13 ـــ قصة: أنا / للكاتب: بهجت الرشيد /العراق
قراءة تحليلية لقصة "أنا" تحت عنوان: صناعة الحياة بين البحث عن الذات ورحلة الوعي
قصة: أنا
قال لي من أنت؟
بسطتُ أمامهُ خارطة العالم.. برّه وبحره، سهوله وجباله ..
ثم رسمت فوقها.. مهدا .. ثم لحدا !
1 ـــ دلالة العنوان / أنا.../
فأول ما يواجه القارئ هوالعنوان: بوابة النص /أنا .../فالعنوان يحتل إشكالية قد تتعدد مستويات التأويل فيه. فما الداعي الذي يدعو الأديب إلى اللجوء إلى وسم عتبة بضمير المتكلم؟ فهل يؤكد على اختيار الرؤية التي سوف يستعملها في إنتاجه الإبداعي؟ هل يتوخى من هذا العنوان أن يكون شديد الأثر الذي يود تحقيقه في وجدان المتلقي؟ فهل يبحث عن التأثير الخاص الذي يرغب في إيجاده في نفسية قارئه؟ أم يتساءل مجازا عن هويته؟ كأنه يريد أن يقول: من أنا؟، وما الذي يجعلني أنا "أنا؟" وما الذي يجعلك أنت أنت؟. فكلمة "أنا.." تداولت كثيرا في المذهب الفلسفي، والتي عرفوها اختزالا ب "بالتمركز على الذات". فهل الكاتب يتحدث عن نفسه؟ أم أسند المهمة لراو يتقمص شخصيته؟ فلماذا لم ينه السارد عنوانه بنقط الحذف، مع غياب نقطة النهاية."أنا". نقط الحذف(... ) تخلى عنها السارد، فأحل محلها بياضا يدل على الحذف والإضمار، مما يحفز القارئ على التساؤل، وملء الفجوات المسكوت عنها.
2 ـــ القصدية الغائبة
فهل هذا المعنى هو الذي يقصده الكاتب " البحث عن الهوية"، أو "البحث عن الذات"؟. فلا يمكن أن نسأل المبدع عما قصد إليه ب"أنا" قبل البدء بقراءة النص، فقد يجيء النص بشيء مختلف.
يقول الدكتور عبد العزيز حمودة: "فالمنهج العملي للنقد التحليلي أو النقد الجديد، الذي يركز على دراسة النص من داخله، وفي عزلة، ليس عن المؤلف وقصده فقط، بل عن السياقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة"(1)
فهل للنص سياقات تاريخية وثقافية دعته أن يراكمها في القصة؟ أم سياقات نفسية واجتماعية دفعته لبناء قصة تختزل الحياة، ونتساءل عن معناها المشترك والمختلف. فالصوت الذي يتكلم ب "أنا" ليس صوت الكاتب، وإنما صوت الشخص الذي يوجد في العنوان الموازي لدلالة النص ومضمونه، أي وجود معنى ما، يحاول النص أن يوصله للمتلقي.

3 ــــ تحليل النص، ماذا يقول النص؟
أنا /عنوان يمكن اعتباره مستقلا بمعنى ما، لكنه يشكل جزءا من مضمون النص، "أنا "يحمل في طياته سؤالا مجازيا، قد لا يتطلب جوابا. فالاستفهام وعلامته شملهما الإضمار."من أنا...؟ من أكون؟ هل أنا موجود؟ لي اسم، لقب، لي روح ونفس، ولي شخصية هي شخصيتي. إذن من أنا؟ يعتبر سؤال "من أنا؟" من الأسئلة الوجودية التي ترافق كل واحد منا، أينما حل و ارتحل. فهل الإجابة عليه هو الاسم والعنوان والانتماء إلى أسرة ما، داخل وطن معروف؟ هل لي هوية؟ هل هويتي مثبتة من خلال البنية المادية والصورة الجسمية؟
قال لي من أنت؟/ " قال لي، "جملة فعلية مبدوءة بالفعل الماضي. "قال" فعل يدل على حصول الشيء في الماضي، فزمن قول السؤال "من أنت؟" غير محدد بتاريخ معين، وإن كان يجري في الماضي، فالحوار يجري بين اثنين، بين السارد والأخر، عن طريق أداة الاستفهام للعاقل،"من"، هو سؤال مستفز. فالسارد فوجئ بهذا السؤال الذي يفترض أن يجيب عنه، ويعرف بنفسه، لما سمع منه وهو يقول"أنا...؟". أهو الاعتزاز بالأنا؟ أهو مختلف عن الآخر؟ أهو التعالي عن الغير؟ فرغم غموض المقصود، أحس السامع أن هذا الخطاب فيه استفزاز له، لذلك سارع بالرد عن طريق طرح السؤال،"من أنت؟". فالسارد نقل السؤال من خلال القول: "قال لي" دون أن يبين العلاقة التي تربطه بالآخر، من هو؟ من يكون؟ كما أنه لم يؤشر على مظهره الخارجي، وحالته الاجتماعية والمادية والثقافية. فالسارد يقدم الخبر كما وقع في الماضي، وبين وقوع حدث هذا الحوار وسرده زمن غير محدد. ومثل هذه الأسئلة "من أنا" و"من أنت" تطرح في كل زمن ومكان. وهي متداولة بين جميع الناس كأسئلة عفوية، فتكون الإجابة سهلة ومألوفة، وخالية من الدهشة والحيرة. "من أنت؟"، سؤال قد لا يحدث استغرابا واستنكارا لدى السارد، فهو يعلم جيدا أن مثل هذا السؤال هو مقدمة للتعارف والتواصل، فينساب جوابه الفوري التلقائي على لسانه، ليجيب: أنا فلان ... وُلدت في هذا المكان، وولد فيه أبي وأمي، وهذه قريتي أو مدينتي، وأنا أنتمي إلى وطني.. !
4 ـــ جدلية المعنى الظاهر والمعنى الخفي
فالسائل الذي طرح السؤال، "من أنت؟" لا يريد أي شيء من السارد، ولكنه يقوم بتوصيله معاني كثيرة كالتعجب، أو التنبيه لأمر ما، أو تحذيره من قول "أنا.."الذي يدخل في عمق الفلسفة بعيدا أو قريبا عن الأصل والفصل والمكان... كأنه يقول: من أنت؟ ومن تكون لكي تقول "أنا..." فالسامع يريد أن يجر السارد إلى الدخول معه في حوار فلسفي. فالسؤال:" من أنت؟" يحتمل معنيين: المعنى الظاهر، والمعنى الباطن وهو الذي يسكن السؤال. الأول سطحي ظاهر، والثاني عميق وخفي، ينحو نحو الخطابات الفلسفية والإبداعية، خاصة من حيث امتداداتها المتعلقة بسؤال المعنى.
يقول الكاتب رشيد المومني:
"فسؤال المعنى هو العتبة الملائمة لإعادة النظر في طبيعة هذه العلاقة القائمة بين البنيتين، حيث يتمحور الحديث عادة حول تصنيفه إلى معنى سطحي، وآخر عميق، وهو تصنيف يُراعَى فيه وضعُ المعنى الباطن والخفي، في المقام الأول، فيما يتم وضع المعنى الظاهر السطحي في المقام الثاني. بمعنى أن الظاهر لا يعدو أن يكون محض حجاب، يختفي في باطنه المعنى العميق، وهو تصنيف يوهم بكون المعنى الظاهر، ليس أكثر من نسخة مزيفة للمعنى الفعلي والحقيقي، التي تتحدد وظيفتها في تمويه القراءة الأحادية البعيدة، كي تصرف انتباهها، عن رؤية المعنى الباطني، باعتباره الجوهر الفعلي والمركزي..(2)
دون أن يدخل السارد في متاهات فلسفية متشعبة "للأنا"و"الغير"أنت"، لذلك لم يعرج على أقوال الفلاسفة، ولم يفتح باب الحوار مع المخاطب، فالقصة القصيرة جدا لا تحتمل الزوائد اللغوية، والتفسيرات التي تغرق المتلقي في الملل. لذلك اختزل جوابه من خلال رؤية خاصة به، يريد إيصالها للمتلقي، والزاوية التي ينظر بها إلى وجوده في العالم.

بسطتُ أمامهُ خارطة العالم ../ عرض الخريطة أمامه، نشرها لكي تكون قابلة للرؤية المشتركة بينهما، فما هي قصدية السارد من نشر الخريطة؟ فهل يبحث عن المكان الذي يعيش فيه من العالم؟ وهل يقصد وطنه المشترك بين السارد والسائل؟ فكأن السارد يهدم الهوة الموجودة بين الشخص والآخر، ليرفع الغطاءعن هويته. هناك قول سكت عنه السارد، كلام يترجرج في ذاكرته، يخفيه عن القارئويلوكه في سره. " أنا"... "فمعرفة هويتي من خلال البلد الذي أعيش متوقفة على الغير الذي هو "أنت، ومعرفتك لذاتك وهويتك متوقفة علي. فعن طريق الوعي والإرادة نتعرف على بعضنا البعض. مثلما نتعرف على الأشياء والموجودات الأخرى، ولن أكون مغايرا لما هو عليه "أنا". و"أنت"، هو أنا آخر خارج عني."
فالسارد حصر الصراع الفكري والفلسفي، وطوقه عن طريق بسط خريطة العالم التي تحتضن جميع الكائنات الحية، وبهذه الطريقة ذوب الخلاف بينهما.
تقول سمر حسن سليمان: "اتّخذ ابن سينا مسمّى النفس تعبيرا عن هويّة الشخص التي تُمثل الجانب الروحيّ أو النزعة الروحيّة، التي تلازم الفرد في جميع مراحل حياته منذ ولادته وحتّى مماته، وتكون هذه النفس موجودةً بشكل فطريّ بحيث تُميّز شخص صاحبها وهويّته، وتتغذّى هذه النفس بما يُسمّى بالقوة الحافظة وهي الذاكرة، وذكر ابن سينا في كتاباته أنّ عملية التذكر هي التي تمنح الفرد وتكسبه الشعور بثبات هويّته، ويظهر هذا في إحساس الفرد داخلَه بأنّ شخصه ووحدة هويّته الذاتية مستمران وثابتان معه أثناء مروره بالظروف والمواقف المختلفة التي تطرأ عليه؛ أي استمراريّة عملية التواصل بين الخبرات السابقة والخبرات الحاضرة بشكل دائم.(3)
إنّ المسافة التي تفصل هذا الرّاوي عن المخاطب قد تقلصت، فالقارئ كان يتصور أن يتمدد الصراع الفكري بين السارد والسائل، لكن السارد اختصر الجواب وبسطه في بسْط خريطة العالم أمامه، فخفت حدة التوتر بينهما، حين جعل السارد السائل أن يكشف بنفسه الجواب على سؤاله المستفز"من أنت؟" فكأن الكاتب نظر في الآية الكريمة من خلال فعل "بسط"، فخلق تناصا غائبا في القصة يحمل معنى له دلالة ترمز إلى التقارب بدل الاختلاف. وهو قوله تعالى:( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي، مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ.) (4)
فماذا تمثل خريطة العالم بالنسبة للسارد؟ وكيف نفهم دور هذه الخريطة التقريبة للكون الذي نعيش في القصة؟ فقد نرى الأرض والبحار، والسهول والجبال وغيرها، لكنها خريطة تمثل الوجه الخارجي للأرض. ف"أنا" و" أنت" و"نحن" و" هم". لماذا نعيش على خلاف عبثي، قد يخلقه الشعور الذي يتغير بتغير الزمن. فهوية الشخص أساسها الوعي والذاكرة كما يؤكد شوبنهور على ذلك.
ثم رسمت فوقها .. مهدا .. ثم لحدا !/ تصدرت الجملة السردية "ثم". فكان حدث بسْط الخريطة للسائل تمهيدا لمفاجأة القارئ بنهاية لم يكن يتصورها السائل، فعمل على جعل أحداث النهاية متسلسلة/ بسط الخريطة، ورسم المهد، ثم اللحد./ وبين كل حدث هناك مهلة زمنية، قد تقصر وتطول حسب مهارة السارد. لذلك تم توظيف حرف العطف "ثم" التي تفيد ترتيبا منطقيا مع التراخي للأحداث. وجاءت النهاية مختومة بعلامة التعجب التي تدل على الاستغراب والانفعال والتوتر، من كون الحياة تختزل في الولادة والممات، كاعتقاد سائد بين كثير من الناس، الذين يبنون حياتهم على الاستهلاك والتمتع ...ولا يتركون بصمتهم الطيبة فيها.
5 ـــ دلالة الزمن بين المهد واللحد/
رسم السارد فوق الخريطة "مهدا "ومكوناته التي تجعله ماثلا كصورة معبرة لسرير، يهيأ للمولود كمكان للنوم والاستراحة. بعد الانتهاء من رسم المهد. انتقل إلى رسم اللحد الذي يكون في جانب القبر للميِّت. فبين صورة المهد وصورة القبر الذي يشتمل على اللحد، مسافة مكانية داخل الخريطة، إما أن يكون السارد رسمهما في مكان محدد. وإما أن يكون رسم المهد في مكان، واللحد في مكان ما في خريطة العالم. ولكن الأرجح أنه رسمهما متقاربان في مكان واحد./أرض الوطن/. وهي ترمز إلى الزمن المتعلق بحياة الإنسان على الأرض، الولادة تمثل بداية الحياة، والممات يمثل نهاية الحياة.
فبعيدا عن الدخول في مناقشة فلسفية التي قد لا تصل إلى حد الإقناع، لخص السارد الجواب باختزال جديد، وتلميح قوي، وإشارات خفية سكت عنها، كمخاتلة فنية، تتميز بالفراغ، والفجوة التي أصبحت "كالملح اليومي لما بعد الحداثة داخل الثقافة العربية" كما عبر عن ذلك الدكتور عبد الرحمان حمودة، خاصة داخل القصة القصيرة جدا.
نهاية النص تحدد بداية وجود الإنسان في الحياة، يمر فيها دوما بمراحل جديدة، تؤهله أن يكون راضيا عن نفسه، ويستفيد من نقاط القوة الشخصية التي يمتلكها، مع إعطاء معنى أعمق للحياة من خلال استثمارها في شيء أكبر من الذات. والتغلب على العوائق والعقبات التي تعترضه لتوليد "أنا" يقدر الآخر، ويتعايش معه. فبدون وجود الآخر،لا يمكن أن يترك الإنسان بصمته في الحياة، ليستطيع بناء ذاكرة حية وفعالة، بوعيه الدائم لما يجري من حوله من تطور وتغير الظروف.
فبسْط الخريطة، ورسم المهد، ثم اللحد، يشير بقوة على أن السارد ثابت على هويته، ومتمسك بذاته داخل وطنه، فما دام وطنه موجودا، ويعيش بين أفراد مجتمعه، ويتعايش مع "الآخر" لزمن محدد، فإنه لا بد أن يترك أثرا يدل على مروره على أرض الوطن.
تقول الكاتبة، فاطمة مشعلة" فشخصيّة الإنسان وأهدافه تتمثّل في قدرته على التغلُّب على العقبات، والنكسات التي تواجهه، ويُمكن أن يجد المغزى الذي يبحث عنه في أصعب الشدائد، وحين يُدرك ذلك سيُصبح أكثر حكمةً ومرونةً، علماً بأنّ المواقف والظروف التي يمُرّ بها الإنسان لا تُؤثّر على الصعيد الشخصي فقط، بل تؤثّر في مجتمعه كاملاً، وتوجّه خيارات الآخرين من حوله.(5)
إذا لم نعرف أين تقع أرضنا؟ ونسميها تسمية تميزها عن باقي الأراضي الأخرى، تضيع هويتنا. فالكثير من الناس يعيشون على الأرض، ولا يظهرون على الخريطة، يعيشون ويموتون دون أن يكون لهم وجود. فظهور المنازل والعمارات والمعامل، والطرق الحديثة في القرية والمدينة والوطن هي بصمات "الأنا" و"أنت" ونحن جميعا.
6 ـــ تركيب وبناء
إن قصة "أنا..." لها علامة لغوية حققت دلالات متعددة عن طريق آلية المجاز اللغوي الذي يمكن لكلمة "أنا..." أن تتجاوز المعنى المتواضع عليه في الفلسفة والأدب والكلام اليومي. فالسارد انتشل "الأنا"من عمق الخلافات الفلسفية، فجعلها تحتل مكانتها الأدبية. فلم يفصل في الدلالات الخفية للقارئ، ولم يطلب من السائل لما قال له "من أنت" أن يقبل بطريقة الإقناع المراوغة، إما القبول بها، بنعم. أو رفضها، بــلا. فإن ذلك يقلل من درجة مشاركة القارئ للمبدع، وتبعد القصة عن الإبداع الحقيقي. فمهمة القارئ هو سد مناطق الفراغات لأنها غير محددة في النص، وإعادة المعاني الغائبة بغض النظر عن قصدية المبدع. وليس بالضرورة أن يتوافق كل قارئ مع قصدية المبدع، فإن ذلك يقلل من شأن الإبداع ويقيد حرية القارئ.
قال لي من أنت..؟ إنه يطلب منه أن يعرف بشخصيته، ويطلب معلومات يجهلها، لكن الإجابة كانت صادمه له بعدما أعطاه جوابا واسعا غرق الفلاسفة في فهم كنه "الأنا "،كما قلت سابقا. وما دام بسط أمامه خريطة العالم، فهو يستدل على وجوده في كل نقطة من نقط الأرض، سواء كانت بعيدة أم قريبة.. كأنه يعبر عن حرية كبيرة منحها الله له، على اعتبار أن أرض الله واسعة، وليست ملكا لأحد.. لكن في نفس الوقت جعل من نفسه مركزا لكل شيء. وبما أنه لا يمكن أن يتواجد في كل الأماكن في هذا العالم الفسيح وفي وقت واحد، رسم له على الخريطة مكانا محددا، بدأ بالولادة وينتهي بالموت.. هي تلك حياة البشر، وجميع الكائنات الحية. فالإنسان يولد في أرض ما، ويموت في أرض ما.. وبين الولادة والموت مسافة زمنية قصيرة، طوبى لمن استغلها في بناء حياة أساسها الذاكرة، والوعي بقيمة وجوده، وهويته التي لا تنفصل عنه.
ومضة اختزلت عمر الإنسان باختزال شديد، الذي بدأ بولادة في مكان معين، وبين ولادته مسافة زمنية،"مهدا" ونهاية حياته في المكان الذي كتب له أن يدفن في التراب، لكن الكاتب لم يتحدث عن ما يمس البطل في حياته من سعادة وشقاء، من نفور وإقبال على الحياة، رغم أن هناك تلميحا لصعوبة عيشه وعدم رضاه، فرغم اتساع خريطة الأرض لم يستطع أن ينفلت من مكانه ويضرب في الأرض بحثا عن عيش كريم، كأنه يحس بحصار ممتد من البداية إلى النهاية، وكأنه لم يعش أبدا في الحياة... فما معنى الحياة؟ وما الهدف من وجود الإنسان على هذه الأرض؟ لماذا نحيا ونموت؟ وإذا تأملنا قول الله تعالى كإجابة قاطعة عن هذه الأسئلة، بعيدا عن التفكير الفلسفي القديم والحديث. (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه) سورة عبس/الآيات : من (16إلى 22)
وختاما
ومضة مراوغة، فيها ثقوب كثيرة، تدفع كل من يقرأها أن يدخل في جدال مع المبدع. اكتسبت جودتها من مضمونها وصياغتها وبنائها المختزل والمختصر للمعاني المخبوءة. فالقصة تطرح في عمقها عدة تساؤلات متروكة للقارئ أن يستنبطها من خلال الصراع الدائم بين: "من أنا ؟" ومن "أنت؟. أسئلة تدخل ــ ربما ـــ في عمق الفلسفة الوجودية. وقد يقول قائل، إن البطل متأثر بالفلسفة الوجودية، لأنه يحس بالضيق، والقلق، واليأس، والشعور بالسقوط والإحباط، وأنه أحس باختناق كبير في حياته بعد ما ركب صهوة الانطواء الاجتماعي، فأصبح يحس بالانهزام في مواجهة المشكلات المتنوعة. مما وجد نفسه وسط مخاطر تؤدي به إلى الفَناء، فأقحم نفسه في متاهة فلسفة تتعلق بالنفس والذات ونشأة الكون. كأنه يريد الحرية في التنقل، وعدم الالتزام بما يمليه عليه الآخر. فرضية فيها أخذ ورد وغير موثوق منها....فالفكرة العامة التي تهيمن على القصة الومضة، تيمة الاعتزاز بالوطن، ورنة الافتخار بالانتماء إليه، أرض ولد فيها وسيموت فيها، مهما كانت الصعوبات، ومهما كانت طريقة عيشه، سواء أكان العيش من صنع يديه، أو فرض عليه. مكان صنع هويته الذاتية عن وعي وإدراك. وهو مكان موجود، له قيمته في العالم.
..............................
1ـــ الدكتور عبد العزيز حمودة /الخروج عن التيه/ /دراسة في سلطة النص/ نوفمبر/2003/ص:131
2 : رشيد المومني/ التأويل بين قراءة الظاهر والباطن/ صحيفة القدس العربي/23 - سبتمبر - 2016
3 ــــ سمر حسن سليمان/ مفهوم الشخص في الفلسفة/مقال منشور بتاريخ نوفمبر 2017

4 ــــ سورة المائدة/آية:28
5 ــ فاطمة مشعلة/ ماذا تعني الحياة؟/ مقال منشور بتاريخ/سبتمبر 2018