أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: حدث في حياتي ..

  1. #1
    الصورة الرمزية راضي الضميري أديب
    تاريخ التسجيل : Feb 2007
    المشاركات : 2,891
    المواضيع : 147
    الردود : 2891
    المعدل اليومي : 0.58

    افتراضي حدث في حياتي ..

    في حياتنا قصص كثيرة حافلة بالعبر والمواعظ، منها ما هو مفرح ومنها ما هو مؤلم جدًا. نراها ونمرّ عليها – أحيانًا- مرور الكرام، منها ما نخزّنه في مستودع الذكريات، ومنها ما لا قد يعنينا أمرها ، ثمّ تشغلنا الدنيا فننسى ولا يكاد أحدا يتذكّرها أو حتّى يستفيد منها - إلّا ما رحم ربي-غير أنّها تبقى في الذاكرة نائمة فلا تصحو إلّا عندما يستجدّ في حياتنا شيء ما مشابه لها، فنتذكّر ساعتها وبالجملة ويا ليتْ ذاكرتنا ترحمنا حين نفعل ذلك.

    هذه الأيام خطر على بالي أنْ أذكّر بعضا من هذه القصص حدثت معي شخصيًا أو أمامي وأردت أنْ أشارك بها الجميع، فلعلّي أستفيد منها ويستفيد مها غيري وسأدرجها هنا تباعا كلّما سنحت لي الفرصة .

    الموت

    ليس هناك أجمل من تلك الصداقة التي تنشأ بين اثنين وخصوصًا صداقة الدراسة في الجامعة، فإن كانت صداقة حقيقية فهي تدوم للأبد.

    اليوم تذكّرت صديقي سعيد وأهله الكرام، وكان زميل دراسة لمدّة أربعة أعوام لم نفترق خلالها أبدا، ننام في نفس الغرفة، ونأكل في نفس الصحن، أينما أكون يكون ليلًا ونهارا . قضينا أجمل الأيام وأتعسها أيضًا، كان كظلّي وكنت كظلّه.لكن الدنيا شغلتنا كثيرًا، فلم أزره ولم يزرني منذ مدّة طويلة. وخصوصًا بعد أنْ سافر إلى فلسطين انقطعت عنّي أخباره تمامًا.

    ركبت سيارتي وتوجّهت إلى عمّان وأنا أقول في نفسي لعلّه رجع من فلسطين بعد كلّ هذا الغياب، ثمّ عرجت في طريقي على محل لبيع الكنافة النابلسية الشهيّة لأشتري بعضًا منها كهدية لهم فأنا أعلم كم يحبّها سعيد، ثمّ تابعت طريقي وكلّي شوق لرؤيته، وإلى رؤية أسرته الكريمة، والده الكريم والعطوف، الذي كان يجلس معنا يمازحنا ويداعبنا بكلماته المرحة بحيث أنّنا لم نكن نشعر أنّنا مع رجل يفوقنا في العمر بل كان واحدًا منّا، ووالدته النبيلة التي كانت تعتبرني مثل ابنها سعيد وطعامها الشهي الذي ما زلت أذكره حين استضافوني في بيتهم لمدّة يومين ، وأخوه أكرم الشاب المرح المفعم بالنشاط والحيوية والشباب. كانت السيارة تمشي بي، وذكرياتي تمشي هي الأخرى لكن بسرعة أكبر منها، لدرجة أنّني تمنّيت لو أطير فجأة فأكون عندهم.

    وصلت إلى الحيّ الذي يقطنون فيه، لكنّني لم أتوصل لمعرفة بيتهم، فآخر مرّة زرتهم فيها كانت منذ ثلاثة أعوام، والحيّ اختلف كثيرًا عمّا كان عليه من قبل، بيوت كثيرة انتشرت هنا وهناك، لدرجة أنّ معالم الحيّ كلّه باتت غريبة عليّ، فبدأت أسأل لكن لم يدلّني أحد، ثمّ ترجلت من سيارتي ووقفت على تلّة عالية، أذكّر أنّني وسعيد وقفنا عليها ذات يوم وأشار بيده قائلًا " هناك بيتنا أنظر .. " .تمعنّت في المنطقة كلّها، محاولّا أنْ أحدّد مكان البيت، بعد وقت توصلّت إلى تحديد مكانه، أو هكذا خيّل إليّ، ثمّ ركبت سيارتي وتوجّهت صوب المكان الذي حدّدته، فكان فعلًا كما توقعت، هو نفس البيت، ترجلت من السيارة والدنيا لا تكاد تسعني من الفرحة، وتوجهت نحو الباب ، فتأكدّت أكثر أنّه هو، فها هي الحديقة التي كنّا نجلس فيها، وها هو البيت الصغير الذي كان والد سعيد يريد أنْ يرمّمه لكي يسكن فيه أكرم بعد أنْ يتزوّج ، نعم هذا هو بيت سعيد.

    وقفت أمام باب البيت وضغطت على الجرس، فإذا بفتاة تطلّ عليّ من النافذة وتسألني:

    - ماذا تريد ؟

    - أنا صديق سعيد .

    - أهلًا بك.

    - هل أبو أكرم موجود ؟

    - أبو أكرم مات.

    هنا صدمت من المفاجأة فلم أعرف ما أقول، لكنّني استجمعت قواي فسألتها :

    - هل أكرم موجود ؟

    - أكرم مات

    عندها دارت بي الدنيا دورة كاملة، تعاقب فيها الليل والنهار، فلم أعد أدري أين أنا، ولا أدري كيف توجّهت نحو سيارتي مسرعا، وأنا مرعوب من أنْ أسأل عن سعيد، الدنيا كلها أظلمت في وجهي، وما كدت أصل إلى سيارتي حتّى لحق بي أحدهم واستوقفني قائلًا " لحظة من فضلك لا تذهب". وقفت ونظرت إليه فإذا به ابن عمّ سعيد، سلّمت عليه وسلّم عليّ بحرارة ، وهنا استجمعت ما تبقى من قواي وسألته وأنا خائف جدًا من الإجابة :

    - أين سعيد؟

    - سعيد ما زال في فلسطين وقد تزوّج واستقرّ هناك.

    لم أدر أأفرح لسلامته أمام كلّ هذا الحزن الذي هجم عليّ واستوطن قلبي، أم ماذا أفعل. فقلت له حسنًا سأذهب الآن وبلغ تحياتي له عندما تتصّل به . لكنه أقسم عليّ أنْ أدخل البيت، فأم أكرم تريد رؤيتي، لكنّني اعتذرت بشدّة، فلم أكن لأجرؤ على دخول البيت خشية أنْ يحصل لي شيء ما أمام كلّ ما سمعته، لكّني دخلت أمام إصراره الكبير، وتوجّهنا إلى غرفة الضيوف وجلسنا بانتظار قدوم أم أكرم.

    جلست ومن حولي مجموعة من الصور فيها سعيد وأكرم ووالدهم، جلست بعد غياب طويل أنظر إليهم، هنا كنّا نجلس ونأكل ونسهر ونتحدث عن أيام الدراسة ، وذكرياتنا، هنا كان يجلس والد سعيد يضحك معنا من قلبه، يحدثنا عن قصص حصلت معه، فيها حكم ومواعظ مفيدة، وهناك على تلك الكنبة كان يجلس أكرم، ويهمس في أذني مازحا" يا راضي قل لوالدي أنّ أكرم يجب أنْ يتزوّج يكفيه عزوبية" فأقول لوالده " يا عم أرى أنّه آن الأوان لكي يتزوّج أكرم، نريد أنْ نفرح به، وأيضًا من أجل سعيد ، فليس من المعقول أنْ يتزوّج الصغير قبل الكبير؛ زوّجه وارتاح وافرح بأحفادك" ثمّ نضحك جميعنا بصوت واحد، ويقول" ليزوّج نفسه، هل أنا قيّدته ومنعته، تفضّل وتزوّج يا أكرم من يمنعك" فنضحك جميعنا، ويقول أكرم" ما أنت عارف البير وغطاه يا أبو أكرم الحياة صعبة جدًا " فيردّ والده" حسنًا حسنًا ستتزوّج بإذن الله تعالى لا تخف " ثمّ نكمل سهرتنا وأنا أتمنّى أنْ لا يمضي الوقت مسرعا، فالجلوس معهم كان يشعرني بسعادة كبيرة وينسينا الدنيا وهمومها الكثيرة.

    ها هي صورة أكرم أمامي، أنظر إليها وينظر إليّ، وتلك صورة والده يبتسم بكل حنان، ووجهة كلّه نور وإيمان، جلست والدنيا تدور بي، وكأنّي نائم في عالم آخر، لم أستفق إلّا على صوت أم أكرم وهي ترحب بي ويدها اليمنى تمسك بيد فتاة صغيرة، فيما كانت فتاة أخرى صغيرة في نفس عمرها تقف من خلفها، يا إلهي كأنّهن صورة طبق الأصل عن أكرم.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    الصورة الرمزية سالم العلوي شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    المشاركات : 2,520
    المواضيع : 69
    الردود : 2520
    المعدل اليومي : 0.47

    افتراضي

    طيب الله أنفاسك يا أبا حمزة ..
    لك قدرة رائعة على السرد القصصي الممتع الذي يشد قارئه ..
    وهذه الذكريات لها أثر كبير على كاتبها .. وعلى قارئها على حد سواء .. فأوصيك أخي أن تكثر منها فإن فيها خيرا عظيما ..
    حفظك الله .. وبارك في مدادك ..

  3. #3
    الصورة الرمزية عبدالصمد حسن زيبار مستشار المدير العام
    مفكر وأديب

    تاريخ التسجيل : Aug 2006
    المشاركات : 1,887
    المواضيع : 99
    الردود : 1887
    المعدل اليومي : 0.36

    افتراضي

    للأحداث و المواقف الأثر الكبير في صناعة النفوس و الشخوص,و الأشخاص العظام هم الذين مروا بأحداث جليلة و كبيرة,
    و على قدر التجارب تبنى العزائم و اختلاف المواقف تصنع المرونة و التجدد.
    تظل جماعات من الأفئدة ترقب صباح الانعتاق,لترسم بسمة الحياة على وجوه استهلكها لون الشحوب و شكلها رسم القطوب ,يعانقها الشوق و يواسيها الأمل.

  4. #4
    الصورة الرمزية راضي الضميري أديب
    تاريخ التسجيل : Feb 2007
    المشاركات : 2,891
    المواضيع : 147
    الردود : 2891
    المعدل اليومي : 0.58

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سالم العلوي مشاهدة المشاركة
    طيب الله أنفاسك يا أبا حمزة ..
    لك قدرة رائعة على السرد القصصي الممتع الذي يشد قارئه ..
    وهذه الذكريات لها أثر كبير على كاتبها .. وعلى قارئها على حد سواء .. فأوصيك أخي أن تكثر منها فإن فيها خيرا عظيما ..
    حفظك الله .. وبارك في مدادك ..
    الأخ الفاضل سالم العلوي

    بارك الله فيك وفي كلماتك الطيبة.

    وهذه الدنيا مدرسة كبيرة، نحتاج فقط إلى أن نتعلم ونتعظ .

    شكرًا لك.

    تقديري واحترامي

المواضيع المتشابهه

  1. حدث في الأول من نيسان !
    بواسطة جمال علوش في المنتدى أَدَبُ الطِّفْلِ (لأطفالنا نحكي)
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 14-07-2006, 08:11 PM
  2. ماذا حدث فى الاسكندرية حقا ؟
    بواسطة بهاء كامل في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 18-04-2006, 06:08 PM
  3. حدث ذات يوم
    بواسطة جمال النجار في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 20-11-2004, 11:55 AM
  4. حدث و يحدث في الشتات
    بواسطة بنت عكا في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 09-04-2003, 11:32 PM