أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 12

الموضوع: مقالات للمفكر الكبير فقيدنا الغالي الأستاذ عبد الوهاب المسيري - رحمه الله تعالى -

  1. #1
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 61
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي مقالات للمفكر الكبير فقيدنا الغالي الأستاذ عبد الوهاب المسيري - رحمه الله تعالى -

    موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري: 2008-05-11
    بيان إلى الأمة في الذكرى الستين للنكبة

    د.عبد الوهاب المسيري




    في ذكرى نكبة فلسطين وتأسيس الكيان الصهيوني تعلن الشعوب العربية أن ستين عاما من الاستعمار الاستيطاني الإحلالي العنصري وارتكاب أكبر جريمة في العصر الحديث: سرقة وطن كامل وتشريد أهله، لا تعني سقوط الجريمة أو السكوت عليها لأن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. إن ذاكرة الشعوب أقوى من كل محاولات ومؤامرات المحو والتضليل، وستظل الشعوب العربية وشعوب العالم الحر تتذكر أن فلسطين ارض عربية تم اغتصابها بقوة السلاح الغربي وتحت مظلته، ولكنها لن تبقى كذلك لأننا لن ننسى ولن نسكت.

    إن الاحتفالات الصاخبة التي يقيمها الكيان الصهيوني في الذكرى الستين للنكبة والتطهير العرقي بحضور رئيس الولايات المتحدة، رأس الإمبريالية ورئيس الدولة التي تعربد جيوشها في كل أنحاء التعالم العربي والإسلامي: أفغانستان والعراق والتي تمتد أصابعها في السودان والصومال ولبنان وشريك الصهيونية وحليفها الأول، نقول إن حضوره هذا الاحتفال لن تنجح في إضفاء شرعية على الاحتلال أو إخفاء جريمته، بل إنه سيلقي المزيد من الأضواء على جرائم التصفية العرقية للشعب الفلسطيني بعد اغتصاب أرضه، وعلى جريمة الإبادة الجماعية المتمثلة في حصار قطاع غزه وقطع كل الإمدادات الإنسانية عن أهله .

    ولا يمكن أن نتعرض لذكرى النكبة دون إدانة الموقف المخزي للنظم العربية التي بدأت تدير ظهرها لهذا الصراع المصيري، وتفرط في كل المبادئ والثوابت الوطنية والعربية والإنسانية، وتتواطأ في جريمة إدانة المقاومة المشروعة باعتبارها إرهابا، بل وتفتح ذراعيها لاستقبال السفاح جورج بوش، الذي جاء إلى المنطقة للاحتفال بذكرى مشئومة وتأكيد تأييده فكرة يهودية الدولة العنصرية الذي يسقط حق العودة لمئات الألوف من الفلسطينيين، وفي مواجهة هذا الخنوع المهين للنظم العربية فإننا نؤكد جميعا تضامننا مع الشعب الفلسطيني، ورفضنا القاطع لزيارة بوش لمصر، وندعو كل الشعوب العربية و شعوب العالم إلى إحياء الذكرى الستين للنكبة بالتأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وعلى ضرورة فك كل المستوطنات الصهيونية وتصفيتها،وعلي أن حق العودة للفلسطينيين حق لا يمكن التصرف فيه أو التنازل عنه inalienable عنه كما ندعو كل الشعوب العربية والإسلامية وكل الشرفاء في العالم وكل جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان أن يقاطعوا الكيان الصهيوني وأن يفضحوا السياسات الإمبريالية التي تسانده.

    وليكن الخامس عشر من مايو الذي شهد إعلان قيام دولة الاغتصاب والظلم على أرض فلسطين العربية منذ ستين عاما يوم غضب وحداد وتحد في كل البلدان العربية وكل دول العالم الحر للتنديد بالسياسات الإسرائيلية والأمريكية.كما نطالب كل الأحرار في كل مكان برفع أعلام فلسطين وإحراق الإعلام الصهيونية والأمريكية تعبيرا عن رفض الاستعمار والعدوان ورفع الرايات السوداء حدادا على العدالة الإنسانية التي تذبح كل يوم على أرض فلسطين، مع تجديد العهد والإصرار على مواصلة المقاومة حتى تُستعاد الحقوق وتتحرر الأرض والشعوب.

    المجد للمقاومة العربية في فلسطين والعراق ولبنان.

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي ولريشة الغالية أهداب الشكر الجميل

  2. #2
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 61
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي

    -2-


    موقع الجزيرة نت: 2007-09-01

    في الدفاع عن الهُوَيَّة

    يرى البعض أن هناك استهدافاً للهوية العربية بحد ذاتها أو بشكل خاص، ولكنني أذهب إلى القول أن هذا صحيحاً وغير صحيح فى الوقت ذاته، فهناك ما يهدد الهوية على الصعيد العالمي، حيث أفرزت الحضارة الغربية ظواهر تهدد ظاهرة الإنسان نفسه، من أهمها ما أسميه الاستهلاكية العالمية التي تضرب صميم ثوابت الإنسان وأخلاقياته. لقد ظهر في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة حضارة جديدة تتميز بالبرجماتية بمعنى أنها تفضل السهل على الخيّر والجميل. هذه الحضارة حققت انتشاراً غير عادي وأصبح يطلق عليها اسم النظام العالمي الجديد، وهى ترجمة لنظرية أن الناس هم مجموعة من البشر ليست لها هويات محددة، وما يهم هو الوفاء باحتياجاتهم المادية المباشرة، وبذلك اختفى المشروع الخاص وحلت محلة حضارة الكوكاكولا والهامبورجر! ومع تآكل الهوية، يزداد التراخي الإنساني، وتزداد النزعات الذرية في المجتمع، وتصبح الهجرة إلى الخارج أو السطو على بنك أو شراء ورقة يا نصيب هو الحل، وأصبح من الصعب أن نطلب من الجماهير أن تستيقظ مبكرة وأن تضحي بنفسها وأن تؤدي عملها في غياب مثل أعلى!! لابد أن يدرك الناس أن الهوية ليست مجرد فولكلور ولكنها فى واقع الأمر تعبير عن رؤية كاملة للكون. فالناس تستيقظ كل يوم لأداء عملها لتحقيق هدف ما، ولكن بدون وجود هدف تصبح عملية الاستيقاظ عملية بيولوجية خالية من المعنى. بينما أعتقد أنه في ظل وجود مشروع حضاري يعبر عن الهوية وعن رؤية الكون يصبح الاستيقاظ فعل إنساني يسهم في بناء الوطن.

    ومع هذا هناك عوامل تهدد الهوية العربية على وجه الخصوص منها أن حضارة الصورة بدأت تحل محل اللغة المكتوبة أو الشفهية، والعرب لم يتملكوا بعد ناصية هذه اللغة الجديدة، ولذا فإن الأفلام الأمريكية والفيديو كليبات (التى تعبر عن رؤية للكون لا تكترث كثيراً بالهوية أو بمجموعة القيم المرتبطة به) تكتسح الإنسان الغربي وتقوضه.

    كما أن أكبر تهديد للهوية العربية هو الدولة الصهيونية لأن مشروعها هو بعث ما يسمى "الهوية اليهودية"، وهذا يتطلب تفتيت الهوية العربية ومحوها. ومن هذا المنظور الصهيوني لابد من العودة إلى ما قبل الإسلام، حيث كانت هناك هوية آشورية وفرعونية وفينيقية، ومن هنا الدعوة للعودة إلى الحضارة الفرعونية، وإلى الحضارة الفينيقية في لبنان والحضارة الآشورية البابلية في العراق! وهذه كلها حضارات متحفية جميلة لكنها ليس لها امتداد في الحاضر. ولكن الدولة الصهيونية تريد أن يصبح الشرق الأوسط مقسم إلى دويلات أثنية ودينية وعرقية، ومن ثم تصبح الدولة العبرية مسألة طبيعية للغاية، لأنه داخل التشكيل الحضاري العربي فإن مثل هذه الدولة تصبح كيانا دخيلا شاذا! وقد ترجم المخطط الصهيوني نفسه في الآونة الأخيرة إلى فكرة السوق شرق الأوسطية ثم مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث يتم تفتيت الهويات، لتظهر الهوية العبرية وتقوم بقيادة المنطقة وتوظفها لصالح الغرب.

    هناك كذلك محاولة لضرب الفصحى، وعاء الذاكرة التاريخية، وبدون هذه الذاكرة التاريخية وبدون الفصحى يتحول الإنسان العربي إلى الإنسان ذي البعد الواحد الذي يمكن التنبؤ بسلوكه ويمكن توجيهه ليستهلك السلع التي تنتجها له الشركات عابرة القوميات والحدود والهويات. أما الإنسان الذي لا يدخل ضمن هذه المنظومة فإنه إنسان غير استهلاكي وبالتالي فهو بوسعه مقاومة هذه المنظومة.

    لكل هذا لابد أن نتصدى للجهود المبذولة لتفتيت الهوية، فلابد أن نبين لجماهيرنا أن الهجوم على الهويات هو إحدى السمات الأساسية للنظام العالمي الجديد، وأن الهجوم على الهوية العربية هو إحدى البنود الأساسية فى المخطط الاستعماري بالنسبة لعالمنا العربي، وأن نبيّن لهم ضرورة التمسك بالهوية، وأنها ليست مجرد زخرف جميل، وإنما مكون أساسي من شخصيتنا القومية، وأن التنمية بدون تفعيل الهوية أمر مستحيل. وحيث أن منتجات الحضارة الغربية (الأفلام- الفاست فوود- الاستهلاكية) هى التى تهدد هويتنا، يصبح من الضروري أن نبيّن الجوانب المظلمة للحضارة الغربية ولمنتجاتها التى تُصدّر لنا والتى نبتلعها ونهضمها بسهولة بالغة. ومن هنا ضرورة قيام وكالة أنباء عربية متخصصة تعمد إلى رصد هذه الحضارة، بعيدا عن تأثير الإعلام الغربي، وتبيّن الثمن الفادح الذى يدفعه المواطن الأمريكي بسبب سياسات الحكومة الأمريكية. كما يجب أن نطرح مفهوماً للوحدة غير العضوية فيما أسميه "الوحدة الفضفاضة" التى تفسح المجال أمام كل الجماعات الإثنية والدينية أن تعبر عن هويتها، طالما أن هذا التعبير لا يفت في عضد سيادة هذه الدولة. فالنظام التعليمي -مثلا- ينبغي أن يقبل بالتعددية. والوحدة الفضفاضة هذه تسمح لكل دولة أن تدخل في إطار الوحدة العربية دون أن تفقد ما يميزها. فالمغرب -على سبيل المثال- بلد عربي إسلامي، يتسع لجماعات أخرى مثل الجماعات الأمازيغية. والعراق بلد عربي إسلامي يتسع للسُنَّة والشيعة والأكراد والتركمان.

    وأعتقد أن نموذج مصر نموذج جيد لهذه الوحدة الفضفاضة، فرغم كل الأحداث (الأخيرة)، يظل أقباط مصر لهم عقيدتهم وهويتهم، ويظلون جزءاً من المجتمع المصري. إن فرض مفهوم الوحدة العضوية يؤدي إلى العنف والصراع، أما مفهوم الوحدة الفضفاضة فسيخلق لكل جماعة فضاءها الحضاري الخاص بها، وسيندرج الجميع داخل إطار التشكيل الحضاري العربي. ولعل ما حققته الدول الأوربية من خلال الاتحاد الأوربي قد يكون نموذجا نسترشد به.

    وقد فشلت مشاريع النهضة العربية فى العصر الحديث لأنه، مع الأسف، لا يزال البعض يرى أن جوهر المشروع النهضوي العربي هو التخلي عن هويتنا وتراثنا ثم اللحاق بالغرب. وقد أدى هذا إلى إسكات حاستنا النقدية في علاقتنا بالغرب، ونكتفي بنقل ما يأتينا من أفكار. لننظر مثلا موقفنا من الحداثة؟ هناك من السلفيين من يرى ضرورة رفض كل ما يأتينا من الغرب، وهناك الأصوليين العلمانيون الذين يرون ضرورة (وأحياناً حتمية) تبني منظومة الحداثة الغربية، بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وكأننا كائنات متلقية تستوعب كل ما يأتينا من الغرب دون أن نعمل ملكتنا النقدية؟ ألا يمكن أن نُخضِع هذه الحداثة الغربية لعملية نقد وتقييم صارمة، فنبيّن جوانبها المظلمة، ثم نطرح رؤيتنا لحداثة إنسانية إسلامية تضم الجميع، ولا تجعل من تصاعد معدلات الاستهلاك مؤشراً يتيماً على التقدم؟

    بل فلننظر إلى ما فعلنا مع مدرستين فكريتين مثل البنيوية والتفكيكية. لم يسأل أحد لماذا أصبح الغرب بنيويا معاديا للإنسان؟ لقد تعلمنا قديما الإنسانية الهيومانية من الغرب، فلماذا قرر الغرب فجأة في الستينيات أن يعادي الفكر الإنساني الهيوماني، ويرى أنه ملوث بالميتافيزيقا؟ ماذا حدث لتأتي التفكيكية وتعلن انتهاء المعنى وفشل اللغة، وموت المؤلف؟ لقد تحولنا إلى ناقلين، وعندما ينظر أحدنا إلى كتاب نقد أدبي غربي فإنه ينقل ما فيه بأمانة شديدة، ولا يسأل: إلى ماذا سيؤدي هذا المفهوم، وما مغزاه، وما هي المفاهيم الكامنة فيه؟

    وقد لوحظ فى الآونة الأخيرة استقطاباً واسعاً فى الساحة المصرية حول طبيعة هوية مصر، إذ ظهر مرة أخرى دعاة العودة إلى الفرعونية، والذين ينادون بأن "مصر أولاً". وفى تصوري أن هؤلاء لا يفهمون لا حقائق الجغرافيا ولا حقائق التاريخ. ولعلهم لو قرأوا جمال حمدان لفهموا بعض هذه الحقائق، ولعرفوا أن هم الاستعمار الغربي هو فصل مصر عن الجسد العربي، فيتهاوى الجميع سويا. وهذا كان هو هدف معاهدة كامب ديفيد. ألا يتم تقسيم العراق والسودان ولبنان ومحاصرة فلسطين، و "مصر أولاً" جالسة تراقب، وتلعب دوراً ذيلياً غير مؤثر غير مدركة أن كل هذا يهدد أمنها القومي؟ إن مصر (وفلسطين) من أهم البلاد فى العالم من الناحية الاستراتيجية، ولكن بنيتهما التحتية السكانية والاقتصادية لا تمكنهما من الدفاع عن نفسيهما. ولذا حين كانت تحدث نهضة فى مصر كان لابد وأن تدافع عن جناحها الشرقي وتوطد صلتها ببقية العالم العربي، حتى يتحدث الجميع بصوت واحد أو تتحدث مصر باسمهم. هذا ما فعله الفراعنة، وهذا ما فعله إبراهيم باشا فى العصر الحديث، ثم جمال عبد الناصر. ولذا كانت مواجهته مع الاستعمار مواجهة شرسة، انتهت بضربة 67. ثم أطلت الفرعونية و"مصر أولاً" برؤوسها تعبيراً عن هذه الهزيمة، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.

    ويسأل البعض متى تستعيد مصر دورها الثقافي، وهل هذا له علاقة بقضية الهوية؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد أن أوضح أمرين: أولاً يجب علينا أن ندرك أن العالم العربي لم يعد كما كان في منتصف القرن الماضي. ففي الخمسينيات كان يوجد مركز قوي وكثيف للثقافة العربية هو القاهرة، وكانت الأطراف ضعيفة. أما الآن فالأطراف لم تعد ضعيفة إذ يوجد مراكز ثقافية عديدة في العالم العربي من أهمها المغرب وسوريا والعراق قبل الاحتلال ولبنان والسعودية. لقد أقمت فى السعودية عدة أعوام وتعرفت على النشاط الثقافي الثري فيها وعلى مجموعة من المثقفين الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من المعرفة والإبداع. كما أننا نعرف جميعاً الإبداعات الفكرية التى تأتينا من المغرب وتؤثر فى كثير من الشباب المصري. كما أنني على علاقة طيبة بكثير من المثقفين والناشرين السوريين وأعرف إسهاماتهم الثرية الكثيرة.

    ثانيا يجب أن ندرك أن مصر لن يمكنها أن تستعيد دورها القيادي الثقافي داخل هذا الوضع الجديد فى العالم العربي، حيث لا مركز ولا أطراف، أو أطراف قادرة على الإبداع والإسهام، إلا بعد أن تعرِّف هويتها، ونحن إن عرفّنا هويتنا سيكون بوسعنا أن نعرّف أولوياتنا وأن نقرأ ماضينا وحاضرنا، ومن ثم يمكن أن نتحرك نحو المستقبل. كما أنه إن عرفّنا الهوية فيمكن أن نجند الجماهير لتحقيق مشاريعنا نحو التطوير والتنمية والتحديث. فالإنسان لا يستجيب للقانون العام، وإنما يستجيب لما هو متعين وخاص، إذ بوسعه أن يستوعبه ويستبطنه ثم يتحرك في إطاره. إن أي مشروع للتنمية يتطلب قدرا من الإرجاء لإشباع الرغبات حتى يتحقق قدرا من التراكم. هذا الإرجاء ممكن في إطار مشروع قومي يتجاوز الفرد واحتياجاته المادية المباشرة وهمومه اليومية الخاصة. فبوسع الإنسان أن يحرم نفسه من الإشباع المباشر والفوري في إطار مثل أعلى سيحقق له، ولأولاده من بعده، قدرا من السعادة الآجلة. لكي تقود مصر المنطقة العربية لابد أن تحدد هويتها.

    وأنا أتساءل هل مصر بمكوناتها الحالية مرشحة لهذا الدور، أم أننا على مشارف تآكل هذه الهوية؟ وسوف أجيب على كل هذه التساؤلات بصراحة فأقول "أنا متشائم!!" لأن التوجه الآن في مصر هو توجه برجماتي عملي، فنحن نحاول أن نجد حلولا لبعض المشاكل الملحة مثل مشكلة الغلاء، أو المواصلات، أو المساكن، أو الميزان التجاري أو العطش دون أن نضع استراتيجية عامة، ولا يمكن وضع مثل هذه الاستراتيجية إلا بعد أن نعرّف هويتنا ومرجعيتنا النهائية. وأنا أزعم أن هذا المشروع الحضاري الذي يستند إلى تعريف للهوية غائب عن مصر. فالهوية المصرية على المستوى المصري أو العربي أو الإسلامي ستزداد ترهلا وميوعة!!

    والله أعلم.


  3. #3
    الصورة الرمزية مصطفى الجزار شاعر
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    الدولة : مصر.
    العمر : 42
    المشاركات : 3,077
    المواضيع : 149
    الردود : 3077
    المعدل اليومي : 0.60

    افتراضي

    أستاذنا الحبيب د . مصطفى عراقي

    شكراً لك على هذا النقل الجميل لواحد من أكبر وأعرق مفكرينا -رحمه الله تعالى- الدكتور عبد الوهاب المسيري، صاحب أشهر موسوعة عن اليهود واليهودية، وغيرها كثير من المؤلفات القيّمة ذات الفكر الراقي المستنير.

    رحم الله هذا الرجل بقدر ما ألّف من حروف أفاد بها الأمة وساهم بها في نهضتها.


    تقبل كل التقدير أستاذنا الحبيب.

  4. #4
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 61
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي دير ياسين ونموذج التطهير العرقي

    - 3 -

    جريدة الاتحاد الإماراتية: 2008-05-31
    دير ياسين ونموذج التطهير العرقي
    د.عبد الوهاب المسيري

    مذبحة دير ياسين وغيرها من أعمال الإرهاب والتنكيل، إحدى الوسائل التي انتهجتها المنظمات الصهيونية المسلحة من أجل السيطرة على الأوضاع في فلسطين وتطهيرها عرقياً تمهيداً لإقامة الدولة اليهودية الخالصة حسب الخطة داليت.

    تقع قرية دير ياسين على بُعد بضعة كيلو مترات من القدس على تل يربط بينها وبين تل أبيب. وكانت القدس آنذاك تتعرض لضربات متلاحقة، وكان العرب، بزعامة البطل الفلسطيني عبد القادر الحسيني، يحرزون الانتصارات في مواقعهم. لذلك كان اليهود في حاجة إلى انتصار حسب قول أحد ضباطها "من أجل كسر الروح المعنوية لدى العرب، ورفع الروح المعنوية لدى اليهود"، فكانت دير ياسين فريسة سهلة لقوات الإرجون. كما أن المنظمات العسكرية الصهيونية كانت في حاجة إلى مطار يخدم سكان القدس. كما أن الهجوم وعمليات الذبح والإعلان عن المذبحة هي جزء من نمط صهيوني عام يهدف إلى تفريغ فلسطين من سكانها عن طريق الإبادة والطرد. كان يقطن القرية العربية الصغيرة 400 شخص، يتعاملون تجارياً مع المستوطنات المجاورة، ولا يملكون إلا أسلحة قديمة يرجع تاريخها إلى الحرب العالمية الأولى.

    في فجر 9 أبريل عام 1948 دخلت قوات الإرجون من شرق القرية وجنوبها، ودخلت قوات شتيرن من الشمال ليحاصروا القرية من كل جانب ما عدا الطريق الغربي، حتى يفاجئوا السكان وهم نائمون. وقد قوبل الهجوم بالمقاومة في بادئ الأمر، وهو ما أدَّى إلى مصرع 4 وجرح 40 من المهاجمين الصهاينة. وكما يقول الكاتب الفرنسي باتريك ميرسييون: "إن المهاجمين لم يخوضوا مثل تلك المعارك من قبل، فقد كان من الأيسر لهم إلقاء القنابل في وسط الأسواق المزدحمة عن مهاجمة قرية تدافع عن نفسها.. لذلك لم يستطيعوا التقدم أمام هذا القتال العنيف".

    ولمواجهة صمود أهل القرية، استعان المهاجمون بدعم من قوات البالماخ (الاشتراكية اليسارية!) في أحد المعسكرات بالقرب من القدس، حيث قامت من جانبها بقصف القرية بمدافع الهاون لتسهيل مهمة المهاجمين. ومع حلول الظهيرة أصبحت القرية خالية تماماً من أية مقاومة، فقررت قوات الإرجون وشتيرن (والحديث لميرسييون) "استخدام الأسلوب الوحيد الذي يعرفونه جيداً، وهو الديناميت. وهكذا استولوا على القرية عن طريق تفجيرها بيتاً بيتاً. وبعد أن انتهت المتفجرات لديهم قاموا "بتنظيف" المكان من آخر عناصر المقاومة عن طريق القنابل والمدافع الرشاشة، حيث كانوا يطلقون النيران على كل ما يتحرك داخل المنزل من رجال، ونساء، وأطفال، وشيوخ". وأوقفوا العشرات من أهل القرية إلى الحوائط وأطلقوا النار عليهم. واستمرت أعمال القتل على مدى يومين. وقامت القوات الصهيونية بعمليات تشويه سادية (تعذيب ـ اعتداء ـ بتر أعضاء ـ ذبح الحوامل والمراهنة على نوع الأجنة)، وأُلقي بـ 53 من الأطفال الأحياء وراء سور المدينة القديمة، واقتيد 25 من الرجال الأحياء في حافلات ليطوفوا بهم داخل القدس طواف النصر على غرار الجيوش الرومانية القديمة، ثم تم إعدامهم رمياً بالرصاص. وألقيت الجثث في بئر القرية وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة. وكما يقول ميرسييون: "وخلال دقائق، وفي مواجهة مقاومة غير مسبوقة، تحوَّل رجال وفتيات الإرجون وشتيرن، إلى "جزارين"، يقتلون بقسوة وبرودة ونظام مثلما كان جنود قوات النازية يفعلون". ومنعت المنظمات العسكرية الصهيونية مبعوث الصليب الأحمر جاك دي رينييه من دخول القرية لأكثر من يوم. بينما قام أفراد الهاجاناه الذين احتلوا القرية بجمع جثث أخرى في عناية وفجروها لتضليل مندوبي الهيئات الدولية وللإيحاء بأن الضحايا لقوا حتفهم خلال صدامات مسلحة (عثر مبعوث الصليب الأحمر على الجثث التي أُلقيت في البئر فيما بعد).

    وقد تباينت ردود أفعال المنظمات الصهيونية المختلفة بعد المذبحة، فقد أرسل مناحم بيجين برقية تهنئة إلى رعنان قائد الإرجون المحلي قال فيها: "تهنئتي لكم لهذا الانتصار العظيم، وقل لجنودك إنهم صنعوا التاريخ في إسرائيل". وفي كتابه المعنون الثورة كتب بيجين يقول: "إن مذبحة دير ياسين أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من 650 ألف عربي". وأضاف قائلاً: "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل". وقد حاولت بعض القيادات الصهيونية التنصل من مسئوليتها عن وقوع المذبحة. فوصفها ديفيد شالتيل، قائد قوات الهاجاناه في القدس آنذاك، بأنها "إهانة للسلام العبري". وهاجمها حاييم وايزمان ووصفها بأنها عمل إرهابي لا يليق بالصهاينة. كما ندَّدت الوكالة اليهودية بالمذبحة. وقد قامت الدعاية الصهيونية على أساس أن مذبحة دير ياسين مجرد استثناء، وليست القاعدة، وأن هذه المذبحة تمت دون أي تدخُّل من جانب القيادات الصهيونية بل ضد رغبتها. إلا أن السنوات التالية كشفت النقاب عن أدلة دامغة تثبت أن جميع التنظيمات الصهيونية كانت ضالعة في ارتكاب تلك المذبحة وغيرها، سواء بالاشتراك الفعلي في التنفيذ أو بالتواطؤ أو بتقديم الدعم السياسي والمعنوي.

    وقد ذكر ذكر مناحم بيجين في كتابه الثورة أن الاستيلاء على دير ياسين كان جزءاً من خطة أكبر وأن العملية تمت بكامل علْم الهاجاناه "وبموافقة قائدها" (بن جوريون)، وأن الاستيلاء على دير ياسين والتمسك بها يُعَد إحدى مراحل المخطط العام رغم الغضب العلني الذي عبَّر عنه المسئولون في الوكالة اليهودية والمتحدثون الصهاينة.

    وقد ذكرت موسوعة الصهيونية وإسرائيل (التي حررها العالم الإسرائيلي روفائيل باتاي) أن لجنة العمل الصهيونية (اللجنة التنفيذية الصهيونية) وافقت في مارس من عام 1948 على "ترتيبات مؤقتة، يتأكد بمقتضاها الوجود المستقل للإرجون، ولكنها جعلت كل خطط الإرجون خاضعة للموافقة المسبقة من جانب قيادة الهاجاناه".

    وقد أقر الصهيوني العمالي مائير بعيل في السبعينيات بأن مذبحة دير ياسين كانت جزءاً من مخطط عام (الخطة داليت)، اتفقت عليه جميع التنظيمات الصهيونية في مارس 1948، وكان يهدف إلى طَرْد الفلسطينيين من المدن والقرى العربية قبيل انسحاب القوات البريطانية، عن طريق التدمير والقتل وإشاعة جو من الرعب والهلع بين السكان الفلسطينين وهو ما يدفعهم إلى الفرار من ديارهم. ولهذا لا غرو أنه بعد ثلاثة أيام من المذبحة، تم تسليم قرية دير ياسين للهاجاناه لاستخدامها مطاراً.

    وأياً ما كان الأمر، فالثابت أن مذبحة دير ياسين والمذابح الأخرى المماثلة لم تكن مجرد حوادث فردية أو استثنائية طائشة، بل كانت جزءاً أصيلاً من نمط ثابت ومتواتر ومتصل، يعكس الرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ والآخر، حيث يصبح العنف بأشكاله المختلفة وسيلة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية وتنقيتها من السمات الطفيلية والهامشية التي ترسخت لديها نتيجة القيام بدور الجماعة الوظيفية. كما أنه أداة تفريغ فلسطين من سكانها وإحلال المستوطنين الصهاينة محلهم وتثبيت دعائم الدولة اليهودية الخالصة وفَرْض واقع جديد في فلسطين يستبعد العناصر الأخرى غير اليهودية المكوِّنة لهويتها وتاريخها. ولذا من الخلل بمكان أن نتحدث عن النكبة وكأن ما حدث في دير ياسين كان مجرد "حوادث" وقعت بسبب الحرب بين طرفين. يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها، وما حدث لم يكن نكبة بل كان تطهيراً عرقياً تم حسب خطة منظمة مبيتة.

    والله أعلم.


  5. #5
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 61
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى الجزار مشاهدة المشاركة
    أستاذنا الحبيب د . مصطفى عراقي
    شكراً لك على هذا النقل الجميل لواحد من أكبر وأعرق مفكرينا -رحمه الله تعالى- الدكتور عبد الوهاب المسيري، صاحب أشهر موسوعة عن اليهود واليهودية، وغيرها كثير من المؤلفات القيّمة ذات الفكر الراقي المستنير.
    رحم الله هذا الرجل بقدر ما ألّف من حروف أفاد بها الأمة وساهم بها في نهضتها.
    تقبل كل التقدير أستاذنا الحبيب.

    شاعرنا الحبيب الأستاذ مصطفى الجزار

    نضر الله حضورك المبارك الذي يفيض وفاءً وبهاءً

    ورحم الله مفكرنا الكبير
    ونفعنا بكلماته الطيبات التي صاغها شموسا للحق والوعي .

    ودمت بكل الخير والسعادة والنور


    مُحبك : مصطفى

  6. #6
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 61
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي أسئلة الهوية

    -4-
    أسئلة الهوية
    الدكتور عبد الوهاب المسيري

    موقع الجزيرة نت: 2007-08-01
    كي نفهم قضية الهوية حق الفهم لابد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية متلقة سلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني، كما أشرت، عقل توليدي يبقى ويضخم ويهمش ويضيف ويحذف، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان هو فى صميمه رؤية للكون. فهوية شعب ما تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه (فعقولهم التوليدية تبقى وتستبعد وتضخم وتهمش)، فإن هويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهى ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم. ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التى لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي.
    ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التى يسمونها "علمية"، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب. واستخدام النموذج المادي يعنى استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية. ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تماماً، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها. وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره "الإنسان الطبيعي"، بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة "أضيفت" إليها الحضارة، أي أنها ليست أصيلة فيه. وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليا، مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية. وهذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية (التى نصفها بأنها عقلانية مادية) كما تعبر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هى في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي، الذى لا يعرف الحدود أو الهوية أو الخصوصية وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والوطن والتضحية. ولذا نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولايذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة. وحيث أن الإنسان الطبيعي هو ذاته الإنسان الاقتصادي، لذا فكل مطالبه وتطلعاته تظل داخل السقف المادي، وتظل الخلافات التى تنشأ بين الدول هى خلافات اقتصادية عامة، يمكن التفاهم بشأنها وحلها داخل الإطار الاقتصادي المادي. ونتيجة لهذا الفهم المادي المعاصر نجد أن الإدراك الغربي (والإدراك الذي ساد في العالم العربي) للهوية يتأرجح بين نقطتين ماديتين متناقضتين، الأولى نقطة صلبة تقوم على ثنائية قطبية حادة (أنا في مقابل والآخر) كما فعل النازيون والصهاينة في الغرب وبعض السلفيين والقوميين المتعصبين وبعض دعاة القومية العربية، بعض الوقت. أما الثانية فهي نقطة سائلة تذوب فيها الحدود والهويات، كما هو الحال الآن فى إطار النظام العالمي الجديد.
    وأقترح أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهرا صلباً ثابتاً، وأطرح فكرة الإنسانية المشتركة بدلا من فكرة الإنسانية الواحدة التي يطرحونها في الغرب. فالإنسانية المشتركة تذهب إلى أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل الزمان والمكان، وهى فى تحققها تكتسب قسمات وهوية محددة! فالإمكانية الإنسانية الكامنة حينما تتحقق فى الزمان والمكان الصيني، فإنها تثمر الإنسان الصيني والإنسانية الصينية، وإن تحققت فى الزمان والمكان الغربيَين، أثمرت الإنسان الغربي والإنسانية الغربية. وتحقق الإمكانية ليس أمراً حتمياً، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها.
    وثمة علاقة بين الهوية والإبداع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر للعالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لأنه لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته، وأصبح عقله فى أذنيه، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم، ويبدع داخل إطارهم، بحيث يتحقق إبداعه من داخل تشكيلهم الحضاري، كما يحدث لكثير من العلماء العرب الذين يهاجرون إلى الغرب. وهذا ما أدركه لورد ماكولي، السياسي والكاتب الإنجليزي. ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي في 2 فبراير 1835 قال: "لقد سافرت في الهند طولا وعرضا، ولم أر شخصا واحدا يتسول أو يسرق. لقد وجدت هذا البلد ثريا لدرجة كبيرة، ويتمتع أهلها بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى أنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة، إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي. ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم، لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تم الهيمنة عليها تماما".
    هذه هي الخطة الشيطانية التي لا يزال الاستعمار الغربي يستخدمها ضدنا، ولذا علينا أن نحتفظ بهويتنا وندافع عنها ونفعلها ونعبر عنها من خلال أعمال إبداعية تخرج من بيئتنا وتعود إليها. فمثلا هل يمكن أن نطور مدنا لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عام جيد، السيارات فيه تسير بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بكل سلبياته، الذي يكلفنا الكثير من الناحية الصحية والاقتصادية؟ لماذا لا نطور تكنولوجيا الطاقة الشمسية ومساقط المياه، في منطقة معروف أنها ستواجه شحا في المياه، حتى أنهم يقولون إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تكنولوجيا تحلية المياه ونخلصها من مشاكلها؟ لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذى لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز. هذا ما فعله اليابانيون وطوروا اقتصادا على مستويين، فهناك الاقتصاد المتقدم والذي يستفيد بكل منجزات العلم والتكنولوجيا، ولكن هناك مستوى آخر وهو ما يمكن تسميته الاقتصاد الشعبي. فشركة مثل سوني على سبيل المثال تستخدم آخر ما توصلت له التكنولوجيا، ولكن هناك أعمال أخرى يمكن إنجازها يدويا، فترسل بها إلى الريف الياباني، فيقوم الفلاحون بإعدادها في منازلهم.
    ويدعي البعض أن التمسك بالهوية يؤدي إلى الحروب والمجازر، وهذه مبالغة غير مقبولة. فهل الحربان (العالميتان)، الأولى والثانية، تمتا باسم الهوية أم باسم المصالح الاستعمارية؟ وماذا عن فيتنام وغزو العراق وأفغانستان والحرب الباردة؟ هل التشكيل الاستعماري الغربي الذى أحرق الأخضر واليابس، والذى أباد الملايين ونهب ثروات الشعوب، هل تم تعبيراً عن الهوية الغربية أم تعبيراً عن طمع وجشع الطبقات الحاكمة؟
    وتفعيل الهوية شيء أساسي في عملية النهوض الحضاري، فهويتنا قد تشكلت –كما أسلفت- عبر تاريخنا حتى أصبحت منا وأصبحنا منها. فعملية التنمية لا يمكن أن تتم من خلال برنامج اقتصادي وسياسي عام، فالبشر لا يتحركون في إطار العام، وإنما يتحركون في إطار الخاص الذى يعرف احتياجاتهم ويأخذ في الاعتبار توجهاتهم وأشواقهم وأحزانهم. وأعتقد أن ظهور ما يسمى النظام العالمي الجديد والنزعة الاستهلاكية الشرسة يزيد من أهمية قضية الهوية وضرورة التمسك بها. إن ظهور الهوية في القرن العشرين مسألة لها دلالة، فهي حماية للإنسان ضد عمليات التنميط الزاحفة، وضد العولمة التي كانت توجد بشكل جنيني في بداية القرن وأصبحت الآن مسيطرة ومهيمنة. إن الهوية في الواقع شكل أساسي من أشكال المقاومة شرط ألا تتحول إلى "غيتو" يدخل فيه الإنسان ويتخندق.
    هذا لا يعني أن تمسكنا بهويتنا العربية الإسلامية سيفصلنا عن الآخرين، ويمنحنا حقوقا مطلقة كما فعلوا في ألمانيا النازية وفي التشكيل الاستعماري الغربي. الهوية العربية الإسلامية هي مجموعة من السمات الإنسانية المختلفة التي قد تسم جماعات إنسانية أخرى، ولكنها توجد بشكل معين وبترتيب محدد يعطي الهوية العربية فرادتها. ففي الدولة الإسلامية مثلاً كان يوجد هويات مختلفة، لكن رغم ذلك كانت غير متنازعة. كان يمكن للإنسان أن يأتي من خراسان إلى مصر فيُرحّب به، وكذلك أهل المغرب الذين وجدوا في مصر وطناً لهم من دون أي مشكلة. ولعل الفن الإسلامي هو أكبر دليل على التنوّع والاختلاف لدرجة أن بعض المؤرخين الغربيين ينفون وجود فن إسلامي بسبب تنوعه، وفي الواقع هناك فن إسلامي هندي، وإسلامي عربي الذي ينقسم بدوره إلى إسلامي مصري (فاطمي وأيوبي ومملوكي) وإسلامي دمشقي وهكذا.
    الإسلام قد قبل التنوّع داخل إطار شامل من الوحدة، وحدة ليست عضوية، وإنما فضفاضة، وهو تنوّع قد سمح للجماعات الدينية والإثنية المختلفة بأن تبدع من خلاله مثل إبداع الأكراد وإبداع العرب المسيحيين واليهود. وقد كان هذا النموذج للهوية مرفوضاً من الغرب حتى عهد قريب، لأن التعريف الغربي للهوية كان تعريفاً عضوياً، أي يرى الهوية باعتبارها كيانا متماسكا تماما وكأنها النبات أو الحيوان أو كيان عضوي، لا يمكن أن تفصل أجزءا منه ويكتب له البقاء. أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة في الستينيات: كانوا دائماً يسألونني هل أنت عربي أم مصري أم مسلم، ويشيرون إلى هذا باعتباره اختلاطاً في الهوية، ومن ثم نقطة سلبية. فكنت أشير إلى جون ميلتون الشاعر الإنكليزي الذي عاش في عصر النهضة، وكان يكتب بالإنكليزية واللاتينية ويعدّ نفسه إنكليزياً وأوروبياً ومسيحياً في الوقت ذاته، وكان يتحدّث باللاتينية مثلاً مع أصدقائه حين ينتقل في أرجاء أوروبا. وكانت تواريخ الأدب ترى هذا دليلا على عظمة عصر النهضة الغربية، فكنت أقول لهم أنا أيضا دمنهوري عربي مسلم، وفي بداية الأمر ونهايته إنسان، فإنسانيتي العامة المشتركة لا تتناقض مع انتماءاتي المتعددة. إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية مادية عضوية مصمتة، تجعل الإنسان صاحب الهوية الذي يعيش على أرضه القومية ومجاله الحيوي، موضع الحلول ومرجعية ذاته، ولذا لا يمكن استئناف أحكامه، ثم فرضوا هذه الرؤية على الواقع بالقوة. فظهرت فكرة الدولة القومية العضوية وكل هذه المفاهيم العنصرية. وقد أدى هذا إلى أن الحدود الديموجرافية والدينية والسكانية لهذه الدولة العضوية تماثلت مع الحدود الجغرافية، وبالتالي تم القضاء على معظم الأقليات. فالثورة الفرنسية قضت على كثير من الأقليات، وعلى مجموعة من اللهجات، مثل لهجة "الأوكستانيان و"البريتون". وهذه صفة في أوربا منذ القدم.
    وأذهب إلى أن أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث هو الانتفاضة الفلسطينية التي استدرجت "الإسرائيليين" إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي "الإسرائيلي" أن يتعامل معها بكفاءة، ولم يجد الصهاينة حلا لهذه الورطة إلا بالالتفاف حول الانتفاضة لكبح جماحها، ومن هنا كانت اتفاقية أسلو. وهناك محاولات أخرى لتفعيل الهوية مثل قيام الدكتور حامد الموصلي بعدة مشاريع ناجحة نابعة من تفعيل الهوية، مثل صنع الخشب من سعف النخيل. وهناك محاولات الدكتور عبد الحليم إبراهيم وراسم بدران لتطوير معمار إسلامي حديث. كما يمكننا تفعيل مؤسسات وسيطة مثل الأسرة والجيرة، بحيث يمكن إدارة مجتمعنا بطريقة إنسانية.
    والله أعلم.

  7. #7
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي مفكر أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 53
    المشاركات : 12,546
    المواضيع : 378
    الردود : 12546
    المعدل اليومي : 2.23

    افتراضي

    رحمك الله أيها المعلم الجليل والمفكر النبيل ... أيها الانقي التقي الأبي


    لقد حفظت توثيقك وأنت تقول : ( والعراق بلد عربي إسلامي يتسع للسُنَّة والشيعة والأكراد والتركمان.)




    رحمة الله عليك

    رحمة الله عليك

    رحمة الله عليك


    ونحن من بعد حملة الهم ... هم هذه الأمة الإسلامية الحزينة
    الإنسان : موقف

  8. #8
    الصورة الرمزية عبدالصمد حسن زيبار مستشار المدير العام
    مفكر وأديب

    تاريخ التسجيل : Aug 2006
    المشاركات : 1,887
    المواضيع : 99
    الردود : 1887
    المعدل اليومي : 0.36

    افتراضي

    رحم الله فقيد الأمة الاسلامية
    و الانسانية قاطبة
    المفكر و الفيلسوف المناضل
    الابي
    و الأديب

    عبدالوهاب المسيري


    في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنها قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقى عالماً أتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)

    اللهم أجرنا في مصيبتنا و أخلفنا خيرا منها


    للتثبيت لعلنا نبصر
    تظل جماعات من الأفئدة ترقب صباح الانعتاق,لترسم بسمة الحياة على وجوه استهلكها لون الشحوب و شكلها رسم القطوب ,يعانقها الشوق و يواسيها الأمل.

  9. #9
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 61
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خليل حلاوجي مشاهدة المشاركة
    رحمك الله أيها المعلم الجليل والمفكر النبيل ... أيها الانقي التقي الأبي
    لقد حفظت توثيقك وأنت تقول : ( والعراق بلد عربي إسلامي يتسع للسُنَّة والشيعة والأكراد والتركمان.)
    رحمة الله عليك
    رحمة الله عليك
    رحمة الله عليك
    ونحن من بعد حملة الهم ... هم هذه الأمة الإسلامية الحزينة
    ====

    أخي الجليل الخليل

    نضر الله هذا الحضور الوفي البهي
    وما أجمل أن نتفيأ ظلال فكره الواعي الراقي




    محبك: مصطفى

  10. #10
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 61
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالصمد حسن زيبار مشاهدة المشاركة
    رحم الله فقيد الأمة الاسلامية
    و الانسانية قاطبة
    المفكر و الفيلسوف المناضل
    الابي
    و الأديب
    عبدالوهاب المسيري

    في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنها قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقى عالماً أتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)
    اللهم أجرنا في مصيبتنا و أخلفنا خيرا منها

    للتثبيت لعلنا نبصر



    ثبتك الله على الحق يا أخي المفضال ومفكرنا السامق

    وسقى الله حضورا فاض حكمة ووفاءً وجلالا

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سنة كاملة على غياب الشهيد عدنان رحمه الله تعالى
    بواسطة نادية بوغرارة في المنتدى مُنتَدَى الشَّهِيدِ عَدْنَان البحَيصٍي
    مشاركات: 31
    آخر مشاركة: 26-12-2015, 06:59 PM
  2. مرحبا بالأديب الكبير عبد الوهاب موسى
    بواسطة نادية بوغرارة في المنتدى الروَاقُ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 02-03-2011, 10:12 PM
  3. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للمفكر الكبير الأستاذ المسيري رحمه الله تعالى
    بواسطة د. مصطفى عراقي في المنتدى المَكْتَبَةُ العِلمِيَّةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 05-03-2010, 07:10 AM
  4. فضل ذكر الله تعالى متجدد إن شاء الله تعالى ..
    بواسطة حسنية تدركيت في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 28-03-2009, 07:11 PM
  5. إلى روح الفيلسوف عبد الوهاب المسيري ... يَا مَوْتُ خَفِّفْ غُرُوَكْ
    بواسطة غسان الرجراج في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 33
    آخر مشاركة: 27-08-2008, 03:28 PM