاسطوانة الأمر ، فانطلق ( أحمد ) يشق طريقه بين جموع الجماهير المذعورة ، و شعر بيد قوية تمسك بذراعه ، و سمع صوت صارم يهتف :
    - توقف ..
    كان أحد رجال شرطة المترو الّذين هرعوا الى موضع القتال و قد جذبهم صراخ الجماهير ، فسحب ( أحمد ) ذراعه بعنف ، و هوى على فك مطارده بلكمة عنيفة ألقته خلفا ، و رأى اثنين من رجال الأمن الداخلى يشقون طريقهم نحوه ، فدسّ الاسطوانة فى جيبه ، و انطلق محاولا الهرب بين الجموع ..
    أما ( ماهر ) فقد جذب ( شمعون ) – الّذى أدارت الضربات رأسه – من سترته ، و رفعه ليواجه به رجال الأمن الداخلى الّذين أحاطوا به مسددين اسلحتهم نحوه ، و ألصق فوهة المسدس بصدغه – صدغ ( شمعون ) طبعا – صائحا :
    - حركة واحدة خطأ ، و أنسف لكم رأسه ..
    برز المقدم ( وليد ) من بين الصفوف ، و قال مخاطبا ( ماهر ) :
    - لا داعى لهذا العبث يا فتى .. ألق سلاحك و سلّم نفسك ..
    تراجع ( ماهر ) بظهره جاذبا ( شمعون ) حتى التصق بالحائط من خلفه ، و هتف بانفعال :
    - لن أفعل .. و سأقتله ان لم تطيعوا أوامرى ..
    - ستموت معه ..
    - هذا أفضل من أن أموت وحدى ..
    كان الهرج و المرج قد سادا تماما فى المحطة ، و تعالت صرخات الهلع و الرعب من الناس ، و شعر ( وليد ) بحنق بالغ لأن هذا الموقف قد يتسبب فى هز هيبة الأمن الداخلى أمام المواطنين العاديين ، فقرر فى أعماقه أن ينهى الأمر بصورة استعراضية تثير الرعب فى قلوب الحاضرين ، و هتف فى غضب :
    - لن تموت ببساطة كما تظن ان قتلته .. سنقبض عليك ، و سأجعلك تتمنى الموت فعلا فلا تحصل عليه ..
    - ( بحدة ) : لا تضع الوقت أيها الضابط .. مر رجالك بالقاء أسلحتهم و افساح الطريق ..
    لم يتحرك ( وليد ) أو يتكلم ، و ظل يصوب اليه نظرات نارية ، فصاح به و هو يدفع مسدسه فى صدغ ( شمعون ) :
    - أطع أيها الوغد و الا قتلته ..
    و هنا تحرّك ( شمعون ) بغتة ، فدفع رأسه خلفا لتضرب أنف ( ماهر ) و تفجر منها الدماء ، و قبل أن يصرخ الأخير متألما ، ارتفعت أصابع ( شمعون ) لتقبض على المسدس فى يده و ترفعه عاليا ، ثم تحرك مرفقه ليغوص فى معدته ، و انفلت بغتة من بين ذراعيه ، واستدار اليه بسرعة خاطفة ليهوى على وجهه بلكمتين قويتين متتابعتين أسقطتاه أرضا ..
    حدث هذا كله فى مالا يزيد عن ثانيتين ، حتى أن ( ماهر ) الذى بوغت بمبادرة ( شمعون ) لم يجد وقتا ليدافع عن نفسه .. و فى اللحظة التالية كانت أحذية و كعوب بنادق رجال الأمن الداخلى تنهال على وجهه و جسده بمنتهى العنف و الشراسة ..
    و اندفع ( وليد ) نحو ( شمعون ) هاتفا :
    - حمدا لله على سلامتك سيد ( شمعون ) ..
    سأله ( شمعون ) بلهفة و كأنه لم يسمعه :
    - أين ذهب الآخر ..؟..
    أسرع ( وليد ) يجيب :
    - رجالى ذهبوا فى اثره يا سيدى .. و سيقع فى أيديهم لا محالة ..
    - و لماذا لم تذهب معهم ..؟..
    - ( بارتباك ) : لم أكن لأتركك تحت رحمة هذا الكلب يا سيدى و ..
    قاطعه ( شمعون ) بغضب :
    - أيها الأحمق .. و ماذا فعلت بانتظارك معى ..؟.. لقد خلّصت نفسى بنفسى .. كان عليك أن تتابع الآخر الذّى يحمل الاسطوانة المدمجة ..
    احتقن وجه ( وليد ) لاهانته أمام رجاله ، و فتح فمه ليقول شيئا غير أنه فى ذات اللحظة دوت ثلاثة طلقات نارية من بعيد ، أثارت المزيد من الرعب بين الجماهير فارتفع صراخ النساء و بكاء الأطفال ، و التفت ( شمعون ) و ( وليد ) بحركة حادة الى الجهة التى أتى منها الصوت ، و تبادلا نظرة سريعة ، قبل أن يندفع الأول ليشق طريقه نحوها دون أن ينطق بحرف ، فى حين هتف الثانى برجاله مشيرا الى ( ماهر ) الذى استلقى أرضا مهشم العظام :
    - احملوا هذا الوغد الى السيارة .. ايّاكم أن يهرب منكم ..
    و انطلق مخترقا الحشود – الّتى أفسحت له الطريق فى خوف – فى اثر ( شمعون ) نحو مصدر الطلقات ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    - ما بك يا صديقى ..؟..
    نطق رئيس الوزراء الاسرائيلى بهذا السؤال مبتسما بلطف ، غير أنّك - جلالة الفرعون – ظللت جالسا ، و عيناه شاخصتان فى الفراغ و كأنما لم تسمع حرفا ، فكرر الاسرائيلى سؤاله بنفس الابتسامة و لكن بصوت أعلى ، جعلك تنتبه اليه ، و تلتفت اليه بدهشة متسائلا :
    - هل تخاطبنى ..؟؟..
    - بالطبع يا صديقى .. كنت أسألك عن سبب هذا الشرود الّذى أصابك الّليلة .. انك تبدو و كأنّك فى عالم آخر ..
    - ( بابتسامة باهتة ) : لا شئ يا عزيزى .. اننى ..
    و بترت عبارتك و كأنّما لا تجد ما تقوله ، فاستحثك الاسرائيلى متسائلا :
    - انّك ماذا ..؟..
    - ( بعد تردد ) : لا أدرى .. هناك شئ ما عالق بذهنى ، لا أستطيع أن أتذكره .. شئ رهيب أشعر به فى جنبات عقلى ، و لكننى لا أذكر منه شيئا .. و رغم ذلك فهو راسخ و مؤكد ..
    - ( يعقد حاجبيه ) : أى شئ هذا ..؟..
    - ( بحيرة ) : قلت لك لا أذكر شيئا .. و لكننى فى أعماقى .. أأ .. أرتجف هلعا .. ليس هناك شئ محدد يخيفنى .. و لكننى بالفعل خائف ..
    كنتما جالسين على مقعدين وثيرين على سطح احدى البواخر الفاخرة الطافية فوق سطح ( النيل ) ، و الّتى تتبع شركة الملاحة النيلية الاسرائيلية ، و كان السطح يعج بحشد من رجال الدولة اليهوديّة ، و ملوك الدول العبرية الشقيقة و حواشيهم ، و قد تناثروا فى أرجاء السطح الواسع ، و تفرّقوا بين متحدث و منصت و آكل و شارب .. و برغم الأطعمة الفاخرة و الهواء المنعش ، و المشهد الخلاب لأضواء العاصمة الاسرائيلية ( القاهيرات ) المنعكسة على صفحة ( النيل ) المظلمة ، الا أن التوتر تسرب الى حديثك مع رئيس الوزراء الاسرائيلى الّذى تساءل بحذر :
    - هل هناك علاقة بين ما تشعر به و بين ما حدث صباح اليوم ..؟؟..
    تلتفت اليه مدهوشا و تسأله :
    - و ما الّذى حدث صباح اليوم ..؟؟..
    - ( بمزيد من الحذر ) : هذا الصباح .. الانذار .. الـ ..
    و بتر عبارته بغتة ، فهتفت أنت :
    - الـ .. ماذا ..؟؟..
    ضاقت حدقتا الاسرائيلى و هو ينظر اليك ، بينما راح ذهنه يعمل بسرعة ..
    لو كنت تملك القدرة على قراءة الأفكار ، لعلمت أنه يفكر بشأن كلماتك .. لقد شاهد – كما فعل الجميع – البيان الّذى ألقاه المتحدث الرسمى باسم القصر الملكى بخصوص حادث انطلاق صافرات الانذار بالقصر ، و – كما فعل الجميع – لم يصدق حرفا ، و كانت التقارير الّتى رفعتها المخابرات اليه اليوم تشير الى حدوث هجوم من نوع ما على القصر الملكى ، لم تحدد التقارير طبيعته و درجته ، و لكنّها أشارت الى أن الفرعون و اسرته غادرا الجزيرة المقام عليها القصر و انتقلا الى قصر ( رأس التين ) بـ ( الاسكندرية ) .. اذن ما الأمر ..؟؟.. ما الّلعبة الّتى يمارسها الفرعون بالضبط ، و عهده به أن قدرته على التلاعب معه – و معه بالذات – محدودة للغاية ..؟؟.. أحقا لا يذكر شيئا مما جرى هذا الصباح ، أم أنه يدبر لشئ ما مع الأمريكان ..؟؟..
    و لكنّك لسوء الحظ لا تملك القدرة على قراءة الأفكار ..
    " ما الّذى حدث صباح اليوم ..؟؟.."..
    - ( بابتسامة سريعة ) : التجربة الأمنية التماثلية الّتى أجريتموها فى القصر يا صديقى .. هل هى السبب فى توترك و عصبيّتك ..؟..
    تصمت للحظات قبل أن تتمتم :
    - لا اعرف حقا ( ايهو ) ..
    خبط الاسرائيلى على كتفك قائلا :
    - لا تدع أى شئ يقلقك يا عزيزى .. أنت الآن هنا فى ( اسرائيل ) .. أكثر الأماكن أمنا بالنسبة لك .. لن يمسّك أى سوء ..
    - ( بابتسامة شاحبة ) : و ماذا عن الصواريخ اللبنانيّة ..؟؟..
    - ( يعقد حاجبيه ) : حتّى الصواريخ اللبنانيّة لا تستطيع الوصول الينا هاهنا .. لا تدع تلك الضجة الّتى يثيرها أوغاد ( حزب اللـ .. ) ..
    - ( مقاطعا ) : تقصد ( الاتحاد اللبنانى ) ..
    - أيّا كان .. لا تدع هذا الضجيج الّذى يثيرونه يخدعك .. انهم أوهن بكثير ممّا يبدون عليه .. و مهما بلغت قوّتهم ، فلن يستطيعوا أن يحرّكوا لنا ساكنا ..
    - و ماذا عن رجالكم المأسورين ..؟..
    - ( بصرامة ) : سنستعيدهم ..
    - و لماذا اخترقوا الحدود اللبنانية أصلا ..؟؟..
    - ( يتراجع فى مقعده ) : حركة استفزازيّة ..
    و أشار الى احد النادلين المنتشرين فى المكان ، فاقترب الأخير حاملا صفحة عليها مجموعة من الكؤوس الملونة و انحنى أمامهما ، فتناول الاسرائيلى كأسين ناولك احداهما ، و ارتشف من الثانى متلذذا ثم قال ببطء :
    - التعاون التجارى و العسكرى و السياسى بين ( الاتحاد اللبنانى ) و ( ايران ) يزداد قوة وفاعلية .. و نحن لن نقف مكتوفى الأيدى أمام هذا التهديد الّذى يهدد أمن ( اسرائيل ) ..
    - ( بدهشة ) : ماذا تقصد ..؟؟..
    - ( مبتسما بغموض ) : ستعرف بالتأكيد يا صديقى ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    لهث ( وليد ) بشدة و هو يعدو خلف ( ديفيد شمعون ) عبر ممرّات محطة المترو ، و كادت قدمه أن تزل أكثر من مرة على بلاطات الأرضية المصنوعة من البورسالين الفاخر ، حتى وجدا أمامهما جسدىّ الجنديين الّذين انطلقا فى اثر ( أحمد ) ، و قد استلقى أحدهما يتلوى من ألم كسر فى ذراعه ، بينما سكن الثانى تماما ، و قد اخترقت ثلاثة رصاصات جسده فصرعته .. و برغم صرخاته ، انقض ( شمعون ) على الجندى المصاب و جذبه من تلاليبه صائحا :
    - ماذا حدث ..؟؟.. أين ذهب ..؟؟.. أين ..؟؟..
    - ( متألما ) : لا أعلم يا سيدى .. لقد باغتنا و اتخذ جسد ( خليفة ) درعا تلقى به رصاصاتى ، ثم انقضّ علىّ و كسر ذراعى و ..
    - ( صارخا ) : و أين ذهب ..؟؟..
    - أأ .. لا أعرف .. لقد كسر ذراعى و طرحنى أرضا ثم اختفى ، و ..
    لم يدعه ( شمعون ) ليتم عبارته ، فدفعه أرضا ليسقط صارخا بألم ، و نهض و هو يقبض على مسدسه و يتلفّت حوله بتحفز ، و تساءل ( وليد ) :
    - ماذا نفعـ ..؟..
    و قبل أن يتم سؤاله ارتفع صوت رنين مزعج ، فصاح ( شمعون ) :
    - ما هذا ..؟؟..
    و فى اللحظة التالية انهمرت زخّات كثيفة من المياه من الرشّاشات المثبتة بالسقف لتغرق المكان ، و ارتفع صوت انثوى مسجل :
    - انذار حريق .. انذار حريق .. ستفتح جميع البواب آليا .. الرجاء من السادة روّاد المحطة اتّباع تعليمات الأمن و الخضوع لتوجيهات رجال شرطة المترو .. أكرر .. انذار حريق .. انذار حريـ ..
    و بينما راح النداء يتردد هتف ( وليد ) :
    - حريق ..؟؟.. ما الّذى يحدث هنا ..؟؟..
    صاح ( شمعون ) و الماء المنهمر من السقف يغرق شعره و حلته :
    - لا وقت للكلام أيها الضابط .. مر رجالك فورا بمنع خروج أى أحد من أبواب المحطة ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    الساعة الآن الواحدة صباحا ..
    أنت الآن – أيها الفرعون العظيم - مستلقى فوق فراشك الوثير فى ذلك الجناح الفاخر فى الباخرة الاسرائيلية ( ايلات ) المتهادية فوق سطح ( النيل ) .. الأمواج تضرب جدران الباخرة بلطف فتسبب رجرجة خفيفة تبعث راحة غير عادية فى أجساد الركاب .. غير أن مزاجك الملكى لم يكن على ما يرام بحيث يستجيب لمؤثرات من هذا النوع ..
    برغم فخامة المكان ، و الهواء المكيف بفعل جهاز التكييف ، و الشاشة العملاقة الّتى تنقل اليه كافة عروض القنوات الفضائية عبر القمر الصناعى .. برغم العشاء الدسم الّذى تناوله و الكؤوس الّتى تجرعها .. برغم اليوم الشاق الّذى مرّ به ..
    برغم كل هذا كنت عاجزا عن النوم ..
    أصابعك تضغط أزار ( الريموت كنترول ) ليتنقل بين المحطات الفضائية المختلفة دون أن تتوقف عند واحدة بعينها .. بالواقع لم تكن تلاحظ أى شئ ممّا تقع عليه عيناك ..
    ( ستيفن جيلر ) قائد حرسك الشخصى يقطن فى الغرفة المجاورة .. و قد أوقف اثنين من جنود الحراسة الأشدّاء على باب جناحك ، برغم كون السفينة الاسرائيلية مؤمنة جيدا ..
    و لكن ..
    ياللقلق .. ياللشعور المزعج بالخوف الّذى يموج فى قلبك و تتلوى له أحشائك ..
    ممّ تخاف ..؟؟.. أنت بالفعل آمن آمن .. لا يوجد حولك ما يمكن أن يخيفك .. انّك بكل تأكيد أكثر أمنا ممّا أنت عليه فى جزيرتك .. فى قصرك .. أنت الآن فى ( اسرائيل ) .. بين أحضان أحبابك و حلفائك ..
    هل تخاف الموت ..؟؟.. لا يوجد ما يخيف .. حتى لو مت ، فأنت ذاهب الى الجنة بكل تأكيد .. اذا لم تدخل الجنة – أنت الّذى أفنيت حياتك فى خدمة شعبك حتى جعلته من أرقى الشعوب – فمن يدخلها ..؟؟.. كن مطمئنّا من هذه الجهة تماما ..
    أنت آمن .. آمن .. آمن .. آم..
    .......
    ..........
    .............
    ...............
    .................
    ......................
    اهئ .. اهئ ..
    ما هذا الصوت ..؟؟..
    لقد غفوت للحظات .. كم الساعة الآن ..؟؟.. انها الثالثة و النصف صباحا .. ليست مجرد لحظات اذن .. لقد نمت أكثر من ثلاثة ساعات .. ما الّـ ..
    اهئ .. اهئ ..
    ما هذا الصوت ..؟؟..
    هل هو صوت الأمواج ..؟؟..
    اهئ .. اهئ ..
    لا .. ليس صوت الأمواج بالتأكيد .. انه صوت بكاء .. هناك من يبكى ها هنا ..
    هذا غريب .. من يبكى فى جناحك ..؟؟.. الخاطر يدهشك أكثر ممّا يخيفك .. اهئ .. اهئ .. الصوت قادم من الحمّام الملحق بجناحك .. هل ستنهض لترى مصدره .. افعل .. و لكن خذ معك مسدسك – الّذى يعلم الجميع انه لا يفارقك – و جهاز الاتصال اللاسلكى ..
    اهئ .. اهئ ..
    تتحرك بخطوات مترددة نحو باب الحمّام المغلق ..
    اهئ .. اهئ ..
    لا ريب فى أن الصوت قادم من هناك ..
    هناك من يبكى خلف الباب المغلق ..
    بيد مرتعشة .. تدفع الباب ..
    و بأصابع مرتجفة تضغط زر الانارة ..
    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
    نهاية الحلقة الخامسة .

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.59

    افتراضي

    الثابت...
    بالرغم من طولها...الا انني وجدتها تنصب على مسألة مهمة...وهي قضية كل انسان واعي قد اغتصب وطنه.. وهو اما عاجز او ليس بمبالي..او مغترب فار هارب...هي قضية كل انسان.. وكل منا يحملها وفق مايراها من مقايس ومعايير ..لانها في الاصل تنبت في ذاته وفق مواقف خاصة وقلما نجدها موقف عامة تخق القضية..في زمننا هذا.

    اراك بلا شك في روايتك..هذه تجيد الحبك..واستخدام الحدث بصورة لاتمل..بل انك تجعل الاخر يتابع معك وبشوق متناهي لمعرفة ما قد يحدث..ولاانكر ان بعض الاحداث تبدو مألوفة ويمكن التكهن بما ستؤل اليه..الا ان ذلك لم ينقص من قيمة العمل والنص.
    الانسان المعاصر عاجز عن حمل قضيته وعن استخدام العقل واصدار القرارات،عاجز عن تقدير الحياة،وفقدت الدنيا وحدتها وعاد الانسان مرة اخرى يعبد اشياء متنوعة كما كان قديما مع استثناء واحد وهو ان هذه الاشياء باتت من صنع الانسان بعدما كانت جزءً من الطبيعة.

    الثابت..
    عذرا لهذه القرأة السريعة...

    دمت بخير ومحبة

    جوتيار

  3. #3
    الصورة الرمزية حسام القاضي أديب قاص
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+الكويت
    العمر : 60
    المشاركات : 2,167
    المواضيع : 74
    الردود : 2167
    المعدل اليومي : 0.38

    افتراضي

    أخي الفاضل الأديب / شريف ثابت
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مازلت يا اخي تواصل تشويقك واثارتك معنا في الجزء الخامس
    تشابكت الأحداث ما بين شخصي وعام ولكن وبرغم طول هذه الجزء ـ كما أشار الأستاذ جوتيار ـ إلا أنك ملكت خيوط العمل بين يديك بمهارتك المعتادة ، نجحت في ان تجعل الألم يتملكني لما قد تصل إليه أمور عامة الناس من فقر وقهر وجوع ، ويأس ..مشهد سائق الميكروباص واقعي ويحدث بالفعل ومؤلم حتى النخاع .
    أكملت حلقات المطاردة بربطها بمشروع مترو أنفاق الأسكندرية بما ضمنته بمزيد من القهر المختلط بالعهر السياسي ..مطاردة ربما آخر امل باق في خضم هذا اليأس المحدق بالجميع .
    براعتك في تخيل ما قد يأتي تجعلني أكاد أصدقه بل وأحاول الفرار منه كالغارق في كابوس مرعب.
    كعادتك الأثيرة تركتنا في مفترق الطرق لننتظر القادم ؛ فلا تتركنا ننتظر كثيراً.
    تقبل تقديري واحترامي .
    حسام القاضي
    أديب .. أحياناً

المواضيع المتشابهه

  1. مسلسل أرباب المهن ورباتها - الحلقة الخامسة - طبيب الأسنان
    بواسطة أبو القاسم في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 16-11-2019, 08:02 PM
  2. فضفضة ثقافية (الحلقة الخامسة)
    بواسطة محمود سلامة الهايشة في المنتدى قَضَايَا أَدَبِيَّةٌ وَثَقَافِيَّةٌ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 14-05-2013, 04:28 AM
  3. زائر آخر الليل : الحلقة الرابعة ..
    بواسطة شريف ثابت في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 19-01-2007, 02:49 AM
  4. زائر آخر الليل : الحلقة الثالثة ..
    بواسطة شريف ثابت في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 03-12-2006, 01:02 PM
  5. زائر آخر الليل : الحلقة الثانية ..
    بواسطة شريف ثابت في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 26-09-2006, 10:46 PM