أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة جماليّة في قصيدة برزخ الأمنيات للشّاعر المدهش د. عمر هزّاع

  1. #1
    الصورة الرمزية فاتن دراوشة مشرفة عامة
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    الدولة : palestine
    المشاركات : 8,913
    المواضيع : 92
    الردود : 8913
    المعدل اليومي : 1.85

    افتراضي قراءة جماليّة في قصيدة برزخ الأمنيات للشّاعر المدهش د. عمر هزّاع

    قراءة جماليّة في قصيدة برزخ الأمنيات للشّاعر المدهش د. عمر هزّاع
    بَرزَخُ الأُمنِيات !!


    رابط القصيدة


    برزخُ الأمنياتِ

    بِالجَثامِـيـنِ يَـفــرَحُ الـحـانُـوتُ
    وَبـمَـنْ ذاعَ نَـعـيُـهُ ُالـتَّـابُـوتُ
    مطلع جميل قويّ يحمل بين معانيه حكمة " مصائب قوم عند قوم فوائد" وهنا تحوي المقابلة بين الصّورتين في صدر البيت وعجزه عبرة مفادها بأنّ كلّ ما على هذه الأرض لا يهتمّ عدا بشخصه ومصالحه فلا فرق في ذلك بين الحانوتيّ والتّابوت فالمشترك بينهما هو انتفاعهما من موت الميّت، واستعارة الفرح هنا للتّابوت إنّما أتت لتعمّق الفكرة في أذهاننا.



    لَيسَ فِي الكَونِ خالِدٌ غَيـرَ رَبِّـي
    وَلَـهُ فِــي دَوامِــهِ المَلَـكُـوتُ
    كُلُّنا - اليَومَ - جاهِلٌ أَينَ يَمضِي
    وَ مَتَـى أَو بِــأَيِّ أَرضٍ يَـمُـوت

    وهنا يتجلّى الإيمان بالله وقضائه وقدره وربّما أراد الشّاعر أن يقول بأنّه بالرّغم من انعدام الثّقة بنوايا البشر إلّا أنّنا نعوّض تلك الثّقة بالاتّكال على ربّ البشر والذي وحده يملك أقدارنا خيرها وشرّها ووحده من يحدّد لنا ساعة الموت التي لن يحدّدها لنا إنسان مهما عظم شأنه وبلغت قوّته. وقد أثرى التّناصّ الفكرة هنا وزادها عمقا.

    نَدَّعِـي رِفـعَـةَ الأَمـانِـيِّ لَـكِـنْ
    هَمُّنا فِي مَشاغِلِ العَيشِ قُـوتُ

    وهنا يأخذني ذهني إلى سلّم ماسلو والاحتياجات الإنسانيّة للعيش فالقوت هو من الاحتياجات الأساسيّة التي تقبع في قاعدة الهرم والتي بدونها لا يمكن لأيّ كائن أن يتقدّم في سلّم احتياجاته نحو تحقيق الذّات ونحن كأمّة عربيّة ما زلنا عند هذه المطالب ولا زلنا نقبع عند قاعدة الهرم نستجدي لقمة العيش فعن أيّ أمنيات وعن أيّ أحلام وعن أيّ ذات نتحدّث بعدها

    بَـرزَخُ الأُمنِـيـاتِ مَـوقِـدُ حُـلـمٍ
    وَالمَـنـايـا كَـأَنَّـهــا كِـبـرِيــت

    وهنا نراه يكمل ما بدأه في البيت السّابق مستعملا أسلوب التّشبيه فأماني الإنسان العربيّ هي كقدر ملؤه الأحلام لتجهيزه للطّهي لكنّ الموت هو عود الكبريت الذي يحقّق تلك الأمنيات أي أنّنا لا نصل لتحقيق الذّات والعيش الكريم إلّا عندما ننهي حياة الذلّ والهوان بموتنا فعند الله لا يظلم إنسان
    صورة عميقة مؤلمة حقّا نُسجت من وحي واقع أشدّ مرارة وألما.

    وَأَراجِيـحُ حِقـبَـةٍ مِــنْ خَـيـالٍ
    يَتَـسَـلَّـى بِـهَـزِّهـا عِـفـرِيــتُ

    ويعود لوصف الأمنيات بكونها حقبة من الخيال لا من التّاريخ لكونها لا تمتّ للواقع بصلة هذه الحقبة الخياليّة تشبه الأراجيح التي تقوم العفاريت بهزّها وهذا يشير إلى واقع مهزوز متعلّق بظلّام يتحكّمون بمصائر الشّعب وبحياتهم وبأمنهم وبقوتهم ويجعلونهم يشعرون بالهلع والجزع دائما لأنّ مصائرهم في يد من لا يرحم.
    وهنا أيضا نرى ما للصّورة من وقع وأثر في تحفيز المخيّلة والرّبط بين فحوى البيت ومشاهد الحياة التي نعيشها.

    رِحلَةُ العُمرِ فِـي الحَيـاةِ شـرارٌ
    فـاتِّـقـادٌ فَـوَمـضَـةٌ فَـخُـفُـوتُ

    وهنا نراه يستخلص عبرة وحكمة بخصوص حياة الإنسان عبر تشبيه بليغ عميق الأثر فرحلة عمره ما هي إلّا شرارة بسيطة تتطاير من موقد تتّقد نرى وميضها ومن ثمّ تخبو خلال فترة بسيطة جدا، وحياتنا هي كذلك مهما طالت فهي قصيرة وواهية تخبو سريعا ولأتفه الأسباب ويغدو الإنسان في لحظة نسيًا منسيّا بعد أن كان يركض كالوحوش في أزقّة الحياة لتأمين متطلّبات عيشه.

    خَسَأَ الكِبـرُ عِندَمـا اختـالَ تِيهًـا
    وَ تَــرَدَّى بِظُلـمِـهِ الـجَـبَـرُوتُ

    وهنا أيضا بوظّف التأنيس لتعميق الفكرة ولرسم صورة نابضة حيّة تجسّد فكرته فهو يقصد اولئك الذين يتحكّمون بمصائر الشّعوب ويسيرون في الأرض تيها وعنجهيّةً ظنّا منهم أنّهم سيخلدون في الأرض بجبروتهم وقسوتهم وظلمهم في حين يتناسون ما ينتظرهم في آخرتهم وبأنّ الموت مهما تأخّر عنهم سيكون لهم بالمرصاد ليحمل أرواحهم المنغمسة بالخطايا إلى بارئها.

    لا يُعِيـدُ العَقِيـقُ نُـضـرَةَ جِـيـدٍ
    أَو يُــداوي غُضُـونَـهُ اليـاقُـوت

    وهو هنا يكمل حديثه ونصحه لأولئك المتغطرسين بأنّ أقنعتهم وثيابهم وأملاكهم وكنوزهم لن تغني عن جمال أرواحهم ونضرتها فالجمال الحقيقيّ لا يكون إلّا بسموّ الرّوح والفكر وعندما ينغمس هذا الفكر في مستنقعات الظّلم والعنجهيّة لن تجمّلهم في عيون النّاس يواقيتهم وحجارهم الكريمة وسلطتهم ونفوذهم ولن تزيدهم حبّا وتقرّبا من البشر.


    سِمَـةُ الوَقـتِ أَنَّـهُ فِــي زَوال
    وَالمَقادِيرُ فِـي المَصِيـرِ ثُبُـوتُ

    وهنا نرى حكمة أخرى استخلصها الشّاعر وهي أنّ الزّمن يمضي بنا نحو نهاياته فالسّاعة آتية لا ريب فيها وحياتنا مهما طالت ستكون لها نهاية وحدها أقدارنا التي وضعها لنا الخالق عزّ وجلّ هي الرّاسخة الباقية لذلك علينا ألّا نغترّ بقوّتنا وبنفوذنا وأن نحاول أن نترك أثرا طيّبا بأعمالنا الصّالحة لتكون أقدارنا رائعة كأعمالنا الصّالحة في حياتنا الدّنيا.


    فَعِشِ العُمـرَ بِالرِّضَـى وَيكَأَلَّـمْ
    يَرقُـبِ العُمـرُ وَقتَـهُ إِذْ يَـفُـوتُ

    وهنا أيضا حكمة أخرى ونصيحة راقية حيث ينصح الإنسان بأن يرضى بما هو مقدّر له في عيشه، فالرّضا بما نعيشه من ظروف يضمن لنا السّعادة في الحياة، وذلك لأنّ طموحاتنا لن تقودنا إلى اليأس والفشل عندها ولن تكون الحياة مجرّد رحلة انتظار لتحقيق أمور لن تتحقّق أبدا ولن ننالها ما حيينا.

    وَابـنِ بِالحُـبِّ وَالـمَـوَدَّةِ بَيـتًـا
    أَوهَنُ الدُّورِ ما بَنَـى العَنكَبُـوتُ

    وهنا القفلة وبيت القصيد ونراه يعمّق صورتها بالرّموز بأسلوب التّشبيه، فبالرّضا بما قدّره الله وكتبه علينا وبالمحبّة التي نزرعها في قلوب النّاس لنا بما نقدّمه لهم من عمل صالح واهتمام سنبني بيوتا تكون لنا سعادة في هذه الدّنيا وأمنا، هذه البيوت التي قوامها المحبّة هي من أقوى البيوت لكون العلاقات التي تجمع أهلها قويّة راسخة في حين حياة من يبطش ويزرع في قلوب النّاس الرّعب ستكون واهية تماما كبيوت العنكبوت لأنّ ما بني على باطل فهو متبّر ولن يجد صاحبه من الله معينا ولا ناصرا

    قصيدة ملؤها الحكمة والموعظة، رسمت صورها ولوحاتها ببراعة لنراها تنبض أمامنا ونعيش تفاصيلها، وليأخذنا الخيال لنشارك شاعرنا رؤيته ولنتذوّق ثمار تجربته واستنتاجاته من تجارب عيشه

    دمت مبدعا أستاذنا ودام فكرك نيّرا متألّقا.



  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 18,548
    المواضيع : 266
    الردود : 18548
    المعدل اليومي : 5.00

    افتراضي

    قصيدة ملؤها الحكمة والموعظة، رسمت صورها ولوحاتها ببراعة لنراها تنبض أمامنا ونعيش تفاصيلها، وليأخذنا الخيال لنشارك شاعرنا رؤيته ولنتذوّق ثمار تجربته واستنتاجاته من تجارب عيشه

    دمت مبدعا أستاذنا ودام فكرك نيّرا متألّقا.
    وما أروع هذه الرؤية النقدية المميزة ـ وهذه القدرة على التحليل والتصوير
    والتأمل بعين نقدية متمكنة.
    شكرا لك عزيزتي على قراءة ساعدتنا على التعمق في فهم هذا النص الرائع
    دمت بارعة ومبدعة.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي