أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: نفس العاشق

  1. #1
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 56
    المشاركات : 40,552
    المواضيع : 1094
    الردود : 40552
    المعدل اليومي : 6.23

    افتراضي في شرفة الذكريات

    (27)




    تَهَادَي المَسَاءُ حَالِمَاً فِي يَومٍ رَبِيعِيٍّ جَمِيْلٍ. كَانَتْ نَسَائِمُ الأَصِيلِ تَحْمِلُ رِسَالَةً مُقْتَضَبَةً مِنْ بِرْدِ الشَّمَالِ تَنْتَعِشُ مِنْ نَفْحَتِهَا النُّفُوسُ ، وَتَسْتَدْفِئُ مِنْ لَفْحَتِهَا الجَوَارِحُ.

    جَلَسْتُ فِي شُرْفَةِ الذِّكْرَيَاتِ أَتَأَمَّلُ عُيُونَ النَّهَارِ تُغْمِضُ أَجْفَانَهَا فِي هُدُوءٍ وَدَعَةٍ ، وَتَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ نَظَرَاتٍ مُوَدِّعَةً تَنْتَشِرُ فِي الأُفُقِ سُكُونَاً وَشُجُونَاً. خُطُوطُ الشَّفَقِ رَسَمَتْ حَرَارَةَ الوَدَاعِ حُمْرَةً عَلَى خَدِّ السَّمَاءِ عَرُوسَاً تَتَزَيَّنُ لِلقَمَرِ. وَأَقْبَلَ الغَسَقُ يَفْرِدُ خُصُلاتِ الشَّعَرِ الفَاحِمِ عَلَى جِيْدِ اللَّيلِ إِلا مِنْ دُرَرٍ تَتَلأَلأُ عَلَى مَفْرِقِهِ نُجُومَاً مُضِيْئَةً وَكَوَاكِبَ.

    كُلُّ شَيْءٍ حَالِمٌ وَادِعٌ أَنِيقٌ يَحْمِلُكِ إِلَيَّ طَيْفَاً بِعِطْرِ الرُّوحِ. جَلَسْتِ إِلَى جِوَارِي تُقَدِّمِينَ قَهْوَةَ المَسَاءِ التِي تُحِبِّينَ أَنْ أُشَارِكُكِ رَشْفَهَا. فِنْجَانٌ وَاحِدٌ وَإِبْرِيْقَانِ ؛ فَاللَّيلُ سَيَطُولُ. أَرْتَشِفُ فَتَرْتَشِفِينَ ، وَتَبْتَسِمِينَ فَأَبْتَسِمُ. كَانَتْ العَصَافِيرُ المُهَاجِرَةُ تَعُودُ إِلَى أَوْكَارِهَا مُغَرِّدَةً بِسَعَادَةِ الإِيَابِ تَمْنَحُكِ السَّعَادَةَ وَتُلْهِمُنِي الحَدِيْثَ.

    أَيَا حَبِيبَةً أَثْمَلَتْ بِالطُّهْرِ فُؤَادِي ، وَأَكْمَلَتْ بِالصِّدْقِ سَدَادِي ، وَأَرْكَضَتْ بِالخَيرِ جَوَادِى ، وَأَسْرَجَتْ بِالطُّمُوحِ مِدَادِي. مَا أَنْتِ إِلا بَهْجَةُ النَّفْسِ وَسَكَنُ الخَاطِرِ. كُلَّمَا جَلَسْتُ إِلَيكِ وَقَدْ تَدَفَّقَ الحَدِيْثُ مِنْ ثَغْرِكِ نَغَمَاتِ جَرْسٍ نُورَانِيٍّ ، وَسَلْسَبِيْلاً مِنْ حُلْوِ هَمْسِكِ ، تُضَاءُ جَوَانِحِي بِقَبَسِ مَشَاعِرَكِ الدُّرِّيَةِ ، وَتَشْتَعِلُ رُوحِي بِحَرَارَةِ رُوْحِكِ تَنْشُرُ فِي القَلْبِ الدِّفْءَ وَالسَّنَاءِ. عَذْبَةٌ أَنْتِ ، نَقِيٌّ وِرْدُكِ ، عَابِقٌ وَرْدُكِ ، صَفْوٌ وُدُّكِ ، وَفِيرٌ نَبْعُكِ ، زُلالٌ مَاؤُكِ ، جَمَالٌ وَجْهُكِ ، سَدِيدٌ رَأْيُكِ ، جَدِيْدٌ حُبُّكِ ، رَقِيْقٌ قُرْبُكِ ، وَثِيقٌ عَهْدُكِ.

    يَنْتَصِفُ اللَيْلُ وَتَدْنُو النَُجُومُ تُلْقِي السَّمْعَ لِلنَّجْوَى فَتَتَعَانَقَ فِي الفَضَاءِ ، وَتَقَبِّلَ ثَغْرَ البَّهْجَةِ الصَّاعِدَةِ إِلَى هُنَاكِ ، وَتَبْتَسِمُ تَنْظُرُ إِلَى قَلْبَينِ أَمْسَيَا بِالعِشْقِ قَلْبَاً وَاحِدَاً ، ولسَانَاً وَاحِدَاً يُسَبِّحُ فِي أَذْكَارِهِ المُنْعِمَ العَظِيْمَ. يَلُفُّ الصَّمْتُ المَكَانَ فَجْأَةُ. تَتَلَفَّتُ النُّجُومُ الرَّاقِصَةُ فِي فُضُولٍ ، تَدْنُو ثُمَّ تَدْنُو فَتَبْتَسِمَ فِي هُدُوءٍ ، ثُمَّ تَنْسُجُ مِنْ نُوْرِهَا دِثَارَاً تُغَطِّي بِهِ العَاشِقَيْنِ النَّائِمَينِ عَلَى الأَرِيْكَةِ فِي شُرْفَةِ الذِّكْرَيَاتِ.





    تحياتي وتقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 56
    المشاركات : 40,552
    المواضيع : 1094
    الردود : 40552
    المعدل اليومي : 6.23

    افتراضي نفس العاشق

    (29)


    قَرْبَ الغَدِيْرِ جَلَسْتُ وَحْدِي، هُنَاكَ حَيْثُ تَفَتَّقَتِ الأَكْمَامُ وَتَعَانَقَتِ الآجَامُ وَتَوَدَّدَتِ الخَمَائِلُ بِظِلالٍ حَانِيَةٍ. كَانَتْ خُيُوطُ الشَّمْسِ الوَاهِيَةِ تَنْسُجُ فِي الأُفُقِ رِدَاءَ الأَصِيْلِ الهَادِئَ هُدُوءَ ابْتِسَامَتَكِ، الحَالِمَ بِلَونِ شِفَاهِكِ. وَخَلْفَ تِلْكَ الرَّابِيَةِ يَمْتَدَّ بِسَاطُ الرَّبِيعِ أَخْضَرَ مُخْمَلِيَّاً يَحْتَفِي بِظِبَاءٍ نَافِرَةٍ فِي البَعِيْدِ. زَقْزَقَاتُ العَصَافِيْرَ المَسَائِيَةِ تُطْرِبُنِي دَوْمَاً وَتُغْرِي أُذُنِي بِالإِنْصَاتِ مَلِيَّاً، بَلْ وَتَأْمُرُ الجَوَارِحَ، كُلَّ الجَوَارِحَ، أَنْ تَسْتَكِينَ. كَانَتْ تُغَرِّدُ -كَمَا عَادَتِهَا- بِلَحْنٍ مُشْرَئِبٍ رَقِيقٍ؛ مُوْغِلٍ فِي الزَّمَنِ مُقْبِلٍ بِالشَّجَنِ حَنُونٍ. كُلَّمَا أَصَخْتُ لَهُ سَمْعاً حَمَلَنِي التَّغْرِيدُ مَعْ رَجْعِهِ السَّاحِرِ مُحَلِّقَاً إِلَى حَيْثُ لا زَمَانَ وَلا مَكَانَ. وَكُلَّمَا أَطْرَبَنِي الشَّجَنُ وَهَزَّنِي الشَّوْقُ وَأَخَذَنِي البَّهَاءُ أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ كَي أَرَاكِ فَتُشَارِكِيْنَنِي هَذَا الجَمَالَ السَّرْمَدِيِّ صِنْعَةَ خَالِقٍ مُبْدِعٍ.

    بَدَأَ حَدِيثُ العَصَافِيرَ عَنْكِ يَخْفُتُ كَأَنَّهَا أَشْفَقَتْ عَلَى قَلْبِي المُتَلَهِّفِ المُتَّأَوِّهِ. الصَّمْتُ يَتَسَلَّلُ إِلَى المَكَانِ بِمَهَارَةٍ وثِقَةٍ يَنْطِقُ بِالرَّهْبَةِ وَيَعْبُقُ بِالسُّكُونِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّأَمُّلِ. لا أَحَدَ سِوَايَ هُنَاكِ عَلَى ضَفَّةِ الغَدِيرِ، لا أَحَدَ. حَتَّى بَقَايَا الشَّمْسِ الدَّافِئَةِ ذَهَبَتْ خَلْفَ الأَكَمَةِ تَتَأَمَّلُ تِلكَ الظِّبَاءُ التِّي كَانَتْ لا تَزالُ تَتَنَقَّلُ فِي رَشَاقَةٍ وَرِقَّةٍ عَلَى بَسَاطِهَا الخَصْبِ فِي طَرِيقِهَا إِلَى حَيْثُ السَّكِيْنَةِ. وَقَبْلَ أَنْ تُرْخِي الشَّمْسُ أَجْفَانَهَا نَظَرَتْ إِلَيِّ نَظْرَةً أَخِيرَةً بَعَثَتْ فِي جَسَدِي القَلِيْلَ مِنَ الدِّفْءِ وَالكَثِيرَ مِنَ الأَمَلِ.

    هِيَ إِذَاً تَخْتَصِرُ يَومَاً مِنَ المَسَافَةِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ، وَتَغْفُو لِتَسْتَيِقِظَ عَلَى فَجْرٍ جَدِيدٍ لا غَبَشَ فِيْهِ وَلا كَدَرَ؛ فَجْرٍ نَمْسَحُ فِيْهِ غَسَقَ العَتَبِ وَغَلَسَ المَشَاعِرْ. الصَّفْحُ مُقْبِلاً، وَالعَفْوُ مُقَبِّلا، وَأَيْدٍ تَمْتَدُّ بِشَوقٍ مِنْ جَدِيدٍ. هِيَ ذَاتُ الأَيْدِي التِي تَكْتُبُ أَنَامِلُهَا الرَّجْفَةَ كُلَّمَا بَحَثَتْ لَكِ عَنْ أَكَالِيْلَ حُرُوفٍ اليَاسَمِينِ تُطَوِّقُ بِهَا جِيْدِكِ ، وَتُعَطِّرُ بِهَا أَنْفَاسَكِ.

    يَا لَهَا مِنْ نَفْسٍ عَجِيْبَةٍ نَفْسُ العَاشِقِ، يُسَابِقُ عَفْوُهَا عَتَبَهَا، وَيُلاحِقُ صَفْحُهَا غَضَبَهَا، وَلا تَزَالُ فَي أَوْبَةٍ وَتَلاقِ، وَهَجْرٍ وَاشْتِيَاقٍ، وَالتِقَاءٍ وَافْتِرَاقٍ مَا نَبَضَ فِي صَدْرِهَا خَافِقٌ وَدَامَ فِي الكَونِ مِنْهُمْ عَاشِقٌ. كَأَنِّي بِنَفْسِ العَاشِقِ لا يَقَرُّ لَهَا قَرَارٌ فَتَظَلُّ تَتَقَلَّبُ فِي حَالاتِهَا لا تَسْتَكِينُ إِلا إِلَى الصَّدْرِ المُؤَسِّي وَالقَلْبِ المُحِبِّ وَالدِّفْءِ المُشِعِّ مِنْ عَيْنِ الحَبِيْبِ.

    غَالِيَتِي، هَلْ أَسُوقُ إِلَيكِ اعْتِذَارِي؟



    تحياتي وتقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي