أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة جهاد بدران لنص/ هزيمة/ عبد السلام دغمش

  1. #1
    الصورة الرمزية جهاد بدران شاعرة وناقدة
    تاريخ التسجيل : Jun 2019
    المشاركات : 557
    المواضيع : 31
    الردود : 557
    المعدل اليومي : 1.12

    افتراضي قراءة جهاد بدران لنص/ هزيمة/ عبد السلام دغمش

    النص: هزيمة /ق.ق.ج/
    الناص: عبد السلام دغمش
    القراءة: جهاد بدران
    .........................
    النص:
    هزيــمة

    كانَ قدْ ترك فُـرجةً في شبّاكِ مركبتهِ بينما كانَ يجولُ في يوم إجازة..
    أبطأ السيرَ عندما اقتربَ من سلّة مهملاتٍ ملقاةٍ على قارعةِ الطريق.. ذبابةٌ لعينةٌ تسلّلتْ إلى حُجرةِ المركبة ، ما لبثتْ تطنُّ حول أذنيه ..حاولَ جاهداً أنْ يُخرجها مُلوّحاً بيديه حتّى يئـسْ ، سكـنَ قليلاً .. أدارَ قرص المذياع على نغمةٍ هادئة .. بسطَ إليها راحةَ يده ، أخذ يميلُ برأسهِ متناغماً ما بين طنينها والعـزف.. بدأ الآن بالغناء ، هــزّ رأسه طرباً بينما حطّت الذبابةُ على رأسـه ..
    بعد ساعتين وجدَ نفسهُ وقد عاد بمركبتهِ إلى لقربِ منْ سلة المهملات ، مُشرعًـا نوافذَهـا !
    ..............................
    القراءة:
    هزيــمة

    من خلال العنوان/هزيمة/يأخذنا الفكر لنواحي الضعف ونفاذ عملية الصبر، لأن الهزيمة تقع من خلال نفاذ وسائل التفكير وانتهاء الإرادة والصبر، لتبدأ مراسيم الضعف بالتأقلم مع الواقع المفروض، وتعلن الهزيمة تنصيبها على رأس الإرادة.. وبما أن العنوان لم يرتدي حلّة أل التعريف، هذا يعني انفتاحه على أكثر من زاوية بحث وتأويل، وأكثر من تفسير نشحن به الفكر لتشريح النص وفق مخيال كل متلقي لهذه اللوحة الإبداعية، بمعنى اتساع مدارك التحليل بطرق متعددة مما يكسبها حرية التشريح كلٌّ وفق قدرات ذهنه واتساع أفق تفكيره..

    الكاتب يبدأ قصته بقوله:

    /كانَ قدْ ترك فُـرجةً في شبّاكِ مركبتهِ بينما كانَ يجولُ في يوم إجازة../

    الفرجة هنا هي عملية التنفس لدى صاحب المركبة، وتغيير مجرى الهواء لهواء الطبيعة النقي، خاصة وأنه يتجول فيها في يوم إجازته، بما أنه يتجول، هذا يعني أنه يبحث عن مكان لطيف جميل يغذي به روحه للتخلص من عبء العمل والحياة.
    وبما أن الكاتب استعمل فعلين ماضيين متتابعين/كانَ قدْ ترك/يدل على فترة زمنية لا بأس بها، كانت سبباً في ولادة الحدث عن دخول الذبابة من هذه الفرجة.. ثم استعمال الفعل/ ترك/ يجعلنا نقف لفحواه ونتأمل محتواه، لأن عملية ترْك أمر ما، يسوقنا بشكل تلقائي لعدم العناية والرقابة والحرص، مما يؤدي لهجوم ما لا يُحمد عقباه، وعملية الترْك هذه هي بؤرة الحدث، والسبب في تطور الأحداث نتيجة عدم الرعاية وترك الأمور دون وجهة ضابط يضبط ما يمكن أن يتسرب منها ما يسبب الازعاج أو التلويث أو امتداد الزحف البطيء للغير أن يعكّر صفو الأجواء باختلاف أجناسها وأحداثها ومسمياتها.
    لذلك من خلال هذا الفعل الماضي/ ترك/ يجعلنا ندرك أهمية اختيار وانتقاء الألفاظ بدقة، كلٌّ بمكانه الصحيح الذي يعبّر عن أبعاد ذلك وما يحمل من اتساع للخيال وبناءً للأحداث.
    فهذا الفعل يجعلنا ندرك عملية الإهمال لأي أمر والتي تؤدي في النهاية للهزيمة، نتيجة عدم وضع ضوابط تقي هذا الإهمال وترك الأمور مشرعة دون عناية أو اهتمام...


    /أبطأ السيرَ عندما اقتربَ من سلّة مهملاتٍ ملقاةٍ على قارعةِ الطريق../

    عملية الإبطاء تدل على وجود حدث ما، سبّب له هذه العملية والتي كانت سبب إزعاج قادته للتوقف وعدم السير براحته، ثم إن اقترابه من سلة المهملات لها دلالة تشير للعامل المثير للقاذورات والذي يصدر منه من يحمل هذه الأوساخ، ألا وهي الذبابة، وتدل على الشيء القذر الذي يمكن له أن يكون محل ضيق وازعاج، بالرغم من صغر حجمه..
    السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أبطأ سيره عند اقترابه من سلة المهملات؟!
    هل هو كناية عن تعبير ما يريدنا الكاتب أن نصل له؟ أو أنه يريد أن نصل لحكمة معينة وعبرة نستخلصها من القاذورات؟
    لذلك ندرك أن الكاتب أرادنا أن نعيش في خيال نستخلص منه دروساً من خلال ذلك وربطها بالواقع المعاش اليوم..
    وهو عندما نمكث ولو قليلاً في مكان القاذورات، كناية عن الاقتراب من الأعمال القذرة المشينة، أو الاقتراب من الفساد وأهل السوء، وكيف يمكن أن يكون التقرب منهم له تأثير كبير في تغيير الطباع الإنسانية، وإن لم تُغير فينا شيء فإنها تسيطر على النفوس بشكل تدريجي وببطء حتى تخضع النفس للمتغيرات الموجودة مهما بلغت من مقاومة وكراهية وتحدي لهذا المتغيّر الجديد، وهذه هي طباع الإنسان المجبولة على القوة والضعف، وكيف ينجرف الإنسان في منزلقات الحياة ليصبح بعد مقاومة كبيرة في تعايش تام مع تلك الأزمة الراهنة..
    نرى أن هذه الحياة مليئة بالمهملات والقاذورات، طالما انتُزعت منها ما كان لله فيها.. وكل إنسان يقاوم السوء بقدر إيمانه واستطاعته..لكن عندما يفقد إرادته، ويضعف أمام قوة الآخر، يبدأ بعملية التنازل عن مبادئه ومعتقداته، ويبدأ بشكل تدريجي في الانغماس في الواقع المفروض، وحتى في النهاية يفقد روح المقاومة ويصبح جزء من هذا الواقع المفروض..وهذا ما يعرضه الكاتب كمثل من الأمثال عن هذه الذبابةليوصلنا لفهم وإدراك تسلل العدو أو الفساد لمكان ما، وتوضيح عملية التأقلم بإرادة صاحبها وبكامل مسؤوليته..
    يكمل الكاتب شرح عملية الخضوع للواقع المتغير، وكيفية التعايش معه وهو في كامل إرادته..يقول:

    /ذبابةٌ لعينةٌ تسلّلتْ إلى حُجرةِ المركبة ، ما لبثتْ تطنُّ حول أذنيه../

    لو افترضنا كتشبيه قابل للتحليل والتفكير، بأن هذه الذبابة اللعينة، كعامل تركيع ومدسوس للشعوب عند فرضها لقوانين تخدم مصالحها أو ممارستها للظلم، أو بثّ مبادئ تغيير للسيطرة وقزع إرادة الشعوب، فإنها تقوم بطرق متعددة ومتكررة لغرس سمومهم في عقول الأفراد حتى يصلوا لمرحلة ضعف للمقاومة والاستسلام التام لما يبثونه..
    فالذبابة هنا هي عامل يلوّث المكان الطبيعي، وينشر الازعاج دون ملل أو كلل..حتى الرضوخ التام..وهذه قياسا على سياسات الغرباء حين يتسلّلون بأفكار غريبة غربية وأعمال مشينة تشي بإضعاف الأمة والشعوب كي يتحقق سيطرتهم وتوليهم سدة الحكم بأنيابهم الخبيثة... وهكذا هو المحتل الصهيوني أو أي عدو يدخل بلاداً غير بلاده، ويبدأ بتدنيسها، كالذباب، يدخل كل مكان ويحمل القاذورات لنشرها ونشر الفساد، بخيث لا يحمل معه خيراً قط، بل كله وباء يفرضه على الشعوب للاستسلام والرضى بالواقع الراهن...
    /ما لبثتْ تطنُّ حول أذنيه/
    الكاتب استخدم فعل المضارع/تطنّ/ ليدل على عملية استمرار هذا الطنين، والذي هو مصدر إزعاج قوي لتستولي على الإرادة حتى تصل لدرجة لا تطاق، ثم يكون الاستسلام بعد ذلك مباشرة، فهذا الصوت كطريقة للسيطرة على النفوس وإضعافها في المقاومة، بمعنى التلاعب على الفكر والحالة النفسية للفرد..

    /حاولَ جاهداً أنْ يُخرجها مُلوّحاً بيديه حتّى يئـسْ ، سكـنَ قليلاً /..

    فاليأس يأتي بعد محاولات كثيرة من التحدي والتصدي حتى تنفذ الطاقات وتضعف العزيمة، بينما مع الإنسان الذي يتسلح بالإيمان القوي والمجاهدة المبنية على قناعة بوعد الله ورضاه، لن يضعف المؤمن ولن يصل لأذيال اليأس والكفر بالتصدي والإرادة..وهذه الإرادة تحتاج لشحن من جديد كلما فترت، ولن تكون إلا بالجماعة والتعاضد والتكاتف لإبادة هذه القاذورات ورشها بقوة أكبر وأعظم..
    وحين يتم الاستسلام التام، تبدأ عملية الرضوخ وقبول المتغيرات برحابة صدر وتعايش منخرط مع كل جديد مفروض..لذلك تصبح النتيجة كالتالي:

    /أدارَ قرص المذياع على نغمةٍ هادئة .. بسطَ إليها راحةَ يده ، أخذ يميلُ برأسهِ متناغماً ما بين طنينها والعـزف.. بدأ الآن بالغناء ، هــزّ رأسه طرباً بينما حطّت الذبابةُ على رأسـه ../

    من الطبيعي بعد عملية الفشل في التصدي، أن يقوم هو بالانخراط مع عوامل التغيير التي حصلت، ويكون هو الذي يمارس هذا الانخراط /أدارَ قرص المذياع/ قمة الاستسلام وقد حطت الذبابة على رأسه...

    /بعد ساعتين وجدَ نفسهُ وقد عاد بمركبتهِ إلى القربِ منْ سلة المهملات ، مُشرعًـا نوافذَهـا !/
    وهنا انتهت مرحلة المقاومة بانتصار الهزيمة، وبدأت مراسيم الاحتلال تنخر جسد الشعوب وتعيث في الأرض الفساد، وقد تهاوت إرادة الشعوب مع التنازل عن الحقوق...
    وهذه هي صورة مصغرة عن هزيمة الشعوب أمام إلحاح العدو بنشر أفكاره ومبادئه، للوصول لمبتغاه من الفساد..

    عملية الهزيمة تنقلنا إلى بؤرة واسعة قد تعششت بين جدران أمتنا المهزومة، وهذا قياساً دقيقاً جداً لو استعملنا أدوات القياس هذه بمشرط دقيق حول ظاهرة التخاذل والصمت العربي وسياسة الحكام التي ينتهجونها مع المواطن العربي كي يقع في دائرة الهزيمة ويعتاد على تضاريسها دون مقاومة ودون استعمال القوة لردعها، ليصبح المواطن العربي قد تشرّب التخدير واعتاد على سيطرة الحكام عليه...
    إذ ينتهجون هذه السياسة بالتكرار المكثف أو عن طريق السيطرة على العقول الكبيرة أصحاب الفكر الناتج للحياة بكل مضامينها، وأصحاب العقول المفكرة التي تشكّل خطراً عليهم، بغسلها بأفكارهم وأساليب حياتهم، لتغيير نمط تفكيرهم وفق أيدلوجيتهم التي تخدم مصالحهم وتزيد قوتهم، حتى يعتاد عليها المواطن وتصبح بعد ذلك عادة مشروعة في سلوكه وتصرفاته، ليصبح تحت نصل الهزيمة..
    والأمثال على ذلك كثيرة، منها تلك الثورات وحملات المقاومة التي ينتهجها الشعب ليفرّغ طاقة الضغط التي يعيشها. الحكم الظالم الذي يرزخ تحته، عن طريق الثورة والصوت العالي الحر، وبالمقابل فالحكام تبدأ بكسر هذه الثورات عن طريق تركيع الشعوب، بالإعدام والقتل والسجن وممارسة التعذيب بكل أصنافه، وتجويع الناس وانتهاك حرماتهم وأعراضهم، للاستسلام التام لجبروت الحكام والقادة حتى لا ترفع أصواتهم ويرضخوا للأمر الواقع، بمعنى تقبّل الهزيمة برحابة صدر وانبساط خوف تعرضهم لألوان العذاب أو القهر والتعذيب.. ليصل لقمة الهزيمة، لقول الكاتب:
    /وقد عاد بمركبتهِ إلى القربِ منْ سلة المهملات ، مُشرعًـا نوافذَهـا !/
    وهذه قمة الاستسلام والرضوخ والرضى بالواقع المفروض تحت نصْل الضعف وانكسار الإرادة..

    الشاعر الكبير والأديب البارع
    أ.عبد السلام دغمش
    جزاكم الله خيراً على هذه اللوحة الفنية التي رتّبتم حروفها وفق منظومة متسلسلة بطريقة ذكية، وبإتقان مُحْكم يدلّ على قدرتكم في خلق هالات الجمال.
    وفقكم الله وأنار دربكم بصالح الأعمال
    وزادكم علماً وخيراً كثيراً..
    .
    .
    .
    .
    .
    جهاد بدران
    فلسطينية

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 15,246
    المواضيع : 203
    الردود : 15246
    المعدل اليومي : 5.09

    افتراضي

    رصد فلسفي تأملي عميق لقصة ناضجة فنيا تميزت بلغتها وبلاغة تعبيراتها
    قراءة نقدية رائعة سلطت الضوء على خفايا القصة ـ وفصلت وشرحت ما بين السطور
    بحاسة الناقدة المتذوقة الفطنة.
    شكرا جهاد على الجهود المثمرة التي تماهت مع النص لتخرج لنا رؤية
    في غاية الجمال والروعة لقصة بديعة.
    بارك الله فيكما على ما امتعتمانا به ـ ولكما تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي