أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة تحليلية لقصة "خيانة "للمبدعة صابرين الصباغ

  1. #1
    الصورة الرمزية الفرحان بوعزة أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 2,356
    المواضيع : 196
    الردود : 2356
    المعدل اليومي : 0.76

    افتراضي قراءة تحليلية لقصة "خيانة "للمبدعة صابرين الصباغ

    35 ــــ قصة: خيانة/ صابرين الصباغ / مصر
    القصة الومضة
    وسَوسَت له،... التهمَ تفاحتَها، فحرَمْتُه جنَّــتى.
    قراءة تحليلية لقصة "خيانة "للمبدعة صابرين الصباغ
    تحت عنوان: جمالية القصة الومضة بين اللمحة الخاطفة وانهمار الدلالات الموحية
    تقديم لا بد منه
    هل يمكن اعتبار نص "خيانة" خاطرة؟ وهل يدخل ضمن ما يسمى بالقصة الومضة؟ فالخاطرة تعني ما يرد على النفس والذهن من مشاعر وأفكار تجول في البال مقتضبة سريعة، كأن شيئا يتحرك في القلب من رأي وقول ومعنى. والقصة الومضة تعتبر ظاهرة أدبية جديدة تدخل ضمن الأدب الوجيز، لأنها تتميز في النهاية بالحجم المضغوط والنهاية الصادمة.
    يقول ياسر الغبيري: " القصة الومضة هي كلام منثور، يدل على معنى مراد مشروط
    بالتكثيف والإيحاء والمفارقة والنهاية المباغتة. فالقصة الومضة لا يهمها الانشغال بسرد الحدث والأحداث، بل جل اهتمامها أن تقوم بغرضها الفني في أن تلمع وتبرق داخل النص وفي عقل ووجدان القارئ. وهي فن الاقتصاد الشديد والتكثيف القوي في اللغة والتركيز في الدلالة للوصول للمعنى المراد دون حشوٍ في السرد، فالقصة الومضة هي كبريقٍ من الضوء الخاطف وشعاع قوي وسريع، أو كبرقٍ لمع فجأة فأضاء المكان، أو مثل زخة مطر كثيفة. وتعد القصة الومضة هي الابنة الشرعية للقصة القصيرة جدا، وكما كانت القصة القصيرة جدا هي الابنة الشرعية للقصة القصيرة؛.)1)
    ونظرا لقصة "خيانة "قد تدخل ضمن القصة الومضة، فكان لا بد من هذا التقديم الذي يمهد إلى أرضية أدبية جديرة بمناقشة القصة الومضة، كجنس أدبي يتسم بالحداثة وغير مطروق لدى النُقاد بشكل كبير، وعدم الاعتراف من قِبل بعض النُقاد بالقصة الومضة، أو الخلط بينها وبين القصة القصيرة جدا في معظم الأحيان.
    2 ــــ دلالة العنوان
    عنوان القصة الومضة جاء كلمة مفردة ونكرة، والنكرة هي اسم يدل على شيء غير معين أو محدد، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو غيرهما. فالعنوان "خيانة" قد يبدو للقارئ أنه لا يشير إلى معنى آخر غير الخيانة بكل مواصفتها المعروفة، أي أن العنوان لا يرتكز على الإيحاء والتلميح لأنه جاء مباشرا وواضحا. وما دام العنوان "خيانة" لم يحدد نوع الخيانة، فإنه يحمل في باطنه موضوعا واسعا له عوالم لا حدود لها من المعاني والدلالات، موضوع يتصل بالنفس والسلوك وما يعتريهما من تحول وتغير، وكل ما يتعلق بالجانب الباطني للنزوات والرغبات المتعددة. فقد يتساءل القارئ عن نوع الخيانة التي سوف تتحدث عنها القصة الومضة؟ ومن هنا لا بد للقارئ أن يلجأ للشرح والتفسير، ويدخل في جدلية مع الكاتبة عن طريق التأويلات والتوقعات. عنوان يتميز بإشارة لغوية ممتلئة بالدلالات، تتيح للقارئ حرية في الحركة والقول والنبش في التاريخ، واستحضار معلومات غائبة تتعلق بموضوع الخيانة بين جذور التاريخ، كحدث قديم له علامات تحفز التخييل على استنطاق تعدد الخيانات التي وقعت في التاريخ الماضي والحاضر. والخيانة متعددة: أهي خيانة زوجيَّة، أهي خيانة الوطن والأمّة؟ أهي خيانة عظمى عندما تتعلق بتسريب الأخبار للعدو؟، أهي خِيانة الأمانة فيما اؤتمن عليه من مال وغيره؟ أهي الإخلاف وعدم الوفاء؟...
    3 ـــ تحليل خطاب القصة الومضة
    وسَوسَت له،... التهمَ تفاحتَها، فحرَمْتُه جنَّتى.
    لهذه القصة الومضة توجه خاص، تبين مدى قدرة الإنسان على أن يخون العهد، ولم يتقيد بأحكام الدين والأخلاق. فالفعل "وسوس " يحمل في نفسه الزمن الماضي، ومن علاماته هو أن يقبل تاء التأنيث في "وسوست". فمن هي الأنثى التي وسوست له؟ ومن هذا الذي وُسوس له؟ كيف حدث هذا؟ في الليل، في النهار، وأين وقع الحدث؟ في المنزل، في الفندق؟ في الغابة؟ في الحديقة؟ في المطبخ؟ في غرفة النوم؟.....من خلال هذه الأسئلة، يمكن أن نزيل الغموض والإبهام على حدث الخيانة الذي وقع في الغياب والتستر. فالحدث وقع في الزمن الماضي، والساردة أعلم بذلك أكثر من غيرها، فالقصة الومضة كتبت بعد وقوع الحدث في زمن معين، ومن هنا كان للكاتبة رؤية خاصة بها.
    أ ــــ وسَوسَت له،.../ من الذي وسوس له؟ أهي النفس؟ أم المرأة؟ فوسوسة النفس متعلقة بوجود المرأة والرغبة فيها قبل أن يبدأ الفعل، كما أن من الممكن أن يكون البطل غير منتبه لتلك المرأة، ولكنها لما وسوست له، استيقظت الشهوة في داخل معظم جوارحه فحدث الفعل. وإذا اقتنعنا أن التي وسوست له هي المرأة، فهذا يعني أنها تكلمت معه بكلام خفي وبصوت ناعم، والقصد هو الإغواء، ونصب شرك له للسقوط في بئر الغواية والرذيلة. وغالبا ما تكون الوسوسة تتضمن الشر بدل الخير. والوساوس تصاحب الإنسان في كل وقت وحين، ولا ينجو منها أحد إلا بضبط النفس وردعها قبل أن تؤدي به نفسه نحو طريق الشر. قال الله تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ.)( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ.)(2)
    فلما وسوست له، فإنها لا تختلف عن الشيطان، فقد حلت محله عن طريق المشابهة والمجاورة في فعل الشر، وجره إلى اقتراف رذيلة ما. فبماذا وسوست له؟ فهل وسوست له بالسرقة؟/ أو بقتل أحد؟ أو بالانتقام من عدو لها؟ أو بشهادة الزور؟ أو بالعنف ضد أحد؟ بالغدر وعدم الوفاء؟ بالتجسس؟ بقطع الصلة مع والديه؟ بالبغي والزنا؟ .... تأويلات وتوقعات تساعد القارئ على فهم مقصدية الكاتبة من المعنى الساكن في دلالة"الوسوسة" التي أشارت له الكاتبة كبداية وانطلاقة نحو بناء الحدث. كل هذه الفرضيات تبقى دون توضيح إلى أن يلج القارئ إلى عالم القصة الومضة.
    ختمت الساردة هذه الجملة الممتلئة بدلالات بعيدة، يمكن استشرافها من العنوان "خيانة"، الذي جاء منفردا ومجردا من التعريف، عنوان يشكل نصا مستقلا يقرأ بأكثر من طريقة، لأنه حمال لعدة أوجه، ويمكن اعتباره موازيا لمضمون القصة الومضة. عنوان "خيانة" كلمة واحدة تفتح أفق التوقع لكل قارئ. لأنه يعبر عن القصة ويفسر معناها ويوضحها.
    فالجملة الأولى في القصة "وسوست له" تدل على تشابه وتماثل بين البطلة الأنثى والشيطان في الفعل، لأنهما يشتركان في أمر الغواية والخيانة. وقد تنكشف نيتهما مع الانتقال إلى الجملة السردية التي تليها
    ب ـــ التهم تفاحتها،.../
    فالفعل "التهم" يجسد مشهدا تم فيه الابتلاع مرة واحدة، ودون مضغ، حتى أتى عن آخر التفاحة. فعملية التهام التفاحة لا يقصد بها المعنى الذي يتبادر إلى ذهن القارئ العادي، وإنما جاءت في معنى آخر جميل ومشوق، فالكاتبة تقول إن البطل التهم التفاحة، فالكلمتان /التهم / التفاحة/ لم تستعملهما في موضعهما الأصلي، لذلك تخطت معناهما الحقيقي إلى معنى مجازي، والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هو المشابهة، وقد تكون علاقات متعددة. فبناء على معنى الجملة السردية "وسوست له " أي عملت على إغرائه وإثارته، بالتقرب والتدلل، وكشف مفاتنها له، فقد كان التهامه للتفاحة أسرع من النار في التهام العشب، فالجائع يبتلع طعامه دُفعة واحدة، دون أن يحتاج لتوزيع ما يلتهمه إلى لقيمات، ودون مضغ ما يأكله. فقد عملت الساردة على خرق المعنى الأصلي وتحويله إلى معنى قوي مجازي،(كما قلت سابقا) يضفي على الحالة /التهام التفاحة/ الذي يدل على حالة اشتهاء كبير للجسد وتدمير أعز ما يوجد فيه. هنا تكمن دقة التعبير على تصوير حالة معقدة تجري في الخفاء، بكلمة واحدة "التهم". والتي حملتها الساردة بما لا تطيق من الاختزال، والتلميح كحالة لا يمكن مشاهدتها ومعاينتها بصفة عامة. فجاءت الصورة مدهشة وموحية للسرعة التي تمت بها حالة الانتشاء والارتواء والشبع من اللذة. كلمتان وفرتا على القارئ زمن قراءة صفحات ورقية، تشرح وضعية كيفية التهام التفاحة، ودلالتها الرمزية المغرقة في التاريخ..
    فالوسوسة تمت بالإشارة الصامتة، والتلميح بكل الوسائل الممكنة لإسقاطه، وجعله منصاعا برغبة جامحة./العينين/ التزين/ الأناقة/ الابتسامة/ المشي أمامه، الاهتمام به/...وسوسة تمت على مراحل قد يقصر زمنها وقد يطول. فعملية الاستدراج سابقة للاتهام التفاحة. وكلمة "التفاحة" أخذت معنى آخر، فقد تتشعب دلالتها على القارئ مما يحفزه للخروج من النص للبحث عن رمزية التفاحة، ويتساءل مستحضرا ثقافته وتجربته، ثم يعود للنص من جديد. ماذا تقصد الكاتبة بالتفاحة؟ فهل تقصد الفاكهة الشائعة في أساطير العالم؟ فهل ترمز بها إلى الحب والخصب؟ فهل تعني شجرة التفاح التي أكل منها آدم وحواء؟ فهل تبنتها كشعار للخطيئة الأصلية؟
    فإذا كانت شجرة التفاح، شجرة فاكهة شائعة في أساطير العالم، والتراث الشعبي، فإن لها تشابه بين التفاحة والبطلة المغررة بالبطل، فقد يتشابهان في الجمال، والكمال. فإذا كانت التفاحة هي الوجبة المفضلة لكثير من الناس، فإن البطل وجد وجبته الشهية في جمال جسد البطلة، عن طريق الاشتهاء والتلذذ، فكان الالتهام بسرعة ودفعة واحدة، محفوفا بالخوف والحذر، وانتهاز فرصة فراغ الجو. التهام تحول إلى شراهة عنيفة، واستعمال الشهوة في غير محلها. فلما انتزع البطل جمال التفاحة التي كانت تزين جسد البطلة، تحولت إلى فاكهة محرمة، ينخرها الخمج والدنس والخيانة. فقد اشتركا كل منهما في الشر، وهي دلالة على السقوط والانهيار في الرذيلة. كأنهما يعيدان شعار الخطيئة الأصلية. فمن تكون هذه التي وسوست للبطل؟ هل كانت جميلة وصغيرة في السن؟ ما هو عمر زوجة سارق التفاحة؟ هل كانت زوجته موظفة؟ في أي زمن وقع الحدث؟ هي فجوات تحتاج إلى الملء عبرت عنها الساردة ة بنقط الحذف(...) يسميها بعض النقاد بياضا، أو نقط دالة على حالة التعجب والاستغراب والتحول. ولكنها دالة على كلام مسكوت عنه.
    التهم تفاحتها؟ رمزية عالية، وتعبير أنيق، ومعاني كثيرة مخبأة تحت رمزية التفاحة، التي شغلت الأدباء والعلماء والفلاسفة وغيرهم.. فالفعل "التهم" يشكل حالة مستقلة بنفسه، لما فيه من حركة سريعة، وفعل قوي الإنجاز مع اختصار الزمن. فماذا وقع؟ وماذا كانت النتيجة؟
    ج ـــ فحرَمْتُه جنَّتى./جملة سردية أوقفت الخبر،/خبر الوسوسة والتهام التفاحة/ فبدأ فعل المجابهة والصراع الذي تجلى في الجملة التالية/ فحرَمْتُه جنَّتى./. فما نوع الحرمان التي اتخذته الزوجة كسلاح لعقاب البطل؟ وماذا تعني بالجنة التي تملكها؟ أهو الحرمان من الحياة الزوجية الهادئة، وبداية صراع قوي بينها وبين ملتهم تفاحة الذات الأخرى؟ لقد ضيع البطل فرصة حياة تتميز بالاستقرار النفسي والاجتماعي، حُرم من الحلال الطيب، وغرق في أبشع الرذائل، بسبب انفلات اللحظة المغرية نحو الهاوية، فلم يستطع ردع نفسه، ولم يقاوم الوسوسة بالاستغفار والاعتذار...،هذا يوم لا حق له في النطق والشرح، لأن نطقه سيكون غير مفيد، ولا حق له في الاعتذار لأنه وضع شهوته في الحرام، فالاعتذار فات وقته وأوانه. فهو أصبح من أولئك الذي قال فيهم: ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) (3)
    فالإثارة كانت أقوى منه، فحرم من "الجنة"(على افتراض) أنها جنة زوجته وما تملكه من أنوثة وأخلاق طيبة، وسكن لائق للرجل، لكنه لم يحترم العهد، فخرقه دون تقدر للجنة التي يعيش فيها مع زوجته. . وهناك فرق بين الجنة التي كان فيها آدم، ورمزية جنة الزوجة من حيث الضيق والوسع، فجنة الزوجة ضيقة ومحدودة، ومع الأيام تصبح فانية. والمقصود بجنة الدنيا: السعادة الكاملة التي لا ينقصها شيء/ العشرة الزوجية المبنية على الثقة/الأمن / الطمأنينة النفسية/ الاحترام/ السكون والهدوء/ توفير الخدمات اللازمة/ المحبة الصادقة/ المتعة الطيبة/ الوفاء بالعهد/ استعمال الشهوة في الحلال/ ...لكن البطل خرق الميثاق المقدس للزواج، فعمل على تدميره بالخيانة. وهنا حملت الكاتبة للبطل المسؤولية في الخيانة أكثر من أخت الشيطان التي وسوست له، رغم أن المعروف عند الناس أنهم يحملون المسؤولية للمرأة أكثر. فجنة الزوجة مستوحاة من جنة سيدنا آدم رغم الاختلاف بينهم. فليس هذا هو الأهم في القصة الومضة، وإنما الأهم هو تقريب الصورة للقارئ للغواية التي قد تكون متقاربة ومتجاورة. والقاسم المشترك بينهما هو الحرمان من الجنة. وقد نجحت الكاتبة في تأسيس فن سردي متميز، تجلى في هذه القصة الومضة بكلمات قليلة، وعبارات كثيفة مع مفارقة مدهشة وموحية، فأوجزت قضية اجتماعية تتكرر بصيغ مختلفة في مجتمعات كثيرة، فعندما يضعف الوازع الديني والأخلاقي يمدد الشيطان بساطه المزركش لتأجيج الشهوات المغيبة في النفس، والمستترة في الجسد.
    4 ــــ نهاية القصة الومضة
    نهاية صادمة، تجمع بين الانغلاق والانفتاح، وقد يتجلى الانغلاق في حرمان البطل من الجنة التي كان ينعم فيها كعقاب له، فتبدو أن خاتمة الحرمان قد أغلقت النص، ولكن القارئ "الفائق" كما سماه الناقد عبد الله الغدامي" هو الذي يفتح نهاية النص. ويشتغل على جملة من التبعات الناتجة عن هذا الحرمان، مما يحفز القارئ على استحضار نهاية مفتوحة مبنية على عدة تأويلات وتوقعات ممكنة. فحدث الخيانة لم يصل إلى نهايته، ففضول القارئ يدفعه إلى معرفة ما وقع بعد الخيانة.
    5 ــــ رمزية التفاحة التاريخية
    منذ قديم الزمان، امتلكت التفاحة سحرا وسرا. وكانت رمزا للغواية والسقوط في الخطيئة، كما تحولت إلى بوابة للحب والحرب. ونجد حكمة عربية تقول: إن رميتَ أحدا بتفاحة فأنت تحبّه، وإن التقطها، فهو يحبّكَ.
    ولعل الساردة أدمجت قصة سيدنا آدم بطريقتها الخاصة، واتكأت على أسطورة التفاحة من بعيد كمرآة داخلة في فجوة من التاريخ. فالشيطان وسوس لآدم بالأكل من الشجرة(على الاعتقاد السائد أنها شجرة التفاح) لضمان خلوده في الجنة، فكان مصيره الطرد من الجنة، وهناك مثل قديم ما زال متداولا يقول: آدم أكلَ التفاحة، وما زال ضرسنا يؤلمنا. لكن الساردة لم تصرح بذلك. بفنية أدبية، وظفت "التفاحة" كرمزية فيها مشابهة ومجاورة للحدث، مع اختلاف بسيط في طريقة كيفية السقوط في الغواية. فالبطل غابت عنه الجنة التي كان يعيش فيها، فقد شعر بقيمتها لما انتهى من أكل التفاحة.
    يقول الكاتب أحمد متاريك :" لم تنل فاكهة في تاريخ البشرية مكانة مثلما فعلت ثمرة التفاح، ربما لأن تاريخ وجودها موازٍ لأول لحظة اؤتمن فيها الإنسان وخان،"...." ومهما اختلفت مواقيت التأليف وتباعدت أراضي النشأة لعبت " التفاحة" في كافة الأساطير العتيقة دورًا واحدًا؛ الغواية، المُعبِّر عن معنى "خطيئة". (4)
    6 ـــ بناء وتركيب
    مسافة مكانية كانت توجد بين البطل والبطلة، ولكن الوسوسة قربت بينهما في المكان والزمان، وتصالحت الشهوات والنزوات. فالبطلة انتظرت حتى تتمكن من قلبه، ولما أينعت الشهوة في جسده، وأيقنت أنه رأى التفاحة يانعة في جسدها، مع طراوة الملمس، والجمال المثير، هجم والتهم كل شيء في التفاحة..
    فالوسوسة تمت عن طريق التدرج منها: الاحتكاك، التهامس، تفعيل لغة الجسد والعين/ التقرب / الإثارة / التدلل / التصنع في الحب والإخلاص / تكرار الإشارات الإيحائية.../ حتى سكنت فكره وقلبه، فاهتزت جوارحه، فزاغ به السلم فهوى في بئر الغواية. فوقع في شرك اللذة، والتهم التفاحة مجانا بدون كلفة ولا مشقة . فالساردة لم تفسر ولم تشرح ، ولم تعرف بالبطلة، ولم تلمح لمكانتها الاجتماعية والمادية. كما أنها لم تعرف بالبطل من يكون؟ فلم تشر إلى مظهره الخارجي والداخلي؟ ولم تبين العلاقة الرابطة بينه وبين صاحبة الجنة التي حرم منها؟ أهي زوجته حقا كما افترضت ذلك سابقا؟...احتمالات تدخل في الواقع الممكن، لكن الساردة تركت الفرصة ليملأ القارئ هذه الفجوات بتجربته وثقافته، وسماعه، وطول مخالطته للناس.
    فالقصة الومضة لا تحتمل هذه الشروح والتفسيرات، ولكنها مخزنة بين سياق الحدث وتكوين فعل الخيانة. إنها مكيدة نصبت له وهو لا يدرك العواقب، فكان هدف المُوسْوسة المبيت له، هو التفريق بينه وبين أخرى مزاحمة لها. ولا تبتعد هذه الوسوسة التي بنيت على الخيانة من الانتقام، وانتزاع الزوج من زوجته. فكان جزاؤه أن حرم من الحياة السعيدة، ومن لذة الحلال ... بالهروب أو الابتعاد الاجتماعي أو الطلاق.
    7 ـــ وختاما
    عملت الساردة على تكثيف محكم واقتصاد لغوي جيد، والواقع أن هذا النص المرئي والمجسد في كلمات قليلة يقابله نص آخر، ويوازيه تحت إيحاء ورمزية جيدة لكل من:/ الوسوسة كحافز ودافع نحو خلق حدث من أجل خدمة هدف ما./ وتوظيف حركة "الالتهام" كدعامة قوية لبناء النص، والتهام ما هو حرام يكون أكثر عنفا من الأكل، وأكثر لذة.
    وقد لعبت رمزية التفاحة في النص دورا هاما في بلورة النص وتنويره بقضية موغلة في التراث القديم، شغلت الأدباء والعلماء والفلاسفة كما قلت سابقا. فالحرمان لم يكن حاضرا عند البطل، فقد كان يعيش في جنة لم يفطن لقيمتها إلا بعد أن فقدها، فأصبح منبوذا ومرفوضا إلى الأبد. ..
    فقصة "خيانة" تجمع بين التضاد في التوجه والسلوك،/ الوفاء والإخلاص،الخيانة/. صدمة فكرية توقظ الإنسان والمجتمع على حدث الخيانة بتعبير مختلف وجديد غير متوقع. فالقصة الومضة جاءت خالية من الروابط اللاصقة، ونقط الحذف المبالغ فيها، بعيدا عن استعمال أدوات فعل الشرط وجوابها، وهي خاصية تتميز بها القصة الومضة، فهي لا تقبل الإضافات اللغوية. إبداع متجدد يدخل في عمق تجربة ناجحة للقصة الومضة التي بدأت سفينتها ترسو شيئا فشيئا، رغم الخلط الموجود بينها وبين القصة القصيرة جدا.
    فالحكاية موجودة ضمنيا في هذه القصة الومضة"خيانة" فما على القارئ إلا أن يمد الخيوط الدلالية المحبوكة والمضغوطة في الجمل السردية التي لا تتعدى ثلاث جمل.

    ...............................................
    1 ـــ ياسر الغبيري/ القصة الومضة: إشكاليات التجنيس ومقتضيات التكثيف السردي/ موقع تنوير

    2 ــ آية /16 سورة (ق) ـــ آية 17/ سورة (الأعراف )
    3 ـــ آية 36/ سورة المرسلات.
    4 ـــ أحمد متاريك //رحلة التفاحة التاريخية من غواية إنسان الغاب لأشهر ماركات "اللاب"/مصر العربية/مقال منشور بتاريخ 12/يوليوز/2016

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 15,576
    المواضيع : 212
    الردود : 15576
    المعدل اليومي : 5.05

    افتراضي

    أولا .. أشكرك على أختيارك لتلك الومضة المقتضبة المعبرة برمزية عالية
    بدأت من العنوان الذي يعبر عن القصة ويفسرها.
    وقد قدمت قراءة تحليلية نقدية تستحق الإشادة والقراءة بما أحاطت بفنيات المعنى
    وتوظيف المفردة وإبراز معناها.
    قراءة أحاطت ببراعة بتفسير الومضة، وأظهرت خبايا الإبداع للكاتبة
    جهد موفق وأداء أكثر من رائع
    بارك الله فيك وفي جهودك النقدية الرائعة ـ وزادك الله علما.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي