أحدث المشاركات
صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 38

الموضوع: ثمار الصبر الحُلوة .....

  1. #1
    الصورة الرمزية حسنية تدركيت أديبة
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    الدولة : طانطان
    المشاركات : 3,596
    المواضيع : 313
    الردود : 3596
    المعدل اليومي : 0.59

    Smile ثمار الصبر الحُلوة .....


    لم يخطر ببالي أبدً وأنا أسمع إسمي أنه عليَ أن أجتاز حواجز الألم إلى نهايته ، إلى طعم الصبر المُر والحلو معاً , الممرات الضيقة لم تَسَع أملي في الله ، فاض عني أملي إلى ابتسامة يعلم الله سبحانه وتعالى إلى أي مدى ساهمت في أن تستقر خفقات قلبه وهو يسرع الخُطى إلى المجهول ، قدرك معي فليكن الصبر سلاحنا معاً , لم أستطع في غمرة الأحداث أن أنظر إلى عينيه الرماديتين ، لكنني أحسست بكفه الحانية تربت على كتفي برفق بالغ وكلمات أراد لها أن تكون البلسم, وبنفس الطريقة الحلوة التي كان يناديني بها تمتم :لا تحزني قُرَة عيني ، أنا معكِ ولن أترككِ أبداً حتى أطمئن عليك , أي حُب تخفيه في شرايين طيبتك وحنانك الإنساني الكبير ....؟؟
    مازلت أتابع خطواتك يمينا وشمالا والأسِرَة البيضاء بدأت تَلَوِح لي بإشارات تنبيه أن اقتربت من مكان الاختبار , اختبار صبري وجلدي, بعد لحظات سيفارقني أبي وسأبقى بمفردي أقَلِب الذكريات من مُخَيلتي ، تارة أبكي و أخرى أضحك وتبدأ الحكاية التي لا تنتهي أبداً إلا بشخصية أخرى انبثقت من هنا ...
    أخذت الطبيبة تشرح لي بقسوة مُتعَمَدَة الخطوات الأولى في العلاج , هكذا بَدَت لي أنها قاسية , ملامحها جامدة لا تُعَبِر عن أي تعاطُف أو شفقة , تحاول جاهدة أن توصل لي أن علي أن أواجه المصاعب بعيدا عن أبي ...
    كان يراقِب انفعالاتي ويعلم الله كم عانيت حينها في كتم مخاوفي ، كنت أرتجف وأجاهد نفسي أن أحافِظ على توازني بداخلي صوت متوجس يردد :
    لكِ أن ترفضي هذا العناء وتعودي إلى أحضان الأهل والأحباب , وبعفوية كانت خطواتي تقترب من خَوْض غمار تجربة مازالت إلى الآن تؤثر في وتُوَجهني وتٌغَيْر أسلوبي في الحياة , تُعَلمني أن أرى وأسمع شكوى المُتألمين والمهمومين ..
    لن أعود وسأمضي في طريقي وسيُثمر الصبر ثماراً حلوة حينما يهبني الله حياة جديدة فيها الشفاء والعافية .............
    تمددت على سريري وانطلق بصري خارج الغرفة ، إلى حيث السماء والناس والهواء والشجر تنفست بعُمق هواء نقياً تغلغل إلى سويداء قلبي فمنحني بعضا من السكينة ..
    وطغت على حواسي أُمنيَة هربتُ منها مَرات عديدة آن لها أن تأسرني ، ضُمني أبي لعل الخوف والرُعب الذي يكتنف طفلتك المدللة يختفي ، ضُمني وأعطني بعضاً أو كل حنانك ، لا تستبقى شيئاً , أفرِغ عليَ من الحب قطرات ندى كي تغمر روحي فللبُعد أنين ، للشوق حنين ، وللصبر حر نار ، أحسها تلتهم قلبي الصغير , مسافات طويلة ستفصلنا عن بعضنا, وكنا معا قد اتفقنا أن نجعل لِرشفة الشاي مهرجاناً يومي ننتظره ونستعِدَّ له وكأنه العيد , كلانا أبي وجد ضالته في الآخر يُتمَك رويته بحبي الكبير وانكساري جبرته بحنانك الوارف , ظللتني دوماً به وجعلتني أستجمع القوة من براثين الضعف والانهيار, الشلل أعلم أبي أنني أكرهه وأمقُته كما أمقُت البُعد أو أكثر ، لكن كما عَلَمتَني الإيمان يصنع المعجزات فقد نما بيني وبينه حب عجيب إذ كلما كبُر علي أني أعجز عن المشي تذكرت كلماتك النورانية إذا أحَب الله قوما ابتلاهم
    نزلت برداً وسلاماً على فؤادي المكلوم , وأي شيء أروع وأجمل من حب الله , هاأنا ذا أنعم بحُبه وليأخذ مني الشلل كما يُحب الله ويرضى فقط رجائي أن يهب لي يقينا لا يتزعزع وإيمانا لا يفتر , الآن أبي أُدرِك نِعمة أن يكون لك إنسان رحيم يُحبك ويُحيطك برعايته وعطفه الكبير , قلت لي مرة لن أكون سعيداً حتى أراكِ أمامي تركضين بدون عائق ، لُذتَ بالصمت للحظات ثم أردفتَ : سيستجيب الله لي ففي كل سجدة أدعوه أن يمنحكِ الصحة والعافية , أنتَ نعمة كبيرة ، علي ألا أكُف عن أن أحمِد الله عليها , أن أُكثِرمن الاستغفار لأنني مرات كثيرة ظننت أنني محرومة من النِعَم ، يسبح النظر بعيدا في أفاق بعيدة ، الشجر يتراقص يُمنَة مرة وشمالاً أخرى وكأن الشوق برحه فلا طاب له مكانً ولا زماناً ، مثلي يشتكي الغُربة والألم يبُث مولاه أحزانه عله يروي عطشه بسلسبيل رضاه ....
    حركة دائبة لا تتوقف في ممرات المستشفى ، صغاراً مثل الورد تصرخ من شدة الألم والخوف , بدأت أجد ما يشغلني فهذا يسأل عن أُمه وهذه تبكي خائفة من المُمرضة وهذا يؤلمه الجُرح الغائر ، أحاول أن أرسم البسمة على شفاههم الصغيرة الحلوة ، ألعب معهم وأسَليهم ، وأحكي لهم قصصاً وحكايات ليطمئن الخافق في الأعماق ولا أتركهم إلا والنوم يُداعب عيونهم بعد عناء يوم طويل ، فأعود لسريري مُنْهَكَةً ، لكن روحي تُحَلِق في عالمهم الطاهر والنقي أبي تعلمت هنا أن أكون إنساناً يتألم ، من أجل الآخرين ويفرح من أجلهم وتتلاشى همومه وأحزانه بابتسامة أمل يرسمها على الملامح الصغيرة.......
    هل أستطيع أن أُعَبِر عن أحلام اليقظة التي أنعشت روحي حينئذ !!وكانت بحق طوق نجاة من بحر اليأس الذي غُصت فيه ؟ إنه لشيء أقرب إلى المُحال أن تطلب من الكلمات أن تصف شيئاً حياً يسكُن أعماق وجدانك ، يوجهك رغماً عنك إلى عالم غير مرئي , كنت أناجي الله في كل ليلة وتظهر لي في ظلمات الليلة طفلة أجبَرها الشلل على أن تظل حبيسة الجُدران ، كانت ذات مساء تبتهِل إلى الله وتُلِح عليه في الدعاء بأن يَمُن عليها بالشفاء ، ومن فوق سبع سموات أجاب الله لها الدعاء ، وهي الطفلة التي قد لا يُعيرها الآخرون أي اهتمام , كنت أنا المستغيثة برحمة ربها , فأجهشت بالبكاء وأنا أرى نفسي وقد غمرني الله بعظيم المِنَن والنِعَم فهو سبحانه الكريم الذي لا يرُد من دعاه , تساقطت دموعي غزيرة على وسادتي , وسمع الليل مناجاتي وحكي عني شوقي ولهفتي إلى كرم مولاي عليَ من جديد ..........
    ترقص الأماني على أشعة الشمس فتلفح ذاكرتي بحرِّ ولعها بأن تسرع الأيام والليالي إلى حيث أتمنى ,
    أبي الغالي لو أبصرتني الآن ما تَعَرفت عليً فقد تَغَيَر كل شيء ، كان شعري الذي تمتع طويلا بلمستك الحانية هو أول الضحايا ، أنكرت وجهي في المرآة ولكنني ابتسمت مُنتصرة على الألم ، وتسابقت آلاف الأفكار إلى ذهني بصور لها ألوان شتى ، ممزوجة بالفرح تارة والحزن تارة أخرى ، واللهفة والشوق إلى طفلة تسكنني .....
    محاولة الهرب روادتني كثيرة غير أن خطاي دوما كانت تتحرك عكس تفكيري , آهات المرضى اخترقت جدار الصمت بداخلي وجعلتني أفكر في فلسفة الألم, ماهو ؟؟ ..........
    عندما أعجزعن الجواب أعود لذاتي أفتش عن الخلل , إذ كل مافي الكون بدون شك له حكمة بليغة .........
    كلما جاء دوري في الإحساس بالألم وتجرع كأس الصبر بمرارته اقتربت من مغزى الألم, ربما هو بوتقة ننصهر فيها ونعاد من جديد أكثر انسانية وحبا وحنانا متدفقا لكل المخلوقات , وصلة وطيدة بين العبد وربه , متى أحسنّا فهم ذواتنا في لحظات الألم استوعبنا معنى الوجود ....


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعيhttps://www.youtube.com/watch?v=FLCSphvKzpM

  2. #2
    الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : موطن الحزن والفقد
    المشاركات : 9,734
    المواضيع : 296
    الردود : 9734
    المعدل اليومي : 1.63

    افتراضي

    الحبيبة حسنية ..

    ما بين مرارة الألم وحلاوة الأمل بالله ، عشت وقتا بين سطورك ، تأخذني الدهشة بحواريتك التي كانت تحلق بي تارة في فضاء روحاني ، وتارة تهبط بي إلى قسوة الواقع ..
    نص ثري بالتأملات وعميق الفكر ، فلسفة رائعة للألم ، وإيمان مطلق بخالق الكون والرضا بما قدر ..
    النص يحمل الكثيرمن روحك ونبضك ، وتجربة قاسية زادتك قوة وإصرارا على مواجهة مصائب الحياة وابتلاءات القدر التي امتحنك بها الله ، فكنت فيها صابرة شاكرة حامدة له سبحانه وتعالى ..
    أسأل الله أن يمن عليك بالرضا وهناء العيش وسعادة الدارين ، وأن تكوني عنده ممن يرضى عنهم ..

    أحب حرفك الذي يحمل الأمل دوما ، أحس بدفء قربك وبراحة نفسية بين سطورك ..
    كم هو رائع أن أحظى بأخت تحمل مثل قلبك المؤمن ..
    محبتي الكبيرة في الله أبثها لك عبر هذه الصفحة التي منحتني الكثير من لحظات التأمل ..

    بارك الله بك نداي وجزيت خيرا على حرفك الجميل ..
    //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

  3. #3
    الصورة الرمزية سمو الكعبي شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2007
    الدولة : في صومعتي
    المشاركات : 1,967
    المواضيع : 70
    الردود : 1967
    المعدل اليومي : 0.34

    افتراضي

    ما أجمل ثمار الحرف حين تجتمع بذرة المعنى واللفظ لتخرج نباتا طيبا أُكلهُ مثل هذا .

    عزيزتي :
    تحية لا تبلى ولا تنضب .
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    فلنغتم أوقاتنا بسماع القران :http://quran.muslim-web.com/

  4. #4
    الصورة الرمزية حسنية تدركيت أديبة
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    الدولة : طانطان
    المشاركات : 3,596
    المواضيع : 313
    الردود : 3596
    المعدل اليومي : 0.59

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وفاء شوكت خضر مشاهدة المشاركة
    الحبيبة حسنية ..
    ما بين مرارة الألم وحلاوة الأمل بالله ، عشت وقتا بين سطورك ، تأخذني الدهشة بحواريتك التي كانت تحلق بي تارة في فضاء روحاني ، وتارة تهبط بي إلى قسوة الواقع ..
    نص ثري بالتأملات وعميق الفكر ، فلسفة رائعة للألم ، وإيمان مطلق بخالق الكون والرضا بما قدر ..
    النص يحمل الكثيرمن روحك ونبضك ، وتجربة قاسية زادتك قوة وإصرارا على مواجهة مصائب الحياة وابتلاءات القدر التي امتحنك بها الله ، فكنت فيها صابرة شاكرة حامدة له سبحانه وتعالى ..
    أسأل الله أن يمن عليك بالرضا وهناء العيش وسعادة الدارين ، وأن تكوني عنده ممن يرضى عنهم ..
    أحب حرفك الذي يحمل الأمل دوما ، أحس بدفء قربك وبراحة نفسية بين سطورك ..
    كم هو رائع أن أحظى بأخت تحمل مثل قلبك المؤمن ..
    محبتي الكبيرة في الله أبثها لك عبر هذه الصفحة التي منحتني الكثير من لحظات التأمل ..
    بارك الله بك نداي وجزيت خيرا على حرفك الجميل ..
    الغالية وفاء دوما وأبدا يسعدني أن أجدك قريبة
    جزاك الله خيرا على المرور الأكثر من رائع
    دمت بخير وسعادة وفاء الرقيقةنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Sep 2006
    العمر : 37
    المشاركات : 1,747
    المواضيع : 28
    الردود : 1747
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي

    الندية الرقيقة حسنية
    أنا هنا أصمت
    وأحمل أبجديتي وأمضي
    وقبل كل هذا أثبت النص لما فيه من إيمان عميق بالله تعالى
    ويقين بأن الفرج آت لا محالة
    وكل ذلك صغتيه بروعة لا تضاهى
    صورت الموقف بمنتهى الدقة
    رائعة بصدق
    نص مؤثر جدا
    محبتي لك وتقديري

  6. #6
    الصورة الرمزية مروة عبدالله قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    المشاركات : 3,215
    المواضيع : 74
    الردود : 3215
    المعدل اليومي : 0.56

    افتراضي

    حسنية الجميلة


    تحية طيبة لعطر قلمكِ

    وجمال مساحاتك وعزف حروفك

    أوراقكِ دائماً منيرة

    بصدق العاطفة والشفافية

    سلمت بما قدّمت

    محبتي لكِ

  7. #7
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 63
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.59

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسنية تدركيت مشاهدة المشاركة

    لم يخطر ببالي أبدً وأنا أسمع إسمي أنه عليَ أن أجتاز حواجز الألم إلى نهايته ، إلى طعم الصبر المُر والحلو معاً , الممرات الضيقة لم تَسَع أملي في الله ، فاض عني أملي إلى ابتسامة يعلم الله سبحانه وتعالى إلى أي مدى ساهمت في أن تستقر خفقات قلبه وهو يسرع الخُطى إلى المجهول ، قدرك معي فليكن الصبر سلاحنا معاً , لم أستطع في غمرة الأحداث أن أنظر إلى عينيه الرماديتين ، لكنني أحسست بكفه الحانية تربت على كتفي برفق بالغ وكلمات أراد لها أن تكون البلسم, وبنفس الطريقة الحلوة التي كان يناديني بها تمتم :لا تحزني قُرَة عيني ، أنا معكِ ولن أترككِ أبداً حتى أطمئن عليك , أي حُب تخفيه في شرايين طيبتك وحنانك الإنساني الكبير ....؟؟
    مازلت أتابع خطواتك يمينا وشمالا والأسِرَة البيضاء بدأت تَلَوِح لي بإشارات تنبيه أن اقتربت من مكان الاختبار , اختبار صبري وجلدي, بعد لحظات سيفارقني أبي وسأبقى بمفردي أقَلِب الذكريات من مُخَيلتي ، تارة أبكي و أخرى أضحك وتبدأ الحكاية التي لا تنتهي أبداً إلا بشخصية أخرى انبثقت من هنا ...
    أخذت الطبيبة تشرح لي بقسوة مُتعَمَدَة الخطوات الأولى في العلاج , هكذا بَدَت لي أنها قاسية , ملامحها جامدة لا تُعَبِر عن أي تعاطُف أو شفقة , تحاول جاهدة أن توصل لي أن علي أن أواجه المصاعب بعيدا عن أبي ...
    كان يراقِب انفعالاتي ويعلم الله كم عانيت حينها في كتم مخاوفي ، كنت أرتجف وأجاهد نفسي أن أحافِظ على توازني بداخلي صوت متوجس يردد :
    لكِ أن ترفضي هذا العناء وتعودي إلى أحضان الأهل والأحباب , وبعفوية كانت خطواتي تقترب من خَوْض غمار تجربة مازالت إلى الآن تؤثر في وتُوَجهني وتٌغَيْر أسلوبي في الحياة , تُعَلمني أن أرى وأسمع شكوى المُتألمين والمهمومين ..
    لن أعود وسأمضي في طريقي وسيُثمر الصبر ثماراً حلوة حينما يهبني الله حياة جديدة فيها الشفاء والعافية .............
    تمددت على سريري وانطلق بصري خارج الغرفة ، إلى حيث السماء والناس والهواء والشجر تنفست بعُمق هواء نقياً تغلغل إلى سويداء قلبي فمنحني بعضا من السكينة ..
    وطغت على حواسي أُمنيَة هربتُ منها مَرات عديدة آن لها أن تأسرني ، ضُمني أبي لعل الخوف والرُعب الذي يكتنف طفلتك المدللة يختفي ، ضُمني وأعطني بعضاً أو كل حنانك ، لا تستبقى شيئاً , أفرِغ عليَ من الحب قطرات ندى كي تغمر روحي فللبُعد أنين ، للشوق حنين ، وللصبر حر نار ، أحسها تلتهم قلبي الصغير , مسافات طويلة ستفصلنا عن بعضنا, وكنا معا قد اتفقنا أن نجعل لِرشفة الشاي مهرجاناً يومي ننتظره ونستعِدَّ له وكأنه العيد , كلانا أبي وجد ضالته في الآخر يُتمَك رويته بحبي الكبير وانكساري جبرته بحنانك الوارف , ظللتني دوماً به وجعلتني أستجمع القوة من براثين الضعف والانهيار, الشلل أعلم أبي أنني أكرهه وأمقُته كما أمقُت البُعد أو أكثر ، لكن كما عَلَمتَني الإيمان يصنع المعجزات فقد نما بيني وبينه حب عجيب إذ كلما كبُر علي أني أعجز عن المشي تذكرت كلماتك النورانية إذا أحَب الله قوما ابتلاهم
    نزلت برداً وسلاماً على فؤادي المكلوم , وأي شيء أروع وأجمل من حب الله , هاأنا ذا أنعم بحُبه وليأخذ مني الشلل كما يُحب الله ويرضى فقط رجائي أن يهب لي يقينا لا يتزعزع وإيمانا لا يفتر , الآن أبي أُدرِك نِعمة أن يكون لك إنسان رحيم يُحبك ويُحيطك برعايته وعطفه الكبير , قلت لي مرة لن أكون سعيداً حتى أراكِ أمامي تركضين بدون عائق ، لُذتَ بالصمت للحظات ثم أردفتَ : سيستجيب الله لي ففي كل سجدة أدعوه أن يمنحكِ الصحة والعافية , أنتَ نعمة كبيرة ، علي ألا أكُف عن أن أحمِد الله عليها , أن أُكثِرمن الاستغفار لأنني مرات كثيرة ظننت أنني محرومة من النِعَم ، يسبح النظر بعيدا في أفاق بعيدة ، الشجر يتراقص يُمنَة مرة وشمالاً أخرى وكأن الشوق برحه فلا طاب له مكانً ولا زماناً ، مثلي يشتكي الغُربة والألم يبُث مولاه أحزانه عله يروي عطشه بسلسبيل رضاه ....
    حركة دائبة لا تتوقف في ممرات المستشفى ، صغاراً مثل الورد تصرخ من شدة الألم والخوف , بدأت أجد ما يشغلني فهذا يسأل عن أُمه وهذه تبكي خائفة من المُمرضة وهذا يؤلمه الجُرح الغائر ، أحاول أن أرسم البسمة على شفاههم الصغيرة الحلوة ، ألعب معهم وأسَليهم ، وأحكي لهم قصصاً وحكايات ليطمئن الخافق في الأعماق ولا أتركهم إلا والنوم يُداعب عيونهم بعد عناء يوم طويل ، فأعود لسريري مُنْهَكَةً ، لكن روحي تُحَلِق في عالمهم الطاهر والنقي أبي تعلمت هنا أن أكون إنساناً يتألم ، من أجل الآخرين ويفرح من أجلهم وتتلاشى همومه وأحزانه بابتسامة أمل يرسمها على الملامح الصغيرة.......
    هل أستطيع أن أُعَبِر عن أحلام اليقظة التي أنعشت روحي حينئذ !!وكانت بحق طوق نجاة من بحر اليأس الذي غُصت فيه ؟ إنه لشيء أقرب إلى المُحال أن تطلب من الكلمات أن تصف شيئاً حياً يسكُن أعماق وجدانك ، يوجهك رغماً عنك إلى عالم غير مرئي , كنت أناجي الله في كل ليلة وتظهر لي في ظلمات الليلة طفلة أجبَرها الشلل على أن تظل حبيسة الجُدران ، كانت ذات مساء تبتهِل إلى الله وتُلِح عليه في الدعاء بأن يَمُن عليها بالشفاء ، ومن فوق سبع سموات أجاب الله لها الدعاء ، وهي الطفلة التي قد لا يُعيرها الآخرون أي اهتمام , كنت أنا المستغيثة برحمة ربها , فأجهشت بالبكاء وأنا أرى نفسي وقد غمرني الله بعظيم المِنَن والنِعَم فهو سبحانه الكريم الذي لا يرُد من دعاه , تساقطت دموعي غزيرة على وسادتي , وسمع الليل مناجاتي وحكي عني شوقي ولهفتي إلى كرم مولاي عليَ من جديد ..........
    ترقص الأماني على أشعة الشمس فتلفح ذاكرتي بحرِّ ولعها بأن تسرع الأيام والليالي إلى حيث أتمنى ,
    أبي الغالي لو أبصرتني الآن ما تَعَرفت عليً فقد تَغَيَر كل شيء ، كان شعري الذي تمتع طويلا بلمستك الحانية هو أول الضحايا ، أنكرت وجهي في المرآة ولكنني ابتسمت مُنتصرة على الألم ، وتسابقت آلاف الأفكار إلى ذهني بصور لها ألوان شتى ، ممزوجة بالفرح تارة والحزن تارة أخرى ، واللهفة والشوق إلى طفلة تسكنني .....
    محاولة الهرب روادتني كثيرة غير أن خطاي دوما كانت تتحرك عكس تفكيري , آهات المرضى اخترقت جدار الصمت بداخلي وجعلتني أفكر في فلسفة الألم, ماهو ؟؟ ..........
    عندما أعجزعن الجواب أعود لذاتي أفتش عن الخلل , إذ كل مافي الكون بدون شك له حكمة بليغة .........
    كلما جاء دوري في الإحساس بالألم وتجرع كأس الصبر بمرارته اقتربت من مغزى الألم, ربما هو بوتقة ننصهر فيها ونعاد من جديد أكثر انسانية وحبا وحنانا متدفقا لكل المخلوقات , وصلة وطيدة بين العبد وربه , متى أحسنّا فهم ذواتنا في لحظات الألم استوعبنا معنى الوجود ....
    =====

    أديبتنا الصادقة السامقة الأستاذة : حسنية


    ذقتُ للصبر هنا حلاوةً لم أعرفها من قبل لأنك قدمته إلينا مشحونا بلذة الصدق وحلاوة الإيمان ونور اليقين

    وصدق الشاعر:

    لئن كان طعم الصبر مراً مذاقه لقد يُجتنى من غبه الثمرُ الحلوُ




    بارك الله فيك ، وأسعدك الباري في الدارين وحفظك لنا نبراس خير
    ومعين نور



    مصطفى
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي ولريشة الغالية أهداب الشكر الجميل

  8. #8
    الصورة الرمزية مازن سلام شاعر
    تاريخ التسجيل : Jul 2007
    الدولة : فرنسا
    العمر : 60
    المشاركات : 645
    المواضيع : 16
    الردود : 645
    المعدل اليومي : 0.12

    افتراضي

    المبدعة الفاضلة السيدة حسنية تدركيت المحترمة
    نصّ إنسانيّ فيه من الحكمة الكثير الكثير
    ـ أخشى أن يتهمني البعض بتعكير صفو القراءة و التأمّل , فالمعذرة مسبقاً..
    ضُمني وأعطني بعضاً أو كل حنانك ، لا تستبقى شيئاً
    و اعطِني / لا تستبق ِ .
    أن نجعل لِرشفة الشاي مهرجاناً يومي ننتظره
    مهرجاناً يومياً.
    فلا طاب له مكانً ولا زماناً
    مكانٌ / زمانٌ (فاعل)
    صغاراً مثل الورد تصرخ
    صغارٌ / يصرخون .
    شكراً على حثـّنا فهم ذواتنا كي ننبش الإنسانية المدفونة في أعماقنا.
    .....
    كل التحية
    مازن سلام

  9. #9
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 63
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.59

    افتراضي

    أخانا الفاضل الأستاذ مازن سلام

    أستأذن أديبتنا الغالية لأشكرك على غيرتك الحميدة على لغتنا الجميلة ولكن اسمح لي ببيان أن الصواب في كلمة(أعطني ) ماذكرته أديبتنا لأنه من أعطى الرباعي فتكون همزته همزة قطع.

    وجزاك الله خير الجزاء عن ملحوظاتك القيمة.


    ودمتم بكل الخير


    مصطفى

  10. #10
    الصورة الرمزية محمد الأمين سعيدي شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    المشاركات : 1,981
    المواضيع : 138
    الردود : 1981
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    حين تجتمع الإنسانية مع الإيمان تكون الحياة أجمل..
    لنصك طعم السكر و طعم البن ..بل إنه كأس من الشاي الصحراوي يحمل صاحبه على فتل شاربه..
    أعترف أنني كلما أقرأ نصوصك أزداد عذوبة و رقة على الرغم من الحزن الطاغي بين سطورها

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. البنت الحلوة ام ضفاير
    بواسطة علاء عيسى في المنتدى أَدَبُ العَامِيَّة العَرَبِيَّةِ
    مشاركات: 46
    آخر مشاركة: 03-08-2008, 10:32 PM
  2. د ( حسين علي محمد وأحلام البنت الحلوة ( رؤية نقدية بقلم / مجدي محمود جعفر )
    بواسطة مجدي محمود جعفر في المنتدى النَّقْدُ الأَدَبِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 27-05-2007, 12:15 PM
  3. عينُ الحلوة
    بواسطة حنان الاغا في المنتدى مُنتَدَى الرَّاحِلَةِ حَنَانِ الأَغَا
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 13-02-2007, 01:42 PM
  4. قراءات في مجموعة «أحلام البنت الحلوة» للدكتور حسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 22-04-2006, 11:12 PM
  5. أحلام البنت الحلوة
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى النَّقْدُ الأَدَبِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18-03-2006, 07:15 PM