أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة تحليلية لقصة"حلم أم كابوس." للمبدعة،نادية محمد الجابي/ مصر

  1. #1
    الصورة الرمزية الفرحان بوعزة أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 2,352
    المواضيع : 192
    الردود : 2352
    المعدل اليومي : 0.78

    افتراضي قراءة تحليلية لقصة"حلم أم كابوس." للمبدعة،نادية محمد الجابي/ مصر

    5 ـــ حلم أم كابوس./ ناديه محمد الجابي/ مصر
    قراءة تحليلية لقصة "حلم أم كابوس." للمبدعة، نادية محمد الجابي/ مصر
    تحت عنوان: جمالية الخطاب القصصي بين المنطوق والمسكوت عنه
    القصة:
    حلموا كثيرا بالربيع ـ غير أن أحلامهم سقطت من السماء السابعة
    وتناثرت شظاياـ فاختلفوا
    وتناحروا، وتطايرت أجسادهم شظايا.
    ............................................
    1 ــــ قراءة في عتبة النص/ حلم أم كابوس./
    العنوان "حلم أم كابوس" قد يثبت أن هناك علاقة بينه وبين المضمون، عنوان مركب، يشغل القارئ ويستفزه، فيحس بالغموض في تركيبة العنوان، ويشوقه ويغريه على فك وظيفته الإيحائية والإغرائية عن طريق التساؤل والتأويل الممكن، لحل الشفرة السرية للملفوظ اللغوي للعنوان. فهل تقصد الساردة بالعنوان كسؤال ضمني موجه للقارئ، وتطلب فيه التعيين؟ وهل العنوان يتضمن فعلا السؤال؟ رغم خلوه من أداة الاستفهام وعلامته"؟". أم خرج بلاغيا عن معناه الحقيقي؟ وهو طلب العلم بالشيء إلى أغراض أخرى لا تتطلب من القارئ الجواب عنها. فالعنوان يتكون من كلمتين /حلم/ و/كابوس/ ربطت بينهما حرف العطف "أم". فهي لا تطلب التعيين هنا، واختيار واحد بين الأمرين، كلاهما سيان. أي لا يختلفان في المعنى والدلالة. فكم من حلم كان كابوسا، وكم من حلم جميل تحول إلى كابوس قاتل للمعنوية النفسية، بل مجهزا على الرغبة في الحياة. فماذا تقصد الكاتبة بالحلم؟ وماذا تقصد بالكابوس؟ وهل هناك علاقة متقاربة بينهما؟ وهل لهما نفس الدلالة؟ هل هناك دلالة تحول من حالة الحلم إلى حالة الكابوس؟ ما هي الأسباب؟ أسئلة لا يمكن أن نجد لها جوابا كلها في النص، فهي تدخل في تأويلات القارئ وتوقعاته كمفاتيح تساعده للدخول إلى عالم النص. وقد يستغني القارئ عن تلك التأويلات أو يستفيد من بعضها.
    فالعنوان الذي يشوش الأفكار، ويثير الاستغراب والاندهاش، هو من العنوان القيمة لمتابعة القراءة، وكشف مضمون النص الداخلي بأدوات خارجية، منتزعة من ثقافة القارئ وتجربته الشخصية. فالعنوان يخفي حقيقة ما، وأسرارا مجهولة عند القارئ، لا يمكن الوصول إليها إلا إذا تجول بين دهاليز النص عبر القراءة والبحت المشوق. يقول الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو: "الحقيقة تحلو أكثر عندما تكون محفوفة بالصعوبات الشائكة، والسر يعجبنا أكثر عندما يصعب علينا كشفه".
    فالساردة تتساءل عن ما وقع، أهو حلم أم كابوس؟ وقد يدل العنوان على التعجب والاستغراب دون أن يتضمن السؤال. فالحلم هو ما يراه الإنسان في نومه، والكابوس هو ضغط وضيق مزعج، يقع على صدر النائم، كأنّه يخنقه لا يقدر معه أن يتحرّك. وَيُفْقِدُهُ القُدْرَةَ عَلَى الْحَرَكَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أَيْضا جَاثُومٌ. فماذا تعني الساردة بالحلم؟ وماذا تعني بالكابوس مرة أخرى؟
    تفكيك خطاب القصة
    ا ـــ حلموا كثيرا بالربيع/ لم تحدد الساردة دلالة كلمة"الربيع" فهل تعني فصل الربيع؟ أم تعني المصطلح الجديد الذي ارتبط بالربيع العربي؟ فكلمة الربيع المتداولة في الحياة، نعني به فصل الربيع الذي يدل على روح ونبض الحياة، فكل الكائنات تدب فيها حركة الحياة، بعدما تعود للتجدد، وهو الوقت الذي يشهد ميلاد حياة جديدة لكل من النبات والحيوان والإنسان، وقد يتعدى الربيع التعبير المادي، فيستخدم بشكل عام كتعبير مجازي عن بداية فترات زمنية أفضل. فما هو الجديد الذي جد في حياة الناس؟ فالفعل "حلموا "تدل على جماعة غير معينة للقارئ، ولكن الساردة تخفي وراءها دلالات كمشهد استجد في حياة الجماعة؟ فما نوع الحلم المقصود بالفعل؟"حلموا" حلم ينبئ بحركة غير عادية. فكلمة "الربيع" تحيل القارئ إلى المفهوم الجديد "الربيع العربي" فما المقصود به"؟
    أعتقد أن كلمة "الربيع" التي جاءت في النص، تقصد الساردة بها "الربيع العربي" وهو اصطلاح شاع استخدامه في وسائل الإعلام، ويعني تلك الثورات والاحتجاجات السلمية التي قامت ضد الفساد والظلم والاستبداد، واندلعت لتنادي بإسقاط الأنظمة القائمة على اغتصاب حق الشعوب في الاختيار، وهي تعني بذلك الدول العربية التي عاشت مدة تحت الاستبداد، بعيدا عن خلق قفزة نوعية نحو سماع كلمة الشعب.
    فالساردة لم تقرن كلمة "الربيع" بكلمة "العربي" لدفع القارئ أن ينبش التاريخ، ويحفز ذاكرته ليفهم المقصود من الجملة. فجملة "حلموا " تحمل في طياتها الأمل في التغيير، والتجديد، وخلق حياة جديدة تقوم على العدل والمساواة بين أفراد الشعب. مع التطلع إلى العيش الكريم، والاستفادة من خيرات البلاد. لكن حلمهم تبخر، وسقطوا في حرب عبثية. فتحولت كل أماني الشعوب إلى كابوس يجثم على قلوبهم، فما تغير شيء في الأفق، بل تدهورت الوضعية من سيئ إلى أسوأ. فاختلط الحلم المنشود بكوابيس مختلفة.
    لم تحدد الساردة زمن الحدث، ولكنه موجود في ذاكرة التاريخ، ولم تشر إلى شرارة الاحتجاجات الأولى التي بدأت في تونس، ولكنها لمحت إلى ذلك بكلمة "الربيع" التي تحيل القارئ على البحث والتقصي، وتدفعه لمناقشة نتائج هذا الحلم. فالقصة القصيرة جدا لا تحلل، ولا تفسر، ولا تكتب التاريخ، وإنما تلمح، وتختزل قضية ما في كلمة حمالة لدلالات كثيرة.
    ب ـــ غير أن أحلامهم سقطت من السماء السابعة/ غير" تفيد الاستثناء، كتعقيب على ما سبق، بأن تلك الأحلام لم تكن مرتبة ومنظمة، خالية من الاستعداد النفسي والقبلي، فتداخلت الأحلام واختلفت من شعب إلى شعب، ومن دولة إلى دولة، ومن توجه سياسي مختلف عن توجه آخر. اعتبرت الساردة أن هذه الأحلام جاءت مفاجئة، كأنها سقطت من السماء السابعة، دلالة على أنها كانت مغمورة، وبعيدة المنال منذ عقود. فسقوطها من السماء السابعة يعتبر معجزة، فلا أحد كان يتصور أن تقوم ثورات متزامنة في البلدان العربية.
    عن أي أحلام تتكلم الساردة؟ هل هي أحلام ذاتية أم جماعية؟ كيف تم إسقاطها من السماء السابعة؟ فهل سقطت دفعة واحدة أم مجزأة على فترات زمنية؟ ومن هم الذين استفادوا منها؟
    استعملت الساردة فعل "سقطت "بدل "نزلت". فسقوط الأحلام من الأعلى تدل على حالة تتميز بالمفاجأة والاندهاش، وعدم التصديق بإمكانية التغيير، وإقامة وضعية جديدة بديلة تتجه نحو التغيير وتحسين وضعية الفرد والمجتمع، والرفع من قيمة المواطن العربي ...فكل الأحلام التي سقطت تم اختزالها في كلمات، في شعارات متباينة ومختلفة المضمون. فما الذي وقع؟
    ج ـــ وتناثرت شظايا./ التناثر يعود على الأحلام التي تكاثرت وتناثرت بين صيحات أفراد الشعب، فالساردة أخفت كلاما كثيرا يسكن لغة الجملة، وهي تحمل بين الحروف رسائل مختلفة. تفرقت كشظايا غير منسجمة، بعيدة عن التطابق والتوافق. أحلام تناثرت هنا وهناك، كل منطقة سطرت أحلامها، وكل فرقة جمعت شملها فطالبت بما هو أغرب. كثرت الطوائف، وظهر زعماء خرجوا من كل بقعة في الوطن. كل طائفة ولدت أحلاما تجاهر بها، وتساوم الطائفة الأخرى بالتنازل بالقوة. فتحولت الأحلام إلى زرع التفرقة بين المدن والجهات. فكل هضبة تطالب بزعيم وراية، فاشتدت العداوة بين إخوان الأمس، وظهرت أخوة جديدة توحد بين من كانوا أعداء للوطن. وقامت الفئات االنائمة تسعى إلى اغتنام الفرصة. فماذا حصل؟ كادت أن تموت الأحلام السامية. تعددت المطالب من كل فئات الشعب، وكثرت النداءات السلمية والسامية، لكن سرعان ما تحولت إلى شظايا متطايرة لا تحدها حدود.
    جملة سردية قصيرة تتكون من كلمتين، لكنها مشحونة بالدلالات البعيدة، ممتلئة بالمعاني، ولكن الساردة عملت على الاختزال الشديد، فكأن الجملة لم تقل شيئا، بل لمحت وأشارت، فسكتت عن الأبعاد المتداخلة التي سوف تتولد في المستقبل. فعن طريق اللغة رسمت الساردة مشهد توحيد الأحلام نسبيا. فما يأتي بعد هذه الحالة هو أخطر.
    د ــــ تحركوا في محاولة لجمع شظايا أحلامهم فاختلفوا تناحروا،/ جملة سردية تؤكد على أن هناك محاولة لجمع شظايا أحلامهم؟ من هم؟ كيف تم ذلك؟ فهل أحسوا بالخطر القادم؟ ما هي الأطراف المساهمة في جمع شظايا الأحلام؟ لماذا لم يحصل التوافق؟ فماذا وقع؟ "اختلفوا،/ تناحروا/"
    فالأفعال /حلموا/ تحركوا/ حاولوا/ اختلفوا/ تناحروا/ دالة على التنقل بين مراحل زمنية غير متناسقة، حلموا / فالحلم وحده لا يمكن أن يغير الواقع دفعة واحدة، والارتجال في التحرك لفرض التغيير بالاحتجاجات والصراخ، لا يمكن أن يؤدي إلى الاتفاق الذي يخدم مصلحة البلاد، فكانت النتيجة أنهم اختلفوا بسبب تفضيل المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، والتي لا تخرج عن المطالبة بالزعامة والقيادة والاستفادة الشخصية. تناحروا، فتقاتلوا قتالا شديدا، وتخاصموا. فتحول مشهد شظايا الأحلام إلى واقع آخر، من شظايا الأحلام السلمية إلى شظايا عنيفة وقاتلة. فتناثرت وهي مشتعلة كشهب ملأت السماء، ثم تسقط مخلفة دمارا شاملا للبشر والحجر والشجر. فساد العنف أكثر، وعم فساد أكبر، واشتدت وتيرة التسابق لاستنزاف خيرات البلاد. مما يدفع بالقارئ إلى طرح السؤال من جديد: ما هو مصير الربيع العربي، ومآله إلى أين؟
    ه ــ وتطايرت أجسادهم شظايا./ إنها شظايا من نوع آخر، فقد تكررت كلمة " شظايا " ثلاث مرات في النص، وقد يظن القارئ أن تكرارها قد يدخل الملل على النفس، لكن، يمكن استنباط صيغة فنية ومعنوية حسب موقع "شظايا" في الجملة.
    نتأمل الجمل التي جاءت فيها كلمة "شظايا"، بعد ما نقف على اختلاف استعمال دلالتها في كل جملة: أ ـــ وتناثرت شظايا./ فبعد سقوط الأحلام من السماء، تناثرت كشظايا سامية ومقبولة، رحب بها كل الناس، ونادوا بتوحيد الكلمة لمطالبهم. ب ـــ / تحركوا في محاولة لجمع شظايا أحلامهم/ فكلمة "شظايا" في الجملة تحولت إلى معنى آخر، في محاولة لفهم الأحلام وغربلتها، والبدء بالأهم منها. لكنها اختلطت المطالب السامية بالمطالب المتطرفة.
    ج ــ أما كلمة "شظايا" في الجملة التالية / وتطايرت أجسادهم شظايا/ فلم تعد تعني الدلالتين السابقتين، بل شملت تطاير شظايا الأجساد من جراء القتل المهلك، أي شظايا الأطراف البشرية.
    2 ـــ الترتيب الزمني
    حملت القصة أبعادا سياسية عديدة، دون تحديد الزمن التي وقعت فيه، وهي أحداث كبيرة وقعت في التاريخ العربي لا يمكن للقصة القصيرة جدا احتواءها، ولكن الساردة اقتحمت التاريخ بسردها الوجيز والمختزل عن طريق التلميح والإشارة إلى تلك الفترة الزمنية، التي شملت عدة معلومات ومفارقات في ظل التحولات السياسية والاجتماعية في بعض البلدان العربية.
    قصة"حلم أم كابوس" مرتبطة أكثر بالصورة الاجتماعية السياسية الجديدة، شكلتها الساردة كرؤية، كفكرة عامة، أو كاستنتاج لوضعية كانت تهدف إلى تغيير الحالة الاجتماعية والسياسية، لكنها باءت بالفشل، لما شابها من انحراف عن الهدف الأسمى، الذي يهدف إلى استبدال حياة بائسة بحياة تشرف الوطن وأبنائه، صورة تجسدت بشخصيات فاعلة مجهولة في الأحداث، لكنها معلومة وقريبة من القارئ عندما يبحث عنها خارج القصة. فالساردة تخلت عن عدم تحديد المكان والزمان كما قلت سابقا، ودون أن تعلن عن بلد معين، فما يهمها هو تبليغ الرسالة كتحول، كتغيير كان منتظرا. مبتعدة عن التفاصيل والإضافات المشوشة على القارئ. بإيجاز لغوي شديد حفزت القارئ بان يعود إلى التاريخ للبحث عن المعلومات المفقودة في النص، أي يبحث خارج نص القصة لتغطية المضمون بمعطيات جديدة.
    فالساردة تخلت عن التعاقب الزمني لسرد للأحداث كما وقعت، ولكنها رتبت زمن خطاب القصة الذي شمل تطور الحلم الخائب من بدايته إلى نهايته. فالأحداث كبيرة دفعتها على تسريع زمن الحكي، والقفز عن محطات زمنية لا تتسع لها القصة القصيرة جدا.
    فصيغة الزمن الماضي هي المسيطرة على القص/ حلموا/ تحركوا/........ فسرد الأحداث بصيغة الزمن الماضي تم من بداية الحلم/حلموا/ حتى انتهائه/ وتطايرت أجسادهم شظايا./ بصورة تصاعدية استطرادية متقدمة على خط الزمن، كأنها تجري أمام القارئ: بداية الحلم/ الإحساس بالتغيير/ تراكم الأحلام/ تناثرها بن أفراد الشعب/ محاولة الاتفاق/ الاختلاف/ الفشل/ السقوط في حرب عبثية/ ...
    3 ــــ بناء وتركيب
    فبعد الحلم جاءت الصدمة، وضاعت الأحلام، لأنها غير مبنية على أسس، تفتقد إلى دعامات، جاءت عفوية ومفاجئة لظرف معين، أحلام انبعثت كربيع مزهر. فأغراهم منظر الحركة والحيوية، فاستنشقوا رياحا جديدة، وتنسموا نكهة رغباتهم، وتلمسوا أحاسيسهم، فاطمأنوا .... لكنهم لم يعرفوا أن هذا الربيع يحمل بين أزهاره حشائش ضارة تفسد وتدمر عن قصد حلم الحرية والعيش الكريم. لقد أفرطوا في تسطير أحلامهم، فظنوا أنها سوف تنجز في القريب العاجل دفعة واحدة، فمن الصعب هدم ما بني على أيدي أناس كانوا لا يفكرون إلا في أنفسهم، ومن الصعب كذلك أن نبدل حياة بحياة بعصا سحرية.
    من الصعب العمل على ارتقاء الفرد والمجتمع في ظرف وجيز. فقد تم صناعة شعب مطيع، عبر مرحلة تاريخية طويلة، يرى ويسمع ولا يتكلم... لقد طالبوا بالكثير حتى ارتقت أحلامهم إلى ما فوق رؤوسهم فخابوا، وتبخرت مطالبهم، وكأن هذا الربيع فتح أبواب التناحر، ونوافذ واسعة من الفتن.. تقاتلوا، وتناحروا على الزعامة والسلطة، فأنسوا الشعب مطالبهم. كان من المفروض أن يقود الربيع الناس إلى الحرية والعيش الكريم في ظل أمن مستقر. لكن أحلام الشعوب تحولت عن مسارها النبيل، فحلت محلها كوابيس جثمت على النفوس، فتولدت منها شظايا حارقة في كل الجهات. فالنظر إلى الأعلى صعب، والسقوط إلى الأسفل سهل.
    لعبت الساردة فنيا على عدة ثنائيات ضدية: العلو، الأسفل// الحلم، الواقع// الاتفاق، الاختلاف // السلم، الحرب // الأمن، الفوضى// الواقع الممكن، الواقع غير الممكن//... ثنائيات ضدية عززت النص، وكشفت عن دلالات بعيدة، ومعلومات مغيبة. فالقصة تلمح ، وتشير بعلامات لغوية بسيطة لكنها قوية في التشخيص والتجسيد لصور كأنها ماثلة أمام القارئ، وهو بدوره يؤول ويبحث عن الأسباب الحقيقية للإخفاق والفشل لتحويل القصة إلى رواية..
    حاولت الساردة أن تخبرنا عن ما وقع؟ وكيف وقع؟ وماذا وقع؟ يمكن استنباطها من القصة كدعامات لها. ما وقع؟ حلموا كثيرا، وكيف وقع؟ اختلفوا ففشلوا، وماذا وقع؟ تناحروا وتفرقوا، وتقاتلوا ... فسقطوا في الفتنة القاتلة.
    فالمطالبة بالتحول والتغيير المبطن بالأمل لم يطل، ولم يستغرق زمنا طويلا، بعد ما انقلبت القضية ضدهم، فتبخر الحلم، وظلت الكوابيس تتوالى عليهم في كل يوم، منها: /الخوف على أروحهم/استفحال النهب والسلب/ الاعتداء/ الهجرة/ تدمير شامل للبنية التحتية/ تلاشي المؤسسات المدنية/ القمع /التشريد/...
    فالصورة الجديدة للبلد لا تبتعد عن صورة التشتت والانقسام، فكلمة شظايا قد لا تدل على معنى التشظي الواحد، بل هو تشظ شامل يتوزع على كل مناحي الحياة./أحلام مبعثرة/صعوبة جمع الكلمة/ التناحر والتقاتل./ التفرقة/ ظهور العصابات/ تقسيم الوطن/ البحث عن الزعامة/....
    فكل قراءة ليس نهائية. فرغم أن القصة القصيرة جدا لا تحتمل الزيادة والإطناب، بل تروم الاختزال والاختصار، فإن كل كاتب ينظر إلى مصطلح "التكثيف" برؤية خاصة.
    فالقصة فيها إشارات وإيحاءات، ورموز قابلة للتأويل والتفسير، وهي تقنية أدبية تحفز القارئ أن يجعل النص أمامه مستحضرا كفاءته، ليكشف بنفسه عن ما خفي تحت الكلمات. وليكتشف مدى الخيبة التي أصيبت بها الشعوب العربية خاصة. قصة تاريخية تولدت من داخل الواقع العربي.. فالتاريخ دون وسجل، لكنه رحل دون أن يحقق شيئا للناس.
    4 ــــ استنتاج
    نص يتميز بغناه وأهميته في إدراج قضية تاريخية، تكاد تصبح من المسكوت عليها، تتعلق بتاريخ جديد للحراك العربي الذي قام على أنقاض تاريخ قديم، فرغم أن الشعوب تحركت وثارت وعبرت، لكن ثورتهم بقيت وسط الدائرة القديمة مشحونة بالألم والهزيمة. لم يستطيعوا أن يكسروا الدائرة التي تحيط بهم. فالثورة خرجت من الدائرة، وتحولت إلى فتن دائمة، فدخلت في دوائر متعددة. ماتت الأحلام، وتولدت الكوابيس داخل تاريخ لا يرضى به الوطن.
    وختاما، ليس على القارئ أن يبحث عن ما يجرح الإبداع، بل مهمته هو البحث عن مقومات جمالية خفية للإبداع. وليسن مهمة القارئ هو محاسبة المبدع، ومحاولة إفشال إبداعه، بل مكلف بتوليد إبداع جديد مواز للنص الأصلي.

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 15,264
    المواضيع : 203
    الردود : 15264
    المعدل اليومي : 5.09

    افتراضي

    أسعدني أن يحظى نصي البسيط بمثل تلك الرؤية النقدية التي تضئ جوانبه
    وتغوص فيه بمهارة وبعمق في القراءة النقدية
    قراءة أضاءت ما ترائى لي عند الكتابة بتحليل موضوعي لكل كلمة
    وأبعادها لتكتمل منظومة هذه الرؤية البارعة والمتألقة
    يعجز قلمي عن شكرك ـ جزاك الله الخير كله
    ووفقك أديبا وناقدا رائعا وقديرا
    فبورك الحرف ـ وبوركت الجهود.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي