أحدث المشاركات
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 22

الموضوع: النظرة الأولى

  1. #1
    الصورة الرمزية فاطمة بلحاج قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Mar 2012
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 473
    المواضيع : 41
    الردود : 473
    المعدل اليومي : 0.15

    افتراضي النظرة الأولى


    النظرة الأولى


    أطلَق العِنان لنظراته، فأبصر مكنونات قلبه! رمقها بنظرة حتى اكتوى فؤادُه بنار الهوى، فأسرع بإغلاقِ الشباك الذي يطل على بيت أهلها، ومن تلك النظرة سكنتْ شَغاف قلبه، فقد سحرتْه وأمسى أسيرًا في قفصها المجهول، وبات يستظل الأماني، وجفونُه لا تبارح الشرفة، يتخيلها تحدِّثه ويحدِّثها، و يروي لها قصصاً عن أحلامه، وأهم حلم أن تكون عروساً في بيته!
    مرت أيام وهو يفكر في حلٍّ للوصول إلى قلبها عن طريق بيت أهلها، ولكن كيف وهو مُعدِم، لا يملك سوى قلب ضعيف، أفتتن من النظرة الأولى!
    وذات ربيعٍ مزهر واجَهَ مخاوفه، و تشجع لقرع باب بيتها، وقف منتصبًا لإبداء الولاء للحسناء، لكن القلب خانه، فنبضاته كانت تتصاعد كلما سمع خُطى والدها الذي كان له بالمرصاد:
    _ ابنتي الحسناء، مهرها ملايين، وعليك دفعُها دفعة واحدة!
    تقوقع في ذاته ونكّس رأسه قائلا:
    _ لا أملِك هذا المبلغَ يا عمي، فراتبي قليل، لكن قلبي جنة من نخيل، زرعتها نبضًا لمن سكنته من أول نظرة!
    صاح والد الحسناء:
    _ إن لم تكن تملك الملايين الآن، عليك بالتقسيط !
    _ لكني لا أستطيع؛ فعليّ ديون أدفعها، وأحْيا على التقشف.
    حشرج والد الحسناء وقاطعه قائلاً:
    _ إن كنتَ تريد الحسناء، فما عليك سوى التقسيط إلى أن تُنْهِيَه، ثم أسلمك إيَّاها على بساط الريح!
    ثم أغلق الباب في وجهه، فردَّد صدى الباب: إن والد حسنائك غيرُ مبالٍ بالأحاسيس الجارفة التي غمرتْك وغرقت في ولعها؛ ولن تصل لشطها إن لم تتسلّح بمجداف الملايين!
    عاد لبيته في السطوح، يفكِّر من أين يأتي بالمال، فالتقسيط لن يفيد؛ لأن أجرته يدفع منها تقسيطًا للثلاجة، والتلفاز، وغرفة النوم.... وما تبقّى يدفعه الإيجار، ويقتات على الفتات!
    لم يجد أي حلٍّ سوى الصيام، وردد صوت من أحلامه المحلقة نحو الأماني المعلقة: عليك صيام يوم وإفطار آخر - أخذًا بسنة سيدنا داوود- و حين تأتي الحسناء ستفطر على شهد العسل للعمر كله! وما عليك الآن سوى صبرٍ كصبر أيوب إلى تزهر الزهور في غرفتك على السطوح! فبدأ الصيام وصار يحيا على الزهد والتزهد، وحين تشقشق عصافير بطنه طالبةً المعونة قبل المَبِيت، كان يسكتُها بوعود غير قابلة للتنفيذ، إلا في مخيلته الحالمة! فيرتجف جسده ويتضوَّر من الجوع، ويئنُّ متوسلاً الرحمة، لكنه يأبى الخضوع ، ويردد صوتٌ من خياله الجميل: إياك الرضوخَ، فإخضاع النفس للنزوات العابرة، معناه نهاية حلم سكون الحسناء غرفتك في السطوح، بعد أن سكنت قلبك المتعوس!
    مرَّت سنوات إلى أن أنهى الصيام وتقسيط العروس، فشعر بالارتياح وأحضر الحسناء وهو يراقص النجوم، ويدندن أهزوجة الظفر على الجوع والتقشف.
    لكن العسل لم يَدُمْ سوى أسابيع، فقد تركتْه وعادتْ إلى بيت والدها، فلحقها كعصفورٍ مكلوم يقبِّل الأيادي والرؤوس، ويطلب السماح على مشاعره الجيَّاشة التي أصابتها بالكآبة! فهي لم تتعوَّد على ذاك النوع من الإحساس، ولم تَذُقْ من قبل ذاك النوع من الحياة.
    أغلق والدها الباب في وجهه مرة أخرى؛ لأن الحسناء أبتْ مسامحته، والعودة لقفصه النحاسي، فعاد إلى غرفته خائبًا وقد أضناه الشوق، يعانق الأماني ويشدو للآمال المحلقة من شرفته نحو بيت المحبوبة، لكن أمنياته احترقتْ حين رفعتْ عليه دعوى الطلاق.
    فمضى إلى المحكمة بخطى متثاقلة، يندب حظَّه، ويذم أحلامه البسيطة، وحين وقف أمام القاضي، استمع إلى كلماتٍ خرجت من فم حسنائه؛ شتّتَتْهُ وفتتت أوصال عشقه، فسأله القاضي إن كان صحيحًا ما تقول، فأقسم بشجرة عائلته أن ما قالتْه افتراء، وهو بريء إلاّ من نظرته الأولى! أمَّا هي فقد استنجدتْ بالقاضي قائلة:
    _أرجوكَ أنقذنِي قبل أن يحوِّلني إلى عظام، فإني أنام على الحصير، ولا أجد ما آكل سوى الفول، وقد أصابني شخيره بالطرش، أما رائحة فمه، فكريهة، وآهٍ من عطره الرخيص، كم هو مقزِّز!
    سأله القاضي عن رأيه في ما تقوله الحسناء، فتوسَّل وبكى قائلاً:
    _سيِّدي، فرشتُ لها قلبي الحريري، وأسكنتُها بين الضلوع في قصرٍ ماسي، وأهديت لها لآلئ من كويرات دمي؛ فماذا تريد أكثر من ذلك؟
    قاطع القاضي توسلاته، وأمره بدفع النفقة وأصول الطلاق، فقال منتحبًا:
    _ سيِّدي، إن راتبي قليل، فكيف أسدِّد تلك النفقات؟
    سكت القاضي قليلاً، ثم أمره قائلاً:
    _ادفعها بالتقسيط!
    خرج من المحكمة، يتهكم على مصيره ويذم الحبَّ وما يليه من الحب! ويمسح عرقه ودمعةٌ مختنقة تتأجَّج بين أهدابه، ثم سألها خارج قاعة المحكمة:
    _لِمَ فعلتِ هذا بي يا حسناء؟
    فردَّتْ ساخرة:
    _ اكتشفتُ أنك لستَ فارس أحلامي! فلم يكن لي سوى الحيلة، للتخلص من خراقتك!
    ثم أدارتْ له ظهرها وغادرتْ، فلملم أحاسيسه المفتتة، وأرقد الولع المكظوم بين ضلوعه، وعاد إلى غرفته في السطوح يجر خيبته، ويفكر في رحلته المقبلة مع الصيام، ويغمغم:
    _ الله يلعن النظرة الأولى.

  2. #2
    الصورة الرمزية مصطفى حمزة شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2012
    الدولة : سوريا - الإمارات
    المشاركات : 4,423
    المواضيع : 168
    الردود : 4423
    المعدل اليومي : 1.42

    افتراضي

    أختي الفاضلة ، الأديبة فاطمة
    أسعد الله أوقاتكِ
    نجحتِ نجاحاً باهراً في كتابة حكاية شعبيّة بسماتها : الفكرة المشوقة : الحب الجارف من النظرة الأولى ومن طرف واحد ، والغرائبية في الصوم لسنوات طويلة يوماً بيوم لجمع الملايين ، والحوار غير الواقعي والمثير بين الشاب العاشق ووالد الفتاة ، وبينه وبين القاضي ... وبقية الحوارات ، وجاءت الخاتمة التقريرية الظريفة لتتوج هذه الحكاية خفيفة الظل ..
    شاب النص بعض الأخطاء التي سقطت سهواً :
    - صدا الباب = صدى الباب
    - فم حسناءه = حسنائه
    - إلاّ من نضرته الأولى = نظرته الأولى
    تحياتي وتقديري
    اللهمّ لا تُحكّمْ بنا مَنْ لا يخافُكَ ولا يرحمُنا

  3. #3
    الصورة الرمزية عبد السلام هلالي أديب
    تاريخ التسجيل : Sep 2012
    الدولة : المغرب
    العمر : 39
    المشاركات : 983
    المواضيع : 44
    الردود : 983
    المعدل اليومي : 0.33

    افتراضي

    أضحك الله سنك يا أختي فاطمة.
    قصة جميلة ، ظاهرها طرفة وغرائبية. وباطنها قسوة المجتمع وسطوة المادة على بريق الحب.
    أعجبني حقا ما قرأت هنا.
    دمت بخير ، حياك الله.
    اللهم اهدنا إلى ماتحبه وترضاه

  4. #4
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه أديبة
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.43

    افتراضي

    أمراض اجتماعيّة قد تقتل المشاعر، وتؤدّي أحيانا إلى التّمرّد والجنوح من غلاء للمهور، والرّكض خلف الماديّات، والدّوس على العواطف...
    ولكنّ البطل هنا بدا حكيما، وتوجّه للتّقشّف والعبادة حتّى تفرّج همومه، ويحظى بمن أحبّ... ويا لتعاسته!
    سرد مشوّق ولغة سلسة
    بوركت
    تقديري وتحيّتي

  5. #5
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Oct 2012
    الدولة : المغرب
    العمر : 50
    المشاركات : 72
    المواضيع : 1
    الردود : 72
    المعدل اليومي : 0.02
    من مواضيعي

    افتراضي

    مضحكة قصتك أختي ومؤسفة في نفس الوقت. إذ تقدم صورة مجتمع مهووس بالماديات غير مراع للمشاعر أو القيم الانسانية.
    جميلة فكرة وسردا.
    دمت بخير أختي.
    حسبي أن أكون قلم حق

  6. #6
    الصورة الرمزية سامية الحربي أديبة
    غصن الحربي

    تاريخ التسجيل : Sep 2011
    المشاركات : 1,578
    المواضيع : 60
    الردود : 1578
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي

    قصة ساخرة طُعمت بحوار شيق وقفلة مُلفتة سعدت بنصك الراقي و الهادف أختي العزيزة . تحياتي وتقديري دومًا. قوافل ود.

  7. #7
    الصورة الرمزية لانا عبد الستار أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2012
    العمر : 49
    المشاركات : 2,496
    المواضيع : 10
    الردود : 2496
    المعدل اليومي : 0.86

    افتراضي

    قصة العجائب
    عجائب واقعية نعيشها
    وعجائب من وحي خيال الكاتبة
    وهي جميلة

    أشكرك

  8. #8
    الصورة الرمزية آمال المصري عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,723
    المواضيع : 388
    الردود : 23723
    المعدل اليومي : 5.30

    افتراضي

    لا غرابة أن يحلم المرء حلما أوسع من آماله وطموحاته ويسعى لتحقيقها وإن باء بالفشل فيكفيه شرف المحاولة
    هناك مثل مصري يقول : على قدر غطائك امدد رجليك
    حتى لانصاب بخيبة أمل نظل نرتق في آثارها ثم نخرج منها بقايا هشة
    حرف صادق ونص جميل وفكر حي وخاتمة واقعية أخت فاطمة
    دام ألقك
    ومرحبا بك في واحتك
    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  9. #9
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 8.89

    افتراضي

    رجوكَ أنقذنِي قبل أن يحوِّلني إلى عظام، فإني أنام على الحصير، ولا أجد ما آكل سوى الفول، وقد أصابني شخيره بالطرش، أما رائحة فمه، فكريهة، وآهٍ من عطره الرخيص، كم هو مقزِّز!
    هذا لا شأن له بالمال ولا بتحكم المادية في المجتمعات
    وأن يشتريها بالملايين التي اجتهد لجمعها لا يجعله ضحية بل شريكا لأبيها في جريمة بيعها
    وهي عرفت طيف تستفيد من عيبهما

    _سيِّدي، فرشتُ لها قلبي الحريري، وأسكنتُها بين الضلوع في قصرٍ ماسي، وأهديت لها لآلئ من كويرات دمي؛ فماذا تريد أكثر من ذلك؟
    هذا يرضي عاشقة والفتاة لم تعشقه فما لها ولآلئ كريات دمه والقصر بين ضلوعه !!

    حكاية مشوقة

    أهلا بك في واحتك

    تحاياي
    تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

  10. #10
    الصورة الرمزية فاطمة بلحاج قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Mar 2012
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 473
    المواضيع : 41
    الردود : 473
    المعدل اليومي : 0.15

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى حمزة مشاهدة المشاركة
    أختي الفاضلة ، الأديبة فاطمة
    أسعد الله أوقاتكِ
    نجحتِ نجاحاً باهراً في كتابة حكاية شعبيّة بسماتها : الفكرة المشوقة : الحب الجارف من النظرة الأولى ومن طرف واحد ، والغرائبية في الصوم لسنوات طويلة يوماً بيوم لجمع الملايين ، والحوار غير الواقعي والمثير بين الشاب العاشق ووالد الفتاة ، وبينه وبين القاضي ... وبقية الحوارات ، وجاءت الخاتمة التقريرية الظريفة لتتوج هذه الحكاية خفيفة الظل ..
    شاب النص بعض الأخطاء التي سقطت سهواً :
    - صدا الباب = صدى الباب
    - فم حسناءه = حسنائه
    - إلاّ من نضرته الأولى = نظرته الأولى
    تحياتي وتقديري



    الأستاذ الفاضل مصطفى حمزة
    أسعد الله أوقاتك بكل خير
    شرفني رأيك بالنص
    شكراً للمرور الكريم والقراءة الراقية
    - عدلت من سقط سهواً -
    بورك فيك
    تحياتي وتقديري

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. النظرة المحيطة
    بواسطة رافت ابوطالب في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-04-2015, 09:43 AM
  2. النظرة الأخيرة
    بواسطة محمد حسن النادي في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 23-06-2014, 07:34 PM
  3. مسلسل أرباب المهن ورباتها - الحلقة الأولى - الصحفي .....
    بواسطة أبو القاسم في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 06-04-2010, 04:06 PM
  4. غريب !!!! ( مشاركتي الأولى )
    بواسطة مـتـذوّق في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 20-06-2003, 04:35 PM