أحدث المشاركات
صفحة 4 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 40 من 56

الموضوع: الجامع لأحكام الصّلاة

  1. #31
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي 56 - 58

    2- ورُوي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعِمران بن حصين وعائشة أم المؤمنين وأحمد في أُولى الروايتين عنه، ومالك في رواية عنه إلى أن الدباغ لا يُطَهِّر جلد الميتة إطلاقاً.

    3- وذهب الأوزاعي وأبو ثور وإسحق بن راهُوَيه إلى تطهير جلد الميتة لمأكول اللحم فقط.

    4- وذهب مالك إلى أن الدِّباغ يُطَهِّر ظاهر الجلد دون باطنه، بمعنى أنه لا يصلح لوضع المائعات والسوائل فيه.

    5- وذهب داود وأبو يوسف ومالك في رواية عنه إلى أن الدِّباغ يُطَهِّر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير.

    6- وانفرد الزُّهري بالرأي القائل بطهارة جلود الميتة دون دباغ.

    هذه هي الآراء في هذه المسألة، فلنناقشها للوقوف على الرأي الصحيح بتوفيق الله سبحانه. الذي ظهر لي هو أن عظم الميتة وشعَرها وسِنَّها وظِلْفها كله طاهر، وأن جلود الميتات جميعها تطهر بالدباغ لما يلي:

    1- قوله تعالى قُلْ لا أجِدُ في مَا أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّماً على طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يكون مَيْتَةً أو دَماً مَسْفُوحاً أو لحمَ خِنزيرٍ فإنَّه رِجْسٌ أو فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ الآية 145 من سورة الأنعام.

    2- عن ثوبان أن رسول الله  قال «يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عَصَبٍ وسِوارين من عاج» رواه أبو داود وأحمد.

    3- عن ابن عباس قال «تُصُدِّق على مولاةٍ لميمونة بشاة فماتت، فمرَّ بها رسول الله  فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حَرُمَ أكلُها» رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

    4- عن ميمونة زوج النبي عليه الصلاة والسلام قالت «مرَّ رسول الله  برجال من قريش يجُرُّون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله : لو أخذتم إهابَها قالوا: إنها ميتة، قال رسول الله  : يُطهِّرها الماء والقَرَظُ» رواه أحمد والدار قطني وابن حِبَّان ومالك. وصححه الدار قطني والحاكم وابن السكن . قوله القَرَظ: هو مادَّةٌ يُدبغ بها.

    5- عن ابن عباس «أن داجنةً لميمونة ماتت فقال رسول الله : ألا انتفعتم بإهابها، ألا دبغتموه فإنه ذكاتُه» رواه أحمـد. وقال ابن حزم : إسناده في غاية الصحة.

    6- عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس رضي الله عنه قال «قلت له : إنا نغزو فنُؤتى بالإهاب والأَسْقية، قال: ما أدري ما أقول لك، إلا أني سمعت رسول الله  يقول: أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر» رواه أحمد ومسلم وابن ماجة وابن حِبَّان والبيهقي.

    7- عن ابن عبــاس رضي اللــه عنه قال «أراد النبي  أن يتوضأ من سِقاء، فقيل له : إنه ميتة ، قال : دباغه يذهب بخَبَثه أو نجَسه أو رِجْسه » رواه ابن خُزَيمة . ورواه البيهقي والحاكم وصححاه، وقد سبق.

    8- عن عائشة رضي الله عنها قالت «سُئِل النبي  عن جلود الميتة، فقال : دباغها طُهورها» رواه أحمد والنَّسائي.

    9- عن ابن عباس رضي الله عنه قال «ماتت شاة لسَوْدة بنت زِمْعة، فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة، يعني الشاة، فقال : فلولا أخذتم مَسْكَها، فقالت: نأخذ مَسْك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله : إنما قال الله عز وجل قُلْ لا أَجِدُ فِيْما أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّماً علي طاعِمٍ يَطْعَمُه إلا أَنْ يكُونَ مَيْتةً أو دماً مَسْفُوحاً أَو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه فتنتفعوا به، فأرسلت إليها فسلخت مَسْكها فدبغته فأخذت منه قِربة حتى تخرَّقت عندها» رواه أحمد بإسناد صحيح. ورواه البخاري والنَّسائي. ووردت أحاديث أخرى في تطهير الجلود بالدباغ، إلا أننا اقتصرنا على هذا القدر للكفاية فلا نطيل.

    باستعراض الأدلة التسعة نجد أن الدليل التاسع هو تفسيرٌ فقهي للدَّليل الأول وهو الآية، وعلى هذين الدليلين مدار البحث إلا قليلاً. قول الرسول عليه الصلاة والسلام «فإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه فتنتفعوا به» إذا أضيف إلى نصِّ الآية الكريمة قُلْ لا أَجِدُ في ما أُوحيَ إليَّ مُحَرَّماً على طاعمٍ يَطْعَمُه نخرج منه بفهمٍ لطيف، هو أن التحريم الواقع على الميتة إنما هو على أكلها وعلى المأكول منها «وأنتم لا تطعمونه»، «على طاعمٍ يطعمه» فالتحريم هو على أكل الميتة ، والمادة المحرَّمة في الأكل منها هي ما يُؤكل منها. هذا هو فقه الحديث التاسع مقروناً بالآية الكريمة، وإذن فإنَّ كل ما يصلح للأكل من الميتة حرام أكله ونجس أيضاً، وهو الذي يحتوي على أحكام الميتة لا غير ، فيخرج من الموضوع ما لا يُؤكل منها كعظمها وظِلْفها وشعرها وسنِّها. وعلى ذلك فكل ما في الميتة مما لا يؤكل لا ينطبق عليه حكم الميتة من حيث التحريم والنجاسة، بل يظل على البراءة الأصلية من الطهارة، وهذا الفهم أيضاً هو لشيخ الإسلام ابن تيمية. وأيضاً فإن أدلةً عدة على جواز استعمال ما سوى المأكول من الميتة واعتبارها طاهرة تدعم وتقوي هذا الفهم.

    أ - حديث ثوبان بند 2 السابق نصٌّ في جواز استعمال العاج ، والعاج هو عظم الفيل، وحكم العاج حكم العظم في الحلِّ والحرمة وهو دليل على طهارته لأنه لو كان نجساً ما جاز استعماله، فإذا عُلم أن تجارة العاج لم تكن زمن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما بين المسلمين وحدهم - لأن الهند وإفريقية لم تكونا دخلتا بعدُ في دولة الإسلام - بل كان المسلمون يشترون العاج من الكفار الهندوس في الهند والوثنيين في إفريقية، وهؤلاء لم يكونوا يذبحون أو يُذكُّون الفيلة ذكاةً يقرها الإسلام، هذا إن كانوا أصلاً يذبحون، وإنما كانت أنياب الفيلة تقطع منها وهي ميتة، وتظل مع ذلك طاهرة مستعملة زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا دليل واضح على استثناء العظم من الميتة يؤيد الفهم السابق. ورُبَّ قائلٍ يقول: إن العاج يُقطع من الفيلة وهي حية، وبالتالي تظل طاهرة لأنها لم تقطع من ميتة ، فنجيبه بإجابتين:

    إحداهما : أنه لم يكن المسلمون يفرِّقون أو يسألون إن كان العاج الوارد إليهم هو من فيلة حية أو ميتة، ولو سألوا لما حصلوا على جواب أكيد، مما يدل على عدم الفارق عندهم.

    والثانية : أن أبا واقد الليثي قال «قدم رسول الله  المدينة، وبها ناسٌ يعمدون إلى أليات الغنم وأسْنِمة الإبل فَيَجُبُّونها، فقال رسول الله : ما قُطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة» رواه أحمد. ورواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم، والعمل على هذا عند أهل العلم) فهذا الحديث يدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن أي عضو يُقطع من الفيلة وهي حية هو ميِّت وهو نجس، والنجس حرام استعماله، فلما جاز استعمال العاج دلَّ ذلك على أنه شيء آخر لا ينطبق عليه الحديث، وما ذلك إلا لأنه ليس ميتة، ولا ينطبق عليه حكم الميتة. وبذلك يسقط القول بأنه طاهر لأنه قُطع من حيوان حيٍّ طاهر ، وإنما هو طاهر لأنه ليس ميتة فحسب.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #32
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي 58 - 58

    هذا في العاج، ويلحق به السنُّ والظِّلف والعظم. قال الزُّهري في عظام الموتى من الحيوان كالفيل (أدركتُ ناساً من سَلَف العلماء يمتشطون بها ويدَّهِنون فيها لا يرون به بأساً) ذكره البخاري. والمعلوم أن الزُّهري تابعي، وإذن فإنَّ سَلَفَ العلماء الذي أدركهم هم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ب - إجماع الصحابة واتِّفاق العلماء سلفاً وخلفاً على طهارة الشعر والصوف والوبر. والمعلوم إنها تُجَزُّ من الأنعام وهي حية كما تُجَزُّ منها بعد ذبحها، وتعامل كلها معاملة واحدة من حيث الطهارة وجواز الاستعمال دون أي فارق. وحيث أن ما يُؤخذ من الحي ميت ونجس كما بيَّنا، وحيث أن بعض هذه الأصناف الثلاثة تؤخذ من الأنعام وهي حية ومع ذلك تعتبر طاهرة، فإن ذلك يدل على أن حكم الميتة لا ينطبق عليها، وأن الميتة هي ما يُؤكل فقط، والشَّعَر والصوف لا يُؤكلان، وينطبق عليهما ما ينطبق على العاج الذي يقطع من الفيلة ويكون طاهراً، وصدق الله العظيم إذ يقول ومِنْ أََصْوافِها وأَوْبارِها وأَشْعَارِها أَثاثاً ومَتَاعَاً إِلى حِين الآية 80 من سورة النحل، ولم تفرِّق الآية بين صنف وصنف من حيث الجزُّ والقطعُ.

    ج - قول الحديث 3 «فقالوا إنها ميتة، فقال: إنما حَرُم أكلُها» هذا نص صريح لا يحتمل التأويل بأن التحريم إنما ينطبق على الأكل، وحيث أن الأكل لا يقع من الميتة إلا على المأكول فقد دل ذلك على صواب فهمنا.

    بقي جلد الميتة : قُلت من قبل (وعلى هذين الدليلين مدار البحث إلا قليلاً) فالقليل هو هذا البحث الخاص بجلد الميتة. إن الجلد يؤكل، ولذلك يشمله تحريم الأكل والنجاسة، لأنه يدخل في مدلول الميتة، وهذا الدخول آتٍ من ناحيتين:

    أ - تحقيق المناط.

    ب - النصوص الصريحة في ذلك.

    أما تحقيق المناط ، فحيث أن الجلد يُؤكل أو يمكن أن يُؤكل، فإنه يدخل تحت قوله تعالى عَلَى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ وتحت قول الرسول عليه الصلاة والسلام «إنما حَرُم أكلُها» فجلد الطير كالدجاج والحمام والبط يُؤكل، وجلد الأرنب يُؤكل، وهذا ظاهر، أما جلود المواشي فيمكن أن تُؤكل، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي وأحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال « ... إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً إلى الإسلام، فأبطأوا عليه فقال: اللهم أعِنِّي عليهن بسبعٍ كسبعِ يوسُف، فأخذتهم سَنةٌ، فحَصَّت كلَّ شيء حتى أكلوا الميتة والجلود، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخاناً من الجوع ...» وإذن فما دام الجلد يُؤكل أو يمكن أن يُؤكل فهو داخل في حكم الميتة تحريماً ونجاسة .

    أما من حيث النصوص الصريحة، فإنَّ قراءةً متأنِّية للحديث الخامس «ألا دبغتموه فإنه ذكاته» وللحديث الرابع «يُطهِّرها الماءُ والقَرَظ» وللحديث السابع «دباغه يذهب بخَبَثِه أو نَجَسِه أو رِجْسِه» وللحديث السادس «أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طهُر» وللحديث الثامن «دِباغُها طُهُورها» تكشف المعنى المراد ، فكون الرسول عليه الصلاة والسلام يقول عن الجلد إن الدِّباغ هو ذكاة له، وإنه يُطهَّر بالماء والقَرَظ - والقَرَظُ مادةٌ تُستعمل في الدِّباغة - وإن الدباغ يُزيل نجسه، وإن طُهور الجلد دِباغُه، فإن ذلك يدل بشكل جازم على أن جلد الميتة نجس، وإلا لما طَلب تَطْهِيرَه بالدِّباغ.

    وأصرح نصٍّ في ذلك الحديث (7) فكون الرسول عليه الصلاة والسلام يقول إن جلد الميتة نجس فإن ذلك يدل على إلحاقه بالميتة في النجاسة، وأنه بالتالي يأخذ حكمها، وأنه بالتالي أيضاً ليس مستثنىً من الميتة كالشعر والعظم بل هو من الميتة يأخذ حكمها في التحريم والنجاسة. وأيضاً فإن العظم والشعر والصوف يستعمل دون تطهير، إذ لم يُرو عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه أمر بتطهيره قبل استعماله، ولم يقع إجماع الصحابة على ذلك، في حين أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام طلب في أحاديث عديدة صحيحة متضافرة تطهيرَ الجلد بالدباغ قبل الانتفاع به، فهذا فارق واضح بين الجلد وبين العظم والشعر، وبذلك يتبين وجه الاختلاف بين العظم والجلد.

    ومن ناحية ثانية فإن الجلد مستثنىً من عمــوم منع الاستعمال والانتفــاع بالميتة وبالنجس، فهو حكمٌ استثنائي، وكــان حقــه أن يكون ممنوعـــاً مـن الاستعمــال لنجاستــه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استثناه من الميتة استثناءً خاصاً، فبيَّن أن هذا الجزء النجس من الميتة يجوز الانتفاع به دون سائر أجـــزاء الميتة بشرطٍ واحد هو تطهيره بالدباغ، ولم يُجِزْ ذلك في غيره من أجزاء الميتة، فهو حكم خاصٌّ لا يقاس عليه. وقد يَرِدُ سؤال : إن القول باستثناء الجلد من الميتة غير مسلَّم به، وإن للموضوع وجهاً آخر هو أنه يجوز استعمال الجلد من الميتة، لأنه يُنتفع به في غير الأكل، ولو كان استعماله في الأكل لأخذ حكم الميتة سواء بسواء؟ وربما كان السؤال: إنَّ علة جواز استعمال الجلد إنما هي لكونه لا يُؤكل، وبالتالي فإنه يقاس عليه كل عضو من الميتة يُنتفع به في غير الأكل؟.

    فنرد بالقول: إن هذا السؤال وجيه وصحيح لو لم يكن لدينا نصٌّ يمنع منه، وهذا النص هو: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول عام الفتح وهو بمكة «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة، فإنه يُطلى بها السفن ويُدهنُ بها الجلود ويَستصبحُ بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله  عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرَّم شحومها جَمَلوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه » رواه البخاري وأحمد وأصحاب السُّنن. قوله جَمَلوه: أي أذابوه. فهذا الحديث ذكر جزءاً من أجزاء الميتة داخلاً في حكمها من حيث التحريم والنجاسة هو الشحوم لأنها مما يُؤكل، هذا الجزء سُئل عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولم يكن السؤال عن الأكل وإنما عن انتفاعٍ آخر هو استعماله في طلاء السفن ودهــن الجلود والإضـاءة فـي البيوت، فجاء الرد الحاسم «لا هو حرام» أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أبقاه على أصله من التحريم، وبالتالي أبقاه على أصله من النجاسة، فالميتة نجسة وحرامٌ الانتفاع بها على أي وجه وعلى أية حالة. قال الجصَّاص: والتحريم يتناول سائر وجوه المنافع فلا يجوز الانتفاع بالميتة على وجه، ولا يُطعمها الكلاب والجوارح، لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها، وقد حرَّم الله الميتة تحريماً مُعلَّقاً بعينها، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يُخصَّ بدليل يجب التسليم له.

    وبذلك يظهر بوضوح أن الميتة النجسة والمُحرَّم أكلها والانتفاع بها على أي وجه من وجوه الانتفاع - وهي ما سوى العظم والشعر - يُستنثى منها الجلد فحسب إذا دُبغ.
    وللبحث بقية
    التعديل الأخير تم بواسطة تقي بن فالح ; 10-12-2017 الساعة 05:13 PM سبب آخر: ا

  3. #33
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي 60 - 62

    وننتقل الآن إلى استعراض الأدلة التي استشهد بها من قالوا خلاف ما قلنا، ومناقشتها وبيان خطأ استدلالهم.
    أ - عن عبد الله بن عُكَيم قال «كَتَب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهرٍ أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ» رواه أحمد وأبو داود. وعند أحمد وأبي داود والنَّسائي وابن ماجة روايةٌ أخرى ليس فيها تقييدٌ بزمن. وعند أحمد رواية ثالثة بلفظ «قبل وفاته بشهْرٍ أو شهرين». ورواه الترمذي بلفظ «قبل وفاته بشهرين».
    ب - عن عبد الله بن عُكَيم قال «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في أرض جُهَينة: إني كنت رخَّصت لكم في جلود الميتة، فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عَصَب» رواه الطبراني . وفيه فضالة بن مفضل قـال عنه أبو حاتم : لم يكن أهلاً أن يُروى عنه. وقال العُقَيلي: في حديثه نظر.
    ج - عن عبد الله بن عُكَيم قال: حدثني أشياخُ جُهينة قالوا «أتانا كتاب رسول الله ، أو قُرِئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء» رواه الطَّحاوي.
    د - الحديث الذي مرَّ سابقاً تحت رقم (5) الذي رواه أحمد «أنَّ داجنةً لميمونة ماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا انتفعتم بإهابها ألا دبغتموه فإنه ذَكاتُه».
    هـ - قوله تعالى وضَرَبَ لنــا مثَلاً ونَسِيَ خَلْقَــهُ قال مَنْ يُحْيِي العِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ. قُل يُحْيِيها الذِي أََنْشأََها أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الآيتان 78 و79 من سورة يس.
    و - قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُم المَيْتَةُ ... الآية 3 من سورة المائدة.
    ز- الحديث الذي مرَّ سابقاً والذي رواه أحمد والترمذي «ما قُطع من البهيمة وهي حيَّة فهي ميتة». هذا ما تمسَّكوا به من أدلة.
    أما الأحاديث الثلاثة الأولى (أ،ب ،ج) فهي حديثٌ واحد رُوي بألفاظ متعددة، وكلُّها من طريق عبد الله بن عُكَيم، وهذا الحديث هو مستنَد مَن لم يُجيزوا دباغة جلود الميتة، ولم يجيزوا تطهيرها من النجاسة. وبالنظر في هذا الحديث نجد أنه ضعيف سنداً ومضطرب متناً. أما من حيث السند، فقد رُوي مرة بلفظ «قُرِيء علينا كتاب رسول الله» رواه أبو داود. ومرة بلفظ «أتانا كتاب النبي» رواه ابن ماجة. ومرة بلفظ «حدَّثني أشياخ جُهَينة» رواه الطحاوي. وهذه الألفاظ كلها تدل على أن عبد الله قد نقل الحديث عن مجهولين، إضافة إلى أن الحديث (ب) في إسناده راو ضعيف.
    وأما من حيث المتن فقد رُوي مرة مقيَّداً بزمن ومرة أخرى غير مقيَّد، وحتى المقيَّد بزمن رُوي مقيَّداً بشهر، ومقيَّداً بشهرين، وجاء في روايات أخرى مقيَّداً بأربعين يوماً ومقيَّداً بثلاثة أيام، وحيث أن الراوي لهذه الأحاديث كلها هو راو واحد هو عبد الله بن عُكَيم وحصل هذا التفاوت في المتن فإن ذلك كافٍ لوصفه بالاضطراب في المتن. فالحديث ضعيف سنداً مضطرب متناً، فلا يقوى على معارضة أحاديث الدباغ الكثيرة الصحيحة فيردُّ.
    قال الترمذي (سمعت أحمد بن الحسن يقول : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لِما ذُكِــر فيه: قبل وفاته بشهرين، وكـــان يقول: هذا آخِر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ترك أحمد هذا الحديث لمَّا اضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم وقال: عن عبد الله بن عُكَيم عن أشياخٍ من جهينة). وقــال الخلال : لما رأى أبو عبد الله - أي أحمد - تزلزلَ الروايـةِ فيه توقف. وقال ابن تيمية : أكثر أهـــل العلم على أن الدبــاغ يُطهِّــر فــي الجملة، لصحَّة النصوص به ، وخبر ابن عُكَيم لا يقاربها في الصحة والقوة لينسخها.
    أما الحديث (د) الذي فيه «ألا دبغتموه فإنه ذكاته» فقد استدل به مَن قالوا إن الدباغ يُطهِّر جلود ميتات ما يُؤكل لحمها دون ما لا يُؤكل، فهؤلاء نظروا في قوله  «فإنه ذكاته» فقالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم شبَّه الدَّبغ بالذكاة ، والذكاة تعمل في مأكول اللحم، ولأنه أحد المُطهِّرَين للجلد فلم يُؤثِّر في غير مأكولٍ كالذبح. وقد نُقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: إن كل طاهر في الحياة يُطَهَّر بالدبغ لعموم لفظه في ذلك، ولأن قوله عليه الصلاة والسلام «أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر» يتناول المأكول وغيره خرج منه ما كان نجساً في الحياة، لكون الذبح إنما يؤثِّر في دفع نجاسةٍ حادثةٍ بالموت، فيبقى ما عداه على قضية العموم.
    فأقول: أما القول الأول وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام شبَّه الدبغ بالذكاة، والذكاة تعمل في مأكول اللحم، فهو قول صحيح إن كان الجلد الذي يُدبغ إنما يُدبغ من أجل أكله، وهذا ما لا يقولون به، فهم أرادوا أن يكون التشبيه كاملاً، وهذا يقتضي أن الذكاة تطهير، وأن التطهير يكون في المأكول ، وأن الدِّباغ يُحوِّل غير المأكول لنجاسته إلى مأكولٍ لطهارته، وهذا اقتضاء فاسد، إذ لو كان القول في الدِّباغ لعضوٍ نجس في الميتة يُراد تحليله للأكل لصحَّ قولهم، فلما لم يَعْنُوا ذلك ولم يقولوا به، وأن الجلد لا يُدبغ لأجل الأكل ، دلَّ ذلك على أن تشبيه ذكاة الجلد بذكاة الحيوان مأكول اللحم تشبيهاً كاملاً هو خطأ، وأن الصواب هو أن الذكاة للجلد لا تزيد عن كونها تعني التطهير فحسب، أي هي كلمة لغوية وليست هنا شرعية، وأن الدباغ لا يزيد عن كونه يُطهِّر الجلد، أي يُزيل نجاسته فحسب، أي يطيِّبه ليصبح صالحاً للاستعمال بعد أن كان نجساً لا يصح الانتفاع به.
    هذا هو معنى الحديث ولا يصح أن تُفَسَّر التذكية بأنها ما تزيل عن النَّجِس نجاسته ليصلح للأكل. فلما أخطأوا في تفسير كلمة الذكاة هنا، فقد أخطأوا في الحكم، فتاهوا في موضوع مأكول اللحم وغير المأكول.
    أما ما رُوي عن الإمام أحمد من قول فهو وجه آخر من وجوه التأويل البعيد، إذ أننا لم نسمع أن هناك نجاسة حادثة ونجاسة قديمة يختلف حكماهما، وإنما النجاسة نجاسة، قديمةً كانت أو حادثةً لا فرق بينهما ، ولم يرد هذا التفريق في نصٍّ من القرآن أو الحديث، وما دعاهم إلى هذا القول إلا ليستطيعوا تفسير كلمة التطهير أو الذكاة تفسيراً ينسجم مع سابق رأيهم ، وهو أن مأكول اللحم طاهر، وغير المأكول نجس، وهذا غير صحيح. وليته رحمه الله توقف عند أول عبارته وعند آخرها، واستغنى عن الكلام المتوسط بينهما إذن لصح قوله، فقوله
    « أيُّما إِهاب» عام ، ولا يوجد نصٌّ يخصِّص، وهذا ما قاله في أول عبارته وآخرها ، والتخصيص الذي أتى به لم يسنده بدليل.
    وقد فطن ابن قدامة لهذا المعنى، إلا أنه تلطُّفاً مع قول إمامه أحمد بن حنبل صاغه بصيغة الاحتمال، فقال (وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة التطييب من قولهم رائحة ذكية أي طيبة، وهذا يطيب الجميع، ويدل على هذا أنه أضاف الذكاة إلى الجلد خاصة، والذي يختص به الجلد هو تطييبه وطهارته، أما الذكاة التي هي الذبح فلا تضاف إلا إلى الحيوان كله ، ويحتمل أنه أراد بالذكاة الطهارة فسمى الطهارة ذكاة، فيكون اللفظ عاماً في كل جلد فيتناول ما اختلفنا فيه).
    محصِّلة القول هي أن الرسول عليه الصلاة والسلام عنى بالذكاة الذكاة اللغوية، أي مجرَّد التطهير والتطييب دون الذكاة الشرعية للحيوانات، فيكون التشبيه ناقصاً.

  4. #34
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي 62

    أما البند (هـ) وهو قوله تعالى قُلْ يُحْيِيها الذي أَنشأَها فقد استدلوا به على أن العظام تدخلها الحياة وتحل فيها، وأن العظم يحيا ويموت بحياة الحيوان وموته ، وبالتالي فإنَّ عظم الحيوان الميت ميت، فيدخل في الميتة ويأخذ حكمها من حيث النجاسة والتحريم. هكذا حمَّلوا الآية ، وهكذا استدلوا بها على مذهبهم. والذي دفعهم إلى هذا الغوص هو ما انتهى إليه اجتهاد الإمامين الثوري وأبي حنيفة من القول بطهارة عظام الميتة، لأن الموت لا يحل فيها فلا تنجس به كالشعر ، ولأن علة التنجيس في اللحم والجلد اتصال الدماء والرطوبات به ، ولا يوجد ذلك في العظام ، فردُّوا عليهما بالقول إن هذا القول منهما خطأ، والدليل على ذلك قوله تعالى قال مَنْ يُحْيِي العِظامَ وهِي رَمِيمٌ ... وقالوا إن ما يحيا فهو يموت ، ولأن دليل الحياة الإحساس والألم، والألم في العظم أشد من الألم في اللحم والجلد، والضِّرس يألــم ويُحس ببرد المــاء وحرارتــه، وما تحلُّ فيه الحياة يحل فيه الموت إذ الموت مفارقة الحياة ، وما يَحل فيه الموت ينجس به كاللحم ... إلخ. وهكذا لما جاء أبو حنيفة رحمه الله بهذا التعليل أخطأ الآخرون في الرد عليه، وخرج الاثنان عن فقه حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي بيَّن العلَّة في ذلك، وهي ما يؤكل من الحيوان دون ما لا يؤكل، دون نظرٍ في الحياة والممات والإحساس والألم والحلول وغيره.

    أما الآية الكريمة في البند (و) حُرِّمَتْ عليكُم المَيتةُ والحديث الأخير في البند (ز) «ما قُطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة» فهذه نصوص عامة تُستنبط منها أحكام عامة صحيحة لا يختلف عليها أحد، ولكن الأدلة والشواهد التي اعتمدنا عليها هي أدلة تخصِّص هذا العموم، والخاص يُعمل به ويبقى العام فيما سواه. أما الاستشهاد على العموم بأدلة تفيد العموم فإنه لا يفيدهم في الرد على أدلة الخصوص وأحكام التخصيص، ولا نطيل أكثر من ذلك.

    بقيت مسألتان لا بد من ذكرهما هما:

    أ - البيضة تُؤخذ من دجاجة ميتة هل هي طاهرة أم نجسة؟

    ب - لبن الميتة وأَنْفِحَّتُها، هل هما طاهران أم نجسان؟

    فأقول: إن البيضة إن كانت مكتملة النمو بحيث يطلق عليها اسم البيضة إذا وجدت في بطن دجاجة أو حمامة ميتة، فهي طاهرة غير نجسة، وحال البيضة في هذه الحالة كحال شاة أو بقرة أو ناقة ماتت وفي بطنها جنينُها فشُقَّ بطنُها وأخرج جنينها حياً، فهو طاهر يجري عليه ما يجري على أي وليد، والبيضة كهذا الوليد تعتبر طاهرة يحلُّ أكلها وبيعها وترقيدها.

    أما لبن الميتة وأنِفحَّتُها فهما نجسان، قولاً واحداً، لأنهما مادَّتان من مواد الميتة أخذا حكمها في الطهارة والنجاسة، وذلك أن الميتة نجسة فضرعها ينجس بالموت، فيكون ما حوى من اللبن نجساً لذلك بالاحتواء والمخالطة، وكذلك الأنْفِحَّة - وهي ما نسميها (المسَاة)، وهي تُستعمل في تخثير الحليب لصنع الجبن - هي نجسة للسبب نفسه.

    وقد ذهب إلى طهارة البيضة من الميتة أبو حنيفة وبعض الشافعيين كابن المنذر، وابن قُدامة من الحنابلة، وكرهها مالك والليث وبعض الشافعيين. وذهب إلى نجاسة لبن الميتة وأنفِحَّتِها أحمد ومالك والشافعي. وقال أبو حنيفة وداود إنهما طاهران.


  5. #35
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي 63 نجاسة الدم


    ثالثاً: نجاسة الدم:

    وأخيراً نقف وقفة قصيرة مع نجاسة الدم . لقد استدلَّ بعض الفقهاء على طهارة الدم بالآثار التالية:

    أ - عن عائشة رضي الله عنها قالت «كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القِدْر».

    ب - قال الحسن «ما زال المسلمون يُصَلُّون في جراحاتهم» ذكره البخاري.

    ج - عن المِسْور بن مَخْرَمة قال «... فصلى عمر وجرحه يثعب دماً» ذكره مالك والدار قطني.

    د - كان أبو هريرة لا يرى بأساً بالقطرة والقطرتين في الصلاة.
    ولم يأتوا بأي نصٍّ من القرآن أو الحديث . فنقول : إن جميع هذه الآثار وما يشبهها هي أقوال وأفعال من صحابة رسول الله ، وإذا تعارضت مع الأحاديث النبوية لم تصمد أمامها، فقد صحَّ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه أمر بغَسل الدم للصلاة، وأن الأحاديث التي سُقناها فيما سبق تدل على نجاسة الدم ، فيُعمل بالأحاديث، ويُترك ما رُوي عن الصحابة من آثار مخالِفة.

    وأيضاً فإننا لا نُسلِّم بأن هذه الآثار تدل على طهارة الدم، فرأْيُ أبي هريرة من أنه لا يرى بأساً بالقطرة والقطرتين في الصلاة، يفيد نجاسة الدم وليس طهارته، إذ لو كان الدم عنده طاهراً لما قيَّده بالنقطة والنقطتين، فالطاهر لو سال على الثياب وجرى بغزارة لا يؤثِّر في الصلاة، فلا يقال لا بأس بالقطرتين من الماء أو الزيت على الثوب أو البدن في الصلاة. أما قول عائشة في دم القِدْر، فهو أيضاً ليس دليلاً على طهارة الدم، لأن الشرع عفا عما لا يمكن التحرُّز منه، واللحم لا يمكن التَّحرُّز من الدم القليل الذي يخالطه، وإلا للزم تحريم أكل اللحم، فهذا القول من عائشة والرأي من أبي هريرة يُحملان على الدم اليسير غير المسفوح، لأن المحرَّم النجس هو الدم الكثير المسفوح.

    أما ما صحَّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أنه صلى والدم يثعب من جُرحه، فهذا الأثر ليس مكانه هنا، وإنما مكانه في موضعين: حالة الاضطرار، وحالة السيلان غير المنقطع كالمستحاضة ومَن به سَلَسُ البول. لأن عمر حين طُعن واندلقت أمعاؤه أيقن أنه ميت وأنه في حالة النزع، وأن دمه سيظل ينزف حتى يموت، ولن يمهله الطب أو العلاج شيئاً، ولا يستطيع أن يغسل جراحه، لأن غسلها ربما يُعجِّل في القضاء عليه فصلَّى على حاله، وهذا أمر مقبول في مثل حاله، فلا يُستدل به على طهارة الدم. وكذلك فإنه ما دام الدم يسيل بشكلٍ متواصل ولا يمكن وقفه، فإنه يأخذ حكم من به سَلَس البول أو حكم المستحاضة، فيصلي ولو قطر البول ولو سال الدم، ولا يدل ذلك في الحالتين على طهارة البول أو على طهارة الدم، فلا يصلح ما حصل من عمر دليلاً على طهارة الدم.

    فلم يبق إذن سوى ما رواه البخاري من قول الحسن «ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم». والحسن هذا هو الحسن البصري وهو تابعي، وهذا القول منه على فرض أنه يشمل الصحابة رضوان الله عليهم فإنه ليس قولاً وليس نصاً في طهارة الدم، بل ليس فيه ذِكرٌ للدم، وإنما فيه أنهم كانوا يصلُّون وهم جرحى، والجريح قد يكون دمه يسيل، وقد يكون جرحه مربوطاً باللفائف، وقد يكون جرحه قد أوشك على الاندمال، وكل هؤلاء جرحى، ثم قد يكون الجرح يسيل دماً كثيراً، وقد يكون الجرح يرشح قليلاً ، فكيف يُراد من هذا القول أن يُستنبط منه حكمٌ في طهارة الدم؟.


  6. #36
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي 64 - 65

    رابعاً: ما يُظنُّ أنه نجس:

    أما الأشياء التي يُظَنُّ أنها نجسة، وهي النبيذ ولحوم الحُمُر الأهلية والصديد والمني والقيء فنفرد لها هذا البحث.

    أ - النبيذ: هو منقوع التمر، وذلك أنهم ينبذون حباتٍ من التمر في إناء فيه ماء في المساء ويتركونه حتى الصباح، ثم يدعكونه ويفرُكونه في الماء، ثم يُصفُّونه ، يصنعون منه شراباً حلواً فهذا هو النبيذ. فهو ماء وتمر لا غير، وإذا استمر المزيج فوق يومين أو ثلاثة أيام خاصةً في الجو الحار صار يَنِشُّ، أي صار له نشيشٌ وتخمَّرَ، وخرجت منه رائحة نفاذة، فإذا حصل ذلك صار خمراً وبطل كونه نبيذاً ، وآنذاك يُراق ولا يستعمل لنجاسته وحرمته.

    وبهذا الوصف والشرح يتضح أن النبيذ طاهر وليس نجساً، والرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة كانوا يصنعونه ويشربونه، فعن أنس قال «لقد سقيت رسول الله  بقدحي هذا الشراب كلَّه: العسل والنبيذ والماء واللبن» رواه مسلم. وهذا معلوم لدى جميع الأئمة والفقهاء، حتى إن أبا حنيفة والحسن والأوزاعي وعكرمة وإسحق يُجيزون الوضوء به لشهرة طهارته وحِلِّه، وبذلك لا يكون هناك أدنى شك في طهارة النبيذ. أما إن هو تخمَّر بطول المُكْث حتى صار خمراً فقد خرج عن كونه نبيذاً وصار آنذاك خمراً نجسة. أي أنه لا يكون نجساً ما دام نبيذاً، فلعلَّ مَن اعتبروه نجساً إنما عنَوْا به النبيذ بعد التَّخمُّر، أو لعلهم عَنَوْا به صنفاً من الخمر الموجودة الآن تحت اسم النبيذ، فهذا وذاك نجسان.

    ب - لحوم الحُمُر الأهلية: لقد صنَّفها ناسٌ في باب النجاسات مستقلَّة بنفسها واستنبطوا حكم نجاستها من حديث أَمْرِ الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين في غزوة خيبر بإراقة ما طبخوه من لحوم الحُمُر الأهلية، أي من قوله في الحديث «فإنها رِجس» وقد سبق هذا الحديث في بحث [سُؤر الحيوان] فنقول ما يلي: أما أن هذه اللحوم نجسة فهذا لا يخالف فيه فقيه، ولكن ذلك لا يعني إفرادها في باب النجاسات، بل الصواب وضعها أو إدراجها في باب نجاسة الميتة، فكل حيوان لا يُؤكل شرعاً لا يُذبح، ولو ذُبح لما جاز أكله، ولما ذكَّاه الذبح، وفي هذه الحالة يصبح ميتة يجري عليه ما يجري على أية ميتة، فالحمار الميت نجس، والثور الميت نجس ، والأسد الميت نجس، وهكذا ، وهذه كلها تدخل تحت مدلول كلمة ميتة ، ولا حاجة لوضعها في بند منفصل.

    ج - الصَّديد: هو سائل يفرزه الجلد المحروق أو المجروح . هذا السائل طاهر، وليس بنجس لأنه لم تثبت نجاسته في القرآن ولا في الحديـث ولا بإجماع الصحابة ، ولذلك يظل حكمه على أصله من الطهارة، ولم يضعه فقيه في باب النجاسات إلا بالقياس على الدم ، ولا قياس هنا لأنه ليس دماً ولا يشبه الدم في أوصافه وخصائصه ، وليست بينهما علة مشتركة فيظل طاهراً .
    د - المني: لقد وردت فيه الأحاديث التالية:

    1- عن عائشة رضي الله عنها قالت «كنت أفرُكُ المنيَّ من ثوب النبي  ثم يذهب فيصلي فيه» رواه أحمد وأبو داود. وفي رواية ثانية لأحمد «أَحُتُّ المنيَّ».

    2- عن عبد الله بن شهاب الخَوْلاني قال «كنت نازلاً على عائشة فاحتلمــت فـي ثوبيَّ فغمستهما فــي الماء، فرأتني جاريةٌ لعائشة فأخبرَتها، فبعثت إليَّ عائشة فقالت : ما حملك على ما صنعتَ بثوبيك؟ قال قلت : رأيت ما يرى النائم في منامه قالت : هل رأيتَ فيهما شيئاً ؟ قلت : لا قالت: فلو رأيتَ شيئاً غسلتَه ، لقد رأيتُني وإني لأحكُّه من ثوب رسول الله  يابساً بظُفري» رواه مسلم. ورواه الترمذي وأحمد بلفظ «ربما فركْتُه».

    3- عن عائشة رضي الله عنها قالت «كنت أغسله من ثوب رسول الله ، فيخرج إلى الصلاة وأَثر الغسل في ثوبه بُقَعُ الماء» رواه البخاري.

    4- عن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله  يسلِتُ المنيَّ من ثوبه بعرق الإذْخِر، ثم يصلي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه» رواه أحمد والبيهقي.

    5 - عن ابن عباس رضي الله عنه قال «سُئل النبي  عن المنيِّ يصيب الثوب، قال: إنما هو بمنزلة المُخاط والبُزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقةٍ أو بإذْخِرة» رواه الدار قطني والبيهقي والطحاوي. وأخرجه أيضاً البيهقي موقوفاً على ابن عباس وقال (الموقوف هو الصحيح).

    6 - عن عائشة رضي الله عنهــا «أنها كانت تحُتُّ المنيَّ مــن ثوب رسول اللــه  وهو يصلي» رواه ابن خُزَيمــة. وروى ابن حِبَّـــان عــن عائشة رضــي الله عنهـــا بلفـظ «لقد رأيتُني أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله  وهو يصلي فيه» ورجاله رجال الصحيح.

    وقد وردت أحاديث أخرى لا تخرج في محتواها عن هذه الأحاديث ، فاقتصرنا على هذا القدر منها.

    وقد فهمت طائفة من الفقهاء من هذه الأحاديث أن المنيَّ نجس، وهؤلاء هم: أبو حنيفة ومالك والليث والأوزاعي والثوري. وذهب إلى طهارته الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور وسعيد بن المسيِّب، ومن الصحابة علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وابن عباس فيما رُوي عنهم.

    والحق أن هذه المسألة شائكة ودقيقة ، ذلك أن مجمل الأحاديث ورد فيها الغَسل والحتُّ والفَرك والسَّلت والمسح، ولكن المتفحِّص والمدقِّق يكتشف أشياء تُنير سبيل البحث، فالحديث الأول بروايتيه فيه أن عائشة كانت تفرُك المنيَّ وتحتُّه، دون بيان إن كان المنيُّ رطباً أو يابساً، والحديث الثاني بروايتيه فيه أن عائشة كانت تحُكُّ المنيَّ وهو يابس ، وأنها كانت تفْرُكه وهو يابس وأنها قد خطَّأت عملية الغَسل، ولكنها في الحديث الثالث قامت بعملية الغَسل، دون أن تبين إن كان المنيُّ رطباً أو يابساً . أما الحديث الرابع ففيه أن الرسول  قام بنفسه بعملية السَّلت وبعملية الحتِّ للمنيِّ اليابس. وأما في الحديث السادس، فقد ورد فيه الحتُّ في رواية ابن خُزَيمة، والفرك في رواية ابن حِبَّان، دون بيان إن كان المنيُّ رطباً أو يابساً. إذن قد ورد الغَسل والفرك والحكُّ والحتُّ والسَّلت حيناً مقيدةً بالمنيِّ اليابس وحيناً آخر مطلقةً غير مقيدة.


  7. #37
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي 65 - 67

    أما الغسل فلا خلاف في أنه يُزيل المنيَّ الرطب واليابس ، وأما السَّلْت فقد يزيل وقد لا يزيل، ولْنقل بغلبة الظَّنِّ إنه يُزيل المنيَّ الرطب واليابس. إذن الغَسل والسَّلت إنما قُصد منهما إزالة المنيِّ ، وهذا يدل في ذاته وحده على نجاسة المنيِّ ، وهذا هو دليل من قالوا بنجاسة المنيِّ، وهو دليل وجيه لو كان وحده أي لو اقتصرت النصوص عليهما فحسب، ولكن ورد الفرك والحكُّ والحتُّ للمنيِّ اليابس، والمعروف أن المنيَّ اليابس يُمسِك بالثوب ويُصَلِّبه ويُقسِّيه فضلاً عن كونه يعطي المكان اصفراراً خفيفاً، وحيث أن الفرك - وهو أقوى في الإزالة من الحك والحتِّ - لا يزيل المنيَّ ولا يقلعه، وإنما يخفِّفه فحسب، فذلك يدل على أن الأمر بهذه الأفعال الثلاثة إنما قُصد منه التخفيف، وهذا ما استدلَّ به من قالوا بطهارة المنيِّ، فقد قالوا : إن الفرك لا يزيل المنيَّ، وذلك يدل على أن الإزالة غير مطلوبة ، وبالتالي فالمنيُّ طاهر، وحملوا الأمر بالفرك على الاستحباب والنظافة.

    ولكن المُنْصِفَ لا تكفيه هذه الحجة للقول بطهارة المنيِّ ، إذ تقابلها حجة أقوى هي ما ورد في الأحاديث من فعل الغَسل، والغَسل يزيل المنيَّ تماماً، وهذا دليل من قالوا بنجاسة المنيِّ وحملوا الفرك على عدم التشديد كعدم التشديد في غَسل الثوب من المذي مع أن المذي نجس. ولكن الموضوع لم ينته عند هذا المدى، فالحديث السادس يقول «أنها كانت تحتُّ المنيَّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي» ورواية ابن حِبَّان «لقد رأيتُني أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فيه» والحديث صحيح وهو يحسم الخلاف، لأنه يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد صلى وفي ثوبه منيٌّ، فلو كان المنيُّ نجساً لما ابتدأ الصلاة به، وهذا دليل قوي على طهارة المني.

    ولا يقال : إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يعلم بوجود المنيِّ في ثوبه. لا يقال ذلك، لأن الذي يقول هذا القول يجب أن يُثْبته أولاً وهو لا يملك إثباتاً، وثانياً إن الله سبحانه قد عصمه من الصلاة وهو يحمل النَّجاسة كما حصل معه حين نزل الوحي يخبره أن نعله تحمل نجاسة، فنزعها وهو في الصلاة، فالحديث قوي في الاحتجاج على طهارة المني. فإذا أُضيف إلى هذا الحديثِ الحديثُ الخامس المروي من طريق ابن عباس رضي الله عنه حصل اطمئنان إلى صحة القول بطهارة المنيِّ، فالحديث يقول «إنما هو بمنزلة المُخاط والبُزاق» وهو صريح في طهارة المنيِّ ، لأن المُخاط والبُزاق طاهران بلا خلاف أعلمه.

    وقد يقال إن البيهقي قد روى الحديث موقوفاً على ابن عباس، وأنه قال (الموقوف هو الصحيح) والحديث الموقوف هو قول صحابي وهو ليس حُجة، وأن الدار قطني قد انفرد برفعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. فنقول : إن الدار قطني لم ينفرد برفع الحديث بل شاركه في ذلك الطَّحاوي والبيهقي أيضاً. إنَّ الدار قطني بعد أن ساق الحديث قال (لم يرفعه غير إسحق الأزرق عن شريك) فإذا علمنا أن إسحق إمامٌ مُخرَّج عنه في الصحيحين كما يقول ابن تيمية وابن الجوزي، فذلك يعني أن انفراده بالرفع لا يضرُّ ، وأن رفع الحديث زيادة، والزيادة يتعين المصير إليها كما هو معلوم . فالحديث صحيح ومرفوع ، وهو كاف في ترجيح حُجَّة من يقول بطهارة المنيِّ. وبذلك يظهر وجه الحق في هذه المسألة، وتُحمل أحاديث الغَسل والفرك والسَّلت وغيرها على إزالة الوسخ والتنظيف المندوب فحسب.

    بقيت شُبهةٌ هي قولهم إن المنيَّ نجسٌ باستثناء منيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عندهم طاهر، فنقول لهؤلاء: من أين لكم هذا التفريق؟ وأين هو الدليل على نجاسة منيِّ مَن سواه؟ ولا دليل سوى ما أوردناه من أحاديث منيِّه عليه الصلاة والسلام بل إن حديث عائشة الثاني يساوي بين منيِّه عليه الصلاة والسلام ومنيِّ مَن سواه، فتبطُل هذه الشبهة، ويَثبت حكم طهارة المنيِّ.

    أما ما خاض فيه الفقهاء من طهارة منيِّ الحيوانات أو نجاسته، وتفريقهم بين منيِّ مأكول اللحم ومني غير المأكول، فلا أجدني محتاجاً للخوض فيه، وحسبي أن أقول إنه لم يرد أي دليل على نجاسته، فهو باق على أصله من الطهارة.

    هـ- القيء: إنه لم يَرِد في القيء نصٌّ صحيح ولا حسن ولا إجماع صحابة على نجاسته فيظل على أصله من الطهارة. ولقد اعتمد القائلون بنجاسة القيء على أمرين:

    أحدهما: هو ما رواه مَعْدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر فتوضأ، فلقِيتُ ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق أنا صببتُ له وَضوءه» رواه الترمذي وقال (هذا أصح شيء في هذا الباب) . وما رواه ابن أبي مُلَيكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«من أصابه قَيءٌ أو رُعافٌ أو قَلَسٌ أو مَذِي فلْينصرف فلْيتوضأ، ثم لِيَبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم» رواه ابن ماجة والدار قطني. وضعفه الهيثمي.

    الثاني: أنهم وضعوا قاعدة تقول (أن الخارج من البدن من غير السبيل ينقسم قسمين : طاهراً ونجساً، فالطاهر لا ينقض الوضوء على حال ما والنجس ينقض الوضوء في الجملة رواية واحدة) ذكرها صاحب المغني، وذكروا أن ذلك مروي عن عدد من الصحابة والتابعين والفقهاء، فطبَّقوا الأمر الأول وهو الحديث على الأمر الثاني وهو القاعدة، فخرجوا بحكم نجاسة القيء، أي أنهم قالوا إن الحديث يدل على أن القيء ينقض الوضوء، وأن القاعدة تقول إن أي خارج من غير السبيل ينقض إن كان نجساً، وإذن فالقيء نجِس. فنجيبهم بأن هذه القاعدة غير مُسلَّم بها، فها هو المنيُّ ينقض خروجه الوضوء، بل ويُوجب الغُسل رغم طهارته، وأما قولهم إن النجس ينقض الوضوء في الجملة روايةً واحدة والطَّاهر لا ينقض الوضوء، فقد خالفهم فيه آخرون، فقد قال مكحول: لا وضوء إلا فيما خرج من قُبُل أو دُبر. ومالك وربيعة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لا يُوجبون من القيء وضوءاً. فالقاعدة التي وضعوها ليست صحيحة وغير مُسلَّم بها، فلا يصح استنباط الأحكام بحسبها.

    أما الحديثان اللذان استشهدوا بهما، فالثاني منهما ضعيف فلا يصلح للاحتجاج، وأما الأول فإن غاية ما فيه أن القيء ينقض الوضوء فحسب على افتراض أن الفاء التي في (فتوضأ) هي فاء السَّببية. نعم روى البزَّار والدراقطني والبيهقي وأبو نعيم وابن عديٍّ وأبو يعلى من طريق عمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يا عمَّار، إنما تغسل الثوب من الغائط والبول والقيء والدم» إلا أن هذا الحديث يبلغ من الضعف درجة جعلت المُحدِّثين يرمونه بالوضع، وقد جاء هذا الاتهام من كون ثابت بن حمَّاد أحدَ رُواته وهو متَّهم بالوضع. قال البيهقي (هذا باطل لا أصل له). وأضاف (ثابت بن حمَّاد مُتَّهم بالوضع). وقال الهيثمي (ضعيف جداً). فالحديث لا يصلح للاحتجاج، فلا يصلح دليلاً على نجاسة القيء.

  8. #38
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي (36)***68-69

    الفصـل الثالـث أحكامُ النجاسة
    يتضمَّن هذا الفصل ست مسائل والتمهيد لها، وهذه المسائل هي:

    1 - حكم الانتفاع بالنجس.

    2 - هل يجب العدد في إزالة النجاسة ؟

    3 - المواطن الثلاثة التي ورد فيها عدد

    4- ما يُستعمل في إزالة النجس.

    5 - تطهير المتنجِّس.

    6 - الاستحالة.

    تمهيد

    قلنا في بحث [أعيان النجاسات] إن حكم النجاسة هو الاجتناب وجوباً، وإن الشرع لم يستثن من النجاسات من حيث الاجتناب سوى كلب الصيد وكلب الحراسة وجلد الحيوان الميت عند معالجته بالدباغ ، وما سوى ذلك من النجاسات يظل الحكم في حقـه وجوب الاجتناب. وهذا الاجتناب للنجاسات وكيفيته - وهو ما يسمى إزالة النجاسـة - لا يحتاج إلى نية، بل تكفي فيه الإزالة فحسب، فسواء زالت النجاسة بنية أو بدون نية، وسواء زالت بفعلٍ منا أو بفعل غيرنا فقد تم المطلوب وقُضي الأمر.

    والنَّجِس عكسه الطاهر، فما سوى النجاسات التي سبق تحديدها فهو طاهر دون حاجة إلى دليل على طهارته، أي إذا لم يكن لدينا دليل على نجاسة شيء حكمنا بطهارته، لأن الله سبحانه سخَّر لنا كلَّ شيء، الأرضَ والحيوان والنبات، وحتى السموات قد سخَّر الله سبحانه ما فيها للإنسان، قال الله تعالى في سورة الجاثية وسَخَّرَ لكُم ما في السَّمواتِ ومَا في الأرضِ جميعاً مِنْهُ  والتسخير يقتضي جواز الاستعمال والانتفاع، ولا يكون الاستعمال وارداً مع النجاسة، ولذا فإنَّ كلُّ ما في السموات وما في الأرض مُسخَّر وطاهر إلا ما استثناه النص. فالطهارة هي الأصل والنجاسة خروجٌ عليه جاء الشرع يطلب نبذها وعدم التعامل معها. ثم إن الله سبحانه خلق الكون وعرض عليه التكليف فأبى وأشفق من حملِه، إلا الإنسان الظالم لنفسه الجاهل لمصير هذا الحمل، فقد وافق عليه، ولذا فإن كل ما في الوجود يسير في طاعة الله والإنسان المؤمن الصالح يسير مع الكون في طاعة الله، ولا يخرج على هذه المسيرة ويشذُّ عنها سوى الكافر من البشر، فهو الشاذ الخارج على الأصل، الذي هو طاعة الله، ويلحق به الكافر من الجنِّ والشياطين، فليس غريباً ولا مفاجئاً أن يُطلِق الشرع على الكفار لفظة النَّجَس تشبيهاً لهم بالنجاسات الخارجة على الأصل، فكما أن النجاسات خرجت على أصل الأشياء من الطهارة وسميت نجسة، فكذلك الكفار خرجوا على أصل الأشياء من الطاعة وسُمُّوا نَجَسَاً، قال سبحانه إنما المُشْرِكونَ نَجَسٌ فلا يَقْرَبوا المَسجِدَ الحرامَ بعدَ عامِهم هذا الآية 28 من التوبة. ولم يستعمل القرآن لفظة نجس سوى مرة واحدة هي هذه في وصف الكفار المشركين، ولذا فإن الأصل أن يُنبذ الكافر المشرك كما تنبذ النجاسات، ولكن باختلافٍ بين النبذين. أما التعامل مع الكافر فليس هذا مكانه، وأما التعامل مع النجاسات فهو مدار هذا البحث.

    هناك نجِسٌ، وهناك متنجِّسٌ ،فأعيان النجاسات السابق بحثها وتحديدها هي من فئة النَّجِس، وإذا خالط النَّجِس غيره نجَّسَه فصار متنجِّساً، والحكم بالاجتناب والإزالة إنما يتعلق بالنَّجِس دون المتنجِّس، فالمتنجِّس يمكن إعادته إلى أصله من الطهارة بتخليصه من النَّجِس إلا أشياء نادرة، وأما النَّجِس فأصله النجاسة، ويظل نجِساً ولا يَطْهر إلا في حالة واحدة نادرة أيضاً.


  9. #39
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي (37)- 69-71

    حكمُ الانتفاعِ بالنَّجِس

    حرَّم الشرع الانتفاع بالنَّجِس تحريماً عاماً مطلقاً ، وأوجب على المسلمين الابتعاد عنه دون إيجابه على الكافرين، فالكافرون سمح الإسلام لهم بالانتفاع بالنجس، فقد سمح لهم بالانتفاع بالخمر وهي نجسة، وسمح لهم بالانتفاع بالخنزير وهو نَجِس، وسمح لهم بالانتفاع بما يشاءون من النَّجاسات دون ممانعة من دولة الخلافة، فلو شربوا أبوالهم وخلطوا دماءهم في أدويتهم وأكلوا الميتة لم يعترض المسلمون عليهم، فالإسلام أمر المسلمين بترك الكفار وما يعبدون وما يأكلون، أما المسلمون فهم طاهرون متطهِّرون يأنفون من النجاسات ويعافون الاقتراب منها ، ويلزمهم إزالتُها وعدمُ الانتفاع بها بأي وجه من وجوه الانتفاع، إلا ما خصَّه الدليل ككلب الصيد وكلب الحراسة، وكجلد الميتة بعد دباغه، وما سوى هذه الثلاثة لا يجوز الانتفاع بالنَّجِس مطلقاً. ونسوق عدداً من الأدلة على ذلك:

    أ - عن جابر أنه سمع رسول الله  يقول عام الفتح وهو بمكة «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخِنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها يُطلَى بها السفن ويُدهنُ بها الجلود ويَستصبحُ بها الناس، فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله  عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لمَّا حرَّم شحومها جَمَلوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه» رواه البخاري وأحمد وأصحاب السُّنن . وقد سبق.

    ب - عن ابن عباس أن رسول الله  قال «لعن الله اليهود - ثلاثاً - إن الله حرَّم عليهم الشُّحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرَّم على قومٍ أكل شيء حرَّم عليهم ثمنه» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي.

    ج - عن عون بن أبي جُحَيفة عن أبيه «أنه اشترى غلاماً حجَّاماً فأمر بمحاجمه فكُسِرت، فقلت له: أتكسرها ؟ قال: نعم، إن رسول الله  نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البَغِيِّ ، ولعَنَ آكِلَ الربا ومُوكِله والواشمة والمستوشمة ولعن المُصوِّر» رواه أحمد والبخاري ومسلم . قوله المحاجم - واحدتها مِحْجَم: هي الأداة التي يُحجَم بها .

    د - عن ابن عباس قال «نهى رسول الله  عن ثمن الكلب، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفَّه تراباً» رواه أبو داود. ورجاله ثِقات، ورواه أحمد بلفظ «ثمن الكلب خبيث، قال : فإذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفيه تراباً».

    هـ - عن ميمونة رضي الله عنها «أن رسول الله  سُئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: أَلقوها وما حولها، فاطرحوه وكلوا سمنكم» رواه البخاري ومالك وأحمد والنَّسائي وأبو داود.
    و- عن وائل الحضرمي « أن طارق بن سُويد الجُعفي سأل النبي  عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال : إنما أصنعها للدواء، فقال : إنه ليس بدواء ولكنه داء» رواه مسلم وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي.

    الحديث الأول ذكر ثلاثة أصناف من النجاسات هي الخمر والميتة والخنزير، وفرَّع على الثاني وهو الميتة الشحوم، وذكر أن هذه النجاسات حرام بيعها، وحرام الانتفاع بالشحوم في طلاء السفن ودهن الجلود والإضاءة ، فالحديث نص صريح في عدم الانتفاع بهذه النجاسات بيعاً واستعمالاً. وفي الحديث الثاني قاعدة فقهية عريضة في موضوع الانتفاع بالمحرَّمات، ومنها النجاسات، هي أن كل مُحرَّم الأكل مُحرَّم البيع. وفي الحديث الثالث تحريم بيع صنفين من النجاسات هما الدم والكلب، والبيع انتفاع. والحديث الرابع يدل على تحريم بيع الكلب «إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً» والحديث الخامس أمر من الرسول  بإتلاف السمن المتنجس بالميتة. وفي الحديث السادس رفض الرسول  الانتفاع بالخمر حتى ولو صُنعت واستعملت كدواء.

    فهذه أمثلة على تحريم الانتفاع بالميتة وشحومها، وتحريم الكلب والخنزير والدم والسمن المتنجس، ولو لم يكن من أدلة سوى الحديث الخامس لكفى، ذلك أن الأصناف السابقة هي من فئة النجس سوى ما جاء في الحديث الخامس، فهو من فئة المتنجس، ومع ذلك أمر الرسول  بإلقائه وعدم الانتفاع به فإذا كان المتنجِّس يُتْلف فكيف بالنَّجس؟ ثم إذا علمنا أن الشرع قد نهى عن إتلاف المال ، بل عن إتلاف أو إضاعة أدنى كمية منه، كاللقمة تسقط من اليد، لما روى جابر أنه سمع النبي  يقول «إذا طَعِم أحدكم فسقطت لقمته من يده، فلْيُمط ما رابه منها ولْيطعمها ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق يده، فإن الرجل لا يدري في أي طعامه يبارَك له ...» رواه ابن حِبَّان ومسلم وأحمد. أقول إذا كان الشرع قد نهى عن إضاعة اللقمة تسقط من اليد فكيف يأمر بإتلاف ما هو أثمن منها كالسمن تقع فيه نجاسة لولا أن الانتفاع به لا يجوز؟

    ولقد أجاز عدد من كبار الأئمة الانتفاع بالنجس منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي والليث، مستدلين على رأيهم بالأدلة التالية:

    أ - الحديث الأول المشار إليه آنفاً وهو حديث البخاري وغيره من طريق جابر.

    ب - عن ابن عمر« أن الناس نزلوا مع رسول الله  على الحِجْر، أرض ثمود، فاستَقَوْا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله  أن يهريقوا ما استقَوْا، ويعلفوا الإبل العجين ...» رواه مسلم والبخاري.

    ج - عن مُحيِّصة أخي بني حارثة «أنه أستأذن النبي  في إجارة الحَجَّام فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: اعلفْهُ ناضحَك وأَطْعِمْه رقيقَك» رواه الترمذي وحسنه.

    فنرد عليهم بأن الحديث الثاني الذي رواه الشيخان ، والحديث الثالث الذي رواه الترمذي لا يصلحان للاستدلال في موضوعنا ، فهما ليسا في موضوع النجاسات والانتفاع بها، وإنما موضوعهما استعمال المُحرَّم ، والمُحرَّم ليس بالضرورة نجساً، فالحشيشة محرَّمة ولكنهـا ليست نجسة، والصُّلبان محرمة وهي ليست نجسة ، والتصاوير، أي التماثيل، محرمة وهي ليست نجسة، فكذلك كسب الحجَّام، وماء آبار من ظلموا أنفسهم، بل إن كسب الحجَّام لم يتفق الفقهاء على تحريمه، فقد أباحه قوم وكرهه آخرون. ولست أريد أن أدخل في هذا الباب حتى لا أخرج عن الموضوع، ولذا أقول إن الحديثين الثاني والثالث لا يصلحان هنا، وليست فيهما دلالة على جواز الانتفاع بالنجس، فيُتركان ويسقط الاحتجاج بهما في المسألة.


  10. #40
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي (38) 71 - 72

    بقي الحديث الأول، وهو الذي رواه البخاري وغيره من طريق جابر، هذا الحديث لا يصلح للاستشهاد به على جواز الانتفاع بالنجس بل هو على العكس من ذلك تماماً. الحديث يقول «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة فإنه يُطلى به السفن ويُدهن به الجلود ويَستصبحُ به الناس، فقال: لا هو حــرام» نظـروا فـي الحديث وتساءلوا : هل الضمير (هــو) في قولــه (هو حــرام) راجع إلى البيع (إن الله ورسوله حرَّم بيع)، أم هو راجع إلى الانتفاع (يُطلى ... يُدهن ... يَستصبح)؟ فقالوا: الظاهر أن مرجع الضمير للبيع، لأنه المذكور صريحاً والكلام فيه، ويؤيد ذلك قوله في آخر الحديث (باعوه) ومن قال إن الضمير يرجع إلى البيع، قال بجواز الانتفاع بالنجس مطلقاً، ولكن فقط يحرم بيعه. ويستدل أيضاً بالإجماع على جواز إطعام الميتة للكلاب، وقالوا: إذا كان التحريم للبيع جاز الانتفاع بشحوم الميتة والأدهان المتنجسة في كل شيء غير أكل الآدمي ودهن بدنه، فيحرمان كحرمة أكل الميتة والترطُّبِ بالنجاسة. هكذا قالوا ، وهكذا استدلوا واستشهدوا ، ولكن الناظر في النص يتبين خطأ هذا الاستدلال لما يلي:

    أ - إن الضمير لغةً يعود إلى أقرب اسم، وليس إلى أبعده ، والأقرب هنا هو ما جاء من ألفاظ تفيد الانتفاع (يُطلى ... يُدهن ... يَستصبح) وليس لفظةَ البيع التي هي أبعد كلمة في النص.

    ب - إن قولهم الضمير يعود إلى البيع لأنه المذكور صريحاً قول غير دقيق، لأن الشحوم وما اتصل بها من أفعال هي أيضاً صريحة.

    ج - إننا لو فسرنا الحديث على ضوء عودة الضمير إلى البيع لما أفاد القول الأخير شيئاً، لأن شحوم الميتة تابعة للميتة في حكم تحريم البيع لأنها منها، في حين أن تفسيره على ضوء عودة الضمير إلى الشحوم يفيد معنى جديداً، وهذه الإضافة أولى من إلغائها.

    د - إن النصف الأول من الحديث مكتمل تام بنفسه «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» وهو ليس بحاجة إلى تكملة، ولو لم يُسأل عليه الصلاة والسلام عن شحوم الميتة لانتهى الحديث عند كلمة الأصنام، ولكن لما سُئل عن الشحوم التي يُفعل بها كذا وكذا، أي يُنتفع بها بكذا وكذا وكذا قال (لا، هو حرام) والضمير (هو) يبعد أن يعود إلى البيع، لأن الحديث جملتان تامتان منفصلتان، فكلمة (إن الله ورسوله حرَّم) أفادت تحريم الأربعة المذكورة أولاً، وكلمة (لا، هو حرام) أفادت تحريم الطلاء والدهن والاستصباح بالشحوم. هكذا يجب فهم الحديث، وهكذا يفهمه من أخذ بظاهره وترك التعمق والتكلف. ومن ذلك يظهر خطأ الرأي القائل بجواز الانتفاع بالنجس.

    أما ما يقولونه بخصوص إطعام الميتة للكلاب ،فهو ليس من باب الانتفاع الذي نبحث فيه ، فالكلاب نجسة وإطعامها الميتة النجسة هو حالة خاصة، إذ هو ضم نجاسة إلى نجاسة ولا مانع من ذلك، أما إطعامها للحيوانات الطاهرة، أو استعمالها في شيء طاهر فهو تنجيس له، وهذا لا يجوز. وقد ورد النهي عن ركوب الجَلاَّلة وأكل لحمها وشرب لبنها، لا لشيء إلا لأنها تأكل العذرة النجسة. فعن ابن عباس قال «نهى رسول الله صلى الله عيه وسلم عن لبن شاة الجَلاَّلة، وعن المُجثِّمة، وعن الشرب مِن في السِّقاء» رواه أحمــد وأبو داود والترمــذي والنَّسائي. وعن عمرو بن شعيب عــن أبيه عــن جــــده، قـال «نهى رسول الله صلى الله عيه وسلم عن لحوم الحُمُر الأهلية وعن الجَلاَّلة وعن ركوبها وأكل لحومها» رواه أحمد والنَّسائي بسند جيد رجاله ثقات ما عدا مؤمِّل وثَّقه ابن مُعين. فإذا أكلت الإبل والأبقار والأغنام والدجاج النجاسات فقد نُهينا ليس عن أكلها فحسب، بل عن ركوب ما يُركب منها أيضاً، فانظر إلى أي أثرٍ لاستعمال النجاسة في الأشياء الطاهرة. ويُكره أكل الجَلاَّلة إلا أن تُعلف بالعلف الطاهر فترة تكفي لتخلِّصها مما أكلت من النجس.

صفحة 4 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة