أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: (( وسط الزحــــــــــــام )) ... قصة قصيــــرة

  1. #1
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    المشاركات : 8
    المواضيع : 3
    الردود : 8
    المعدل اليومي : 0.00

    افتراضي (( وسط الزحــــــــــــام )) ... قصة قصيــــرة

    وسط الزحام

    - قصه قصيرة -

    لابد انك تعرف من يكون ... لابد أن يكون وجهه الصغير قد طالعك....لا تدري متي ... ولا أين ... ولكنك تعرف أنك قد رأيته من قبل ... وأنك ستراه مرة أخرى ...هكذا كان بائع الجرائد الصغير ... ربما يطالعك وجهه في الميدان الكبير ... و ربما تقع عيناك عليه في الإشارة وهو يتخطى السيارات التي تنتظر المسير... وربما تلقاه في الحافلة التي تستقلها بابتسامته المميزة التي تجمع في تناقض عجيب ما بين البؤس والرضا بالحال وملابسه غير تقليديه التي تهبه برثاثتها واتساعها سنا يفوق سنه الحقيقي بكثير …وإذا ما رأيته حتما سيستوقفك ذلك ( العكاز ) الخشبي الضخم الذي استبدله أو أبدله إياه الزمان كتعويض بخس عن ساقه المبتورة التي فقدها تحت عجلات الترام يوما حينما كان يحاول التشبث به أثناء المسير. .. ولابد انك ستنجذب نحو نداءه المميز ورزمه الجرائد التي تقبع تحت إبطه " … أخبار.... أهرام .... جمهورية "
    لابد انك تعرفه وان كنت لا تدري ... لان الجميع يحفظ ملامحه التي تحفر في الذاكرة من اللقاء الأول ... لابد انك تعرفه... فمن المؤكد انك اعتدت رؤيته كالجميع ... كأنه أصبح جزءا هاما من معالم الطريق .. ربما إلى العمل ... أو الجامعة... وحتما سيتباين إحساسك نحوه إذا ما رأيته ... هكذا حال الجميع ..!!
    فالبعض يبدي نحوه الشفقة ... والبعض ينتابه الشعور بالازدراء... وربما تمادي البعض فتحسس موضع نقوده كأنما سيقدم حتما علي سرقته ...!
    وربما اكتفي البعض عند رؤيته بالابتسام ...!
    هكذا كان بائع الجرائد الصغير ... قد تراه خلسة في مكان ... لكنك حتما لن تفكر من أين أتى ولا أين يذهب في نهاية النهار ...! ... الكل اعتاد أن يراه وكفى ... و كأنه أحد معالم الطريق ... تمر عله دوما دون أن تتساءل من يكون ...!!!
    أما هو ... بائع الجرائد الصغير ... فكان يسكن مع أسرته الصغيرة متواضعة الحال ...كان يعلم انه الركيزة الأولى في دخل هذه الأسرة .. لا يسانده إلا المبالغ الزهيدة التي ربما تحصلت عليها والدته من عملها بالمنازل يوما أو يومين .... هكذا كانت حياته ... وهكذا اعتاد أن تكون ... عبئا ثقيلا ... يقابله يوما بالتذمر ... ويوما أخرا بالابتسام ... ولكن ما لا يستطيع أن ينكره أنه اعتاد هذه الحياة كأنما جبل عليها ... اعتاد أن يستيقظ مبكرا ... اعتاد أن يجري بعكازه ورجله الوحيدة خلف الحافلة ... اعتاد وجوه الناس وكل منهم يحمل نحوه شعورا ما ... واعتاد أكثر كونه يتيما ... بلا أب...أحيانا ما كانت تتكاثر عليه الخطوب علي صغر سنه ... فلا يملك وقتها إلا أن ينعى حاله ... و همومه الكثيرة .... وساقه الوحيدة التي تهربت رفيقتها من إكمال الطريق ... كأنها تعلن الرفض لحاله … تدور به الدنيا دورتها ... يوما يشعر بأنه امتلك الدنيا ... ويوما يشعر بأنه
    لاشي ... لكنه لا ينسي حلمه الأبدي في ألا تبيت أسرته يوما بلا عشاء ...كان يصحو قبل النهار .. ثم يعود إلى بيته في العاشرة صباحا ... فلا يطالعه إلا وجه جده العجوز الكامن في البهو في صمت ... قليلا ما يلقي عليه نظرة ... والأقل أن يسأل عن حاله ... !!... بعدها يلوي رغيفا علي ما يجده .. ثم يهرع مرة ثانيه ليلحق بالجرائد المسائية ...
    هكذا كانت حياته ... وهكذا قدر له أن تكون ... !
    إلى أن كان ذلك اليوم ...
    كان يهرع مسرعا يقطع الميدان الكبير جيئة وذهابا ... وهو يردد بحماسه الروتيني ...
    "أخبار ... أهرام ... جمهورية "
    يعطي هذا جريدة ... ويناول تلك مجلة ... وهذا جريدة أسبوعيه … قبل أن تتوقف عيناه عند تلك الورقة التي قبعت هادئة بالقرب من عجلات إحدى السيارات ... اقترب منها وقد احتبست أنفاسه ... وازداد خفقان قلبه حينما اكتشف أنها ورقة مالية من فئة العشرين جنيها ...!
    اختطفها كأنها كنز ثمين ... وراح ينظر عن يمينه ويساره بحثا عمن يرقبه وهو
    ينفض عنها التراب ... ولم يكد يطمئن إلى انشغال الأعين عنه حتى احتضنها في كفه ... واندفع لا يلوي علي شيء ...وأمام محل الكباب توقف ... تابع بعينيه المحل الفخم من خلف الواجهة الزجاجية تابع الرواد ما بين والج وخارج ... حمل الهواء إليه الرائحة ... فشعر بخدر الجوع يسري في أوصاله ... قرر أن يهرع إلى المحل ... قرر أن يتمرد علي طعامه المعتاد ... قرر أن يجاري علية القوم ...سيجلس فوق مائدة مميزه ويضع النقود أمامه حتى يعرف النادل كم يملك ..
    من مال ...اقترب بحذر من الباب الزجاجي ... توقف قليلا ينظر إلى الرواد عن كثب وقد انهمك الجميع في الطعام ...وبالقرب منه تابع أسرة متجمعة علي إحدى الموائد .. فتذكر أسرته ... ولم يكد ذكر أسرته يرد بباله حتى سرح بخياله ... وقتها أحس بالأنانية ... وقتها شعر انه آثر نفسه علي أسرته التي قدر له أن تكون كل ماله في الحياة ...
    فترة من السكون مرت عليه ... وقد تبدل به الحال ... فنسي نداء معدته الجوعي ... وإن لم تخفت رائحة الكباب من أنفه ... أدار وجهه للمحل وراح يدفع العكاز إلى الأمام تتبعه رجله الوحيدة ...وفي طريق العودة ومع ذكر أسرته احتلت صورة أمه رأسه بوضوح ...
    ..................... ........................ .................
    " الأشقياء في الدنيا بلا عدد أعظمهم شقاء ذلك الصابر الذي أرغمته ضرورات الحياة أن يهبط بآلامه إلى أعماق نفسه فيودعها هناك ويوصد دونها أبوابا من الصمت والكتمان ثم يخرج إلى الناس باش الوجه باسم الثغر متهللا مبتسما كأنما لا يحمل بين جنبيه هما ولا كمدا "
    ..................... ........................ .................
    كلما ضاقت به الدنيا تذكرها ... أمه ..
    كلما شعر أن العالم يجثم علي صدره احتلت صورتها رأسه فشعر معها بالراحة.. . هي ليست فقط أمه ... هي أكثر بكثير ...إنها محركه الأول للسير في الحياة ...كلما تذكر ابتسامتها شعر بان هناك في الحياة ما يستحق أن يعيش لأجله ... لكم تمنى أن يلقى مبلغاً كهذا في يدها ويتركها تفعل به ما تشاء ... لكم يتمنى أن تحمله غير عابئة بمشاكلهم التى لا تنتهي والتي تجبرها في النهاية علي التفكير في كل شيئ سواها...!
    لكم هي حنون...
    لكم شعر بقوتها وبسالتها ...
    لكم تحاملت علي نفسها من أجله ومن أجل أخته ...
    أخته...
    أخته ...
    ترددت الكلمة بمخيلته طويلا ...
    ..................... ........................ .................
    " رائعة هي الطفولة .. نقيه كنقطه ندي .. طاهرة كقلب ملك .. لامعة ككوكب ساطع .. فما اقل أن نسمح لهذه الطفولة أن تبقي .. أن تنعم وتسعد .. فإنها أبداً لا تستحق الشقاء "
    ..................... ........................ .................
    أخته الحبيبة... أمله الدائم في حياه أفضل... لقد التحقت بالمدرسة منذ سنوات ثلاث .. ربما أربع ... لا يذكر جيدا ... ولكن ما يذكره جيدا أنها كانت تلح علي والدتهما أن تعطيها جنيهات عشرين .. ثمنا لدروس التقوية بالمدرسة ... لكم يحب هذه الصغيرة ... إنها أكثر الجميع شعورا به أو هكذا يشعر ... كانت دائما تشجعه علي الرغم من صغرها ... وكان يري فيها
    الأمل ... دائما ما يعجب من ذكائها حينما تشاكسه فيدعوها
    )سقراطة ) فتهرع خلفه بالوسادة ...
    لكم يتمني أن تتفوق لتصبح ما لم يستطع أن يكون ...
    إنها حقا تستحق الجنيهات العشرين بل هي أجدر الجميع بها ... استدار وكأنما عقد العزم علي ما سيفعله ... ومع استدارته وقعت عيناه علي الصيدلية الكبيرة التي تحتل واجهتها جزءا كبيرا من الشارع ... ولم تكد عينه تطالعها حتى تذكر جده...
    ..................... ........................ .................
    " قاس هو الألم فيه من المذلة ما يقهر بلا تفريق ... ولكن غالبا ما يبقي القوي قوياً في كل شيء .. حتى في دمعه وآلامه .. حتى ليخيل لك وهو يبكي وينتحب أن دموعه تلهب الأفق ..وكل زفرة من زفراته تستنزل غضب الله علي الأرض "
    ..................... ........................ .................
    جده الذي انزوي في المنزل منذ زمن بعيد يفوق عمره هو ... سمع انه يعاني من الروماتيزم الذي لا يدري كنهه .. ذلك الشيء الذي نخر عظامه و أبلاها وطرحه عاجزا فوق كنبة عجوز يتقارب عمراهما تزيده و يزيدها قدما وعتقا … ليكمنا سويا في بهو البيت الضيق ...
    تذكر صراخه حينما تفاجئه الآلام ... وتذكر معها علبة الدواء التي كتبها طبيب المستشفي الحكومي والتي عجزوا عن شرائها جميعا ... أو أبوا فالقوت اليومي ربما كان في رأيهم أهم ... حتما ثمنها سيأتي علي هذه الجنيهات العشرين ...!!!
    ..................... ........................ .................
    تدافعت الصور بداخله ...
    وراح السؤال يطرح نفسه علي باله بأحرف بارزة ...
    ترى ..ماذا يفعل بهذه الجنيهات العشرين ؟؟
    جلس فوق الرصيف .. وعقله يبحث عن إجابة .
    طالع السيارات التي تتابع المسير في صمت كأنما لا يشعر بوجوده أحد أو يكترث له ...
    شعر لأول مرة أن أصوات الأبواق العالية تخنقه وهو يحاول جاهدا أن يلتقط أنفاساً حيري كأنما خلا العالم من الهواء ... و لأول مرة في حياته يشعر بأنه وحيد وسط الزحام ..!!
    تحامل علي عكازه ... سار نحو منتصف الشارع دون أن يكترث لأ بواق الإنذار المتعالية ...
    نظر نحو الجنيهات العشرين في يده ... والتي أحالها العرق إلى ورقة مبتلة ...
    نظر نحو الصيدلية .. وقد تذكر آلام جده ...
    ثم لم يلبث وجه والدته أن ملأ مخيلته ..
    وهز رأسه في قلة حيلة وهو يتذكر أخته الصغرى و أمله الدائم في حياة أفضل ....
    تابع بعينيه الزحام مرة أخرى...
    وضم يده علي جرائده بقوة كأنما يتشبث بها ..
    أرخى يده الممسكة بالورقة المالية ...
    تركها تسقط فوق رصيف الشارع ...
    حملها الهواء المنبعث من السيارات المسرعة بعيدا...
    لم يستدر نحوها...لم ينتبه إلى الأيدي التي تدافعت تلاحقها...
    اندفع إلى الأمام في إصرار ... ونداؤه المعهود يتعالى ...
    أخبار .... أهرام ... جمهورية

    - تمت بحمد الله -

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.64

    افتراضي

    دكتور الدسوقي..
    قصة تحكم الكاتب في الربط العضوي بين بدايتها و نهايتها ، ويمكن الفصل في مسار تناميها بين مستويي حضور الشخصية الفاعلة ، بحيث تتحرك في الواقع بوعي اليقظة الشعورية ، من خلال الانشغال في أداء مهمته التي اجبرته الاقدار والانسان على مزاولتها والتي تمخضت عن كسب القوت اليومي من اجل اعالة عائلة لايمكن ان تستغني عن جنيه مقابل فرحة احد ابنائها..ومن خلال نظرة الاجتماع التي تقف امام ذاتها عاجزة مخيبة تائهة وهذا ما يتضح لنا من خلال رؤية الراوي للحدث السردي.. لقد ابدع الكاتب في سرديته هنا ان ينقل لنا الصورة الحية والمباشرة للحالة التي يعيشها الكثيرين امثال بطلنا هذا..وكيف تتوالى عليه الظروف وتحكم عليه وتحاصره بحيث يصبح هو الذي يئن في ذاته يعيش حالة اشبه ما يكون بغيبوبة اليقظة اعلم بان هذا المصطلح غير جائز لكن قياسا بنوعية الالم والوجع الذاتي لديه اخترت ذلك..ومن خلال السردية المتقنة والمترابطة ايضا لامست قدرة القاص على اقتناص الفرحة الذاتية في تلك الذات المهزومة..من خلال اروع صور الانسانية المتمثلة برؤية اخته الطفلة وهي تطمح في تحقيق شيء عجز البطل عن تحقيقه..وكذلك استرجاعه الحميم لحوارها مع الام بشأن الجنيهات.. وفي نفس الوقت الصديلية التي داهمت مخيلته..انها امور لاتحدث كثيرا لاي واحد منا..القوت..العلاج..فرحة الاخت..ربما يكون هنا الاختيار اصعب من اللادة الاولى ذاتها.. و هذه اللحظات الوجدانية التي طغت على الكثير من فترات النص في لحظات الصفاء الذاتي للبطل مع الحياة حيث تطفو لحظة إغفاءة من التعب النفسي ، ذلك اللاشعور الذي يحمل تباشير التصالح مع الحياة .. ونلاحظ في النص هيمنة المفردة الصوفية على الصورة التأملية في مظاهر الواقع . ولعل ما يفرد هذه السردية ، هو هذا المنحى التركيبي من الواقعي إلى الذهني على عكس ما يحدث عادة من إسقاط الذهني على الواقعي ..رغم محاولة القاص حصر حركة القصة في مجال اجتماعي محدد تؤشر عليه لغة الخطاب السردي .
    نص ينم عن اهتمام بالبناء السردي و اشتغال جاد على إحكامه.

    عذراً اني كنت لم استطع كتابة المزيد مع اني مؤمن تماما بأن القصة تحتاج الى الكثير ليقال عنها..عذرا.. فبعض المواقف تقتل فينا الحروف.

    محبتي لك
    جوتيار

  3. #3
    الصورة الرمزية بثينة محمود أديبة
    تاريخ التسجيل : Jul 2003
    المشاركات : 506
    المواضيع : 98
    الردود : 506
    المعدل اليومي : 0.08

    افتراضي

    الأستاذ محمد الدسوقى
    شغلنى النص كثيراً وتحيرت فى التعليق عليه
    كان إمساكك بتفاصيل شخصية البطل الصغير جيداً .. ومراودة الأحلام فى عقله بتلك المقاطع المكثفة كان أشد جودة.. ولعلك أجدت الغوص فى تفاصيل هذا المجتمع الكائن بصمت لا ندركه بيننا ..اللهم إلا عندما يتعالى نداؤه لحظة حاجتنا الفعلية إلى صحيفة
    جاء حكيك جميلاً ولغتك سهلة ومفعمة بالمعانى ..
    أما النهاية المفاجئة/ المتوقعة فى آن واحد فجاءت معلنة عن استمرار حالة العجز والذى تمثل منذ البدء فى تلك الساق الضائعة
    فقط هى كلمة واحدة لا تتسق مع شخصية البطل: سقراطة
    استمتعت بالنص .. وبالقلم المبدع
    تحياتى لك

المواضيع المتشابهه

  1. تائه وسط الظلام
    بواسطة محمود صندوقة في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 01-06-2020, 07:05 PM
  2. " ليـــــزا " قصـة قصيــــرة
    بواسطة هبة عمر في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 09-03-2006, 02:48 PM
  3. يوميات الطبيب المسكين وسط المدمنين
    بواسطة د.إسلام المازني في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 27-11-2005, 04:27 AM
  4. شقراء... وسط الملتحين!!!!
    بواسطة محمد المطري في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 31-12-2004, 10:33 AM
  5. عاجل / انفجاران يهزان وسط تل ابيب
    بواسطة محمود مرعي في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 25-12-2003, 06:19 PM