أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قراءة في المجموعة القصصية ( لمبه جاز ) لمحمد فكري

  1. #1
    قاص
    تاريخ التسجيل : Feb 2006
    المشاركات : 555
    المواضيع : 32
    الردود : 555
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي قراءة في المجموعة القصصية ( لمبه جاز ) لمحمد فكري

    <strong>المجموعة القصصية " لمبه جاز " للكاتب محمد فكري.</strong><br><strong>قراءة في الرؤية والتشكيل</strong><br><strong>بقلم / مجدي جعفر</strong><br>هذه هي المجموعة القصصية الأولى للكاتب محمد فكري، التي صدرت عن دار وادي عبقر للطباعة والنشر والتوزيع، في ( 96 ) صفحة من القطع المتوسط، وتضم ( 15 ) قصة قصيرة، وتتراوح أحجام القصص مابين الصفحة الواحدة والأربع صفحات، والكاتب يميل إلى الاقتصاد في التعبير، والاختزال، والتكثيف، وهذه من سمات وخصائص الأعمال الفنية الجيدة، حيث لا ترهل ولا زوائد ولا فضول.<br>وأثارت القصص العديد من قضايا الواقع المعاش، وسلط الكاتب كاميراته على بعض الهموم، منها هموم الذات وخاصة الذات التي تشعر بالاغتراب داخل الوطن، وهموم الوطن ذاته، وبعض من همومتا القومية، وللقرية المصرية نصيبها الوافر&nbsp; وحضورها الطاغي في هذه المجموعة، وعرج كثيرا على المقاصد الدينية العليا، مستوحيا بعض القصص التي تهتم بالبُعد الإنساني، بلغة موحية ومعبرة، ولغة الكاتب لغة تصويرية محلقة.<br>..................<br>المحور الأول : هموم وطنية وقومية.<br>1 – براءة مبتورة :<br>هذه واحدة من القصص الجياد، والتي تكشف لنا بجلاء عن كاتب موهوب، يعي الأصول الموضوعية والفنية التي يقف عليها العمل القصصي دون عثرات.<br>الكاتب يُلمح ولا يُصرح، والقصة أقرب في بوحها إلى الهمس منه إلى الزعيق، فموضوع القصة زئبقي ومراوغ، لايستطيع القارئ الإمساك به، أو القبض عليه قبضا تاما، وبطل النص الظاهر، طفلة، وهي الحاضرة في النص، والبطل الحقيقي هو الأب، رغم غيابه عن السرد وعدم ظهوره إلا في نهاية المشهد!<br>هذه القصة من القصص التي لا تشبعك من القراءة الأولى، وتُقرأ أكثر من مرة، ولا تكتفي بإحداث المتعة الفنية والجمالية لدي المتلقي بعد القراءة، لكنها تثير الفكر وتشعل الخيال، وتدعو إلى التأمل، .. هل الأب مصاب في حرب من حروبنا التي لا تنتهي أو في عملية إرهابية أو في حادثة من حوادث الطرق وما أكثرها في بلادنا، الكاتب يكشف في نهاية القصة بأن الأب فقد إحدى رجليه، ولا يقول كيف؟ .. وحسنا فعل، فليس أدب الحرب مثلا هو تصوير المعارك كما يظن البعض أو هو تصوير لحادثة من حوادث الطرق أو&nbsp; تصوير لعملية إرهابية، ولكن الأدب الجيد هو تصوير الأثار المترتبة على الحرب أو الحادثة أو العملية الإرهابية، والكاتب معني في قصته بالأثار والنتائج وتصوير أثرها غلى نفسية الطفلة ( الإبنة )، التي تحتفظ في صندوق خاص بها على السطح بأحذية كثيرة وبألوان مختلفة، ومن كل حذاء تحتفظ بفردة واحدة، وتصاب بالهلع والفزع عندما تجد عمالا على السطح، فتهرع إلى السطح خشية أن يكون العمال قد عبثوا بصندوقها، ويثير هذا الصندوق فضول أمها، فتفتحه، لتجد بالصندوق الأحذية الكثيرة المختلقة المقاسات والألوان ومن كل نوع فردة حذاء واحدة، وتجد ورقة صغيرة كتبت عليها الطفلة : " يوما ما ستنمو قدم أبي اليمنى، لكن عليه أن يأكل جيدا كما يوصيني دائما ".<br>&nbsp;ومع نهاية القصة، يجد القارئ نفسه معاودا للقراءة والتأمل.<br>2– " غيبوبة " :<br>قصة رمزية تفضح التطبيع مع إسرائيل، وخاصة التطبيع الإقتصادي، ومثل هذه القصص تستحق أن نحتفي بها، وبكتابها، ودور المثقف والأديب الحقيقي هو&nbsp; التنبيه إلى الخلل، والإشارة إليه، ويبدو أن السلام المزعوم مع إسرائيل، التي لا عهد لها ولا ذمة ولا ميثاق، قد مكنها من اختراقنا، والسيطرة علينا، ونجحت في تغيبنا، ودمرت حتى حاسة التذوق لدينا، وصارت كل الأطعمة والأشربة التي نتناولها ماسخة ولا طعم لها، والكاتب يبرز دور المعارضة وتصديها ولو بالكلمة لهذا الاختراق الصهيوني عن طريق جريدة معارضة كانت في يد الأب العجوز الذي استفاق من الغيبوبة أخيرا:<br>" هب الرجل واقفا داخل قهوة المعاشات، وبيده إحدى صحف المعارضة، وظل يصرخ قائلا : هو دا السبب، هو دا السبب، العيب في المواسير، ثم سقط لا فظا أنفاسه الأخيرة "<br>" انتبه أحدهم إلى الصحيفة التي مازالت على الأرض، التقطها، وارتدى نظارته ذات العدسات الثقيلة، فوجد العنوان الرئيسي في الصفحة الأولى بالخط العريض : ثلاثون يوما مرت على بدء استيراد الغاز الإسرائيلي!! "<br>3 – أحجار كريمة :<br>إذا كانت المقاومة في قصة " غيبوبة " بالكلمة عن طريق جرائد المعارضة للسلام المزعوم مع أولاد القردة والخنازير، فإنه في أرضنا المحتلة يكون بالحجر، وتعظيم دور المقاومة شيء محمود للكاتب، فالمقاومة تعني أن الأمة مازالت حية وقادرة على الفعل، وما أروع الأحجار التي تمردت! ..وما أجمل الحوار الذي دار بين الأحجار القديمة التي كانت يوما بيوتا وطالها القصف الهمجي البربري فتهدمت وتناثرت وسقطت على رءوس الأبرياء من أهالينا فأودت بحياتهم والأحجار الجديدة التي تم استيرادها للبناء بعد أن رفضت الأحجار القديمة أن تعود للبناء وتحولت إلى سلاح من أسلحة المقاومة، في أيدي الصبية في فلسطين العزيزة الصامدة الأبية.<br>برهافة حس شديدة استطاع الكاتب في هذه القصة أن " يأنسن " الجمادات، وافرأ هذا الحوار الماتع الذي دار بين كبير الأحجار القديمة وكبير الأحجار الجديدة التي جُلبت للبناء :<br>" رد كبير الأحجار القديمة : هم لم يهملونا، نحن من رفضنا الانصياع، فلدينا مهام ووظائف أخرى أهم!<br>- ألسنا مكلفون بستر البشر؟!<br>- بلى يا صديقي، كنا قديما نستر الغني والفقير، نحمي المصلين في المساجد والكنائس، وكنا شهودا على ما جرى لمن نسترهم من أطفال ونساء ورجال وشيوخ، والآن بعد أن انكسرت النفوس، ووقعتا فوق الرؤوس، أصبح من الصعب علينا استكمال ما خلقنا لأجله، فطلبنا من الله أن ينزع منا صفة الإلتصاق بمواد البناء، فاستجاب، فالأحجار التي ذاقت طعم الدماء لا تصلح للبناء، وجميعنا ذاقها، ...<br>لكن شتان بين الأمرين، فهذه دماء بريئة تدمي القلوب، وتلك دماء غاصبة مجرمة، نفرح بها، وتزيل عنا الهموم، فأقسمنا على الله ألا يعيدنا سيرتنا الأولى، حتى نرتوي من دماء الظالم المحتل. "<br>ويستمر الحوار بين كبيري الأحجار القديمة والجديدة، وفي النهاية يطلب كبير الأحجار القديمة منه ومن الحجار الجديدة :<br>" ادعو لنا أن يوفقنا الله في مهمتنا الجديدة، فقد أصبحنا جُندا من جنود الله، التي لا يعلمها إلا هو، وسلاحا للمستضعفين، وطلقات في أيدي المناضلين، المدافعين عن الأرض والعرض. "<br>4 – بسبوسة :<br>فكرة القصة جيدة جدا، والكاتب على وعي شديد بالجغرافية المصرية، وبالمركز والأطراف، وحسنا فعل بأن جعل بطل قصته مدرس جغرافيا، وهذا المدرس يقارب لطلابه الذين يحبونه بين خريطة مصر وصينية البسبوسة، وينحاز المدرس للأطراف لأنها أكثر&nbsp; قوة وصلابة وتماسكا من المنتصف الذي يصفه المدرس بالميوعة، وهذا هو حال صينية البسبوسة وحال مصر، فالأطراف في مصر هي الأكثر محافظة على القيم والعادات والتقاليد، وللأطراف ثقافتها المعروفة في المأكل والمشرب والملبس وحتى في الفلكلور والغناء، وأما الوسط، فباسم التحضر وتحت شعار المدنية فقد ذوقه وخصوصيته، وصار مائعا، ماسخا، لا طعم له ولا لون ولا شكل، .. واقتنع الطلاب بما يقوله المدرس، ووعدوه بتطبيق نظرية البسبوسة التي اخترعها الأستاذ والذي يحب أطراف صينية البسبوسة، وعندما دق جرس الفسحة، سمع هتافات طلابه، فذهب إلى فناء المدرسة ليستطلع الأمر : " سمع هتافهم&nbsp; : ( بسبوسة .. بسبوسة ) .. ووجدهم يشيرون إلى ناظر المدرسة الواقف في الفناء مُمسكا بعصاه الشهيرة، مرتديا نظارته، وبدلته، وفي قدميه كوتشي بينور! "<br>القصة كما تبدو طريفة، وصاغها الكاتب بأسلوب ضاحك، ولكن العلاقة بين الحواف والحدود والمنتصف، لا تُعالج بهذا الشكل البسيط، فالمسألة هنا مسألة هُوية، والكاتب في معالجته تبنى المعالجات المدرسية، وللأسف هي معالجة الدولة بكل أجهزتها، فعلينا أن نواجه مشاكلنا بشجاعة وصراحة، ومواجهتها تبدأ بالاعتراف بها، نعم هناك مشكلة حدود، ومشكلة أقباط ومسلمين، فليس حل مشكلة الأقباط والمسلمين مثلا بظهور شيخ الأزهر والبابا وهما يتبادلان القبلات أمام شاشات الفضائيات، وهناك مشاكل في سيناء، وهناك مشاكل في النوبة، وحتى في مرسى مطروح، ولأهل النوبة تاريخ وحضارة وثقافة، ولهم لغتهم أيضا، ولا ينسى أهل النوبة الحضارة والقومية النوبية، ولا ينسى أهل النوبة تهجيرهم ومغادرة ديارهم، وإذا كانت هناك الثقافة النوبية فهناك الثقافة السيناوية، ثقافة البدو، بكل ظلالها التاريخية، وعلينا أن نتساءل هل الهوية المصرية قادرة على استيعاب هذه الثقافات، والتحاور معها، والإيمان بالتعدد، وعدم الإقصاء للآخر، وقبوله، أعتقد أن التعصب والتشدد الديني إذا لم ننتبه سينسف الهوية المصرية، التي تتآكل يوما بعد يو م بسبب هذا التعصب، فالموضوع الذي أثارته القصة كان يحتاج إلى معالجات أكثر عمقا، فالموضوع شائك وخطير.<br>........................<br>الم ور الثاني : الخطاب الديني، والمقاصد العُليا للدين على وجه العموم :<br>1 – فتوى :<br>هذه القصة صاغها الكاتب بحرفية شديدة، و جاءت مثل طلقة الرصاص، وقد أصابت الهدف من أقرب زاوية.<br>فموضوع القصة من الموضوعات الدينية التي تثير البلبلة، وتعكس واقع فوضوي نعيشه، وبطل القصة إمام مسجد، شأنه شأن الكثيرين من رجال الدين في هذا الزمن، ممن ينقبون في كتب الفقه القديمة، ويبحثون عن الأفكار والفتاوي الشاذة، وانتشرت هذه الظاهرة في الأونة الأخيرة، وخاصة بعد انتشار القنوات الفضائية الكثيرة، وأصبحت هذه الفتاوى مادة خصبة لهذه القنوات، وبضاعة رائجة لبعض الشيوخ الحمقى، والباحثين عن الشهرة.<br>والكاتب لم يفصح عن الفتوى مباشرة، ولكنه ادخرها للنهاية، مستخدما خاصية التشويق للقارئ، المتعطش والمتلهف لمعرفة هذه الفتوى – أو القنبلة التي أطلقها الشيخ في أحد دروسه الدينية بالمسجد، والتي استفزت أحد المصلين، يبدو أنه من المثقفين الذين يُعملون العقل، والذي جابه الشيخ، باستحالة تنفيذ ما يطلبه الشيخ وبشكه في صحة هذه الفتوى و .. و ..<br>والفتوى التي أفتى بها الشيخ، ونصحهم بتنفيذها فهو المسئول عن الفتوى وعلى الناس التنفيذ، وهو بهذه الفتوى يخلي مسئوليته أمام الله والرسول، والفتوى: على الرجل إذا ماتت زوجته أن يضاجعها قبل ذهابها إلى القبر!!<br>فاستبشع هذا المثقف قسوة ووحشية الفتوى، فللموت جلاله وحرمته وطقوسه، فمن ذا الذي يجرؤ على فعل هذا، فجابه الشيخ، وواجهه، وهي ايجابية محمودة من هذا المثقف، والشيخ يستنكف محاورته، ويكره مجادلته له، فالشيخ يرى أن عليهم الطاعة!<br>ويبرز دور الحوار في هذه القصة، فاعتمد الكاتب في كثير من أجزاء القصة على الحوار، وعلى ( المونولوج ) الداخلي أيضا، وكان للحوار دور فاعل في تنمية الحدث والدفع به، كما كان له دور مهم في الكشف عن طرائق تفكير الشخصية، ورؤية وأيدولوجية كل من الشيخ والمثقف.<br>2-&nbsp; حلال يا ابني؟.<br>قصة بديعة، تشير إلى قدرة الكاتب الفذة على التقاط الجمل القريبة من المأثور، وإعادة تأملها، وإعادة انتاجها، وصياغتها، في أثواب جديدة، ورغم أنها جمل دينية، ولكنها بعيدة كل البُعد عن الوعظ والارشاد، وبعيدة عن الإنشاء الاجوف، والجملتان التي تعامل معهما الكاتب بمهارة، يصل مدلولهما الديني والأخلاقي بنعومة وسهولة وعذوبة ويسر، وينتقل معناهما من الجد للابن للحفيد، فالكاتب يخاطب الوجدان، وما أجمل أن يصير الإيمان وجدانا، والجملتان هما ( حلال يا ابني ) و ( تقوى الله ).<br>والكاتب يستهل قصته برد فعل الطفل على قول جده لأبيه : ( حلال يا ابني؟ ) :<br>" سألت نفسي كثيرا مالذي يدور في عقل جدي ويجعله لا يمل من تكرار هذا السؤال على أبي، أتراه يتحرى الحلال من الحرام فقط حتى في صغائر الأمور؟ أم بالتكرار يقوي مناعته وحائط الصد المنوط به مقاومة الشهوات وكبح جماح النفس الأمارة بالسوء؟ أم يكثف ويملأ تجويف صدر ابنه بصدى صوته وهو يسأله سؤاله الشهير حتى إذا ماراودته نفسه يوما ما وتهيأت لقبول الحرام تردد الصوت بداخله فيسمعه قلبه قبل أذنه، فيمتنع. "<br>ردود فعل الحفيد&nbsp; على سؤال الجد متفاوته : استغراب، استهجان، رحابة صدر، اطمئنان، والاطمئنان يأتي حتما في النهاية، حينما تتجاوز الكلمة الأذن ويعقلها العقل وتسكن القلب، وتصير وجدانا، وهذا هو الإيمان الذي ينشده الكاتب، والذي يصبح في النهاية سلوكا نمارسه، ودون أن نسأل.<br>وفي حالات تذمر الحفيد واستهجانه من سؤال جده لأبيه المتكرر :<br>" ... هل يظن أن أبي سارق أو يقبل الحرام، ويستحل ماليس له حق فيه؟ .. كيف؟ .. "وفي مشهد رائع يستعيد الكاتب نتفا ومشاهد من حياة والده، الموظف البسيط، والذي تمثل هذه الجملة الدينية ورسخت في قلبه ووجدانه، فصارت سلوكا، وكأن الكاتب أراد أن يلبس هذه العبارة وهذه الجملة ثوب الإنسان، وتدب على الأرض، ونتلمسها سلوكا راقيا ورائعا في هذا الأب، و .. و ..<br>وتدور الأيام ويكبر الابن ويصبح موظفا، ويصير الأب عجوزا، وما كان يفعله الجد يتكرر مرة أخرى، ولكن العبارة تختلف، وتأتي ردود الأفعال متباينة أيضا، فالأب يوصي ابنه الذي صار موظفا ب ( تقوى الله ) :<br>" هل يراني كثير المعاصي كي يذكرني كل صباح بتقوى الله؟ أو هو من باب فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين؟ .. كففت عن البحث أو السؤال عن السبب، وتقبلت الأمر كما تقبله هو من قبل بصدر رحب وايتسامة رقيقة. "<br>ومن خلال الجد والأب والابن الذين حولوا هذا الشعار الديني إلى واقع وسلوك، كان له الأثر الطيب في حياتهم، فصفت نفوسهم، وتألقت أرواحهم، ومرت حياتهم وخاصة الأب والجد في خير وسعادة بسبب تحري الحلال وتقوى الله، وكانت نهايتهما في هذه الدنيا تشابه نهاية الأولياء الصالحين والقديسين، فانتهت حياة الأب وهو ساجد في صلاة الضحى.<br>إن أثر هذه القصة على المتلقي، ووقعها على نفسه، يفوق أثر مائة خطبة من خطب مشايخنا اليوم، وهذا دور مهم من أدوار الفن عموما، والقصة خصوصا، في تهذيب النفوس، وترقيق الإحساس، والوصول بالإنسان إلى المراتب الأعلى والأفضل.<br>3 - حادث في آخر العمر :<br>رغم أن فكرة القصة جيدة، لكن الكاتب أفسدها، عندما تدخل في الشخصية، شخصية عم نجيب السائق الذي يحظى باحترام كل من بالموقف، وينال حب وثقة السائقين، وكان لهم بمثابة النقيب، الناصح لهم، ومنصف المظلوم منهم، والباحث عن حقوقهم، وعم نجيب ملتزم بالقانون، وعلى خلق رفيع، ويعرف أصول القيادة، وآدابها، وعم نجيب الذي تقدم به العمر ، جلست بجواره حسناء، آية في الجمال، فاتنة، فأسره جمالها، وتمنى لو يفعل معها ما يفعله بعض السائقين المنفلتين أخلاقيا في مثل هذه المواقف، وظل شاردا وساهما في جمال الفتاة الفاتن، نادما على عدم تركيب مرايات كثيرة مثل السائقين حتى يستطيع أن يرقب ويرصد هذه الأنوثة الفياضة، والتي أثارته، وحركت ما كان يظنه قد سكن، وأثارت ما كان يعتقد أنه قد ركد.<br>ولكنها في النهاية مجرد نزوة عابرة انتابت الرجل الوقور، وسرعان ما استفاق منها، عندما علم من الفتاة أنها زميلة ابنته، فاستغفر الله، وتاب وأناب.<br>مشكلة القصة كما قلت أن الكاتب لم يترك لعم نجيب التعبير عن نفسه وفقا لثقافته ولغته، ولكن الكاتب هو من عبر لا عم نجيب، فجاءت اللغة فوق مستوى تفكير&nbsp; وثقافة وتعليم عم نجيب السائق، فيقول الكاتب على لسان عم نجيب : "&nbsp; .... تبدو كتفاحة طازجة لم يلمسها حتى كفوف المزارعين، تذكرني بمصباح الأشعة الحمراء في غرقة العلاج الطبيعي الذي تشعر بحرارته الشديدة دون لمسه، أنا اشعر بدفء جسدها وحرارته التي تنبعث منه على جانبي الأيمن، .... " <br>4 -&nbsp; حنان :<br>أبان الكاتب في هذه القصة عن مهارة فائقة في رسم المشهد القصصي الأخاذ :<br>" على رصيف مهجور في آخر محطة الحافلات جلست تحتضن أولادها، تستظل بظل السيارة القديمة التي باتت مسكنا للقطط، تشبث الصغير بثديها يستجديه أن يروي ظمأه، ويسد جوعه، وصغيرة اتخذت من فخدها وسادة، وراحت في نوم عميق، علها الآن تحلم بمصير غير مصير أمها المسكينة، وثالث يجري وراء القطط ويلعب معها، أما رابعهم الذي لم يتعد السابعة، دفن رأسه بين يديه وقدميه، ربما ينظر ويداعب أصابعه الهاربة من مقدمة حذائه البالي، أو ربما يغض البصر عن من هم في مثل سنه أثناء عودتهم من مدارسهم بصحبة أبائهم وأمهاتهم. " .<br>مشهد يصور حال البؤس والشقاء والضياع لهذه السيدة وأولادها، مشهد يدين المجتمع، ويدمي الضمير الإنساني، فهذه السيده استوقفته، وتسمر أمامها، فهي تشبه رغم الأسمال البالية ( بسمة ) ابنة خاله، ويستعيد ابنة خاله حين كانا طفلين في فصل واحد ومدرسة واحدة، ويركبان الدراجة و .. و .. <br>" تقدمت نحوها على مهل، وأنا شارد الذهن، مدققا في عينيها البنيتين، كلما أقترب تزول أتربتها، وأستبدل هيئتها الحالية بصور طفولتها البريئة، الجميلة، بريق عينيها، ضفائرها، مرحها، اصرارها على ركوب الدراجة خلفي كل صباح ... "<br>فتخشى هذه السيدة منه، فتقول : " والله ما عملت حاجة يا أستاذ! "<br>يقول الكاتب : " بصوت ضعيف منكسر قطعت شرودي، واخترقت نبرتها الحزينة ضلوعي، فجاء صوتي من مقام الصبا، مرتعشا، مذبذبا:<br>- بسمة؟ <br>قالت : لا والله يا استاذ، أنا اسمي حنان.<br>كنت أتمنى أن يتوقف الكاتب عند هذا الحد، فالمشهد في حد ذاته كاشف وفاضح، وفيه إدانة قوية للمجتمع والناس، وكان سيترك للقارئ فضاءات أوسع للتأمل، ولإعمال الخيال، ولكن الكاتب أصر على التصريح، واقحام العظة الدينية، فبسمة ابنة خاله باعها خاله في سوق النخاسة تحت مسمى الزواج، وتحول الكاتب هذه المرة وعلى غير عادته إلى واعظ يعتلي المنبر ويلقي على أسماعنا بخطبة عصماء عن صلة الرحم! <br>5 - حديقة الصبار :<br>قصة حوارية جميلة قائمة على فلسفة الحياة والموت، تذكرك بالحوارات العقلية للفلاسفة، والمفكرين، ولكن يظل أجمل ما في هذه القصة هو مشهد النهاية، والمدهش أن مشهد النهاية يعيد للبداية الحوارية العميقة زخمها وبعدها الاجتماعي والأخلاقي والإنساني.<br>" .... لا أتذكر أمي، لكني أتذكر شجرة الصبار التي كانت على رأس قبرها، بعدما ترك أبي يدي ليصافح المشيعين، تسللت من بين الصفوف عائدا لقبر أمي، وجلست عند رأسها بجانب الصبار، سالت دموعي في صمت، وكفي الصغير المتوتر يعبث في ورق الصبار، غير مهتما بوخز أشواكه، فألم القلب أكبر، حتى انقطعت إحدى الورقات، فسال منها الماء، حسبته حينها دموع الحزن, وانبعثت منها رائحة نفاذة، ينفر البعض منها، ظلت عالقة في أنفي لأيام طويلة، من وقتها، كلما اشتقت لأمي قطعت ورقة من الصبار"<br>6 – فلاش :<br>هذه واحدة من القصص المضيئة بالمجموعة، تلقي الضوء على علاقة الأب بالإبن، من خلال ( الفلاش )، والفلاش هنا له أكثر من دلالة وأكثر من معنى وأكثر من تأويل، ( فلاش ) كاميرا المصور الذي يلتقط الصورة للطفل، و(الفلاش باك ) المعنى الفني، الذي يستعيد فيه الطفل الذي صار أبا صورا من طفولته في حياته مع والده، ويتعدى الكاتب علاقة الطفل بأبية، فيرصد نتفا من حياة المجتمع السياسية والاجتماعية، ربما ليوقفنا على زمن القصة، لأن تصريحه بأنه ذهب للمصوراتي لألتقاط صورا له لتقديمها للمدرسة للصقها على استمارة التقدم لامتحان الشهادة الابتدائية، هذه الاشارة غير كافية لنعرف الزمن العام، فأشار الكاتب إلى ما يدل على الزمن :( ينشغل والدي مع صديقه المصور حول أوضاع المعيشة وموعد الأوكازيون الشتوي وصرف بطاقات الكساء الشعبي وأخر ماورد في الأخبار حول قضية استرداد&nbsp; طابا، ... ).<br>إذن نحن في أوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي .. والذي كان الطفل وقتها في الصف السادس، ويجلس أمام الكاميرا، ووالده خلف الكاميرا، ليدور الزمن دورته، ويقف أمام نفس المصور&nbsp; وتتأبط ذراعه ذات الرداء الأبيض والطرحة البيضاء المطرزة " هيئني المصور للصورة الأولى، فابتسمت لأبي، وكأنني أذكره بالماضي، وعزمت بعد التقاط هذه الصورة، سأخذ بيده وأقبلها وانتقل به من خلف الكاميرا إلى الأمام وأخبره أنه اليوم أتم رسالته، وآن الأوان أن يظهر في الصورة "<br>ونكتشف بعد هذه الإعاشة الكاملة مع الأب :<br>" يخطفني فلاش الكاميرا كعادته، وقبل أن ينتهي أثر الضوء من عيني، سمعت صوت المصور العجوز يقول :<br>كنت أتمنى أخذ صورة لك مع أبيك زي كل مرة، الله يرحمه، كان يحلم بهذا اليوم، مبروك يا عريس "<br>الرمز عند الكاتب رمز إيحائي بسيط، فرمزية الأب الذي يظل خلف الكاميرا هو رمز لنكران الذات والتضحيات من الأباء في سبيل تربية وتنشئة أولادهم وترقيتهم والوصول بهم إلى أعلى الرتب، ووضعهم في دائرة الضوء، ويبذلون الغالي والنفيس، بحب وعن طواعية، ودون انتظار حتى كلمة شكر، رحم الله هؤلاء الآباء العظام الذين رحلوا وغادروا دنيانا قبل أن نقر ونعترف بأفضالهم علينا ونقبل أياديهم، ونجلسهم في مقاعد الصدارة التي يستحقونها، ونضعهم أمام الكاميرا.<br>والقصة تأخذ شكل الدوائر غير المكتملة، فمع دوران الأيام وتعاقب السنوات، سيصير العريس أبا، وحتما سيجلس خلف الكاميرا، وابنه أمام الكاميرا، وقد يصير جدا، ويتناول صورة حفيده ويضعها في حافظته مع صورة الأحفاد، كما فعل جده معه.<br>( فلاش ) تلقي الضوء على أشياء كثيرة، ربما في زحمة الحياة نمر عليها ولا نلتفت إليها، فيسلط الكاتب عليها الضوء، ليوقفنا أمامها، ونستعيدها من جديد.<br>7 – النتيجة :<br>بطل هذه القصة مدرس شاب، يقوم بتدريس مادة التربية الفنية بإحدى مدارس المرحلة الإعدادية، وهذا المدرس كما يبدو من النص، مُحبا لعمله، ويوليه اهتماما كبيرا، ويسعى إلى اكتشاف الموهوبين، وتنمية قدراتهم، وفي آخر شهر ديسمبر طلب من الطلاب رسم نتيجة العام الميلادي الجديد، وفوجئ بأحد الطلاب يرسم بموهبة تصل حد الاحتراف صورة لواجهة أحد المصارف / البنوك الحكومية الشهيرة، لم ينس الطالب أية تفصيلة من التفصيلات الموجودة على واجهة البنك، اسم البنك وتحته ( اللوجو ) أو العلامة التجارية أو التميزية كما يسمونها، وتحتها شعار البنك، وكتب الطالب الجمل بخط مزدوج يشبه الأصل تماما، فأعطاه المدرس الدرجة النهائية، والمدرس بينه وبين نفسه يحاول ان يجد تبريرا لهذه الدقة في تقليده لواجهة البنك، فيعتقد أن والده يعمل بهذا البنك، ومن المؤكد أن الولد يذهب مع والده إلى البنك كثيرا فيطالع واجهة البنك في غدوه ورواحه، ومن المؤكد أيضا أن الأجندات والنتائج التي يطبعها البنك كل عام على سبيل الدعاية مكدسة في منزله وأمام عينه مذ كان رضيعا، و .. و ..<br>والكاتب لا يتردد في الكشف عن هوية المدرس، فهو منحاز للفقراء، وكان بينه وبين نفسه يتمنى أن يكون هذا التلميذ من التلاميذ الفقراء، وساخط على الأغنياء، فعندما سأل في الحصة التالية عن هذا التلميذ الموهوب، أجابه الطلاب بأنه متغيب اليوم، فيقول في نفسه هذا هو حال أولاد الأغنياء لا يولون المدرسة اهتماما، فهم يعتمدون على الدروس الخصوصية!!<br>إذن المدرس قد رسم للتلميذ صورة ذهنية، هذه الصورة صورها له الحقد الطبقي، وترسخت هذه الصورة عندما كان يمر أمام هذا البنك بصحبة بعض الطلاب، صاح بعض الطلاب : <br>( - مصطفى أهو يا أستاذ؟<br>- مصطفى مين؟<br>- مصطفى اللي رسم صورة البنك، وكنت بتسأل عليه، واقف عند الباب.<br>لم أخطئ إذن، ولد وسيم، ملابسه جميلة ونظيفة، شعره مهذب، ويبدو عليه الهدوء والأدب.<br>- أنادي عليه يا أستاذ؟<br>قلت : لا، أكيد منتظر يروّح مع والده. )<br>وهذه القصة تعتمد على تقنية المفارقة، والمفارقة تأتي في نهاية القصة، لتنسف ما ترسخ في ذهن الأستاذ، فعندما ذهب إلى شئون الطلاب ليستعلم عن أحوال هذا التلميذ، فيخبره الموظف المختص أن والدته تقدمت إلى المدرسة بالتماس طلبت فيه استكمال دراسة ابنها بالمنزل، وأخبره الموظف أيضا بأن أمه تتردد على البنك منذ شهرين لإنهاء اجراءات قرض المرأة المعيلة!!.<br>إذن للمفارقة التصويرية هنا دور فاعل في بناء هذه القصة، وبفضل هذه المفارقة جاء البناء محكما.<br>المحور الثالث : صورة القرية المصرية :<br>.............<br>1– لصوص بريئة:<br>الكاتب محمد فكري يعيدنا مكانيا إلى قرية افتقدناها، إلى القرية المصرية الأصيلة حاضنة القيم والأخلاق قبل أن تزحف عليها المدينة، وتلتهمها، قبل أن تصبح مسخا مشوها للمدينة، فالناس في القرية كانت تتشابه : ( عشرون عاما تشابهنا خلالها في كل شيء ..)، وكان الاختلاف الوحيد في الأسماء، وفي العلاقات الاجتماعية: ( كل الرجال أعمامنا، جميع النساء خالات لنا )، وفي التكافل : ( دراجة واحدة تكفي جميع الصبية ). ( آخر الليل نجتمع أمام منزل أحدنا نتسامر ونتبادل النكات والحواديت ).<br>الزمن الخارجي للقصة طويل جدا، هو زمن حياة كاملة لثلاثة أصدقاء يعيشون في القرية، ولأن هذا الزمن الطويل زمن رواية فتغلب القاص عليه بتقنية التغذية الراجعة، والتذكر،..<br>ويعيش الشبان بالقرية حياة بسيطة وسهلة في طفولتهم : ( مع آذان المغرب تنطلق الصافرة البلاستيكية للحكم الصغير معلنا نهاية المباراة، ننصرف جميعا إلى المسجد المجاور لأرض الملعب ومنه إلى منازلنا، يتجدد اللقاء بعد العشاء لنمارس هواية أخرى ).<br>ومع مرحلة المراهقة وانصراف البنات عنهم وعدم اللعب معهم، ويرصد الكاتب تغيرات هذه المراهقة على أصواتهم، وعلى شفاههم، وأنوفهم، ووجوههم، فالأصوات تبدلت، صوت جهير، وصوت مبحوح، وصوت متحشرج، والشفاه بهتت وتبخرت صبغتها الحمراء، وشعيرات متناثرة، وقليل من البثور العشوائية جعلت وجوههم غريبة، ولأن هذه المرحلة هي الأخطر في حياة الأولاد، يتوقف عندها الكاتب، ويمنحها المساحة الأكبر، والاهتمام البالغ، ويعني بتفاصيلها، وبقدر اهتمامه بوصف أثرها على الجسد، كان اهتمامه بنفس القدر بوصف أثرها على الداخل، وسنرى كيف أثرت أفعال المراهقة وتصرفاتها على شخصيات الشبان الثلاث، وظل أثر الفعل معهم حتي وهم في سن الكهولة، فهؤلاء المراهقون الثلاثة تحولوا إلى لصوص للمنازل، لا يسرقون مالا أو متاعا، فهم يجلسون أعلى سطح منزل أحدهم : ( دون أن ندري أصبحنا لصوصا للمنازل، منتهكين للأعراض،&nbsp; دخلنا نصف بيوت القرية من مرقدنا عبر النوافذ ) .. فهم يرسلون العيون لأبعد ضوء محملة بالأماني والرغبات، ترجع مرهقة مشبعة بالذنوب و ( كل النوافذ متاحة، كل البيوت مباحة، إلا شارعنا، مازال الدم يجري في العروق، مازلنا نحمل القليل من الحياء ). ....وكشفت لهم النوافذ ما كانت تستره الجلابيب السود والثياب الفضفاضة، ويتساءلون بدهشة: هل هذه فلانة التي تسرح طول النهار خلف الأغنام والمواشي؟ وهذه .. وهذه .. وهذه ..وكشفت لهم النوافذ عن الرجال، فهذا نحيف جدا، وسيقانه كأعواد القصب، وهذا فلان صاحب الكرش الكبير والأثداء المترهلة، وكم هو محظوظ بعمامته الكبيرة وثيابه البلدي الذي يستر كل هذا اللحم.<br>ويظل الشبان يمارسون هذه الأفعال، حتى يتورطوا في ارسال عيونهم على بنتي الشيخ عبر نافذة غرفة نومهما، ولما صبح الصباح كانت الزينة تُعلق في منزل الشيخ وتنطلق الزغاريد، فعلموا أن أحمد الأخ الأكبر لصديقهم حسام الذي كان يسلط عيونه معهم على نافذة الفتاتين سيخطب الفتاة الكبرى، وتوقف الشبان عن ممارسة هذه اللصوصية، وبعد عامين أو أكثر كسر محمود صديقهم حاجز الصمت اللعين، فمنذ تلصصهم على بنتي الشيخ وخطبة الأخ الأكبر لصديقهم أحمد للبنت الكبرى وهم توقفوا عن ممارسة التلصص، ولم يجرؤ أحد بعدها على النظر في وجه صديقه خجلا وحياء، حتى فاجأهم محمود قائلا :<br>( -هل أخطأت الفتيات؟<br>قلنا : لا<br>&nbsp;-هل فعلن أشياء لم نرها في بيوتنا؟<br>قلنا : لا، حقيقة الأمر أنهم كانوا في منازلهم.<br>-هل رأينا منهن ما لم نره من أخواتنا؟<br>قلنا : لا، لكنها الأوهام والخيالات.<br>قال : إذن سأخطب الصغرى. )<br>&nbsp;وبعد خطبة صديقهم محمود لبنت الشيخ الصغرى، سافر من سافر، وأخذتهم دوامة الحياة، ولم يلتقوا إلا بعد عشرين عاما، وانجبوا البنين والبنات، وتقابلوا مصادفة بالمدرسة الاعدادية، فكل منهم ذهب للحصول على نتيجة ابنه، تبادلوا التهاني بنجاح الأولاد، ودعاهم محمود لزيارة بيته الجديد، وكانت المفاجأة أنهم وجدوا خلف السور العالي منزلا جميلا من طابق واحد لا يكاد يرتفع عن السور، وعندما سألاه : كان بإمكانك أن تبني المنزل في وسط الأرض وتستفيد وتستمتع بالفراغ المحيط به من كل جانب، فلماذا بنيته على الحافة وتركت باقي المساحة في اتجاه واحد؟.<br>فابتسم قائلا : عندي ولدين، سأبني لكل ولد منهما منزلا منفصلا بحيث لا يكون عندنا سطحا عاليا تسكنه الخفافيش!<br>ويضحك حسام ويصطحبهما معه ليكشف لهما عن السر الذي حار فيه مقاول البناء وجميع الزائرين، وصعد بهما درجات السلم حتى الطابق الرابع، وإذا بالسلم ينتهي عند الوصلة الأولى، فلا يستطيع أحد الصعود إلى السطح!<br>وبعد القهقهة والضحك المتواصل، يسألان صديقهما الثالث، وأنت ماذا فعلت، يقول : الحمد لله، لم أرزق إلا بالبنات، علمتهم غلق الشبابيك، وحذرتهم من الخفافيش.<br>رغم بساطة القصة وطرافتها، فهي تعكس أخلاق القرية، وتعكس أثر فعل التلصص من المراهقين الثلاثة على نساء القرية وبناتها، وأثره على نفسية هؤلاء اللصوص، وامتداده معهم، ولم تستطع الأيام والسنون من تطبيب الجرح الذي تركه هذا الفعل، بل وصل الأمر حد التغيير في نمط المسكن ليقوا أولادهم من الوقوع فيما وقعوا فيه.<br>2 – لمبه جاز :&nbsp;&nbsp; <br>ومن القرية أيضا يرسم لنا محمد فكري صورة بديعة، ويصور لنا مشهدا من مشاهد القرية القديمة، ونص " لمبة الجاز " جاء أقرب إلى الصورة القلمية، ويعيدنا إلى القرية من خلال التداعي&nbsp; والتذكر و" الفلاش باك " يرسم لنا صورة قلمية مبهرة، و " لمبة الجاز " هي التي فجرت الأحاسيس والمشاعر، والذكريات.<br>ومحمد فكري يكتب بحميمية شديدة، فهو يكتب عن بيئة يعرفها، وأناس قريبون منه، عاش معهم عمرا، الأب والأم والجد والجدة، ينقل لنا صورة أسرة قروية، هي نموذج للأسرة في قرية افتقدناها، والكاتب على وعي بالبيئة القروية، فيقول عن " لمبة الجاز "&nbsp; عقب انقطاع التيار الكهربائي : ( بحثت عن لمبة الجاز، وجدتها في ركن مهمل تحرسها خيوط العنكبوت ) .. ( حررتها من قيودها، الدخان الأسود يطوق عنق زجاجتها، يشكل على محيطها من الداخل لوحة فنية تجسد كل تفاصيل الزمن القديم، بظلامه وطيبته، بنوره ورفعته، بقهره وعزته ) .<br>&nbsp;و" الوصف " عند محمد فكري في هذا النص ماتع، وهو البطل الفني، فانظر إلى هذه القطعة الوصفية الجميلة&nbsp; : ( بقطعة رطبة من القماش محوت كل هذه التفاصيل، ازدادت بريقا بفضل أوراق الصحف، ...، ... ) .<br>ولأنه يصف لنا لوحة، فيغرقنا في تفاصيلها : ( ضحكت جدتي، انتهت من صلاتها، وكعادتها ستنتظر على سجادة الصلاة حتى آذان العشاء ).<br>هذا عن الجدة، أما هو، فيستعيد نفسه طفلا : ( جلست بجانبها ألهو مع خيالي على الحائط أتفنن في صنع أشكال بيدي، لم تعد تخيفني هذه الأشياء، الواقع أصبح مخيفا أكثر ..).<br>وينقل لنا صوت المبتهل المنبعث من الراديو، وجده المشغول بالنفخ تحت قطع الخشب ليشعل مدفأة الغلابة استعدادا لقدوم الأب الغارق في دوامة الحياة ومياه المطر.<br>ومن المشاهد الدافئة :.. سيُلبسه عباءته، ويُجلسه بقربه، يمسح بيده على ظهره ) فهذا الجد يُسقط عنه أعباء النهار، ويبدله دفئا وأمانا، فالجد هو المسئول عن دفء الروح قبل الجسد.<br>وأما الأم : ( تضع اللمسات الأخيرة للطعام، ولا يفوتها تحضير الماء الساخن بما يكفي وضوء أبي ونقع قدميه، وسط دعاء جدتي ..).<br>3 – وجه القمر :<br>هذه القصة تستوقف الباحث والدارس والناقد عند ملمحين مهمين، أحدهما موضوعي مرتبط بالفكرة، والآخرفني، أما الموضوعي فهو التغير الذي طرأ على القرية المصرية، فأصبحت مسخا مشوها للمدينة وفقدت خصوصيتها، أما الملمح الثاني وهو في رأيي الأهم : وهو قدرة الكاتب ومهارته الفائقة في رسم شخصية وصورة الجد القروي العجوز.<br>....................<br>......... ...........<br>&nbsp;<br>&nbsp;<br><br>

  2. #2
    قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Nov 2019
    المشاركات : 1,394
    المواضيع : 96
    الردود : 1394
    المعدل اليومي : 2.73

    افتراضي

    قراءة تحليلية رائعة لقصص قصيرة بأفكار جميلة تثير الفكر وتشغل الخيال وتدعو إلى التأمل
    أتمنى أن أعثر على هذه القصة فقد شوقتني لقراءتها لأستمتع بمهارة الكاتب القصصية.
    فشكرا لك.

  3. #3
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 16,077
    المواضيع : 224
    الردود : 16077
    المعدل اليومي : 5.06

    افتراضي

    اختيار جميل لكاتب رائع ـ كتب (15) قصة من قضايا الواقع المعاش ـ وسلك كاميراته
    على هموم الذات التي تشعر بالإغتراب داخل الوطن ـ وهموم الوطن ذاته .. بلغة
    تصويرية موحية ومعبرة.
    قراءة نقدية مميزة وسعت تحليل دقيق مسلط الضوء على جمالية كل قصة، وكاشفة
    ما تضمنته القصص من أفكار وقيم.
    قراءة مميزة في عمل إبداعي رائع ـ فشكرا لك.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي