أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: على هذه الأرض

  1. #1
    الصورة الرمزية عبد الله راتب نفاخ أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2010
    الدولة : دمشق - سورية
    العمر : 38
    المشاركات : 1,624
    المواضيع : 234
    الردود : 1624
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي على هذه الأرض

    على هذه الأرض (قصة قصيرة)



    اقتربت منه ابنته، وضعت كفها على رقبته العارية، فتحسس بها برودة أكثر مما وجد في الليلة الصيفية وهو واقف في الشرفة منذ نصف ساعة. ألصقت كتفها بكتفه، نظرت في عينيه الشاردتين ، المعلقتين بشيء غير ظاهر: - فيم أنت ساهم؟ أفي السفر أيضاً؟ زفر زفرة طويلة ، لكنه لم يغير مرمى ناظريه ، ولا تعابير وجهه المتصلّبة
    - أما زلت مصمّماً؟
    سألته وفي لهجتها خضوع ورجاء
    بتذمّر ردّ: - أتعجبكِ حالنا هذه ؟ ولا ندري بم ستقذف إلينا الأيام القادمة كذلك
    - تفاءل بالخير
    بطرف عينه نظر إليها مسخّفاً ومستنكراً فأسكتها، وجدتْ الاستمرار في الحوار ضرباً من العبث فتركتْه ودخلت الحجرة.
    الفكرة تراوده منذ زمن ، عمله الأصلي الذي كان يدرّ عليه الآلاف المؤلّفة كل شهر من قطاع السياحة توقف كله، حتى مطعمه الذي كان في إحدى أجمل المناطق انتهبته أيدٍ عدة، جرّب أن يضرب في وديان الحظ غير مرة فنجح قليلاً وخسر كثيراً. والآن، يرى الأفق قد أطبق على صدره فكاد يخنقه.
    - ها قد سبقني سمير، ليس يفوقني تعليماً ولا أقدر على حرفة، هناك من هيّأ له أوضاعه هناك، بقي أن يصل، يمكنه أن يتدبر السكن والمعيشة مؤقتاً حتى ينال الإقامة، وأنا كذلك من بعده.
    وإن لم نحز الإقامة ، فلنبق لاجئين ينفقون علينا بدل أن نبقى هنا ونحن لا ندري على أي جانب نميل.
    السكون المخيم على حارته الراقية التي كانت من قبل تعجّ بالخلق في مثل هذا الوقت من العام شمل الحديقة المقابلة، أشجارها تبدو كئيبة، تتمايل أوراقها على حزن.
    - الأسى وصل الجمادات ابتسم بسخرية مملوءة بمرارة صدره الخانقة.
    شعر بعدم الجدوى من وقفته وكل ما حوله يوحي إليه بسأم فوق سأمه، مضى إلى الداخل بخطوات متثاقلة، ارتمى على الأريكة وراح يقلّب في هاتفه المحمول باحثاً عن رسائله الأخيرة المتبادلة مع سمير.
    - الآن هو في الطريق البحري إذن، ينبغي أن يكلمني غداً أو بعد غد إثر وصوله الشاطئ، سيتجه من دولة إلى دولة عابراً، ما يزال طريق الرحلة طويلاً ، بيد أن هذه أصعب مراحله. أسند رأسه إلى الأريكة، استرخى قليلاً، راجياً وحالماً بالراحة التي ستأتيه من قبل لحاقه بركب صديقه. أنبهه رنين جهاز جواله، تحسسه تحت كفه .
    كانت الغفوة قد استلبته مما كان فيه، والآن أيقظه الرنين.
    لمح على شاشة الجهاز الساعة:
    - إنها الثانية عشرة والنصف، لمَ تتصل بي الآن؟ كانت الشاشة تعرض رقم أم سمير
    -آلو - كريم، يا بني، يا حبيبي، بالله عليك، ساعدني
    - خيراً خيراً يا خالة؟
    - لقد اتصل بي سمير الآن ، انقطعت به السبل وسط البحر هو ومن معه في قاربهم المطاطي، إنهم يغرقون
    - يغرقون؟!! ماذا تقولين ؟؟
    - أرجوك يا بني، حاول مساعدته.
    أغلق الهاتف وجِلاً، من أين له بالمساعدة وصديقه في عرض البحر بين دولتين لا يعرف فيهما أحداً يعينه.
    ملأه الشتات، الخوف، الاضطراب، راح يتصل بمعارفه المسؤولين واحداً واحداً ، منهم من يعده خيراً، ومنهم من يصدّه.
    ارتمى على الأريكة، وضع يده على رأسه، رغماً عنه ذرفت دمعتان من عينيه. قام في الصباح متثاقلاً يجرر أذيال ألمه، أبلغه الجيران نبأ غرق سمير بعدما فشلت محاولات الإنقاذ المتأخرة ، وجدوا جثته طافية على الماء ويده ما تزال تقبض على جواز سفره.
    فتح الباب الزجاجي الفاصل بين غرفته والشرفة متهالكاً، لفحه هواء الصباح العليل فأجبره على استلذاذه، نظر في الحديقة المقابلة ، وجد أوراق أشجارها تتمايل برهافة، لاحت له تحمل جمالاً غير معتاد. ابتسم معزّياً نفسَه، معلّقاً بصره بالأشجار التي بدت له جميلة كما لم تكن، ردد بصوت يسمعه القريب: - رغم كل شيء يبقى على هذه الأرض ، يبقى .... ما يستحق الحياة.
    الأدب شريعة ربانية لا يصلح لها إلا المصطفون من أرباب القلوب

  2. #2
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه أديبة
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,824
    المواضيع : 195
    الردود : 9824
    المعدل اليومي : 1.82

    افتراضي

    ما يستحقّ الحياة وبالأحرى من يستحقّها هو الإنسان، فإذا ذهب لمن الحياة؟ هو أقدس ما فيها!
    ويبدو أنّه لم يعد بالقيمة التي منحه الله إيّاها؛ مسخّرا له الكثير ممّا خلق، وهو نفسه الجاني والعاصي
    قصّة من الواقع الرّهيب الذي بات يهدّد الإنسان وأمنه، ويضطره للبحث عن حياة تليق بإنسانيّته فلا يجدها، ويخسر حياته
    محزن ومؤلم هذا الواقع
    بوركت
    تقديري وتحيّتي

  3. #3
    الصورة الرمزية ناظم العربي قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Mar 2015
    الدولة : حيث الفرات
    المشاركات : 75
    المواضيع : 6
    الردود : 75
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    رغم كل القهر كل هذا الوجع
    فعلينا صنع مايقينا الجنون فيها
    فعليها الكثير مما يستحق المكوث
    تقديري لك
    ايُّهَا الْعَابِرُوْنَ هُنَا اشْهِدُكُمْ أَنِّيْ أُحِبُّ الْلَّهَ وَرَسُوْلَه

  4. #4
    الصورة الرمزية عبد الله راتب نفاخ أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2010
    الدولة : دمشق - سورية
    العمر : 38
    المشاركات : 1,624
    المواضيع : 234
    الردود : 1624
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة كاملة بدارنه مشاهدة المشاركة
    ما يستحقّ الحياة وبالأحرى من يستحقّها هو الإنسان، فإذا ذهب لمن الحياة؟ هو أقدس ما فيها!
    ويبدو أنّه لم يعد بالقيمة التي منحه الله إيّاها؛ مسخّرا له الكثير ممّا خلق، وهو نفسه الجاني والعاصي
    قصّة من الواقع الرّهيب الذي بات يهدّد الإنسان وأمنه، ويضطره للبحث عن حياة تليق بإنسانيّته فلا يجدها، ويخسر حياته
    محزن ومؤلم هذا الواقع
    بوركت
    تقديري وتحيّتي
    سلمتم أستاذتي
    كذا الواقع المر الذي نعيش
    ولا ندري منه المفر
    دمتم بود

  5. #5
    الصورة الرمزية عبد الله راتب نفاخ أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2010
    الدولة : دمشق - سورية
    العمر : 38
    المشاركات : 1,624
    المواضيع : 234
    الردود : 1624
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناظم العربي مشاهدة المشاركة
    رغم كل القهر كل هذا الوجع
    فعلينا صنع مايقينا الجنون فيها
    فعليها الكثير مما يستحق المكوث
    تقديري لك
    صدقتم أستاذي
    سلمكم الله

  6. #6
    الصورة الرمزية محمد عبد القادر شاعر عامية
    تاريخ التسجيل : Mar 2009
    الدولة : مصر - الأسكندرية
    المشاركات : 1,036
    المواضيع : 32
    الردود : 1036
    المعدل اليومي : 0.18

    افتراضي

    رحم الله كل من حاول النجاة من فوق أرض لا حياة عليها
    و حال البحر دون ذلك
    فهم مدفعون لذلك دفعًا
    قصة معبرة أيها الأديب فى براعة لغوية
    غير أن الخاتمة أظهرت المضمون فى غير سلاسة أو منطقية ربما
    وجهة نظر لا تضر جمال البناء أبدًا
    كل التحية و التقدير
    وَ مَا فِى الدَّهْرِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ = يَكونُ قِوَامُهَا رَوْحَ الشَّبَابِ

  7. #7
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 6.60

    افتراضي

    قصة من قلب قلب الغصة التي لا تعرف القلوب منها مخرجا، برسم متقن لتفاصيل المشهد وأداء جميل عرض من صراعات الدواخل ما عمق النص وعملق محموله
    ما أجملها حروفك وما أعمقها نصوصك أيها الرائع

    وددت لو استغنى الكاتب عن قوله"وجد أوراق أشجارها تتمايل برهافة، لاحت له تحمل جمالاً غير معتاد. ابتسم معزّياً نفسَه، معلّقاً بصره بالأشجار التي بدت له جميلة كما لم تكن" فهي تحكي إحساس بالسعادة، وليس باكتشاف قيمة الوطن كما أراد .. واللحظة لا تحتمل سعادة ولا رضى وقد فقد لتوه صاحبه غريقا على طريق اللجوء ...


    دمت بروعتك بنيّ
    تحاياي
    تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

  8. #8
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 21,451
    المواضيع : 329
    الردود : 21451
    المعدل اليومي : 4.92

    افتراضي

    قصة معبرة ومؤثرة ـ تقدم قضية هامة ( الهجرة غير الشرعية)
    بأسلوب جديد ورؤية متفردة أجدت إحداثها.
    قصة قوية الملامح ـ ذكية الفكرة تحاكي الواقع
    بحرفية عالية ومهارة أديب.
    سلمت يداك. نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المواضيع المتشابهه

  1. رحــيـــق الأرض (بمناسبة يوم الأرض 30 مارس 76)
    بواسطة بهاء الدين أبوجزر في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 04-04-2017, 02:35 PM
  2. الأرض ... في عيونكم ( بمناسبة يوم الأرض )
    بواسطة رفعت زيتون في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 28-02-2013, 11:44 AM
  3. الأرضُ تدورُ، الأرض تبحثُ عني
    بواسطة منير باهي في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 01-08-2008, 04:13 PM
  4. ومع هذه الإطلالة .. أزف إليكم هذه القصيدة!
    بواسطة حــروف في المنتدى فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ
    مشاركات: 23
    آخر مشاركة: 23-12-2003, 02:02 AM