أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الاشتغالاتُ الأسلوبيةُ اللُّغَوِيَّةُ والفنيةُ والوجدانيةُ في شعر

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد عبد المجيد الصاوي شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : فلسطين ـ غزة
    المشاركات : 1,304
    المواضيع : 184
    الردود : 1304
    المعدل اليومي : 0.47

    افتراضي الاشتغالاتُ الأسلوبيةُ اللُّغَوِيَّةُ والفنيةُ والوجدانيةُ في شعر

    الاشتغالاتُ الأسلوبيةُ اللُّغَوِيَّةُ والفنيةُ والوجدانيةُ في شعر
    حسين العبدالله
    قصيدة: "ما بينَ مَهْدي وَبُرْدتي"؛ نموذجًا

    دراسةٌ نقديةٌ مقدمةٌ إلى المجلاتِ العلميةِ الجامعيةِ المُحَكَّمةِ
    أعددها: محمد عبد المجيد الصاوي _ ماجستير في النقد الحديث من الجامعة الإسلامية بغزة

    نَصُّ القصيدةِ
    ﴿ ما بينَ مَهدي وبُردتي ﴾

    أسيرًا في المرايا بتُّ وَحْدي
    أسامرُ عبرتي، سُهدي، وَوَجدي

    وأبحثُ في عيونٍ عن عيوني
    وما دربٌ هناك إليَّ يَهْدي

    أضعتُ مدينةً، وطنًا، وأُمًّا
    وكنتُ معي وصِرْتُ اليومَ ضِدّي

    تُقَلِّبُني الليالي لا تُبالي
    كأنّي في يَدْيْها زَهْرُ نَرْدِ

    وظِلّي قَدَّ مِنْ دُبِرٍ قَميصي
    يقولُ: تَعِبْتُ.. قِفْ.. ضَيَّعْتَ رُشْدي

    بِشَيْبي _لوْ تَعُدّي_ ألفُ جرحٍ
    وقلبي فيه ألفٌ ..... لا تَعُدّي

    تقولُ لي المرايا: إنَّ ريحًا
    ستأتي عن قريبٍ، فاسْتَعِدّي

    وكيفَ الريحُ تأخذني بعيدًا؟!
    وكيفَ يُطيقُ أهلُ الحُبِّ بُعْدي
    أنا دفءُ الصباحِ على خريفٍ
    فمَنْ يا صُبْحُ للأوراقِ بَعْدي

    أنا صوتُ المآذنِ فاسْمَعيني
    وإنْ ناديتُ: "حيّ عليَّ" .. رُدّي

    أنا خبزُ القلوبِ فَوَزِّعيني
    لكلِّ السائلينَ ولا تَصُدّي

    أنا دمْعُ اليتامى، زَمْزِميني
    ورُشّيني صباحًا فوقَ وَرْدِ

    صغيرًا أرضعتْني الحبَّ أمّي
    وحينَ فُطِمْتُ كانَ الحبُّ نَهْدي

    وثَغْري ضَفْتانِ تَفيضُ شَهْدًا
    بلا مَنٍّ سَقَيْتُ الناسَ شَهْدي

    فُراتيٌّ، وأمّي قَمَّطَتْني
    بِحُبِّ الشامِ فاسْتَحْلَيْتُ شَدّي

    وكانَ المهدُ _مَهدي_ ياسَمينًا
    فكيفَ أخونُ مهما عِشْتُ مَهدي

    أنا في العَيْشِ صدرُ الشامِ قَصْري
    وَبعدَ الموتِ جَفنُ الشامِ لَحْدي

    خُذي هذي الوَسائدَ أتْعَبَتْني
    ومُدَي ساعديكِ - فدايَ - مُدّي

    دَعيني ها هُنا أغْفو طويلًا
    أُمَرِّغُ في نَدى زِنْدَيْكِ خَدّي

    ففي زنديكِ عطرٌ مِن بلادي
    وهذا العطرُ ما أغلاهُ عِندي

    وإنْ شَحَّ الذي قدْ كانَ مِنّي
    هَبي عُذْرًا لجزرٍ بعد مَدِّ

    وإنْ هَبَّتْ رياحٌ عانِقيني
    فصدرُك بُرْدَتي مِن كلِّ بَرْدِ

    *******

    مقدمة:

    عندما تبتعدُ لغةُ الشاعرِ عنِ الزركشةِ والزخرفةِ، ولا تكونُ تلكَ اللغةُ خشبيةً، ولا تمثاليةً؛ وعندما تنْأى اللغةُ عنِ السطحيةِ والمُباشرةِ، وعندما تَشعرُ بتلكَ اللغةِ تَمَسُّ شغافَ قلبِكَ، فتنخلعُ لها أضلاعُهُ، وتُصاحبُكَ الدموعُ في رحلتِكَ معَ النصِّ؛ فأنتَ حينَها أمامَ شاعرٍ يُجيدُ العزفَ على أوتارِ القلوبِ.. شاعرٍ عاشقٍ تخضَّبَتْ آهاتُهُ بالشِّعْرِ، وتَرَنَّمَتْ عذاباتُهُ بالقصيدِ، شاعرٍ مهندسٍ يَبني قصيدتَهُ بمعماريِّةِ الغربةِ، ويرفعُ أعمدتَها بالشوقِ إلى الوطنِ، ويُؤَثِّثُها بالتعبدِ في محرابِ أمِّهِ.

    فهذهِ القصيدةُ التي أحاولُ أنْ أقفَ اليومَ على أسوارِها، كي أَلِجَ في قصرِها وأتجولَ في جنباتِها معَ معاشرِ القراءِ، كلما قرأتُها راودَتْني مشاعرُ تجيشُ وتمورُ، لم أشعرْ بها إلا في قصائدَ معدودةٍ على مدارِ سنينَ طوالٍ؛ لتأخذني لذةُ الشعرِ ومتعتُهُ، فلا أرغبُ بانقضاءِ النَّصِّ، وكأنَّ الشاعرَ رأفَ بالقلوبِ، أو تراهُ أرادَ تعذيبَها.

    أجدُ جموعَ المتلقينَ وبعدَ أنْ تَفَيَّؤوا ظلالَ القصيدةِ، وعاشوا معَ روحِها، وارْتَووا مِنْ مَعينِها؛ قدْ علموا أنني ما زِدْتُ ولم أُبالغْ في وَصْفي وتَقْديمي ذلكَ.

    وقصيدةٌ كهذهِ وشاعرٌ هذهِ حالُهُ، لا بُدَّ أن يُنْعِمَ علينا بلغةٍ عاليةٍ ساحرةٍ آسرةٍ، ويمطرَنا ببهاءِ المزاوجاتِ، ويجودَ علينا بجلالِ التآلفِ الشعريِّ، لنجدَ أنفسَنا أمامَ نسيجٍ متماسكٍ، تراصتْ فيه العواملُ اللغويةُ والفنيةُ لتقدمَ لوحةً شعريةً فاتنةً من الاشتغالاتِ الأسلوبيةِ، شكلَّها الزخَمُ الوجدانيُّ، وصاغتْها عبقريةُ العشقِ.

    الدراسة:

    1_ أسيرًا في المرايا بتُّ وَحْدي
    أسامرُ عبرتي، سُهدي، وَوَجدي
    2_ وأبحثُ في عيونٍ عن عيوني
    وما دربٌ هناك إليَّ يَهْدي
    3_ أضعتُ مدينةً، وطنًا، وأُمًّا
    وكنتُ معي وصِرْتُ اليومَ ضِدّي

    تتجلى حالةُ الاغترابِ أمامَنا، لترسمَ المعلمَ الأولَ من معالمِ الشاعرِ الوجدانيةِ، ليَنْبَني الفكرُ الشعريُّ هنا على أسسٍ واضحةٍ، فالشاعرُ الذي يكابدُ الغربةَ وضياعاتِها، يضعنا أمامَ لغةٍ سائغٌ شرابُها عذبٌ فراتُها، لا تهويمٌ فيها ولا تذريرٌ.

    نجدنا في افتتاحِ القصيدةِ أمامَ مفردةٍ منصوبةٍ "أسيرًا" ليبتدئَ الشاعرُ متلقيهِ بوصفِ حالهِ وتبيانِ هيئتِهِ، لِنَقَعَ على أولى الاشتغالاتِ الأسلوبيةِ التي تحملُ دلالةَ التوزيعِ النحويِّ البارعِ، فالمنصوباتُ النحويةُ تستيقظُ النظرَ إلى عبقريةِ هندستِها اللغويةِ.
    سجنُ هذا الأسيرِ المرايا، فأيُّ مرايا هذه؟!.
    إنها مرايا الروحِ والنفسِ، مرايا تنطقُ أمامَ الفتى وتُخاطبُهُ، مرايا الوطنِ الذي يحملُهُ ولا يغيبُ عنه، مرايا تعذبُهُ وتثيرُ مكامنَ شجنِهِ وألمِهِ وتذكرُهُ بضياعِهِ واغترابِهِ.

    وبذلكَ فإنَّ الجملةَ الشعريةَ الأولى تشكلتْ برمزيةٍ قريبةٍ محببةٍ إلى النفسِ، تجسدتْ فيها مزاوجةٌ اسميةٌ معنويةٌ تقومُ على العلاقةِ التقاربيةِ؛ فالأسرُ والمرايا مُزاوجانِ معنويانِ، يتقاربُ فيما بينهما مفهومُ الثباتِ والجمودِ.

    وقد شِيدَ البناءُ التركيبيُّ في صدر البيتِ على التقديمِ والتأخيرِ، فتقديرُ الصدر: _بتُّ أسيرًا في المرايا وَحْدي_، فوحدي وقعَ حالًا مُفَسَّرًا بالمشتقِ _وحيدا_. وهناكَ قراءةٌ نحويةٌ ثانيةٌ تكونُ وحدي فيها خبرًا لباتَ، ويكونُ "أسيرًا" حالًا تقدمتْ على صاحبِها: "بتُّ وحدي أسيرًا في المرايا".
    وبهذا ندركُ أننا أمامَ شاعرٍ يُجيدُ التوزيعَ النحويَّ لدرجةٍ تصلُ العبقريةَ في البناءِ، فهناكَ احتمالاتٌ متعددةٌ، وتفسيراتٌ جميعُها تشيرُ إلى الاشتغالِ الأسلوبيِّ المُكْتَنِزِ فكريًّا ووجدانيًّا ودلاليًّا.

    تلوحُ في أفقِ العجزِ اشتغالةٌ ثنائيةُ التفسيرِ والتوضيحِ والتكميلِ، اعتمدتْ رشاقةً تركيبةً؛ فالشاعرُ سميرٌ لدمعِهِ وسهرِهِ وهيامِهِ، فَحَفِلَ الفعلُ المضارعُ "أسامرُ" بالحاليةِ والخبريةِ، حيثُ تتعددُ قراءةُ الجملةِ الفعليةِ نحويًا؛ فَتُحْمَلُ في الوجهِ الأولِ على أنها في محلِّ نصبِ خبرٍ ثانٍ لبتُّ، وفي الوجهِ الآخرِ على أنها في محلِّ نصبِ حالٍ ثانيةٍ. وجاءَ التوزيعُ بينَ المتعاطفاتِ في بناءٍ اشتملَ عطفَ البيانِ والنسقِ، فعُطِفَ السهدُ على العبرةِ عطفَ بيانٍ، وعطفَ الوجدُ على السهدِ والعبرةِ عطفَ نسقٍ بالواوِ.

    وهذا التوزيعُ في غيرِ الشعرِ يكونُ في العربيةِ غيرِ مستحسنٍ، لكنه في الشعرِ يُنْبِئُ عنْ حِسٍّ لغويٍّ رفيعٍ.
    ويشيرُ البيتُ الأَوَّلُ إلى لغةِ المتكلمِ التي سيسيرُ عليها الشاعرُ فيما يلي من النصِّ، فبناءُ الماضي "بتُّ" والمضارعُ "أسامر" للمتكلمِ، وشيوعُ ياءِ المتكلمِ في أربعٍ من مفرداتِ البيتِ، حملتِ الوزنَ الصرفيَّ نفسَهُ؛ يدلُ على أنَّ الشاعرَ يريدُ إبرازَ ذاتِهِ، وتأكيدَها، وما كانَ هذا إلّا نتيجةَ تسلطٍ عاطفيٍّ، وجدَ نفسَهُ يندفعُ إليهِ بحميميةٍ.

    ويشيعُ في فضاءِ البيتِ الأولِ فونيمُ السينِ الذي يَحْمِلُ في التوصيفِ اللسانيِّ سمةَ الحزنِ، وهذه الحالةُ الصوتيةُ أشارَ إليها قبلي الناقدُ أ. ناجي نعسان أغا، في دراستِهِ لقصيدةِ الشاعر: سفيرٌ من قلبِ أمّي.

    فالعبدالله يجيدُ العزفَ الصوتيَّ للحروفِ بِمَوْسَقَةٍ تشيرُ إلى نفسِها بقوةٍ، فحينَ تصادفُكَ في البيتِ الواحدِ ثلاثُ سيناتٍ؛ فأنتَ أمامَ حالةٍ موسيقيةٍ تفرضُ وقعَها وجَرْسَها بِجَلاء، مبتعدةً عنِ العبثيةِ.

    وبهذا فإنَّ الشاعرَ وَوَفْقَ التوصيفِ النقديِّ العربيِّ التراثيِّ أجادَ في براعةِ الاستهلالِ في البيتِ الأولِ، من خلال احتشادِ المعاني التي تمثلُ خريطةَ النصِّ، مما يدفعُ المتلقي إلى الإقبالِ على النصِّ بقوةٍ.

    يواصلُ في البيتِ الثاني توصيفَ حالةِ الاغترابِ، ليقربَنا بعدستِهِ التصويريةِ منْ ألوانِ تلكَ اللوحةِ المُوَشّاةِ بالحزنِ؛ فهوَ يبحثُ في كلِّ العيونِ عنْ عيونِهِ.

    وما بينَ تنكيرِ عيونٍ الأولى ونَسبِ عيونٍ الثانيةِ إلى نفسِهِ، وقعنا على اشتغالةٍ جديدةٍ تقومُ على توزيعِ التنكيرِ والتعريفِ. فلم يَحْتَجِ الشاعرُ إلى أداةٍ نحويةٍ تَدُلُّ على الجمعِ، فسليقتُهُ اللغويةُ هَدَتْهُ إلى التنكيرِ الذي يَحْمَلُ معنى العمومِ، ويدلُّ على التكثيرِ، وبإنعامِ نظرٍ نَجِدُهُ يضعُنا أمامَ حالةٍ ثانيةٍ من التخييرِ والتقديرِ، فهلْ أرادَ: وأبحثُ في كلِّ العيونِ، أم أرادَ: أبحثُ في عيونِ الناسِ؟.

    ويواصلُ في العجزِ الاشتغالَ على التنكيرِ، "وما دربٌ هناكَ"، فليسَ ثمةَ دربٌ يَهْديه إلى تلكَ العيونَ أو إلى ذاته. ولعبَ الشاعرُ على وترِ التقديمِ والتأخيرِ، فقدَّمَ "إليَّ" المقترنةَ بياءِ المتكلمِ على فعلِها، ليؤكدَ أن البحثَ عن ذاتِهِ هو شاغلُهُ. وبينَ عيونٍ وعيوني كنايةٌ وسحرُ جمالٍ، يستشفُهُ المتلقي دونَ عناءٍ.

    أشارَ البيتُ الثالثُ إلى حالةِ الضياعِ تصريحًا، فحملَ الصدرُ لغةً خطابيةً، بَثَّ في ثناياها مواصلةَ الاشتغالِ على التنكيرِ، وتنويعِ العطفِ. وبنظرةٍ أشدَّ عمقًا، نجدُ ذكاءً شعريًّا انضوى عليهِ هذا الصدرُ الذي يُنْبِئُ في ظاهرِهِ عنْ اعتياديةٍ، وذلكَ عندَ ربطِنا البيتَ الأولَ بهذا البيتِ، فهناكَ كانَ يَنْسِبُ السهدَ والوجدَ والدمعَ إلى نفسِهِ، وهنا يشيرُ إلى الضياعِ مُنْكِّرا لِما أضاعَ!.

    السرُّ في ذلكَ أنَّ الدمعَ والسهدَ والوجدَ همْ سمّارُه وعوّاده، بينما الوطنُ والمدينةُ والأمُّ همْ نزفُهُ الذي لا يتوقفُ، لا يملكُ سلطانًا عليهمْ، وفي تنكيرِهِمْ عبقريةُ تعريفِهِمْ، فليسَ إلا دَيْرُ الزورِ مدينةٌ، وليس سوى سوريةَ وطنٌ، وليس سوى الشامِ أمٌّ. فهنا اشتغالةٌ انتظمتْ البناءَ الكُلِّيَّ الترابطيَّ للنصِّ.

    حملَ عجزُ البيتِ الثالثِ تَجَلِّيًّا للفكرِ الشعريِّ قامَ على رشاقةِ البناءِ وجمالِ الإدهاش: "وكنتُ معي، وصرتُ اليومَ ضِدِّي"، فيشيرُ إلى حالةِ التردي والتمزقِ التي يكابدُها وطنُهُ الذي تدورُ فيه رحى حربٍ يستعرُ أوارُها ويشتدُّ، فلا تَهْدَأُ، ولا يَهْدَأُ معها الشاعرُ.

    وبينَ الماضي والحاضرِ ترتسمُ بنيةُ التركيبِ الدلاليةُ، التي تختصرُ الزمانَ وتُوْجِزُهُ، وتُسْلِمُ المتلقي إلى قيمةٍ أسلوبيةٍ يتجلى فيها التضادُ الذي يثيرُ دهشةً جماليةً.

    4_ تُقَلِّبُني الليالي لا تُبالي
    كأنّي في يَدْيْها زَهْرُ نَرْدِ
    5_ وظِلّي قَدَّ مِنْ دُبِرٍ قَميصي
    يقولُ: تَعِبْتُ.. قِفْ.. ضَيَّعْتَ رُشْدي
    6_ بِشَيْبي _لوْ تَعُدّي_ ألفُ جرحٍ
    وقلبي فيه ألفٌ ..... لا تَعُدّي

    انتقالةٌ جديدةٌ شملتِ اشتغالاتٍ أسلوبيةً تقومُ على المزاوجاتِ الحِسِّيةِ الحركيةِ في تقديمِ مشاهدَ تصويريةٍ فنيةٍ، شرعَ الشاعرُ بها بعدَ أبياتٍ توصيفيةٍ، فنحنُ أمامَ مهندسٍ شعريٍّ يجيدُ التَّجوالَ بنا ما بينَ ثابتٍ ومتحركٍ.

    حملَ البيتُ الرابعُ اشتغالةً أسلوبيةً عاليةً؛ قامتْ على مزاوجةٍ بُثَّتْ في جوانبِها الحركةُ، وتمازجَ فيها الحسيُّ "تقلبني" والمعنويُّ "الليالي"، وتعاضدتْ فيها الاستعارةُ المكنيةُ "تقلبني الليالي" معَ التشبيهِ التمثيليِّ "كأنّي في يديْها زهرُ نَرْدِ"؛ فنجدُهُ في الاستعارةِ المكنيةِ يَجْعَلُ من الليالي إنسانًا عابثًا لا يبالي، ونجدُ التشبيهَ التمثيليَّ جاءَ نسجًا جديدًا، استحقَ أنْ يكونَ صورةً بلاغيةً تُنْسَبُ للشاعرِ براءةُ اختراعِها، فهوَ في تقليبِ الليالي لهُ وعدمِ مبالاتِها بهِ مِثْلُ مَنْ يُقلبُ في يديْهِ زَهْرَ النردِ بكل بساطةٍ وسهولةٍ ويسرٍ، ليحققَ هدفَ الفوزِ، متخذًا من النردِ وزهرِها أداةً زهيدةً. لتتجلى أمامنا قيمةٌ فكريةٌ، فالليالي التي تشيرُ إلى الكوارثِ والهمومِ والجراحِ جعلتْهُ رهينةَ قسوتِها، وظلمِها، وعبثِها.

    انتقلَ الشاعرُ في البيتِ الخامسِ إلى اشتغالةٍ جديدةٍ تقومُ على التناصِّ القرآنيِّ، وعلى الرَّغْمِ منْ إكثارِ الشعراءِ المعاصرينَ مِنَ الامتصاصِ مِنْ قدِّ القميصِ، فإنَّ الشاعرَ قدَّمَ امتصاصًا جديدًا، جعلَ فيهِ الظلَّ المُتْعَبَ هوَ الذي يُمْسِكُ بتلابيبِ القميصِ الذي يَتقدمُ نحوَ المجهولِ، على غيرِ هدىً أو بصيرةٍ.

    ويتحولُ هذا الظِّلُّ في عجزِ البيتِ إلى ثائرٍ لا يستجدي، يأمرُ القميصَ بالتوقفِ بِحزمٍ وقوةٍ، هاتفًا بهِ ومؤنبًا: ضيعتَ رُشْدي.

    مشاهدُ الحركةِ في البيتِ تتوالى تباعًا، نلحظُها بجلاءٍ في حركةِ الظِّلِّ التي تشيرُ إلى الشتاتِ الذي يعيشُهُ، ومرورًا بحركةِ الإمساكِ والقبضِ _القَدِّ_، والقميصِ المندفعِ الذي يشيرُ إلى روحِ التشردِ، ووصولًا إلى حركةِ التوقفِ. وتتآزرُ في البيتِ الحركةُ والصوتُ التي يجسدُها هتافُ الشاعرِ: "يقولُ.. قِفْ".

    يواصلُ الشاعرُ في البيتِ السادسِ انتقالاتِهِ، لينقلَنا إلى الحوارِ معَ أنثى، لا يفصحُ عنها في بدايةِ الحوارِ.
    كذلك ينتقلُ بنا إلى تجسيدِ المزاوجةِ الحسيةِ التي تعتمدُ اللونَ، فالشيبُ ببياضِهِ، والجرحُ بحمرتِهِ، يمتزجانِ معًا ليَرْسُما معالمَ الانكسارِ النفسيِّ، فهذا الشيبُ لمْ يغزُهُ إلا وكانتِ الجراحَ جنودُه، وذلكَ القلبُ أيضًا فيه ألفٌ من الجراحِ، فكيفَ لهذهِ المخاطبةِ أنْ تَعُدَّ هذا الكمَّ منَ الجراحِ؟! لذا يَنْهاها أنْ تَعُدَّ، وحملَ النهيُ هنا قيمةً أسلوبيةً شفَّتْ عن ذلكَ الانكسارِ النفسيِّ.
    كذلكَ نقعُ على اشتغالةٍ جديدةٍ في التوزيعِ النحويِّ، اعتمدَ الحذفَ: "وقلبي فيه ألفٌ...." ليجعلَ الاحتمالاتِ متعددةً.

    7_ تقولُ لي المرايا: إنَّ ريحًا
    ستأتي عن قريبٍ، فاسْتَعِدّي
    8_ وكيفَ الريحُ تأخذني بعيدًا؟!
    وكيفَ يُطيقُ أهلُ الحُبِّ بُعْدي

    يعودُ الشاعرُ في البيتِ السابعِ إلى مراياه، التي تتخذُ ملمحًا جديدًا، فهيَ الآنَ غدتْ ناطقةً آمرةً، ليقدمَ اشتغالةً جديدةً تتكئُ على التآزرِ الحسيِّ بينَ الصوتِ والحركةِ، فالريحُ الشديدةُ التي تُجسدُ الحركةَ المتدافعةَ قادمةٌ. فهلْ قدومُها سيكونُ قدومَ خيرٍ وبركةٍ، أمْ قدومَ شرٍّ ونَكْبَةٍ؟.
    لذا؛ يأمرُ مخاطَبَتَهُ التي ما زِلْنا نجهلُها أنْ تُعِدَّ العدةَ لاستقبالِ تلكَ الريحِ التي ستحملُ الجديدَ، الذي سيغيرُ معالمَ واقعِهِ الراكدِ. فتتجسدُ أمامَنا انتقالةٌ جديدةٌ في المستوى الفكريِّ والوجدانيِّ. في التساؤل الذي يطرحُ نفسَهُ على المتلقي: هلْ هذا الاستعدادُ سيطوي صفحةَ اليأسِ والعذاباتِ والضياعاتِ، أم سيكونُ بدايةً جديدةً لها؟!.

    يضعُنا في البيتِ الثامنِ أمامَ حيرةِ تساؤلٍ صريحٍ مُعْلَنٍ، يَشِفُّ عنْ روحِهِ المعذَّبَةِ، فقدْ حملَ الاستفهامُ هنا قيمةً أسلوبيةً أبانَتْ عنْ حزنِهِ الدفينِ، فما بالُ هذهِ الريحِ ستحملُهُ بعيدًا، وهو الذي لا يطيقُ بعدًا عن أهلِ الحبِّ، ولا همْ يطيقونَ بعدًا عنْهُ. فتتمثلُ أمامنا اشتغالةٌ جديدةٌ يعزفُها على وترِ الوجدانِ، لترتفعَ هنا وتيرةُ القصيدةِ وتقتربَ منْ ذروتِها، لتمطرَنا بهطلِها وغيثِها في الأبياتِ القادمةِ.
    فيعودُ بنا عبرَ آلةِ الزمنِ إلى بداياتِهِ، ليصورَ لنا رحلةَ الاغترابِ، وما سبقَها، وكيفَ كانَ في وطنِهِ قُبيلَ رحيلِهِ.

    9_ أنا دفءُ الصباحِ على خريفٍ
    فمَنْ يا صُبْحُ للأوراقِ بَعْدي
    10_ أنا صوتُ المآذنِ فاسْمَعيني
    وإنْ ناديتُ: حيّ عليَّ .. رُدّي
    11_ أنا خبزُ القلوبِ فَوَزِّعيني
    لكلِّ السائلينَ ولا تَصُدّي
    12_ أنا دمْعُ اليتامى، زَمْزِميني
    ورُشّيني صباحًا فوقَ وَرْدِ

    يطلُّ علينا الشاعرُ في هذه الأبياتِ الأربعةِ من شرفةِ الخلودِ الشعريِّ الذي تعانقَ فيهِ الإحساسُ المرهفُ والوجدانُ العميقُ معَ العبقريةِ الشعريةِ.
    نجدُ هنا الأنا المكتنزةَ بالصدقِ، المنطلقةَ من روحانيةٍ صافيةٍ شفيفةٍ، المُضَمَّخَةَ بعطرِ ذلكَ الوطنِ الشذيِّ. فنجدُ الاشتغالاتِ الأسلوبيةَ قد تعاضدتْ معًا، فتشابكتْ خيوطُ الحركةِ والصوتِ واللونِ والرائحةِ، لتنسجَ لنا ثوبَ ذلكَ الشاميِّ الذي يتدثرُ بالشموخِ ويعتلي صهوةَ العشقِ الرفيعِ لسوريا الجريحةِ.

    أنتقلُ بالمتلقين في جولةٍ داخلَ هذا القصرِ المنيفِ، بجدرانهِ وحدائقهِ ومفاتنهِ..
    يبتدرُنا الشاعرُ بإظهارِ تسلطِ الأنا العليا عليهِ، فيقدمُها عبرَ متتاليةٍ امتدتْ في أربعةِ أبياتٍ، افتتحَها بضميرِ المتكلمِ "أنا" مشيرًا بذلكَ إلى كينونتِهِ التي يستمدُها من وجودِهِ على تلكَ الأرضِ المبارَكةِ.
    ليطرِّزَ مجموعةً منَ المزاوجاتِ الاسميةِ التي تعانقتْ معَ حالةِ الذروةِ الشعريةِ التي تمثلُها هذه الأبياتُ. فالمزواجةُ الأولى في البيتِ التاسعِ "أنا دفءُ الصباحِ على خريفٍ" جمعتْ بينَ معنوييْنِ "دفءُ الصباحِ، على خريفٍ" وقامتْ على علاقةِ التناسبِ فيما بينهما، فالعلاقةُ بينَ الخريفِ ودفءِ الصباحِ تُتيحُ للمتلقي تَخَيُّلَ تلكَ اللحظةَ الشاعريةَ التي ينطلقُ فيها الكونُ بأكملِهِ مقبلًا على الحياةِ في موسمِ الخريفِ الذي يُبْقي على رَمَقٍ أخيرٍ منَ الصيفِ، ويمدُّ عنقَهُ مشرئبًّا إلى الشتاءِ؛ فاستطاعَ الشاعرُ أنْ يُشيعَ في البيتِ أجواءَ الخريفِ الريفيةِ الشاميةِ، وأنْ يَمزجَ البيتَ بهالةِ الحزنِ؛ وذلكَ بتساؤلِهِ الرقيقِ الذي يثيرُ مكامنَ الشجنِ: فمنْ يا صبحُ للأوراقِ بعدي؟!. ليقدمَ اشتغالةً تتكئُ على القيمةِ الأسلوبيةِ للاستفهامِ.

    ومثَّلَ البيتُ العاشرُ ذروةَ المقامِ الغنائيِّ لهذهِ المعزوفةِ، ابتدأَهُ كما ابتدأَ مجموعةَ هذهِ الأبياتِ بالمزاوجةِ الاسميةِ "أنا صوتُ المآذنِ فاسمعيني" فهو بصوتِهِ المجلجلِ، وبصدقِ الحقِّ الذي يصدحُ بهِ يغدو دعوةً من دعواتِ النداءِ العلويِّ الذي تنطلقُ بهِ المآذنُ، لذا نجدُهُ في العجزِ يَرقى بنا إلى تلكَ الحالةِ السامقةِ، فيدعوَ فيها محبوبتَهُ إلى أنْ تُلبيَ النداءَ حينَ يُنادى عليْهِ، وهنا نجدُ اشتغالةً جديدةً تنطلقُ منَ التناصِّ الدينيِّ القائمِ على الامتصاصِ من شعيرةِ الأذانِ الذي يجوبُ آفاقَنا قبيلَ كلِّ صلاةٍ.

    وتضمنَ البيتُ الحادي عشرَ مزواجةً اسميةً جمعتْ بينَ الحسيِّ "خبز" والمعنويِّ "القلوب"، وقامتْ على العلاقةِ التجاوريةِ بينهما. لتضعَنا هذه المزاوجة أمامَ سؤالٍ جديرٍ بالتأملِ: كيفَ يصبحُ المحبُّ خبزًا تقتاتُهُ القلوبُ، وتتخذُهُ سبيلًا ليقيمَ أَوَدَ محبتِها؟!.
    فتأتيَنا الإجابةُ في: فَوَزِّعيني لكلِّ السائلينَ، لتتجلى أمامنا اشتغالةٌ نحويةٌ جديدةٌ؛ فقد استخدمَ اللامَ نيابةً عن "على". فاللامُ هنا تشيرُ إلى الملكيةِ، فهو مِلْكٌ لهؤلاءِ السائلينَ، ولهمْ في خبزِ قلبِهِ حقٌّ معلومٌ.

    ونجدُنا في البيتِ الثاني عشرَ أمامَ لوحةٍ تَضجُّ بالحزنِ الممتزجِ بروحِ الطبيعةِ الريفيةِ الشاميةِ، فدمعُ اليتامى الذي سالَ أوديةً غَدا زمزمًا، سترشُهُ تلكَ المخاطبةُ في صباحِها على ورودِهِ المنزليةِ، لتلوحَ لنا في الأفقِ رايةُ الأملِ.

    ونجدنا في هذه المعزوفةِ أمامَ لوحةٍ منَ التآزرِ الحسيِّ للحركةِ والصوتِ والذوقِ والرائحةِ واللونِ، فما بينَ أوراقِ الخريفِ التي تحركُها الرياحُ، وصوتِ المآذنِ الذي يترددُ معَ كلِّ صلاةٍ، وطعمِ خبزِ القلوبِ ولونِها، ورائحةِ الورودِ وعطرِها؛ يقفُ المتلقي متأملًا هذهِ المشهديةَ المتصاعدةَ.

    13_ صغيرًا أرضعتْني الحبَّ أمّي
    وحينَ فُطِمْتُ كانَ الحبُّ نَهْدي
    14_ وثَغْري ضَفْتانِ تَفيضُ شَهْدًا
    بلا مَنٍّ سَقَيْتُ الناسَ شَهْدي
    15_ فُراتيٌّ، وأمّي قَمَّطَتْني
    بِحُبِّ الشامِ فاسْتَحْلَيْتُ شَدّي
    16_ وكانَ المهدُ _مَهدي_ ياسَمينًا
    فكيفَ أخونُ مهما عِشْتُ مَهدي

    يعودُ الشاعرُ في البيتِ الثالثَ عشرَ إلى الاشتغالِ على المنصوباتِ، فيقدمُ الحالَ "صغيرًا" على صاحبِهِ _ياءُ المتكلمِ في أرضعتني_، ليؤكدَ أنَّ هذا الحبَّ العامرَ لهذه الأرضِ وذاكَ الترابِ قدِ انغرسَ في أعماقِهِ منذُ صغرِهِ.

    صدرُ البيتِ جاءَ مقدمةً لحالةٍ منَ الاشتغالِ على التزاوجِ الأسلوبيِّ بينَ الحبِّ والنهدِ، إذْ يغدو الحبُّ غذاءً دائمًا للشاعرِ لا يفارقُهُ، وقدْ جاءَ بلفظةِ النهدِ التي تشيرُ معجميًّا إلى نفورِ الثديِ، موظفًا إياهُ بعيدًا عنِ الإثارةِ الشهوانيةِ، لنتبينَ أننا أمامَ شاعرٍ لا يَتَرَخَّصُ في شعرِهِ ولا يتبذلُ، ولا يسيرُ في دربِ الذينَ يُسَعِّرونَ الشهواتِ ويُؤججونَها.

    يُواصلُ في البيتِ الرابعَ عشرَ وصفَ حالةِ العطاءِ التي تَمَيَّزَ بها هذا الشاميُّ شديدُ الانتماءِ لمدينتِه دير الزور، فَفَمُهُ نهرٌ، يفيضُ عشقًا وشهدًا بِضفتَيِهِ الممتدتيْنِ، يُوزعُ من تلقاءِ نفسِهِ على الناسِ ألحانَهُ وأنغامَهُ وتراتيلَهُ وشدوَهُ ومواويلَهُ. وقد جسَّدَ البيتُ اشتغالتينِ أسلوبيتينِ، الأولى من خلال المزاوجةِ الاسميةِ بينَ حِسِّيَّيْنِ "ثغري" و"ضفتانِ"، من خلالِ علاقةِ التجاورِ، والثانيةُ من خلالِ القيمةِ الأسلوبيةِ للتَّكْرارِ في شهدي، التي دَلَّتْ على التَحَبُّبِ، فتَكْرارُ لفظةِ الشهدِ أكدَّ أنَّ الشاعرَ يحملُ الحبَّ في أعماقِهِ، ويهديهِ بلا مقابلٍ، ودونَ تَفَضُّلٍ.

    يعلنُ في البيتِ الخامسَ عشرَ انتماءَهُ الصريحَ لضفتيْ ذلكَ النهرِ، فهوُ ذلكَ الفراتيُّ المقيمُ على عشقِهِ. وهنا تتجلى اشتغالةٌ أسلوبيةٌ قامتْ على الاسترسالِ والإطنابِ بالتذييلِ للإبانةِ والتوضيحِ.

    يواصلُ رسمَ لوحةِ ذلكَ الطفلِ، فهوَ لمْ يكتفِ بحبِّ الشامِ، بلْ تَقَمَّطَ بهذا الحبِّ في صباهِ، وقدْ يبدو الفعلانِ "قَمَّطَتْني" و"اسْتَحْلَيْتُ" عامِّيَّيْنِ، لكنْ بالعودةِ إلى معاجمِ اللغةِ نجدُهُما فعلينِ فصيحيْنِ صميميْنِ، يقولُ الخليلُ في العينِ: "قَمَطَ: القَمْطُ: شدٌّ كشدِّ الصبيِّ في المهدِ وغيرِهِ إذا ضُمَّتْ أعضاؤه إلى جسدِهِ، ويُلَفُّ عليهِ القِماطُ. والقِماطُ والقِماطةُ: الخرقةُ العريضةُ تُلَفُّ على الصبيِّ إذا قُمِّطَ". ويقول القزوينيُّ في المقاييسِ: "اسْتَحْلَيْتُ الشَّيْءَ، وَقَدْ حَلا في فَمي يَحْلو".
    وهنا ندركُ قدرةَ الشاعرِ على التطويعِ اللُّغَوِيِّ، منْ خلالِ الاعتمادِ على بعضِ المفرداتِ الشائعةِ في دلالتِها على العاميِّ، لكنها ذاتُ جذورٍ لغويةٍ أصيلةٍ. لتبرزَ لنا اشتغالةٌ أسلوبيةٌ لغويةٌ تقوم على توظيفِ الموروثِ الشعبيِّ، والاغترافِ منْ معينِهِ.

    تشيعُ في البيتِ مزاوجتانِ فعليتانِ: قمطتني بحبِّ الشامِ، واستحليتُ شدّي، وقد قامتا على التزواجِ بين الحسيِّ والمعنويِّ، وعلى علاقةِ التقاربِ.

    يمثلُ البيتُ السادسَ عشرَ امتدادًا لرسمِ خارطةِ الحبِّ الشاميِّ، ليظهرَ لنا من خلالِهِ الجزءُ الأولُ من عتبةِ النصِّ الأولى _العنوانِ_، ما بين مهدي وبردتي_، فبعدَ أنْ أفاضَ في الأبياتِ الثلاثةِ السابقةِ في تطريزِ صورةِ الطفولةِ، أبانَ لنا عنْ مفردةِ المهدِ؛ ليتجلى من خلالِها الاشتغالُ على قيمةِ التَكرارِ، "كان المهد مهدي"، المبنيِّ على تبادلِ الموقعِ الإعرابيٍّ، فمهدي الثانيةُ بدلٌ مطابقٌ منْ المهدِ الأولى، فعزَّزَ هذا التكرارُ البدليُّ من قيمةِ الالتصاقِ والحنينِ لطفولتِهِ.

    وقدْ تعانقتْ هذهِ الاشتغالةُ معَ اشتغالةِ المزاوجةِ الاسْمِيَّةِ _المهد: ياسمينا_، التي قامتْ على التزاوجِ الحسيِّ بينهما، من خلال علاقةِ التقاربِ. وجاءَ العجزُ حاملًا قيمةَ الاشتغالِ على التساؤلِ الذي يؤكدُ عمقَ الارتباطِ والانتماءِ لهذا الوطنِ.
    17_ أنا في العَيْشِ صدرُ الشامِ قَصْري
    وَبعدَ الموتِ جَفنُ الشامِ لَحْدي
    18_ خُذي هذي الوَسائدَ أتْعَبَتْني
    ومُدَي ساعديكِ فدايَ مُدّي
    19_ دَعيني ها هُنا أغْفو طويلًا
    أُمَرِّغُ في نَدى زِنْدَيْكِ خَدّي
    20_ ففي زنديكِ عطرٌ مِن بلادي
    وهذا العطرُ ما أغلاهُ عِندي
    21_ وإنْ شَحَّ الذي قدْ كانَ مِنّي
    هَبي عُذْرًا لجزرٍ بعد مَدِّ
    22_ وإنْ هَبَّتْ رياحٌ عانِقيني
    فصدرُك بُرْدَتي مِن كلِّ بَرْدِ

    ما زالتِ الشامُ بسحرِها وعبقِها تتسلطُ على الشاعرِ، فلا يَمَلُّ منْ ذكرِها، ووصفِ حلاوتِها، فهوَ لا ينفكُ منْ ذلكَ العشقِ. ففي الحياةِ يتخذُ قلبَ الشامِ النابضِ قصرًا لهُ، حتى لوْ كانَ كوخًا على ضفتيِ الفراتِ، فهوُ عندهُ قصرٌ مُنيفٌ. فإذا ما ماتَ اتخذَ منْ أجفانِ الشامِ لحدًا يُواريهِ.

    وترتسمُ في هذا البيتِ (السابعَ عشرَ) اشتغالاتٌ متعددةٌ، فالتَكرارُ والتضادُ حاضرانِ بقيمتَيْهِما الأسلوبيةِ، فتكرارُ لفظةِ الشامِ شكلتْ تسلطًا حملَ إشارةَ الحبِّ العظيمِ لترابِ بلادِهِ، والتضادُ بينَ العيشِ والموتِ، وبينَ القصرِ واللحدِ قدمَ تصورًا دقيقًا للحبِّ الخالدِ الأبديِّ لشامِهِ. وتجلى التصويرُ التشبيهيُّ في: صدرِ الشامِ قصري، وجفنِ الشامِ لحدي.

    يتجهُ في البيتِ الثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ إلى الإفصاحِ عن تلكَ المخاطبةِ، فهيَ المحبوبةُ التي يحتاجُ زندَيْها وساعدَيْها ليغفوَ عليهِما، فقدْ أتعبتْهُ وسائدُ الغربةِ التي حققتْ لهُ الاستقرارَ الماديَّ، لكنها لمْ تحققْ لهُ الاستقرارَ المعنويَّ والروحيَّ، فهوَ قدْ أطالَ التغربَ والابتعادَ والتنقلَ من بلدٍ إلى آخرَ، فعملُهُ مهندسًا مستشارًا مع عدة شركات نفطية جعلَهُ يطوفُ الكثير من الدول العربية والأجنبية.

    وحملَ فعلا الأمرِ "خذي، مُدّي" قيمةً أسلوبيةً جسدتْ التوددَ إلى هذهِ المحبوبةِ، التي هيَ مزيجٌ منَ الوطنِ والزوجةِ والأمِّ.

    ويعاودُ في البيتِ العشرينَ الاشتغالَ على المزاوجةِ الحسيةِ للرائحةِ، فزندُ هذهِ المحبوبةِ الذي غدا مُتَكَأً لهُ يحملُ عطرَ بلادِهِ الياسمينيِّ.

    وهكذا يقتربُ بنا منْ نهايةِ رائعتِهِ الشجيةِ، فيقدمُ الاعتذارَ بينَ يديْ محبوبتِهِ إنْ لمْ يَعُدْ حبُّهُ المتدفقُ كسالفِ عهدِهِ، مصورًا ذلك تصويرًا مستمدًا منْ حكمةِ البحارِ التي يلي فيها المدَّ جزرٌ، باشتغالةٍ أسلوبيةٍ قامتْ على التصويرِ الاستعاريِّ للجزرِ والمدِّ.

    ليُسْدَلُ الستارُ ببيتٍ كشفَ الشاعرُ فيهِ عن الجزءِ الآخرِ منْ عنوانِ النصِّ _بُرْدَتي_، فصدرُ هذهِ المحبوبةِ بردةُ الشاعرِ التي تُدثرُهُ منَ المخاوفِ التي تستبدُ بهِ في غربتِهِ. فندركَ بهذا عتبةَ النصِّ القائمةِ على العلاقةِ بينَ المهدِ والبردةِ، فهذهِ المحبوبةُ التي تجمعُ بين الأمِّ والأختِ والحبيبةِ والوطنِ، ويتجسدُ فيها هؤلاء جميعًا، هيَ منْ تمنحُ الشاعرَ الدفءَ والأمانَ والألقَ، وهيَ البردةُ التي تحميهِ منْ صقيعِ الغربةِ.

    ونجدُ هنا أنَّ الشاعرَ اختصرَ لنا بأبياتِ قصيدتِهِ هذه رحلةً امتدَّتْ من مهدِهِ الياسمينيِّ إلى شيبِهِ الذي تختزلُ كلُّ شيبةٍ منهُ جُرحًا وألمًا وحُزنًا يكابدُهُ الشاعرُ، ولعلَّ أعمقَ جرحٍ من بينها إنما هو جُرحُ الياسمينِ ومأساةُ أهلِهِ اليومَ. ثم امتدتِ الرحلةُ إلى ما بعدَ الشيبِ والجراحِ، امتدَّتْ إلى ما هو قادمٌ، وما يخشاهُ الشاعرُ من ريحٍ آتيةٍ رأى نذيرَهُا في تلكَ المرايا.

    بقي أنْ نشيرَ إلى جانبِ الاشتغالِ الموسيقيِّ في القصيدةِ، فهي على بحرِ الوافرِ الزاخرِ بأمواجِهِ المتلاحقةِ، التي تحتضنُ أحزانَ الشاعرِ وعشقَهُ وآمالَهُ، وجاءتِ القصيدةُ داليةَ الرَّوِيِّ مشبعةً بالكسرِ، نقلتْ لنا التوزيعَ الجرسيَّ الموسيقيَّ الذي أبانَ عن شجنِهِ وعاطفتِهِ المتأججةِ.

    واشتملتِ القوافي على اشتغالاتٍ أسلوبيةٍ بديعيةٍ، منها الجناسُ الناقصُ "بُعْدي، بَعْدي"، ومتتاليةُ الأمرِ: "رُدّي، لا تَصُدّي"، وميلُ القوافي في غالبِها إلى النسبِ إلى المتكلمِ، لتحملَ دلالةَ الانتماءِ الوجدانيِّ.

    أراني مكتفيًا بهذا القدرِ منَ التَّجوالِ في رحابِ النصِّ الوجدانيةِ والفكريةِ، واقتناصِ اشتغالاتِهِ الأسلوبيةِ وفنياتِهِ التصويريةِ، راجيًا المولى عزَّ وجلَّ أنْ يتقبلَ هذا العملَ خالصًا لوجهِهِ الكريمِ، وأنْ ينفعَ به جموعَ المتلقينَ والدارسينَ والمتخصصينَ.

    محمد عبد المجيد الصاوي
    حُرِّرَ في مدينة غزة
    وذلك يوم الأحد، الأول من ربيع الأول 1442 هـ.
    الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2020 م.
    https://www.facebook.com/photo.php?fbid=387397961395449&set=pb.100003757443  881.-2207520000.1388969228.&type=3&theater

  2. #2
  3. #3
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 56
    المشاركات : 40,615
    المواضيع : 1095
    الردود : 40615
    المعدل اليومي : 6.17

    افتراضي

    معك حق في العتب واللوم ... ونأمل من الأعضاء الكرام بالتفاعل مع المواضيع خصوصا المميزة منها كهذه القراءة النقدية.

    والقراءة النقدية هنا تقدم لنا ناقدا مميزا يترقى سلم الألق في مجال الأدب خصوصا النقد والشعر ، وأراك هنا يا محمد أجدت كثيرا للحق والقصيدة التي تناولتها فيها الكثير من التميز والألق ولكنك قمت بذكاء وتميز بعمليات تجميل موفقة لبعض مواضع في النص لم تكن في مستوى بقية النص وهذا يحسب لك كناقد مبدع.

    دمت في ألق وننتظر منك دوما المزيد مما هو أجمل وأكمل

    تقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي