أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: مدفع الإفطار

  1. #1
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 2,069
    المواضيع : 373
    الردود : 2069
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي مدفع الإفطار

    مدفع الإفطار
    الدكتور عثمان قدري مكانسي

    سيذكر التاريخ أن عصابة مؤمنة بربها معتمدة عليه قد شاركت في حرب رمضان عام ثلاثة وتسعين وثلاث مئة وألف ااهجرة ، بذلت إمكاناتها في سبيل الله ، وحققت بعض الانتصارات بتأييد منه – سبحانه – ومدد .
    وإن أنس لا أنس اليوم الثاني من المعركة ..
    قال سامر : شوّقتني يا سعيد لسماع قصة هذا اليوم على الرغم أن أجفاني راحت تثّاقل معلنة إنهاء يوم حافل بالتدريب المستمر ، وبدأت التثاؤبات تتغلب على فمي المرهق ، والفراش يشدني إليه كأن فيه سحراً لا يغالب .
    قلت : أتريد بكلامك هذا حثّي على الحديث أم قذفي إلى سريري ؟.. قال : بعد أن غسل وجهه ، واستقام في جلسته أمام باب الخيمة ، ونظر إلى القمر المستدير المتسلق قبة السماء :
    هات ما عندك الآن ، فأنا معك إلى أن يبزغ الفجر .
    قلت : كنت صائماً يومئذٍ ، والوقت في الأصيل ، والشمس مصفرة .. والأرض والدنيا تميد تحتنا من القذائف التي تحيلها براكين لا تهدأ تصْلي الطرفين ناراً مستعرة ، والدبابات تمخر عباب المعركة ، تريد الوصول سريعاً إلى الشاطئ الآخر ، والمدافع المضادة للطائرات تحمي سماءنا ، وقوافل المؤونة والذخيرة تزحف إلى الأبطال الذين يندفعون إلى ساحات الشرف والكرامة .
    كانت مهمتي الدفاع عن " تل الضهور "مركز قيادة الوحدة بأسلحتي المضادة للدرع ، أسكت مصادر النيران الارضية ، وأكيل لها الصاع صاعين .. وكأن العدوّ عرف ذلك فهو في غيظ وألم .
    وجبل " الحَرَمون " ذلك الشيخ الوقور الذي يعصب رأسه بغلالة من الثلج حتى في أيام تموز صامد لا يأبه بما في المرصد اليهودي الذي استعاده جنودنا في الساعات الأولى من يوم أمس
    نعم .. لقد استشاط العدوّ غضباً إذ خسر المرصد الذي كان عينيه اللتين يرصد بهما تحركاتنا ، فكان يرسل الكتيبة تلو الكتيبة لبسط سيطرته عليه ثانية ، فيبوء بالخزي والعار .
    واليوم ... أرسل ستّاً من طائراته " الفانتوم " لقصف بواسلنا في الجبل .... ولهجت الألسنة بالدعاء ، وقلوبنا بالرجاء لإخواننا هناك . لا سيما أخانا أبا خالد " عدنان شيخوني " قائد فصيلة " الكوبرا " في المرصد المحرر نفسه - وهي صواريخ ثقنص الطائرات عن قرب – كان لولب الدفاع عن المرصد جواً .
    صاح " عبد الله " عامل اللاسلكي فرحاً : سيدي... انظر باتجاه الشرق .. ونظرت فرأيت حمامتين بيضاوين تتجهان إلى جبل الشيخ من قرية " سعسع " التي تبعد عنه أكثر من خمسة عشر كيلو متراً تطيران جنباً إلى جنب وعلى خطين أبيضين متوازيين ، كأن كل واحدة منهما تحث الأخرى على الصبر والمجاهدة في قطع الفضاء إلى حيث تكشفان الغم عن المجاهدين .... مرت ثوانٍ معدودة ، ودخلت كل واحدة منهما وكرها حيث ضاقا بهما ، فانفجرا وصارا أثراً بعد عين ... " الله أكبر " ..
    وصاح " عبد الله " سيدي .. صاروخان آخران نحو طائرتين أخريين ... لقد تمزقتا .. " الله أكبر " .. لم يبق سوى طائرتين .
    نعم ياسامر ، لقد بقيت طاترتان ... ولكن صاروخاً صغيراً من يد أبي خالد انطلق بشوق ولهفة ليعانق إحداهما عناق المشوق المستهام .. وهصرها .. فذابت تحت وطأة حرارة اللقاء العنيف .
    وبقيت اليتيمة ... وبكت قنابل صبتها بلا وعي .. وارتجف ملاّحاها هلعاً من مصير الأخريات.. وتمايلت الطائرة ، وكأنما عزّ عليها أن تعود وحدها ، فاصطدمت بصخرة ، وألقت بنفسها منتحرة في الوادي السحيق .
    ولم يبق على موعد الإفطار سوى ثلث ساعة ...
    كان " تل الضهور " الذي أرابض فيه منتهى طريق طويل قادم من الشرق ، يتفرع عنده إلى طريقين : إحداهما تتجه شمالاً إلى قرية " حضر " مركز الجيش المغربي الشقيق ، والأخرى غرباً إلى القنيطرة ، حيث طلائع جيشنا المتقدم .
    ولمح طائر إسرائيليّ قافلة كبيرة من السيارات تتجه نحونا ، فعمد إلى ضربها في مفترق الطريقين ... فتصدّت له وسائل الدفاع الجويّ المكوّنة من رشاشات ذات عيار صغير جعلته يهرب مرتين إذ كانت الطلقات الكثيفة تصدر أصواتاً أخافته حين ارتطمت بكثرةٍ وسرعةٍ أسفل طائرته المصفح برقائق الفولاذ القوي دون أن تخترقه .... فحين اطمأنّ إلى أن رصاصات الـ /500 ملم لا تجدي مع طيارته فتيلاً عاد مصمماً أن يقضي على هذا الصيد الثمين ... فلما توقف على رأس المثلث مركزاً على هدفه حدث ما لم يكن بالحسبان ...
    سنحت الفرصة لأحد رماة صواريخ " كوبرا " - على التل نفسه - فسدد إليه صاروخه ، ثم أرسله نحوها ، فدوّى انفجار هائل... ل ل ... وفتحتُ المذياع... فسمعت صوت المؤذن يشدو مترنماً بالنداء الخالد : ... " الله أكبر ... الله أكبر ...

  2. #2
    الصورة الرمزية مصطفى حمزة شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2012
    الدولة : سوريا - الإمارات
    المشاركات : 4,423
    المواضيع : 168
    الردود : 4423
    المعدل اليومي : 1.28

    افتراضي

    أخي العزيز ، الأكرم الدكتور عثمان
    أسعد الله أوقاتك
    ما زلتَ تُمتعنا بسرد ما في ذاكرتك عن بطولات حرب رمضان 1973 .
    نعم ، وأنا كنتُ هناك ضابطاً مجنداً ، ولكن بعد عشر سنين من تاريخ قصتك . وسمعت عنها ممن حضرها الأسود والأبيض .. أسودها ممن كان يدّعي
    الصمود والممانعة ، ولايزال كذباً ، وإجراماً ، وأبيضُها من جلّ الأبطال من الجنود والرتب الصغيرة .. كل منهما كان يعيش لمبادئه ..
    حكايتك اليوم ترفل بالصور البيانية الجميلة ، وهي وفيرة ( وبدأت التثاؤبات تتغلب على فمي المرهق / والدبابات تمخر عباب المعركة / ، والفراش يشدني إليه ...) وغيرها ..
    وجاء السرد منساباً متباطئاً هادئاً ..حتى انتهى إلى الخاتمة الدافئة بقدسيّتها ...
    كلما رأيت لك جديداً ، أعد نفسي بلحظات واقعيّة نبيلة ... وكم نفتقد النبلَ اليوم ...من ( حماة الديار ) !!
    - لا سيما أخانا أبا خالد = لاسيّماأخونا أبو خالد
    تحياتي وتقديري
    اللهمّ لا تُحكّمْ بنا مَنْ لا يخافُكَ ولا يرحمُنا

  3. #3
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 2,069
    المواضيع : 373
    الردود : 2069
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي

    الحياة في الجولان هادئة خاصة بُعيد العصر إلى الليل ، حين تجلس في خيمتك وتسمع عن بعد أصوات الجند بسمرون ، وينادي بعضهم بعضاً
    ثم تطوف بك الذكريات هنا وهناك بعد يوم حافل في التدريب
    مرت السنون والاعوام وأصبحت ذكريات ، والإنسان ذكرى
    شكراً للدقائق الحلوة التي قضيتها معك أخي الأستاذ مصطفى حمزة

  4. #4
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,914
    المواضيع : 293
    الردود : 34914
    المعدل اليومي : 8.20

    افتراضي

    مهارة في التصوير بديعة ، وسرد قصّي جميل شدّنا للنص وكبلّنا إليه مسمرين تعدو عيوننا على السطور الوئيدة الخطو في تصاعد حدثها نحو النهاية الرائعة

    كانت قراءة ماتعة في واحدة من صفحات المجد التي سطّرها البطال ويخلدها قلمك البديع
    أهلا بك اديبنا في واحتك

    تحاياي
    تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

  5. #5

  6. #6
    الصورة الرمزية نداء غريب صبري شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : الشام
    المشاركات : 19,091
    المواضيع : 123
    الردود : 19091
    المعدل اليومي : 4.68

    افتراضي

    ذكريات بطل تسردها حروفك من ذاكرة مقاتل
    قصتك رائعة أخي
    في زمان صار الجنود غير الجنود وتغير الإيمان

    ما أروع هذه القصة تعيد لنا المشاعر التي افتقدناها

    شكرا لك اخي

    بوركت

  7. #7
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 57
    المشاركات : 40,831
    المواضيع : 1113
    الردود : 40831
    المعدل اليومي : 5.94

    افتراضي

    سردية مشوقة تعيد للذاكرة مجد أيام خوال كان النصر فيها عنوان أمل وصمود!

    دمت مبدعا أيها الأبي الكريم!

    تقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  8. #8
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    المشاركات : 2,069
    المواضيع : 373
    الردود : 2069
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي

    أخويّ الحبيبين : الدكتور سمير العمري حفظه الله ونفع به ، والأستاذة الفاضلة نداء غريب ....
    سرني زيارتكما هذا المساء الدافئ فسرت في نفسي روح الأمل وإخواننا في (القصير المجاهدة ) يسطرون أروع البطولات ضد الكفرة المشركين اصحاب الخنا والفجور
    حياكما الله وبياكما ، وشكر لكما ثم نفع بكما

المواضيع المتشابهه

  1. مدفع الإفطار
    بواسطة وليد عارف الرشيد في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 12-11-2014, 09:47 AM
  2. قراءة في قصة مدفع الإفطار للأديب وليد عارف الرشيد
    بواسطة نادية بوغرارة في المنتدى النَّقْدُ الأَدَبِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 29-08-2012, 04:39 PM
  3. مدفع رمضان مبقاش يضرب
    بواسطة رباب جوده في المنتدى أَدَبُ العَامِيَّة العَرَبِيَّةِ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 10-08-2012, 03:03 AM
  4. الف مدفع رشاش
    بواسطة مجدولينا ناصر في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 09-04-2010, 10:14 PM
  5. مدفع الافطار
    بواسطة غازى كلخ في المنتدى أَدَبُ العَامِيَّة العَرَبِيَّةِ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 27-09-2007, 05:44 AM