أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: جارتي والحرب

  1. #1
    الصورة الرمزية صبيحة شبر قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    المشاركات : 590
    المواضيع : 69
    الردود : 590
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي جارتي والحرب

    جارتي والحرب
    تأخذ المراة الجارة ، بالتنقل بين غرف المنزل ، مرتبة ، منظفة الأثاث من الأوساخ العالقة ، ماسحة الغبار المتراكم ، بقطعة قديمة من قماش ، استمع الى صوت فيروز الجميل المنعش ، بعد أن هدني التعب ، وأمضني الترقب ، وحاولت الاستسلام للنوم ، فجاء متقطعا على غير رغبة مني ، اشعر ان جسدي منهك وروحي متعبة ، بذلك الألم الشديد والمتواصل ، والقلق المستمر ، ولكني حين رأيت جارتي تتنقل في أرجاء المنزل ، لتبعث بالحيوية المفقودة ، من جراء الإجهاد الطويل شعرت بنوع من السعادة ،كنت افتقده
    اسمع صوتا خافتا للمذيع ، وهو يقرأ نشره الأخبار الأخيرة ، القتلى بالآلاف ، والجرحى يتكدسون على ممررات المستشفيات ، يحلمون بالشفاء العاجل ، بعد ان أصابت أرواحهم القنابل الفتاكة ،قبل ان تصيب منهم الأجساد
    المراة النشطة ، خفيفة الحركة ، تتنقل كالنحلة من مكان الى آخر ، تدخل الى المطبخ لتهيئ لي طعاما مقويا ، يساعدني على استرجاع عافيتي الناقصة ،ويعين في الإكثار من در الحليب ، فكري مشغول ، والأوجاع تستبد بي ، ماذا يمكن ان يحل بهم ، ليمنعهم من المجيء الي كما هو دأبهم ، ولم اسمع الهاتف يرن ليطمئنني ، على سبب غيابهم الطويل ، كنت آمل ان استمع الى صوتهم الحنون المميز ، والذي يحمل لي غصونا خضراء من الحب والجمال

    - حساء الخصروات غذاء مجرب ، وهو سهل الهضم ، لذيذ المذاق ، يساعدك في عملية الإرضاع
    استمع للمراة القادمة الينا ، بعد ان أعياني الحال ، وأدركت ان الوالدة لا تستطيع المجيء ، على اثر المنع الجديد للسفر ، الذي طال كل المواطنين الا من استطاع ان يحصل على توصية من بعض مناطق النفوذ
    خفت ان أكون وحيدة ، وأنا أترقب هذا الحدث السعيد ، الذي أشهده لأول مرة ، وكدت أموت خشية ، من عدم التمكن من استقباله
    يستمر المذيع في إلقاء نشرته الإخبارية ، والعدد الكبير من القتلى والجرحى ، والمفقودين في تلك الديار الغريبة ، يفجعني ، أتساءل بيني وبين نفسي
    - لم يشعل الحكام الحروب ؟ وما الفائدة منها ؟ ولماذا يحشرون الناس عنوة في تلك الجيوش ؟
    تواصل المراة الجارة تنقلها ، في أنحاء المنزل الواسع ، الذي أصبحت غريبة فيه ، ومهجورة بعد ان سافر لأداء واجبه العسكري كما قال ،تساءلنا ، ماهو الاسم الجميل الذي نطلقه على وليدنا المرتقب ، عددنا الكثير من الأسماء الرائعة وذات المعاني السامية ، ولم نكن نفضل جنسا محددا ، كل ما يرزقه الله جميل
    اسمع صوت تنظيف الصحون من المطبخ ، كانت كثيرة ، ولم اقو على أداء ذلك الواجب الثقيل ، بعد ان ثقل حملي ، وأصبح السير شديد العبء ،كذلك الوقوف الطويل ، وحتى الأشغال المنزلية التي كنت مدمنة عليها ، أضحت صحتى عاجزة عن القيام بها
    تأتيني المراة بقدح من الحليب الساخن ، استرد فيه بعضا من العافية التي احتاج إليها ، في هذه المهمات العسيرة ،التي علي ان أقوم بها
    لم يتصل بي كما وعدني ، وكان تواقا الى رؤية ولده البكر ، ولكن ماذا بالامكان فعله والبلاد في حرب مستعرة ؟
    اشرب جرعات من الحليب ، تقف المراة بجانب سريري ، لم استطع ان أبادلها الحديث ، انا لا افقه لغتها ، وهي لاتعلم من العربية شيئا ، اشعر كما لو ان الله قيض لي أختا حبيبة في ديار ، ابتعد عني الأحباب فيها ، وهاجر الزوج مرغما على أداء واجب ثقيل ، يصرخ الطفل راغبا بالحنين ، محتجا على استقبال الحياة بمفرده ، وكان يحلم ان يكون الأب فرحا متهللا ، بقدومه السعيد
    تعينني الجارة باحتضان الطفل ، وحالما يهدأ ويرغب عن الصراخ المحتج ، حتى أعيده الى المهد ، وكأن هذه الحركة البسيطة قد استنزفت قوتي
    يواصل المذيع قراءة نشرة الأخبار ، القتلى والجرحى بالآلاف ، هل تدرك تلك المراة ان جيشنا يعمل فيهم قتلا وتجريحا ، كما يفعل جيشهم فينا ؟
    تضع المراة يدها على جبهتي ، رغبة في قياس درجة الحرارة ، تنطق ببعض الكلمات التي لا افهمها ، تأتيني بطفلي الصغير ، وتعينني في إرضاعه ، تنبعث من المطبخ رائحة لأكلة شهية ، انتهت تلك المراة من تجهيزها لي ، تساعدني أولا في تناول الدواء الذي وصفه الطبيب ، تؤشر لي بيدها إشارة افهم منها النصيحة لي ، بالنوم بعد سهر متواصل ، تساعدني في تغيير ملابسي التي تبللت من جراء ارتفاع الحرارة وانخفاضها
    تطمئن الى راحتي ، وتغلق الباب بهدوء بعد ان انتهت من عملية التنظيف والطبخ وغسل الملابس ،




    صبيحة شبر
    11 اذار 2007

  2. #2
    أديب وناقد
    تاريخ التسجيل : Dec 2005
    الدولة : بعلبك
    المشاركات : 1,043
    المواضيع : 80
    الردود : 1043
    المعدل اليومي : 0.18

    افتراضي

    أختي الكريمة صبيحة شبر
    لقطة بارعة صورت بيد كاتبة أشد براعة
    دمت مبدعة

  3. #3
    الصورة الرمزية صبيحة شبر قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    المشاركات : 590
    المواضيع : 69
    الردود : 590
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد أبو نعسة مشاهدة المشاركة
    أختي الكريمة صبيحة شبر
    لقطة بارعة صورت بيد كاتبة أشد براعة
    دمت مبدعة
    الاخ العزيز الاديب والناقد القدير سعيد ابو نعسة
    اسعدني تقييمك الجميل
    دمت بخير ومحبة

  4. #4
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.59

    افتراضي

    الشبر..
    العنوان كان كافيا بايضاح المضمون، لكنه كان بلاشك احتماليا، أي يقبل اكثر من احتمال، فالجارة هذه قد تكون عبئا وندا عشيقة، او تكون صورة انسانية في زمن قلما نجد مثل هذه الصور تظهر في الاجتماع، حيث كل نفس باتت تقول بلا روادة نفسي نفسي، لقد اجدتِ في رسم هذه الصورة المشرقة للجارة الحنونة الطيبة، وقبلها كنتٍ قد اجدتِ في رسم ذاتك او ذات الفرد الذي يعاني من كل شيء من حوله، بصورة بهية جدا، فحتى سماع الاخبار في القصة اصبح معاناة لااعلم من يلام عليها، ولااعلم الى متى تبقى اجهزة الاعلام تبث هذه الصور المأسوية علينا دون ان تعي وجود اثار سلبية لها على نفسية المتابع بالاخص اذا علمنا بان الاطفال مشمولون بهذه المتابعة والرؤية.
    القصة روت لنا حالة من الغليان الداخلي جراء سماع ورؤية الالاف من الجثث تطفوا على الشوارع وامام الابواب والاماكن الاخرى، ومعها روت لنا حالة اجتماعية في خضم هذا الموت الذي يلف كل شيء، طفل يبكي وام تعاني وحرب دائرة وموت يكتسح كل شيء، وجارة تقدم العطاء هنا، ذكرتني القصة بمقولة للرافعي في عمرو واليمامتين، حيث تردد وصفية القبطية هو ذهب يزرع الموت والحمامة هنا تزرع الحياة.

    رؤية واقعية للحالة الحياتية التي نعيشها في واقع مر .

    محبتي لك
    جوتيار

  5. #5
    الصورة الرمزية صبيحة شبر قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    المشاركات : 590
    المواضيع : 69
    الردود : 590
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
    الشبر..
    العنوان كان كافيا بايضاح المضمون، لكنه كان بلاشك احتماليا، أي يقبل اكثر من احتمال، فالجارة هذه قد تكون عبئا وندا عشيقة، او تكون صورة انسانية في زمن قلما نجد مثل هذه الصور تظهر في الاجتماع، حيث كل نفس باتت تقول بلا روادة نفسي نفسي، لقد اجدتِ في رسم هذه الصورة المشرقة للجارة الحنونة الطيبة، وقبلها كنتٍ قد اجدتِ في رسم ذاتك او ذات الفرد الذي يعاني من كل شيء من حوله، بصورة بهية جدا، فحتى سماع الاخبار في القصة اصبح معاناة لااعلم من يلام عليها، ولااعلم الى متى تبقى اجهزة الاعلام تبث هذه الصور المأسوية علينا دون ان تعي وجود اثار سلبية لها على نفسية المتابع بالاخص اذا علمنا بان الاطفال مشمولون بهذه المتابعة والرؤية.
    القصة روت لنا حالة من الغليان الداخلي جراء سماع ورؤية الالاف من الجثث تطفوا على الشوارع وامام الابواب والاماكن الاخرى، ومعها روت لنا حالة اجتماعية في خضم هذا الموت الذي يلف كل شيء، طفل يبكي وام تعاني وحرب دائرة وموت يكتسح كل شيء، وجارة تقدم العطاء هنا، ذكرتني القصة بمقولة للرافعي في عمرو واليمامتين، حيث تردد وصفية القبطية هو ذهب يزرع الموت والحمامة هنا تزرع الحياة.
    رؤية واقعية للحالة الحياتية التي نعيشها في واقع مر .
    محبتي لك
    جوتيار
    العزيز جوتيار
    كل قراءة تسعدني بتحليلك الجميل
    واقعنا مر ورغم مرارته فان بعض الناس والبعيدين عنا يقدمون لنا
    الحب وبصورة تدعو الى الدهشة مما يثبت ان دنيانا رغم جفافها
    فان فيها براعم وازهار قابلة للنمو
    اشكرك كثيرا على قراءاتك المميزة
    دمت بخير ومحبة

المواضيع المتشابهه

  1. عطر جارتي
    بواسطة اشرف نبوي في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 11-12-2016, 04:48 AM
  2. جارتي الطفلة الجميلة
    بواسطة شاهر حيدر الحربي في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 05-08-2015, 10:04 PM
  3. جارتي الحمامة
    بواسطة هديل الحربي في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 19-08-2014, 02:27 AM
  4. يا جارتي الحلوة - ق ق ج - نزار ب. الزين
    بواسطة نزار ب. الزين في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 29-06-2014, 09:08 PM
  5. الصحراء والحرب
    بواسطة علي حسين الموصلي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-02-2005, 10:52 AM