أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: منى حمارة

  1. #1
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 569
    المواضيع : 95
    الردود : 569
    المعدل اليومي : 0.38

    افتراضي منى حمارة

    لا تبقى في المكان الذي لا تُعرَف فيه قيمتك . الجاحظ

    وقفت الطفلة الصّغيرة منى أمام باب الغرفة المفتوح وقالت بصوت خافت مبحوح : أمي ! هل أنا حمارة ؟ نظر الأب الواقف أمام خزانة الملابس بدهشة إلى الأم الجالسة على طرف السّرير , كأنّ نظرته تقول : هل تسمعين ما أسمع ؟ قالت الأم بنبرة حانية لطيفة : لا أبدًا يا بنيّتي ! ما الذي جعلك تقولين هذا ؟ وأكملت منى شكواها : في طريقي إلى المدرسة أقرأ على الجدران كتابة كبيرة : منى حمارة , منى حمارة . قفزت الأم من السرير سريعًا وأمسكت الطفلة بقوّة من كتفيها واقتربت إلى وجهها وقالت بحنان أكبر : أفعلًا يكتبون ذلك ؟ تلعثم الأب وهو يقول : أكيد لا يقصدونك , ولا أحد يعرفنا هنا بعد , وكثيرات من إسمهنّ منى , قالت الطفلة الصّغيرة بحدّة : لا! الكتابة جديدة , لم أكن أراها حين جئنا أول مرة , ولا توجد فتاة غيري في المدرسة اسمها منى , وقد وجدت الكتابة محفورة على طاولتي . وكأنّ الطفلة قد أفحمته , أنزل الأب رأسه إلى الأرض , في حين قبّلت الأم ابنتها وقالت لها هامسة : اذهبي إلى النوم الآن وغدًا سأذهب معك إلى المدرسة وأرى ما الأمر , وتأكّدي أنّك طفلة ذكيّة جدًّا ومؤدّبة وأنتي تعرفين ذلك بكل تأكيد , ونحن نحبّك .

    كأي حديث بين زوجين في الليل , يتّسم بالجديّة حين يتعلّق الأمر بالأبناء , قال الأب : الطفلة ذكيّة جدًّا وخجولة أيضًا , ربما يوجد من يتنمّر عليها ويُضايقها , خاصّة أنّ القرية نائية ومحرومة من كل وسائل الحضارة , ولا غرابة أن يوجد فيها بعض الأشقياء ناقصي التربية والثقافة , قالت الأم : الطفلة كانت تحظى باهتمام في مدرستها الأولى , حين كنّا في المدينة , وكانت تُعامَل معاملة خاصّة حين لاحظوا ذكاءها ومواهبها , وخجلها الشديد أيضًا , لكن كيف يصل الأمر إلى هذا الحد , لا أعتقد أنّ منى يمكنها أن تفتعل مشاكل مع أي أحد , هي بالكاد تكلّمنا نحن أو معلّمتها في القسم . قال الأب : هناك أمر هام يجب أن تتنبّهي له , الطفلة شكلها غريب , هي صغيرة الحجم , بيضاء على خدودها نقاط بنية , ترتدي نظارة طبية , وسكان هذه القرية بشرتهم سمراء تميل إلى السواد وحجمهم كبير , قالت الأم باستغراب : هل هذا الإختلاف في الشكل يكفي لكي يتنمّرون عليها هكذا ! ؟ أجاب الأب : نعم هذا الإختلاف في الشكل هو السبب الرئيسي لتنمّرهم , هناك من لا يتقبّل الإختلاف رغم أنّه سنّة الله في خلقه , ورغم أنّهم أطفالاً لكن تربيتهم وبيئتهم ترفض الإختلاف , صمتت الأم حزينة قلقة وهي تنتظر بزوغ خيوط الصّباح الأولى .

    في الصباح تناولوا فطورهم في حديقة البيت كغير العادة , وحاول الوالدان إشاعة جو من المرح لكن منى كعادتها لا تضحك كثيرًا , تكتفي بابتسامة خجولة عند أكثر المواقف إضحاكًا , أوصلهما الأب بسيّارته إلى أول الطريق المؤدي إلى المدرسة , قبّل ابنته الصّغيرة وتوجّه إلى أمّها قائلًا بصوت هاديء رزين : لا أوصيك !, كوني لطيفة وحاولي أن تعرفي ما الذي حدث دون أن تلقي بلومك على أي أحد حتى نتحرّى الأمر جيّدًا ونعرف ما الذي يمكننا فعله , ابتسمت الأم وأمسكت يد ابنتها بقوّة ودخلت الشوارع الضيّقة المؤديّة إلى المدرسة بخطوات جادّة سريعة , وبدأت العبارة اللعينة تظهر على كل جدار يمرّون به , منى حمارة , منى حمارة , الطفلة كانت تمشي صامتة , والأم كانت تنتحب من الداخل , سكاكين حادة تُغرز في قلبها مع كل كتابة وحائط يمرّون به , ودموع صامتة مخفيّة تحرق عينيها .

    حين وصلت منى مع أمها إلى باب المدرسة تجمّع التلاميذ وأخذوا يرقبونها ويضحكون , حاولت الأم أن تتجاهل وبقيت تمسك بيد صغيرتها حتى وصلا إلى قسمها , ثم رأت المعلم قادم من بعيد , قالت له : صباح الخير , لم يجبها ودخل القسم , تبعته الأم قائلة وهي تحاول جاهدة الحفاظ على هدوئها : هل يمكنني أن أعرف ماذا يحدث هنا ؟ ! صرخ المعلم كمن كان ينتظر فرصة المواجهة : ابنتك لا تعرف شيئًا ولا تتكلّم !! هل هي خرصاء أم هي حمقاء مغرورة متكبّرة . أبعدت الأم ابنتها وأخفتها وراءها وقالت للمعلم : هذه الطفلة كانت الأولى في مدرستها وهي ذكيّة ومتأدّبة , وموهوبة في الرّسم والموسيقى , ضحك بأعلى صوته حين سمع الكلمة الأخيرة : موسيقى !! وهل هي موهوبة في الرقص أيضًا . استدارت متوجّهة مع الصّغيرة منى إلى مكتب المدير , لا يمكن اعتباره مكتبًا , ولا يمكن اعتباره مديرًا , المكتب يعج بحركة فوضويّة بين داخل وخارج , والمدير رجل أسمر ضخم يرتدي عمامة قال لها : أرسلي والدها نحن لا نتكلّم مع النساء !! خارج باب المدرسة جلس بعض الصّغار الأشقياء , قال أحدهم : هذا هو من كتب : منى حمارة ! ذهبت اليه الأم قائلة : صحيح أنت من كتبتها ؟ قال لها : لست وحدي , قالت الأم : لماذ تكتبون ذلك ؟ هل فعلت لكم منى أي شيء يزعجكم ؟ قال الطفل : لا لم تفعل شيئًا , لكن المعلم كل يوم يوقفها ويقول لنا : منى حمارة , قولوا جميعًا منى حمارة , ونحن نردّد ذلك !

    في المساء كانت الأم تجمع حقائب العودة إلى الديار , لقد جاؤوا وراء منصب الأب الجديد لكن مصير ابنتهما أهم . وفي الصباح كان الأب يشق بسيّارته دروب القرية الوعرة فارًّا بأسرته من جحيمها , والأم تكلّم ابنتها منى بطريقة حالمة : ستعودين إلى مدرستك التي تقدّرك وتحترمك , تكملين تفوّقك الدّراسي وتمارسين هواياتك الفنيّة , ترسمين وتعزفين وتنمّين مواهبك ونحن معك لتحقّقي لك ولنا كل المنى يا منى , ولا أحد بعد الآن يُمكنه أن يُزعجك , هنا صرخ طفل خلف زجاج نافذة السيارة : منى حمارة ! ابتسمت الأم ثم ابتسم الأب , أمّا منى فضحكت بأعلى قهقهة وهي تقول وتضحك : منى حمارة .

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 15,349
    المواضيع : 206
    الردود : 15349
    المعدل اليومي : 5.06

    افتراضي

    أول مرة لا أستسيغ قصة لك أخي عماد
    رغم الأسلوب القصي المتميز، والسرد الشيق فإن الفكرة لم تروق لي
    فما هو السبب في أن تواجه طفلة جميلة وذكية وموهوبة في الرسم والموسيقى
    بهذا الكم من الكراهية ـ وهل يكفي اختلاف الشكل ليجعلهم يتنمرون
    بها بقيادة المعلم الذي من المفروض أن يكون قدوة نجده يهاجمها بشراسة ويؤلب عليها
    الأطفال ويجسرهم على سبها وإهانتها. أرجو ان لا اكون قد ازعجتك ـ ولكني عبرت عن شعوري
    ولك تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2016
    المشاركات : 569
    المواضيع : 95
    الردود : 569
    المعدل اليومي : 0.38

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    أول مرة لا أستسيغ قصة لك أخي عماد
    رغم الأسلوب القصي المتميز، والسرد الشيق فإن الفكرة لم تروق لي
    فما هو السبب في أن تواجه طفلة جميلة وذكية وموهوبة في الرسم والموسيقى
    بهذا الكم من الكراهية ـ وهل يكفي اختلاف الشكل ليجعلهم يتنمرون
    بها بقيادة المعلم الذي من المفروض أن يكون قدوة نجده يهاجمها بشراسة ويؤلب عليها
    الأطفال ويجسرهم على سبها وإهانتها. أرجو ان لا اكون قد ازعجتك ـ ولكني عبرت عن شعوري
    ولك تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    أنا أيضًا أول مرة لم أستسغ تعليقك الأستاذة الكريمة نادية محمد الجابي , أنا أكتب قصة وأضع أشخاصًا فيهم السوي وفيهم المريض فهل أنا مسؤول عن تصرفات المعلم في القصة الذي من المفروض أن يكون قدوة ؟ القصة عن التنمر وعن معنى أنّ الإنسان يترك المكان الذي لا يُقدّره وقد افتتحتها بمقولة الجاحظ حول هذا المعنى , والقرية التي عانت منها الطفلة الوافدة كانت مسرحًا للتنمر والتصرفات العنصرية ليس لغرابة شكلها وانما للجهل وعدم تقبّل الآخر فقط وهذا موجود وبكثرة وليس غريبًا وقد أردت أن أرسم هذا المجتمع المنغلق الجاهل من خلال المعلم والمدير أما الأطفال فهم ضحايا ما يرونه ويستقبلونه من محيطهم , هذه وجهة نظري في الموضوع حول قصة أنا أحببتها ولا زلت مقتنعا بها مع كل احترامي لوجهة نظركم وشكرا