أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: زينب .... بقلم ( ؟؟؟؟ )

  1. #1
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2003
    المشاركات : 662
    المواضيع : 83
    الردود : 662
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي زينب .... بقلم ( ؟؟؟؟ )

    وصلتني في رسالة .. ففتحت جرحا لم يندمل قط ..
    أسفي أني لا أدري أي قلم نسج حروفها من شعاع الذاكرة الموجوعة

    ×××××

    منذ فترة غير طويلة، كنت أسير في شارع اليرموك متجهة نحو اليسار أقصد منزل إحدى صديقاتي. ومن قبل أن أبلغ منعطف شارع دير ياسين بقليل، والوقت قبيل الظهيرة، فجأة تثاقلت قدماي، فتمهلت. أحسست بشيء خفي يشدني إلى الوراء ، يحول دوني ومتابعة المسير، فتلفت، وعلى غير وعي مني صحت، وتراجعت بضع خطوات، ثم توقفت ويدي على قلبي يعتصره الحزن والأسى، أتجه بناظري نحو اليسار، أنظر إلى الرصيف وفي عيني ألم ودموع، وقد اتقدت في خاطري ذكرى مأساة أليمة موجعة كان ذلك منذ عدد من السنين، وكان ذاك اليوم يوم ثلاثاء، يوماً لن أنساه ما حييت. كنت أعبر شارع اليرموك متجهة نحو اليسار، وفي ذاك المكان نفسه، وعند تلك النقطة بالذات توقفت فجأة والتفت.
    لقد استوقفتني من غير نداء، ومن غير إشارة حتى ولا إيماء. كانت إمرأة تلك التي استوقفتني. امرأة تتكور على الرصيف، تستند إلى جدار ولكن رأسها كان مرفوعاً، ونظراتها كانت متجهة نحوي.
    اقتربت منها قليلاً، أنظر إليها أتأملها، فسمّرت قدماي، وجمدت مكاني. أردت أن أصرخ، أردت أن أناديها لولا أن علقت لساني الدهشة وانتابني الذهول، وفي لحظات تمالكت نفسي وقلت:
    - زينب، زينب، يا صديقتي الغالية، ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟ وما الذي أودى بك إلى هذه الحال؟
    ولكن زينب لم تجب، وكأن ندائي لم يكن يعنيها بشيء، فابتعدت قليلاً أسائل نفسي، أتراها نسيتني، أم أنا مخطئة وقد خانني النظر؟ هل يمكن أن تكون كومة الحطام هذه هي صديقتي الحميمة الثائرة زينب؟ اقتربت منها ثانية أمعن النظر فيها، فأيقنت أنها هي بعينها لا شك في ذلك . صحيح أن الأقدار باعدت بيننا، وحالت دوننا قسوة الزمن، إلا أنها زينب لا يمكن أن أخطئها، على الرغم من آثار الحروق البليغة التي شوّهت وجهها كله وغيرت معالمه وحرمتها جماله.
    لقد تركتها هناك في الوطن الحبيب، ساعة الحزن الكبير، حيث كان الوداع المرّ، صافحتها وصافحتني على عهد قطعناه ، ألا نكف عن الكفاح من أجل فلسطين المفداة حتى الرمق الأخير. وكان الفراق الطويل... فهل يمكنها أن تنساني، أم أنها تتجاهلني؟ رأيتها تتململ في مكانها، فأعدت النداء حرّكت زينب شفتيها ببطء، فعادوني الأمل، ولكنها على غير رغبة منها سألتني:
    - هل تقصدينني بندائك يا هذه؟
    تراجعت خطوة، وقد صعقني سؤالها, فقلت:
    - تقولين يا هذه! سامحك الله ، أنسيت صديقتك يا زينب؟
    تحركت شفتاها من جديد، كأنها تريد أن تقول شيئاً، فأنصت، ولكنها لم تفعل، فقلت:
    - أرجوك، حاولي أن تعودي إلى الوراء يا زينب، علك تتذكرين، عودي إلى سنين مضت، إلى المكان الغالي، عودي إلى بدء المأساة، إلى أولى المجازر، إلى دير ياسين بلدتك. عودي إلى الدماء، إلى الأشلاء، إلى الرعب القاتل، إلى الفزع الرهيب، إلى .... وإلى... وإلى....
    مشى في عينيها ألم مفزع، فتراجعت، وأنا ألوم نفسي على ما فعلت. كان علي أن أترفق بما تبقى من زينب التي كانت في يوم من الأيام تتطلع نحو السحاب.
    نظرت زينب إليّ والدمع يترقرق في عينيها وقالت:
    - أما مللت الوقوف هنا أيتها السيده؟ إنك واهمة، فأنا لست زينب التي تتحدثين عنها. أرجوك، اتركيني وشأني.
    وأخيراً كان عليّ أن أنصرف احتراماً لرغبتها، لولا ذاك الشعور القوي الذي كان يشدني إليها. وعزمت على أن أساعدها بطريقة ما، على الرغم من رفضها لظهوري في حياتها من جديد. ترفض أن أراها على هذه الحال تجلس على الرصيف لا حول لها ولا قوة، وهي الثائرة المقدامة التي كانت تتقد حماساً، تقتحم الموت دون خوف أو وجل، مع الثوار تقاتل العدو بشجاعة منقطعة النظير. كيف فاتني ذلك؟ على أية حال ومهما كان إصرارها على إقصائي عنها شديداً، عليّ ألا أتركها هكذا ملقاة على جانب الطريق، فقلت:
    - ألا يمكن أن أساعدك بشيء يا زينب.
    افترت شفتاها عن ابتسامة شاحبه، جمعت فيها كل تعاسة العالم، ثم نظرت إلى ذاتها، وراحت تتمتم بكلمات غابت وسط ضجيج التلامذة وهم يخرجون من مدرسة قريبة، يتراكضون ويتدافعون. لقد كان وقت الانصراف والساعة تجاوزت الثانية عشرة بقليل، وهكذا لم يصل إلى سمعي شيء مما تمتمت به.
    تجمع بعض التلامذة حولنا، ينظرون إليها بإشفاق، يقتربون منها، يلقون عليها التحية، فترد عليهم بهزة خفيفة من رأسها. رأيتها تبتسم لهم ابتسامة شاحبة حزينة، ولكني رأيتها تعود وترنو إلى البعيد والدمع يجول في عينيها.
    اقترب مني أحدهم يحدثني قائلاً:
    - هل تعرفين هذه المرأة أيتها السيدة؟ إننا منذ فترة طويلة ونحن نراها كل يوم في مثل هذا الوقت جالسة على هذه الحال، وفي هذا المكان بالذات، كأنها تنتظر خروجنا من المدرسة، تنظر إلينا، تبتسم لنا ابتسامة حزينة، ثم تأخذ منديلاً من جيبها، وبصعوبة ترفعه إلى عينيها تمسح به دموعها. ربما كانت تنتظر أن ترى من يخصها بيننا.
    - ربما!
    رأيتها تحاول مد يدها بما يشبه الإشارة، فاقترب منها أحد التلامذة وانحنى أمامها وهو يسألها بلطف:
    - هل تريدين شيئاً يا خالة؟
    نظرت إليه بحنان وهي تحاول أن تمد يدها أكثر، كي تصل إليه، فزاد انحناء حتى لامست كفها كتفه، وربتت عليه برفق. ثم تراخت يدها وهي تتنهد من أعماقها وراحت تبكي. فتراجع الصبي وجلاً، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، دون أن يدري ما الذي أبكى هذه المرأة المحطمة، ونظر إليّ متعجباً، فقلت:
    - لا عليك يا صغيري، ربما تذكرت عزيزاً عليها كان في مثل سنك وفقدته. فاذهب الآن ورفاقك يا بني.
    وأحنت زينب رأسها، فحسبت ذلك موافقة منها على قولي، وإذا برأسها يهوي إلى الأمام أكثر، وأنا أقفز على غير وعي مني أمسك بها وأصيح:
    - سيارة، طبيب، بسرعة...
    فأسرع رجل كان ماراً بإيقاف سيارة وأعانني على نقل زينب إليها.
    جلست إلى جانبها أمسك بها وأنا لا أدري إذا كانت الحياة قد فارقتها، أم لا يزال لها من العمر بقية. مددت يدي أتلمّس يدها النحيلة، فلم أحس بغير البرودة التي سبقتني إلى تلك اليد التي لم يبق منها سوى العظم. فسحبت يدي على عجل خائفة أصيح بصوت لم أعهده من قبل:
    - أسرع.. أسرع.... أسرع إلى الطبيب من فضلك، إلى أي طبيب، إلى أقرب طبيب.
    كاد رأسي يرتطم بسقف السيارة وهي تتوقف فجأة. نظرت إلى زينب وأنا لا أدري ما الذي حدث. رأيتها تحرك رأسها، تفتح عينيها، تنظر إلي وتتمتم، ولم أفهم مما تمتمت شيئاً، ولكن قلبي اطمأن. وعاد الصمت من جديد، لولا أن صوت السائق قد اخترقه، يعلن وصولنا إلى أقرب مستوصف يعرفه. وفي لحظات كانت زينب على يديه يسير بها إلى المستوصف وأنا أتبعه. ثم تقتدمته لأفسح له الطريق بين المرضى في غرفة الانتظار والممرضة تصيح:
    - بالدور يا ست.
    ومن قبل أن أقول شيئاً، وقفت امرأة متوسطة السن، هزيلة الجسم، شاحبة اللون، كانت تجلس على مقعد قرب باب غرفة المعاينة، أشارت إليّ وهي تقول:
    - هاتها إلى هنا ولتأخذ مكاني.
    فقلت في نفسي، شكراً لله، لا يزال هناك أناس طيبون. تقدمت نحوها والرجل ورائي وزينب على يديه. والمرضى يفسحون لنا الطريق دون أي اعتراض. ولما وصلت إليها ورأيت عن كثب حالها، قلت:
    - ولكنك أيضاً تبدين متعبة جداً.
    - أنا يمكنني الانتظار أكثر من أمينة.
    نظرت إليها بذهول، وأنا أردد في نفسي، أمينة... أمينة... يا للعجب، إذاً فهي ليست زينب كما اعتقدت، وإنما أمينة، ويبدو أن هذه المرأة تعرفها جيداً، وإلا لما أعطتها مكانها. على أية حال لا يمكن لاسم عابر أن يغير اعتقادي, ولذت بالصمت على مضض.
    وضع السائق زينب على المقعد، ووقفت إلى جانبها أمسك بها خشية أن تقع، والقلق يجتاحني، والانتظار طال. والسائق لا يزال واقفاً يسأل إذا كنت بحاجة إلى خدمة أخرى. فأشرت إليه بالنفي وأنا أردد بعض كلمات الشكر.
    لم تكن زينب تئن أو تتأوه، ربما لم تكن تقوى على ذلك، انحنيت قليلاً أنظر إلى وجهها الشاحب، كانت شفتاها مطبقتين، وقد أغمضت عينيها كأنها غارقة في سبات عميق. شعرت بكثير من الخوف، ورحت أرجوها أن تتكلم. كادت زينب أن تكون رحيمة بي، إذ حركت جفنيها قليلاً ، تحاول فتح عينيها، ولكن سرعان ما فتح باب غرفة المعاينة، وخرجة منه امرأة مريضة متوسطة السن، يمسك بيدها صبي لم يبلغ العاشرة بعد يساعدها وعلى شفتيه ابتسامة لطيفة مطمئنة. فأيقنت أن دور زينب قد حان، وستدعونا الممرضة في الحال. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، ومر وقت غير قصير دون أن تفعل، فالتفت أبحث عن المرأة التي أخلت عن مكانها لزينب، ولم أعد أحس بوجودها إلى جانبي، أو أسمع لها صوتاً. غير أني لم أكن بحاجة إلى البحث، رأيتها لا تزال واقفة غير بعيدة عني، تنظر إلى زينب وفي عينيها حزن عميق، وحين رأتني أنظر إليها تقدمت نحوي قليلاً وقالت:
    - مسكينة أمينة، فهي على هذه الحال منذ مدة، وترفض المجيء إلى الطبيب.
    فقلت في نفسي:
    - يا لهذه المرأة، من أين جاءت بهذا الاسم تطلقه على زينب؟
    أردت أن أصحح لها ما وقعت فيه من خطأ، ولكن الكلمات لم تخرج من بين شفتي سوى تأتأة لا معنى لها. كنت شاردة أفكر في زينب، أغمض عيني أتخيلها في ماضيها في شجاعتها في تطلعاتها، وفي خيبة أملها أيضاً.
    وراح صوت يصرخ في أذنيّ، كأني أسمعه في تلك اللحظة، صوت آت من البعيد، من الزمن البعيد، من خلال لعلعة الرصاص وبريق الحرب. من أعماق المذبحة المروعة من الأنين الخافت، من الرعب المميت. كان ذاك الصوت، صوت زينب، كان صراخها عندما أتتني في ذاك اليوم الأسود، أتتني والهلع يتدفق من عينيها، زينب التي لم تكن تعرف الخوف، كانت ترتجف ، ولكن صدرها كان مشحوناً بالغضب والحقد والنقمة. فدماء أبيها قد اختلطت في بحر من الدماء، وأشلاء أخيها قد تناثرت بين الأشلاء، وجثة أمها التي تشوهت قد غاصت في أعماق بئر دير ياسين مع الجثث الممزقة، بين الرؤوس التي فارقتها الأجساد، بين الأعضاء المبتورة التي تاهت في زحمة تلك الأكداس. كان ذاك الصوت، صوت زينب وهي تتألم، ولكنها كانت أيضاً تهدد وتتوعد الصهاينة المجرمين. صوت زينب، هذه المرأة الحطام التي أمسك بها الآن خشية أن تقع، هي بعينها لا يمكن أن أخطئها مهما جرى لها، ومهما غيّر العذاب حالها. أفقت من تأملاتي على لمسة من المرأة التي لا تزال واقفة بجانبي لا تبرح مكانها.
    تنظر إلي بكثير من الدهشة. فقلت أستوضحها.
    - هل تعرفينها جيداً؟
    - أجل، حق المعرفة.
    - منذ متى؟
    وخشيت الجواب، وتمنيت لو أني لم أسألها. فماذا لو قالت أنها تعرفها منذ زمن بعيد؟ ماذا لو قالت أنها تعرفها منذ أرغمنا على الرحيل؟ وهي التي أكدت لي قبل أن نفترق أنها لن تغادر الوطن مهما كانت الأحوال. وجاءني الرد ليحيرني قليلاً:
    - منذ بضعة شهور، يوم جاءت مع المهجّرين من لبنان، فرأتها جارتي أم أحمد واصطحبتها لتقيم معها.
    فصرخت:
    - مع المهجرين! لك الله يا زينب، أهكذا تلاحقك المجازر أينما كنت؟ ماذا حلّ بصبرا وشاتيلا يا صديقتي؟ ماذا حل بأهلنا هناك؟ وأين في هذه المرة كان مثوى الذبائح؟ ليتك تتكلمين يا زينب، ليتك تقولين شيئاً، ليتك تسمعينني صوتك..
    وسمعت صوتاً، لكنه لم يكن صوتها، فزينب قد أصرت على الصمت. وكان الصوت نداء ممرضة أخرى تدعوني إلى الدخول. وأسرعت تساعدني على نقل زينب إلى الداخل، حيث مدّدتها برفق على سرير المعاينة، والطبيب بردائه الأبيض يقف إلى نافذة في الغرفة مفتوحة يستنشق الهواء، يمد ذراعيه تارة وتارة يطويهما وأخيراً التفت والدهشة تطل من عينيه كأنه لم يشعر بدخولنا. ثم تقدم نحوي بضع خطوات وبكثير من اللطف سألني:
    - أمريضة أنت؟ مما تشكين أيتها...
    واحتبست في صدره الكلمات، وتوقف عن الكلام.. فعلمت أنه عرفني كما عرفته. ولكن زينب كانت قد شغلتني عن المفاجأة، عن كل ما يحيط بي. فتجاهلت الأمر وأجبته بأني لست أنا المريضة، ويدي تشير إلى السرير، غير أنه لم يلتفت إلى حيث أشرت، وظل ينظر إلي وفي عينيه بريق غريب. ثم تمالك نفسه وقال بلهفة لم أعهدها من قبل، وهو يمد يده إلي:
    - أنتِ، أنتِ أيتها العزيزة، يالله ، يا للصدفة السعيدة، كم كنت أتمنى أن أراك حين عدت إلى الوطن.
    ورحت أردد في نفسي، صدفة سعيدة؟ أهي صدفة سعيدة حقاً؟ وهذه البقايا من صديقة عزيزة عزيزة ملقاة على هذا السرير دون حراك تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة؟ أية صدفة سعيدة هي هذه!
    توقف مروان عن الحديث برهة، ليسألني عما بي، فقد لاحظ شرودي وقرأ على وجهي الألم وكان يحسب أن لقياه سيفرحني. فاكتفيت بأن أجيب:
    - لا شيء هناك، فأنا مصغية إليك.
    وتابع مروان قائلاً:
    - لقد هالني ما سمعت وأنا في لندن عن مجزرة دير ياسين، وما حل بأهلنا هناك، فقطعت دراستي على الفور، وعدت إلى القدس أبحث عن زينب، ولما لم أعثر لها على أثر، أيقنت أنها استشهدت في دير ياسين. فليرحمها الله.
    أشاح مروان بوجهه عني، وراح يدمع بحرقة ومرارة. يبكي زينب خطيبته التي أحبها بعمق وصدق. فقلت:
    - ليتك أسرعت بالعودة أكثر لكنت وجدتها. ليتك جئت يوم الإثنين...
    وتراءت لي زينب مرة أخرى في ذاك اليوم المخيف، ذاك اليوم الذي لن أنساه. ذاك الصباح الذي لم تشرق فيه شمس، والوحشية تغزو دير ياسين، والهلع يخيم على الديار، والناس عزل. تزهق أرواحهم دون حساب، بأبشع صور عرفها التاريخ. وأنا أجلس في غرفة صغيرة في منزل زينب، أنتظر من يأتيني بخبر، وإذا بي أسمع صرخة, الصرخة التي لن أنساها ما حييت، صرخة واحدة ثم تلاها سكون رهيب. فتحت الباب على عجل وبدوري صرخت:
    - من ؟ زينب؟
    كانت زينب ملقاة على عتبة الباب، قلبها يتوجع وفي عينيها فزع مخيف وفي صدرها غضب رهيب. ساعدتها على الدخول إلى غرفتها، دون أن أقوى على سؤالها أي سؤال. بل لم أجرؤ على ذلك. وأنا لم أكن أعلم أنها ذهبت إلى بلدتها تستطلع أخبار أهلها. لقد غابت عني دون أن تخبرني إلى أين، مع أنه لم يسبق لها أن فعلت. ولذا اعتقدت أنها مضت كعادتها تحمل إلى الثوار بعض ما يحتاجون، أو لتشاركهم عملية يريدون القيام بها.
    وحين تمالكت زينب نفسها بعض الشيء، وكانت انتظاري قد طال، وصبري قد نفذ، راحت تحدثني بما حدث. فرأيت في حديثها، في قسمات وجهها، في عينيها، رأيت دير ياسين غارقة في الدماء، والأشلاء مكدسة هنا وهناك، والبئر غاصة بالذبائح، والديار خلاء. رأيت الصهاينة وحوشاً كاسرة، لا تزال مكشّرة عن أنيابها ترقب عن كثب ما صنعت أيديها، تتضاحك مزهوة بنشوة النصر. رأيتها تشرب الدماء التي سفكت، وتنهش اللحم الذي مزقت، ثم تغسل أيديها من الجرائم التي ارتكبت. لتنثني إلى بلدة أخرى، تبتكر جرائم من لون جديد أشد فظاعة وأبشع.
    عدت من أعماق المجزرة على صوت مروان الذي لا يزال واقفاً أمامي وقد تمالك نفسه أكثر، ينظر إلي باستغراب، يسألني:
    - إذا فزينب لم تستشهد؟
    ماذا لو أنه يعرف أن هذه البائسة الصامتة التي تتكور على السرير قربي هي زينب؟ وقفت حائرة لحظة، فزينب في خطر، لا تستطيع أن تنتظر أكثر، يجب أن يسعفها على الفور، وليكن بعد ذلك ما يكون. فلم يعد هناك مجال لأي حوار.
    فقلت:
    - رجاء دع الحديث إلى وقت آخر يا مروان، فالمريضة على وشك الهلاك.
    - حسن. أراك فيما بعد. والآن حان وقت استراحتي، وسيأتيك أحد زملائي في الحال.
    حمدت الله أن وقت عمله قد انتهى، قبل أن يرى هذا الحطام الغالي.
    وبعد لحظات دخل الطبيب الآخر، توجه مباشرة إلى الجسم المدد على السرير ثم التفت إلي يسألني:
    -من تكون هذه...
    وتوقفت عن الكلام، وراح يتأملني، ثم قال بحرارة متعجباً:
    - من؟ أنت؟ أهلاً... أهلاً....
    ومن قبل أن يكمل كلامه أجبت:
    - نعم أنا يا طارق، ولكن المريضة الآن بحاجة إلى إسعاف سريع، لو سمحت.
    التفت طارق إلى الممرضة في الحال يسألها إذا كانت قد سجلت المعلومات اللازمة عن المريضة قبل مجيئه.
    فقاطعته باضطراب وخوف:
    - أرجوك، المريضة متعبة جداً. ولا وقت للأسئلة الآن. وأنا سأعطي الممرضة جميع المعلومات المطلوبة فيما بعد.
    تركت زينب بين يدي الطبيب طارق، ومضيت إلى النافذة أستنشق شيئاً من الهواء، لقد كنت أحس بأني على وشك الاختناق. كنت قلقة، فزعة، حزينة. كنت تائهة بين كثير من الأحاسيس. أريد لزينب الشفاء. أريد أن أعرف منها ما الذي أصابها حتى وصلت إلى هذه الحال. اما هذان الطبيبان الصديقان اللذان ساقني القدر إليهما صدفة بعد تلك السنين الطويلة، فسأراهما فيما بعد.
    أحسست وكأن قلبي قد توقف عن الخفقان، وعروقي جفت فيها الدماء حين التفت الطبيب إلي يقول:
    - لقد تأخرت كثيراً بإحضارها يا سيدتي، تأخرت كثيراً جداً. لكني قمت بأقصى ما أستطيع لإنقاذها.
    فتحت زينب عينيها، وبصعوبة حركت رأسها والتفت نحوي، فلمحت شبه ابتسامة تمر على شفتيها، أو خيل إلي، فأسرعت إليها، أريد أن أكلمها ولكن الطبيب حال دون ذلك، وهو يقول:
    - أرجوك دعيها الآن، فهي بحاجة إلى الراحة التامة. وسوف أضعها على ذاك السرير في تلك الغرفة كي تستريح قليلاً.
    نظرت إلى حيث أشار، فرأيت السرير من خلال باب مفتوح بين الغرفتين، يتسرب منه شيء من النور إلى تلك الغرفة المظلمة. فرفعت يدي إلى قلبي مخافة أن يهوي، وكأني أرى الموت يطل من ذاك الباب. وعدت أنظر إلى الطبيب من غير كلام، فقال:
    - لا تخشي شيئاً. إنها أحسن حالاً الآن. يمكنك أن تستريحي.
    وبعد أن نقلها إلى ذاك السرير والممرضة تساعده بكثير من اللطف والإشفاق، جلس الطبيب إلى طاولته وهو يشير إلى كرسي قريب منه، فجلست. ثم قال:
    - ألا نستطيع أن نتحدث الآن يا سيدتي العزيزة، بعد تلك السنين الطويلة.
    وعلى الرغم من أن وجود هذين الطبيبين في هذا المكان وفي هذا الوقت بالذات، قد أزاح عن كاهلي شيئاً من المسؤولية التي ألقتها زينب على كتفي، إلا أني لم أجد لدي رغبة في الحديث. لقد كنت لا أزال مشغولة بزينب قلقة عليها. وحدث أن جاءت الممرضة في الوقت المناسب كي تنقذني من الموقف الحرج الذي أنا فيه.
    ثم بدأت بتسجيل المعلومات المطلوبة وراحت تسأل:
    - والآن ما اسم المريضة؟
    ومن غير أن يهتز صوتي أجبت:
    - زينب الأحمد.
    - واسم أمها؟
    - عائشة.
    - السن؟
    ربما تجاوزت الخامسة والخمسين بقليل.
    وعلّق الطبيب بشيء من التأثر قائلاً:
    - تبدو وكأنها تجاوزت التسعين، يا لها من مسكينة كم تعذبت.
    - مكان ولادتها؟
    - دير ياسين.
    شهق الطبيب مذهولاً، وهو يردد:
    - دير ياسين! دير ياسين! زينب الأحمد! يالله، قولي شيئاً غير هذا. لا يمكن أن تكون هذه الكومة من بقايا إنسان هي زينب الأحمد.
    نظرت إليه وكأني أراه لأول مرة منذ دخلت، فهالني ما رأيت من ألم في قسمات وجهه والدموع تترقرق في عينيه، وتابع يقول:
    - زينب الأحمد! لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً. زينب راحت شهيدة في مذبحة دير ياسين منذ ذلك الحين.
    فقلت:
    - لا، لم يحدث ذلك. لقد نجت زينب بأعجوبة. وها هي أمامك الآن، انظر إليها، تأملها، إنها زينب الأحمد التي تعرفها خطيبة صديقك مروان. ما أعجب ما صادفني اليوم.
    حقاً ما أعجب ما صادفني اليوم، يوم استوقفتني زينب من غير نداء.
    استوقفني البؤس مجسّداً في زينب، استوقفتني خيبة الأمل ينطق بها حطام زينب وهي على الرصيف تستند إلى جدار، تشكو من غير أنين، تبكي من غير دموع. تغضب من غير صراخ، تثور من غير حراك. تتهم دون أن تشير إلى أحد. ألا يكفي كل هذا أن تستوقفنا زينب، لنرى فيها صورة لما كان يجري؟ ألا يكفي كل هذا كي تستوقفنا زينب، لنرى فيها صورة لما لا يزال يجري على أرض الوطن؟
    كنت لا أزال أنظر إلى الطبيب والألم لا يزال يرتسم على وجهه، والدمع لا يزال يجول في عينيه، وإذا به يفاجئني قائلاً:
    - سوف أدعو مروان ليراها. فهو وحده الذي يستطيع أن يؤكد ذلك.
    - لا، لا، أرجوك، لا تفعل. دع صورة زينب في مخيلته كما كانت من قبل أن تباعد بينهما السنون. فأنا لا أريد أن يراها وقد شوهت الأحداث صورتها، وسلبتها روعة جمالها. لا أريده أن يحس بأن جذوة الحماس التي كانت تتأجج في صدرها قد خمدت. أرجوك لا تجعله يراها وقد انكمشت على نفسها وأصبحت على هذه الحال.
    التفت إلى الباب المفتوح بيننا، فخيل إليّ أنها تمد يدها نحوي كأنها تدعوني.
    ثم عادت وألقتها على السرير. أسرعت إليها دون أن يستطيع الطبيب منعي.
    اقتربت منها، فنظرت إلي وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة. وبصعوبة تمكنت من سماعها وهي تردد اسمي. كدت أغيب عن الوعي، إذاً هي زينب حقاً، لا شك في ذلك أردت أن أعانقها، أردت أن أضمها، أردت أن أقبلها، ولكني لم أفعل، لقد خشيت أن أزيد في آلامها. واكتفيت بأن أنظر إليها بأكثر ما يكون الشوق. بأكثر ما يكون الحب. رأيتها تحاول أن تقول شيئاً، فاقتربت منها أكثر، وجثوت بجانب سريرها.
    فخرجت الكلمات من بين شفتيها بطيئة خافتة متقطعة، كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. كانت هناك دموع في عينيها. وكان في عيني دموع. أصغي إليها فراعني ما سمعتها تقول:
    - أنا أمينة يا عزيزتي ولست زينب. يا لك من إنسانة وفية.
    ففوجئت، وروعتني المفاجأة. حسبتها تنكر نفسها أمامي حتى تخفف عني آلامي. على أية حال سألتها:
    - إذاً كيف تعرفين اسمي ونحن لم نلتق من قبل؟
    - لأني أعرف زينب، وقد حدثتني عنك الكثير. وحين رأيتك تتهافتين علي، وأنا في عرفك زينب، أيقنت أنك تلك الصديقة الحميمة التي حدثتني عنها.
    - إذاً أين زينب الآن؟ وما حل بها؟ أخبريني أرجوك.
    -أين هي الآن، فأنا لا أعرف. ولكن حيث ألقى الصهاينة المجرمون بي وراء الحدود حين إطلاق سراحي، كانت زينب لا تزال هناك في واحد من سجون العدو. السجن الذي كنت فيه. كانت تصرخ في وجوه أولئك الوحوش. تهدد وتتوعد، وهي تلقى ما لا يستطيع أحد تخيله من ألوان التعذيب. كنت أسمعها. وأسمع صراخها وأنا لا أدري أتكوّى، أو تجرّح، أو تكسّر عظامها، أو غير ذلك، وهي تردد:
    - "لا أعرف أحداً، لم يكن معي أحد. أنا التي هاجمت الموقع وحدي".
    - ثم يأخذ صراخها يتحول إلى أنين حتى يتلاشى، فأعرف أنه قد أغمي عليها أو أنها فارقت الحياة. فأهيئ نفسي لتحمل التعذيب مرة أخرى، وأخرى. فانظري ما فعلت بي سجون الصهاينة وكيف أصبح حالي.
    ولكني مع كل ما أصابني لم أتوان على حدود لبنان بعد استراحة غير طويلة، من الالتحاق بالمقاومة، لمقاومة ذاك العدو الغاصب الشرس.
    كانت تتكلم والموت يسري بطيئاً في أوصالها. كانت تريد أن تقول أشياء كثيرة بعد صمتها المرير. وكنت أستمع إليها والألم يغزو قلبي دون أن أتعجب، فأنا أعرف أنهم وحوش كاسرة، ذئاب مسعورة، ولست بحاجة إلى دليل، وأن تكون هذه البائسة هي الدليل الموجع.
    تابعت حديثها بعد أن أخذت نفساً عميقاً:
    - وفي لبنان شاء القدر أن يجمعني بأخي الأصغر، وليته لم يفعل. أخي الذي لم تطله مجزرة دير ياسين، لم ينج من مذبحة صبرا وشاتيلا. لقد ذبح فيمن ذبحوا مع زوجته وأولاده الأربعة. ذبحوا في فراشهم وهم نيام دون أن يستطيعوا المقاومة. ودون أن يدافع عنهم أحد. ثم دفنوا في تلك المقابر الجماعية التي تسمعين عنها. لقد كنت على الحدود في ذاك الحين. أعجيب بعد كل هذا أن تجديني على ما أنا عليه الآن يا عزيزتي؟
    وفجأة سكتت أمينة، فصرخت، حسبتها قد انتهت، ولكنها عادت وفتحت عينيها، تنظر إليّ نظرة وداع بحب عميق، نظرة لا يمكن أن تصدر عن غير زينب. ومن قبل أن أقول لها شيئاً كان هناك باب يفتح على عجل، وصوت مروان يخترق مسمعي وهو يتحدث إلى طارق يسأل عن المريضة التي تركها بين يديه.
    فساءلت نفسي ترى ما الذي جعله يدخل بهذه الطريقة المفاجئة، وما الذي ذكره بالمريضة وهو الذي تركها لصديقه كي يعالجها.
    التفت إليه فأسرع نحوي، وطارق يحاول إيقافه فلم يفلح. دخل مروان الغرفة، نظر إلي وهو يهز رأسه دون كلام. فقد كان متعجلاً، خائفاً، فزعاً، لقد كان مروان يرتجف. نظر إلى السرير حيث الحطام الممدود، فأحست به، وببطء فتحت عينيها المغمضتين لترى مروان بعد مرور سنين طويلة، يقف أمامها والدموع تغسل وجهه. حاولت أن تشيح بوجهها عنه، ولكنها لم تستطع، لقد كانت آلامها قاسية. وهكذا التقت نظراتهما.
    بدت على شفتيها ابتسامة رقيقة، وكانت تلك الابتسامة هي الابتسامة الأخيرة.
    وراح صدى صوت مروان يتردد في أنحاء المستوصف، يزلزل المكان، وهو يصرخ بجنون:
    زينب.... زينب... زينب...
    وقفت أنظر حولي بذهول، والألم يعتصر قلبي، وأتساءل، أهي زينب حقاً؟ وإذا كانت هي فلماذا أنكرت نفسها أمامي؟ أم أنها أمينة كما قالت لي؟ أم أنها لا هذه ولا تلك؟ وعلى غير وعي مني رفعت يدي إلى قلبي أتلمس الجرح العميق، ألملم شتات نزف دمائه، وأنا أنظر إلى تلك الإنسانة العظيمة بكل إجلال. أسائل نفسي إذا لم تكن هذه زينب ولا أمينة، فمن عساها تكون؟ أهي سعاد أم سميرة، أم هند، أم فاطمة، أم عدوية أم أسماء، أم.. وأم.. وأم...
    فكلهن ، كلهن يا إخوتي في الجرح العميق كلهن "زينب"!

    ×××××

    مودتي
    غموض
    (( و أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ))

    ( لوحة .. فحسب )

  2. #2
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 56
    المشاركات : 40,552
    المواضيع : 1094
    الردود : 40552
    المعدل اليومي : 6.23

    افتراضي

    أرفع هذه القصيدة التي تحكي جانباً من المأساة.

    وأرفع معها أجمل كلمات الشكر لناقلة هذا الإبداع الأخت غموض.


    تحياتي وتقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3

  4. #4
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2003
    المشاركات : 662
    المواضيع : 83
    الردود : 662
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي

    الفاضل د. سمير العمري ... الفاضلة حرة

    جزيتما الخير ..

المواضيع المتشابهه

  1. امبراطورية زينب
    بواسطة جاردينيا الحمدان في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 04-03-2007, 04:59 PM
  2. حكاية زينب التى زلزلت صالونات عمان
    بواسطة محمد دغيدى في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-08-2006, 05:14 PM
  3. قصيدة..بورِكتِ زينب.
    بواسطة عربي صالح محمد في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-06-2006, 04:54 PM
  4. زينب
    بواسطة خميس لطفي في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 29-09-2004, 11:39 AM