أحدث المشاركات
صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 42

الموضوع: بقايا الأمسِ

  1. #1
    الصورة الرمزية عبد السلام هلالي أديب
    تاريخ التسجيل : Sep 2012
    الدولة : المغرب
    العمر : 40
    المشاركات : 983
    المواضيع : 44
    الردود : 983
    المعدل اليومي : 0.31

    افتراضي بقايا الأمسِ

    بَقايا الأمسِ
    ركن سيارته عند المدخل البحري للمدينة العتيقة ، وترجل يلاحق ذكرياتٍ استدرجته إلى الشارع الرئيسي الذي لا زال يختنق بأنفاس مرتاديه ، و تتزاحم عليه الخطوات كما تركه قبل عشر سنوات.
    تغيرت ملامح وجوه ، شاخ البعض ، ورحل البعض الآخر فاسحا المجال لوجوه جديدة أُلقي بها على هامش الحياة في دورة لا تنتهي . أصوات الباعة تصدح بكل أملها ، تنادي كسرة خبز صماء. تتنافس على استمالة الأسماع لتنفذ إلى الجيوب.
    أفواج تتناسل ، أجساد لا تفصلها عن بعضها البعض سوى الثياب ، عيون هائمة تحاول استيعاب عناصر المشهد المكتظ . أياد تقلب السلع مفتشة عن عيوبها للإفلات من حبال صاحبها ، أو تقوية الموقف التفاوضي ، و أخرى تتلمس الأجساد ، تسترق متعة عابرة ، وغيرها غاطسة في رحلة استكشاف لجيوب و حقائب شاردة.
    تتعالى الأصوات أكثر فأكثر ، يزداد الشارع ازدحاما بسيول بشرية تتدفق من كل الأزقة الفرعية ومعها تزداد سيول الذاكرة دفقا وقوة . تجرفه نحو أيام كان أقسم أن يغتسل من غبارها ويحرق ما بقي منها نسيانا.
    خيل إليه الفضاء من حوله بحرا و العابرون أمواجا متلاطمة ، تاهت بوصلته ، أحس بدوار وتعب ، لم يقو على مواصلة المسير ، ولا مجال للوقوف. إلتجأ إلى الرصيف حيث يلقي الشارع بالضعفاء ، وحيث تتزاحم معروضات الباعة وإلى جانبها أحلامهم و أجسادهم لتشكل عناصر الفرجة. استند إلى جدار يحمي ظهره ، فقد علمته سنوات الشقاء التي أمضاها في المكان أن لا يترك ظهره دون حماية ، وأن أغلب الأخطار تأتي من الخلف.
    طويتِ المسافات بين ماضيه وحاضره . حتى لكأنها البارحة حين قرر أن يتخلص من صفة عاطل ويعلي شأن يده، لم يتطلب الأمر غير رزمة جوارب نسائية ، بساط قديم ، وصوت قوي يبدأ يومه بعد العصر محتشما ، ليصل أوج الحماسة قبيل المغيب ، ثم يأخذ في الانحدار والتقطع استعداد للرحيل. الصوت في مثل هذه الأسواق رأسمال مهم ويصنع الفارق ، من يصرخ أعلى يربح أكثر تماما كما في السياسة ، ولا عجب ، فكلاهما سوق وإن تفاوتت الأرباح.
    ابتسم عندما تذكر أول مرة سمع تلك الجملة المستنفرة : " القايد جاي ..... القايد جاي " . فقد ترك البضاعة و أطلق ساقيه للريح ، ليبقى مدة طويلة عرضة للسخرية من طرف الباعة. تطلب منه الأمر وقتا طويلا ، وخسارات عديدة قبل أن يعتاد الكر والفر ، ويتعرف قواعد السوق و يتقن لعبة المساومة مع الزبائن و أعوان "القايد".
    تذكر آخر يوم له في المكان ، حين اهتز هاتفه فرحا بقبوله النهائي كأستاذ في إطار حملة لتوظيف أصحاب الشواهد العليا . باع بضاعته لأحد جيرانه من الباعة بنصف الثمن و انطلق دون أن يلتفت.
    " القايد جاي .... القايد جاي " أفاقته الصيحة من سفر الذاكرة ، أطلق ساقيه للريح ، ولم يلتقط أنفاسه إلا داخل سيارته.


    * القايد : من رجال السلطة

    اللهم اهدنا إلى ماتحبه وترضاه

  2. #2
    مشرف قسم القصة
    مشرف قسم الشعر
    شاعر

    تاريخ التسجيل : May 2011
    المشاركات : 6,751
    المواضيع : 122
    الردود : 6751
    المعدل اليومي : 1.86

    افتراضي

    الأخ المبدع عبد السلام هلالي
    لا بدّ لمن يريد أن يحسّ بالنّعمة وأن يشكر المنعم أن يعودَ بروحهِ الى حيث كان..
    وعندما يعود سيتذكّر أن ما كان عليه من ابتلاء كان يحتوي طَعماً من السّعادة ..فيحمدُ ربّه مرّتين!
    لا بدّ لأيّ منا أن يعود يوماً لذكرياته ..لسوقه أو لمدرستِه..وقد يكونُ من الصعب علينا أن نصافحَ الذكريات بعدَ أن انفصلنا عنها....ولكنّها ساعةُ صِدقٍ لا بدّ منها..
    نصٌّ جميل وقلَمٌ أطاعكَ فأجدتَ الوصف و السّرد
    وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن

  3. #3
    الصورة الرمزية عبدالإله الزّاكي أديب
    تاريخ التسجيل : Dec 2012
    المشاركات : 1,513
    المواضيع : 68
    الردود : 1513
    المعدل اليومي : 0.49

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد السلام هلالي مشاهدة المشاركة
    بَقايا الأمسِ
    ركن سيارته عند المدخل البحري للمدينة العتيقة ، وترجل يلاحق ذكرياتٍ استدرجته إلى الشارع الرئيسي الذي لا زال يختنق بأنفاس مرتاديه ، و تتزاحم عليه الخطوات كما تركه قبل عشر سنوات.
    تغيرت ملامح وجوه ، شاخ البعض ، ورحل البعض الآخر فاسحا المجال لوجوه جديدة أُلقي بها على هامش الحياة في دورة لا تنتهي . أصوات الباعة تصدح بكل أملها ، تنادي كسرة خبز صماء. تتنافس على استمالة الأسماع لتنفذ إلى الجيوب.
    أفواج تتناسل ، أجساد لا تفصلها عن بعضها البعض سوى الثياب ، عيون هائمة تحاول استيعاب عناصر المشهد المكتظ . أياد تقلب السلع مفتشة عن عيوبها للإفلات من حبال صاحبها ، أو تقوية الموقف التفاوضي ، و أخرى تتلمس الأجساد ، تسترق متعة عابرة ، وغيرها غاطسة في رحلة استكشاف لجيوب و حقائب شاردة.
    تتعالى الأصوات أكثر فأكثر ، يزداد الشارع ازدحاما بسيول بشرية تتدفق من كل الأزقة الفرعية ومعها تزداد سيول الذاكرة دفقا وقوة . تجرفه نحو أيام كان أقسم أن يغتسل من غبارها ويحرق ما بقي منها نسيانا.
    خيل إليه الفضاء من حوله بحرا و العابرون أمواجا متلاطمة ، تاهت بوصلته ، أحس بدوار وتعب ، لم يقو على مواصلة المسير ، ولا مجال للوقوف. إلتجأ إلى الرصيف حيث يلقي الشارع بالضعفاء ، وحيث تتزاحم معروضات الباعة وإلى جانبها أحلامهم و أجسادهم لتشكل عناصر الفرجة. استند إلى جدار يحمي ظهره ، فقد علمته سنوات الشقاء التي أمضاها في المكان أن لا يترك ظهره دون حماية ، وأن أغلب الأخطار تأتي من الخلف.
    طويتِ المسافات بين ماضيه وحاضره . حتى لكأنها البارحة حين قرر أن يتخلص من صفة عاطل ويعلي شأن يده، لم يتطلب الأمر غير رزمة جوارب نسائية ، بساط قديم ، وصوت قوي يبدأ يومه بعد العصر محتشما ، ليصل أوج الحماسة قبيل المغيب ، ثم يأخذ في الانحدار والتقطع استعداد للرحيل. الصوت في مثل هذه الأسواق رأسمال مهم ويصنع الفارق ، من يصرخ أعلى يربح أكثر تماما كما في السياسة ، ولا عجب ، فكلاهما سوق وإن تفاوتت الأرباح.
    ابتسم عندما تذكر أول مرة سمع تلك الجملة المستنفرة : " القايد جاي ..... القايد جاي " . فقد ترك البضاعة و أطلق ساقيه للريح ، ليبقى مدة طويلة عرضة للسخرية من طرف الباعة. تطلب منه الأمر وقتا طويلا ، وخسارات عديدة قبل أن يعتاد الكر والفر ، ويتعرف قواعد السوق و يتقن لعبة المساومة مع الزبائن و أعوان "القايد".
    تذكر آخر يوم له في المكان ، حين اهتز هاتفه فرحا بقبوله النهائي كأستاذ في إطار حملة لتوظيف أصحاب الشواهد العليا . باع بضاعته لأحد جيرانه من الباعة بنصف الثمن و انطلق دون أن يلتفت.
    " القايد جاي .... القايد جاي " أفاقته الصيحة من سفر الذاكرة ، أطلق ساقيه للريح ، ولم يلتقط أنفاسه إلا داخل سيارته.


    * القايد : من رجال السلطة

    وصف صادق لأسواقنا القديمة بقلم أديب ماهر و متمكن من أدواته. استمتعت كثيرا بقراءتها أخي الكريم عبد السلام هلالي، تحياتي لك و بالغ تقديري.

  4. #4
    الصورة الرمزية سهى رشدان شاعرة
    تاريخ التسجيل : Feb 2009
    العمر : 29
    المشاركات : 2,117
    المواضيع : 74
    الردود : 2117
    المعدل اليومي : 0.47

    افتراضي

    قلمك جميل
    ويتمتع
    بقدرة جميلة على الوصف
    لغة قوية
    شكرا من القلب
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    الصورة الرمزية الفرحان بوعزة أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 2,357
    المواضيع : 197
    الردود : 2357
    المعدل اليومي : 0.74

    افتراضي

    أخي الفاضل والمبدع المتألق عبد السلام .. تحية طيبة ..
    قرأت النص مراراً ، فتجولت مع البطل بفكري وجوارحي وإحساسي ، كنت أخطو وراءه أقرأ المحيط الذي يرتاده ، ونفسيته وتفكيره وماضيه وحاضره الذي ترآءى لي من خلال السرد الجيد واللغة المنتقاة بعناية كمرآة صافية أمامي أقرأها كما شئت .. نص جميل يطبعه الوصف الشيق والسرد المحكم ..
    أعجبت بهذا النص القوي في سبكه وبنائه ، فمن خلال جغرافية النص نجد السارد تارة يلمح وتارة يصرح بفنية أدبية متميزة تاركاً للقارئ ملء الفجوات بالدلالات المغيبة في النص ..
    نص كبير ومنيع ،مفتوح على قراءات متعددة يمس النفس والذات ، والمحيط ، والذاكرة .. وعلاقة المواطن بالسلطة .. نص أدبي يمس جوانب متعددة من الحياة ..
    جميل ما كتبت أخي عبد السلام ..
    محبتي الخالصة ..
    الفرحان بوعزة ..

  6. #6
    الصورة الرمزية عبد السلام هلالي أديب
    تاريخ التسجيل : Sep 2012
    الدولة : المغرب
    العمر : 40
    المشاركات : 983
    المواضيع : 44
    الردود : 983
    المعدل اليومي : 0.31

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد السلام دغمش مشاهدة المشاركة
    الأخ المبدع عبد السلام هلالي
    لا بدّ لمن يريد أن يحسّ بالنّعمة وأن يشكر المنعم أن يعودَ بروحهِ الى حيث كان..
    وعندما يعود سيتذكّر أن ما كان عليه من ابتلاء كان يحتوي طَعماً من السّعادة ..فيحمدُ ربّه مرّتين!
    لا بدّ لأيّ منا أن يعود يوماً لذكرياته ..لسوقه أو لمدرستِه..وقد يكونُ من الصعب علينا أن نصافحَ الذكريات بعدَ أن انفصلنا عنها....ولكنّها ساعةُ صِدقٍ لا بدّ منها..
    نصٌّ جميل وقلَمٌ أطاعكَ فأجدتَ الوصف و السّرد
    أخي الكريم عبد السلام ،
    قرأت السطور وما بينها وما خلفها ، و لامست نبض الحروف ، فماذا يبتغي اي كاتب أكثر من هذا.
    يسرني مرورك وقراءتك الواعية.
    لا حرمت الفكر ولا حرمنا إطلالتك.
    حياك الله.

  7. #7
    الصورة الرمزية عبد السلام هلالي أديب
    تاريخ التسجيل : Sep 2012
    الدولة : المغرب
    العمر : 40
    المشاركات : 983
    المواضيع : 44
    الردود : 983
    المعدل اليومي : 0.31

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سهيل المغربي مشاهدة المشاركة
    وصف صادق لأسواقنا القديمة بقلم أديب ماهر و متمكن من أدواته. استمتعت كثيرا بقراءتها أخي الكريم عبد السلام هلالي، تحياتي لك و بالغ تقديري.
    الكريم سهيل المغربي،
    سرني أن وجدت في النص ما يعجبك ، أشكر لك كلماتك الطيبة ، و أرجو أن أكون عند حسن الظن.
    حياك الله ، لك باقة مودة.

  8. #8
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه أديبة
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.32

    افتراضي

    ذكريات تدخل صاحبها إلى السّوق ذلك المكان المفتوح الجامع لأناس من كلّ الفئات: المشتري والبائع...
    تصوير ما يجري في السّوق هو تصوير للحياة، وكان تصويرا رائعا بتناوله جوانب عديدة، ورغم الانفتاح والتّحرّر في مكان واسع إلّا أنّ التّقييد يأتي ليحدّ من هذه الحريّة، وتمثّل بالقايد... لا حريّة مطلقة أبدا...
    سرد رائع بقفلة جميلة
    بوركت
    تقديري وتحيّتي

  9. #9
    الصورة الرمزية آمال المصري عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,726
    المواضيع : 388
    الردود : 23726
    المعدل اليومي : 5.07

    افتراضي

    تترك الذكريات فينا أثرها الذي يعاودنا إذا ما جمعنا المكان وطاف بخاطرنا الزمان والأحداث وتسيطر علينا أحيانا فيحدث كما لبطلنا في النهاية الرائعة بالنص .
    وصف جميل لصورة حية ملموسة للسوق وما يحوي من باعة ومبتاعات ومارة بأسلوب متقن ولغة سلسة أنيقة
    دام ألقك أديبنا الفاضل
    ومرحبا بك في واحتك
    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  10. #10
    الصورة الرمزية عبد السلام هلالي أديب
    تاريخ التسجيل : Sep 2012
    الدولة : المغرب
    العمر : 40
    المشاركات : 983
    المواضيع : 44
    الردود : 983
    المعدل اليومي : 0.31

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سهى رشدان مشاهدة المشاركة
    قلمك جميل
    ويتمتع
    بقدرة جميلة على الوصف
    لغة قوية
    شكرا من القلب
    و الشكر لك أكبر أختي سهى على المرور الكريم و الكلمات الطيبة.
    لا حرمت الصحة و لا حرمنا مرورك.
    تحيتي.

صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. بقايا الأمس
    بواسطة عيسى سلامي في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 13-10-2017, 06:16 PM
  2. بقايا حب .. بقايا قلب ... بقايا حرب !!
    بواسطة ياسمينا مسلمة في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 20-10-2007, 10:45 PM
  3. بقايا أحزان...بقايا انسان
    بواسطة مرآة النفس في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 22
    آخر مشاركة: 05-08-2007, 10:01 PM
  4. قصيدة / بقايا قصة الأمس
    بواسطة وردة العالم في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 19-01-2006, 02:24 AM
  5. بين الأمس واليوم
    بواسطة الحلو في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-05-2003, 11:34 PM