نقد كتاب الشعر في ضوء الشريعة الإسلامية
الكتاب من تأليف محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل وهو من المعاصرين وقد قال الأهدب عن سبب تأليف الكتاب:
"ولقد اخترت هذا الموضوع بالذات لما يلي:
طالما سمعت من يردد قول الله عز وجل: {والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون} ويقف بعضهم عند هذه الآية مدللا على أن القرآن ذم الشعراء وشعرهم فيكون بتعميمه هذا مخطئا وكأنه لم ينتبه للاستثناء الوارد بعد هذه الآيات ولم يعرف من هو المقصود بالذم.
لذا اخترت الكتابة في هذا الموضوع بالرغم من قصر باعي وكثرة أشغالي وبالله الإعانة، والأهم في هذه الرسالة هو جمع جملة من الأحاديث الواردة في الشعر وتخريجها وشرحها بمقتطفات من أقوال أهل العلم."
استهل الأهدل الكتاب بتعريف الشعر ونقل أقوالا وفرق بين النثر والشعر فقال:
" تعريف الشعر:
الشعر في اللغة واحد الأشعار، قال الراغب: هو في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري. وسمى الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته".
وفي اصطلاح الأدباء هو كما قال ابن خلدون: "الكلام الموزون المقفى، ومعناه الذي تتكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية". قال: "وأساليب الشعر تناسبها اللوذعية وخلط الجد بالهزل والإطناب في الأوصاف وضرب الأمثال وكثرة التشبيهات والاستعارات".
قلت: ومن هنا نعرف الفرق بين الشعر والنثر حيث أن الأول يعتمد على الوزن والقافية ويكسو المعاني من جمال التشبيه وحسن الاستعارة وبراعة الكناية وضروب المجاز حللا خيالية بخلاف الثاني. والغرض المقصود من توحيد الوزن والقافية الحفاظ على جرس اللفظ لسلاسته في النطق وخفته على السمع والارتياح لقبوله.
وربما أطلق العرب الشعر على النثر المسجوع المشتمل على الخيال المؤثر المسجوع المشتمل على الخيال المؤثر في الوجدان...
والشعر عند العرب صفة قديمة لهم ولا يمكن تحديد بدء ظهوره فإنه ما سمع في التاريخ القديم إلا وهو محكم مقصد وإن كان تهذب أسلوبه وتشعبت مناحيه وتطور فنه حينما اختلفت العصر ..."
والشعر هو كلام موزون مقفى فقط وما قاله بعد تعريف ابن خلدون هو كلام ليس فى تعريف الشعر لأنه كما يتواجد فى الشعر يتواجد فى النثر
ثم تناول الأهدل ما سماه مكانة الشعر العربى وتكلم كلاما تكرر كثيرا فى الكتب وهو كلام ليس له أساس من الصحة فالشعر لا يفسر القرآن ولا قيمة لمعظم الأشعاروالذى له قيمة هو الشعر الطيب وإنما القرآن يفسره القرآن أو الوحى الثانى وهو الذكر فقال:
"مكانة الشعر العربي:
مما لا شك فيه أن كثيرا من الشعر العربي له اليد الطولى في المساهمة في تفسير كثير من ألفاظ الشريعة الواردة في الأصلين العظيمين والمصدرين الكريمين الكتاب والسنة إذ بواسطة الشواهد والأدلة من الأدب العربي نستعين على فهم كتاب الله الكريم وسنة صاحب الخلق العظيم.
وبواسطته بحث علماء اللسان الأساليب المختلفة والتراكيب المتنوعة في الشعر العربي فأرسوا قواعدهم وأصلوا أصولهم مستقين من معينه ومستضيئين بنور مصباحه.
قال الأستاذ محمد أمين حنفي في موضوع الأدب الإسلامي مستعرضا الأسباب التي اقتضت محافظة المسلمين على الأدب
الجاهلي عدة أسباب، فالسبب الأول هو حاجة مفسري القرآن الكريم إلى شواهد الأدلة من كلام العرب القديم على صحة التفسير والفهم لكلام رب العالمين، والسبب الثاني هو بحث النحاة واللغويين في عصر التدوين ووضع قواعد اللغة العربية عن الشعر الجاهلي....
والسبب الثالث هو اقتداء الشعراء بالشعر الجاهلي وروايتهم له وتقليدهم إياه ...ويضاف إلى ذلك سبب رابع هو ظهور الصراع الشعوبي بين العرب وغيرهم من بعض الأعاجم مما دفع العرب والمسلمين المخلصين إلى التمسك بالتراث العربي وبلغة القرآن والدفاع عنه والتعصب له والتنديد بالشعراء الذين يخرجون على عمود الشعر الجاهلي ولذلك كان للشعر العربي الجاهلي مكانته في النفوس وقيمته لدى العلماء والأدباء مما جعله يحتفظ بعموده وأساليبه ومعانيه دون أن يجرؤ أحد على النيل من مكانته أو قيمته ..".
قلت ومما لا يجهله كل الناس أن الشعر له الأثر الطيب في إعانة طلاب العلم وحملة الشريعة على جمع ما تفرق ونظم ما تشتت من العلوم والفوائد بل وسائر الفنون فإنه ما من فن من فنون القرآن والحديث وعلوم اللغة إلا وقد نظمت فيه المناظيم وقيلت فيه الأشعار فسهل حفظها على الصغار والكبار وللوسائل حكم المقاصد كما هو معروف.
...ولذا يقول ابن قتيبة في مقدمة كتابه الشعر والشعراء ما نصه:
"وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب والدين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو وفي كتاب الله عز وجل وحديث رسول الله (ص)".
قلت: والمتتبع لعلماء السلف والخلف يجد أن أكثرهم قد أدلى بدلوه في هذا المضمار ونظم جيد الأشعار ولكنهم يتفاوتون في القلة والكثرة ....إذا فللشعر قيمته وللشعراء رتبهم العالية لأنهم حفظوا لسان العرب وغاصوا على مكونات مخدراته حتى أن بعضهم قيل فيه لولا فلان لضاع ثلث اللغة وناهيك بهذه المفخرة،....".
الفائدة الثانية:
قال ابن العربي: "أما الاستعارات والتشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد فبذلك يقرب الملك الموكل بالرؤيا المثل وقد أنشد كعب بن زهير النبي (ص).
...
الفائدة الثالثة:
قال الحافظ ابن حجر: "وأما الشعر فكان نظمه محرما على الرسول عليه الصلاة والسلام باتفاق. قال الله عز وجل: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} .
قال: لكن فرق البيهقي وغيره بين الرجز وغيره من البحور فقالوا يجوز له الرجز دون غيره وفيه نظر فإن الأكثر على أن الرجز ضرب من الشعر وإنما ادعى أنه ليس بشعر الأخفش وأنكره ابن قطان وغيره وإنما جرى البيهقي ذلك لثبوت قوله (ص)يوم حنين:" أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب". فإنه من بحور الرجز ولا جائز أن يكون مما تمثل به - كما سيأتي - لأن غيره لا يقول أنا النبي..إذا علمت هذا عرفت أن الرسول الأمين لم يكن من أولئك الذين يقولون القصائد أو يجتذبهم حفظ الشعر ولا من الذين يتتبعون مواقعه ويغرمون بنغماته وتواقيعه...زلذا لم يكن شاعرا وما ينبغي له. إذ رتبته التي هيئ لها أسمى المراتب على الإطلاق ومنزلته أعلى المنازل بالاتفاق."
بالقطع الرسول (ص) ليس شاعرا كما قال تعالى " وما هو بقول شاعر:
وأما استشهاده ببعض الشعر فهو أمر يقع من كل الناس فى بعض المواقف
ثم حدثنا الأهدل عن تفسير آيات الشعراء فقال :
"ما ورد في تفسير آيات الشعراء:
قال الله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} .
القراءة:
{والشعراء} قرأ الجمهور بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ما بعده. وقرأ عيسى بن عمر {الشعراء} بالنصب على الاشتغال، ...
المفردات
الشعراء: جمع شاعر كجاهل وجهلاء وعالم وعلماء والغاوون: جمع غاو وهو الضال. يهيمون: يقال هام يهيم هيما وهيمانا إذا ذهب على وجهه.
سبب النزول:
قال السيوطي: "أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: "تهاجى رجلان على عهد رسول الله (ص)أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين وكان من كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فأنزل الله {والشعراء يتبعهم الغاوون} الآيات" قال: وأخرج ابن أبي حاتم نحوه"
قال ابن كثير: "وأخرج ابن أبي حاتم قال حدثنا أبي حدثنا أبو مسلم حدثنا حماد ابن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: لما نزلت {والشعراء يتبعهم الغاوون} إلى قوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم فأنزل الله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية". ثم قال: "ولكن هذه السورة مكية فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار وفي ذلك نظر ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها والله أعلم"."
بالقطع ما ذكره من قراءاة ألايات ومعانى المفردات لا يهم القارىء فما يهمه هو المعنى وأما أسباب النزول فكلها لا توافق الآيات فالآيات تتحدث عن اتباع بعض الناس لأقوال الشعراء ولا يوجد فى الروايات شىء عن طاعة أحد للشعراء
ثم تناول الرجل معانى ألايات فقال:
"معنى الآيات الكريمات:
قال الشوكاني: "قوله عز وجل: {والشعراء يتبعهم الغاوون} المعنى أن الشعراء يتبعهم أي يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون أي الضالون عن الحق ثم بين سبحانه قبائح شعراء الباطل فقال: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} . والجملة مفسرة لما قبلها والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية أي ألم تر أنهم في كل فن من فنون الكذب يخوضون وفي كل شعب من شعاب الزور يتكلمون فتارة يمزقون الأعراض بالهجاء وتارة.يأتون من المجون بكل ما يمجه السمع ويستقبحه العقل وتارة يخوضون بحر السفاهة والوقاحة ويذمون الحق ويمدحون الباطل ويرغبون في فعل المحرمات ويدعون الناس إلى فعل المنكرات كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة ثم قال سبحانه: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} أي يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة في ذلك فقد يدلون بكلامهم على الخير ولا يفعلونه وقد ينسبون إلى أنفسهم من أفعال الشر ما لا يقدرون على فعله كما تجده في كثير من أشعارهم من الدعاوى الكاذبة والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات وأنهم فعلوا بهن كذا وكذا وذلك كذب محض وافتراء بحت.
ثم استثنى سبحانه الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم تحري الحق والصدق فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي دخلوا في حزب المؤمنين وعملوا بأعمالهم الصالحة. {وذكروا الله كثيرا} في أشعارهم. {وانتصروا من بعد ما ظلموا} كمن يهجو منهم من هجاه أو ينتصر لعالم أو فاضل كما كان يقع من شعراء النبي (ص)فإنهم كانوا يهجون من يهجوه ويحامون عنه ويذبون عن عرضه ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل السنة وكافح أهل البدعة وزيف ما يقول شعراؤهم من مدح بدعتهم وهجو السنة المطهرة كما يقع ذلك كثيرا من شعراء الرافضة ونحوهم فإن الانتصار للحق بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة وفاعله من المجاهدين في سبيل الله المنتصرين لدينه القائمين بما أمر الله بالقيام به وتصرف.
وقال الزمخشري: "استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والآداب الحقة ومدح رسول الله (ص)والصحابة وصلحاء الأمة وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة منقصة وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم"."
والتفسير صحيح المعنى ولا يؤخذ عليه شىء ثم بين الرجل الفوائد من ألايات فقال:
"أضواء على الآيات وفوائد تتعلق بها:
إذا أنعمنا النظر في هذه الآيات الكريمة وما تضمنه سياقها المحكم نجد أنها قسمت الشعراء قسمين ووضعتهم طبقتين:
الأول: قسم غاوون، مائلون عن الطريق السوي، والمنهج الأدبي لأنهم لا ينطقون بالحق، ولا يتكلمون بالعدل فتراهم في كل واد يهيمون، وفي شعاب الكذب والزور يتيهون، لا يزنون الكلام إلا بميزان الهوى، ومعيار الغواية، فهؤلاء هم المذمومون ...القسم الثاني: فريق آمنوا بربهم واهتدوا بنور نبيهم عليه الصلاة والسلام فسابقوا إلى الأعمال الصالحات، وأخلصوا لله النيات ووزنوا أشعارهم بميزان الشريعة .."
وجرنا الأهدل لمسألة فى غاية الأهمية وهى هل يعاقب الشعراء على اعترافهم بذنب ما فى اشعارهم فقال:
"قال المناوي رحمه الله: "وقد انعقد الإجماع على حل قول الشعر إذا قل وخلا عن هجو وكذب وإغراق في مدح وتغزل فيما لا يحل".
فوائد:
الفائدة الأولى: وصف الله الشعراء بأنهم يقولون ما لا يفعلون فاختلف العلماء فيما إذا أقر الشاعر في شعره بارتكاب حد من حدود الله فهل يقام عليه الحد بحسب إقراره أم لا؟. لأن الله عز وجل قد وصفهم بأنهم يقولون ما لا يفعلون ولأنه يكثر الباطل في أشعارهم: قولان لأهل العلم.قال بعضهم يقام عليه الحد لأنه مكلف أقر بجريمة ارتكبها فلا سبيل إلى تركه والإقرار تثبت به الحدود.وقالت طائفة أخرى إنه لا يقام عليه الحد إن أقر بموجبه في الشعر. قالوا لأن كذب الشاعر في شعره أمر معروف معتاد واقع لا نزاع فيه.
قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي: "أظهر القولين عندي أن الشاعر إذا أقر في شعره بما يستوجب الحد لا يقام عليه الحد لأن الله جل وعلا صرح هنا بكذبهم في شعرهم في قوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فهذه الآية الكريمة تدرأ عنهم الحد ولكن الأظهر أنه إن أقر بذلك استوجب بإقراره به الملام والتأديب وإن كان لا يحد به".
واستأنس شيخنا لما ذهب إليه بما روى ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة حيث قال: "وذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة وكان يقول الشعر فقال:
ألا هل أتي الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تحذو على كل منسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
قال: فلما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إي والله إنه ليسوءني ذلك ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته. وكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير} . أما بعد فلقد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
وأيم الله إنه ليسوؤني وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط وما ذلك الشعر إلا شيء طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما قلت".
قال شيخنا: "فلم يذكر أنه حده على شراب وقد ضمنه شعره لأنهم يقولون ما لا يفعلون ولكنه ذمه عمر ولامه على ذلك وعزله به". قلت: وقد احتج الفرزدق بهذه الآية الكريمة عند الخليفة سليمان بن عبد الملك حينما سمع قوله:
فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام
فقال سليمان: قد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} . قال كاتبه غفر الله له: الظاهر أنه لا يقام عليه الحد لما سبق ولأن النبي (ص)قال: "ادرؤوا الحدود بالشبهات". فيكون تعلق الشاعر المقر"
بالقطع كل إنسان مسلم أو غير مسلم محاسلب على قوله ومن ثم فالاعتراف بالجرائم كالزنى والقتل والسرقة أو غيرها فى الشعر أو غيره يتم البحث فيه فإن كانت جريمة حقيقية عوقب الشاعر فمثلا الزنى إن اعترف به فإما أن يجلب الشهود ألربعة على زناه وإما أن يجلد حد الزور وهو حد رمى المحصنات لأنه فى تلك الحالة يقول كذبا يشيعه فى المجتمع وغن كانت قتل بحث فى الموضوع فإن ثبت عوقب بإحدى العقوبات القتل أو العفو بلا دية أو الدية مع العفو وإن لم يثبت يعاقب بعقوبة قول الزور وهى ثمانين جلدة فإن كرر ذلك مرات متعمدا قتل باعتباره مفسدا فى الأرض حيث يشيع الفاحشة على اختلاف أنواعها فى المجتمع
ثم تناول مسألة لا علاقة لها بالشعر وهى إعجاز القرآن فقال:
"القرآن الكريم وسر إعجازه:
جرت العادة الإلهية في خلقه أن يبعث إلى كل أمة نبيا مؤيدا بمعجزة خارقة من جنس ما فاقت به تلك الأمة وامتازت به على غيرها من الأمم.
..... بعث الله تعالى نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام في أمة امتازت بالبيان حيث مدت عليهم الفصاحة ظلها وأهدتهم بنات البلاغة حليها فكانوا ينبوع الفصاحة ودوحة البلاغة وكان جهابذة الفصحاء منهم أهل المكانة مرموقة ورتب مرفوعة.
فأيد الله نبيه وخليله بمعجزة القرآن فما إن تلاه عليهم ذلك النبي الأمي وطرقت آذانهم آياته وسوره حتى وقفوا مع فصاحتهم أمامه ذاهلين وأيقنوا أن البشر لا يقوون على النسيج على منواله ولا الإبداع على مثاله..."
ولما كان الكتاب عن الشعر فقد أعرضنا عن مناقشة مسألة خارجة عنه وهى إعجاز القرآن ثم تناول الرجل روايات عجاء الكفار فقال:
"الأحاديث والأمر بهجاء المشركين:
أن من البيان لسحرا وأن من الشعر لحكمة والأمر بهجاء المشركين
الحديث الأول:
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): "إن من البيان سحرا "
معنى الحديث: إن بعض البيان يكشف الحقيقة ويوضح المشكل فيستميل القلوب ويجذبها كما يستمال بالسحر.وهذا الحديث قاله عليه الصلاة والسلام حين قدم وفد تميم وفيه الزبرقان وعمرو ابن الأهتم فخطبا ببلاغة وفصاحة ثم فخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد بني تميم والمطاع فيهم والمجاب لديهم أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أذنيه. فقال الزبرقان: والله لقد علم مني أكثر مما قال ما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك والله إنك للئيم الخال حديث المال ضيق العطن أحمق الولد والله.يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا وما كذبت فيما قلت ثانيا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا.
فقال رسول الله (ص):"إن من البيان لسحرا".
قال الميداني: "هذا المثال في استحسان النطق وإيراد الحجة البالغة".
أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي.
ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة أن البيان أعم من كونه نثرا فيدخل فيه الشعر لما يشتمل عليه من أوجه البيان وصفوف التشبيهات والمحسنات التي تجذب.."
الرواية تعنى أن الكلام يستعمل فى الخداع فالسحر هو الخداع وبينت أن الشهر فيه كلام طيب هو الحكمة وذلك بفض النظر عن أن الواقعة التى قيلت فيها الرواية حدثت أم لم تحدث لأن النبى(ص) لا يمكن ان يدع أحد يمدح نفسه أو غيره أمامه مضيعا الوقت فى شىء لا يهم النبى(ص) ولا المسلمين مع قوله تعالى " فلا تزكوا انفسكم "
ثم ذكر رواية بنفس المعنى على أنها حديث أخر:
"الحديث الثاني:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): "إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما" وفي رواية: "إن من الشعر لحكمة".
والمعنى أنه ليس كل شعر غواية بل منه ما يتضمن إقامة الحق والحث على الخير، كانت العرب تطلق اسم الحكمة على قوة جامعة لرزانة العقل والرأي وشرافة الخلق ومن هذا سموا الرجل العاقل المهذب حكيما..."
ومن ثم لا داعى للحديث عنه وأما الرواية الثالثة فهى التى تتحدث عن الهجاء بينما السابقتين لا تتحدثان عنه مع كون العنوان عن الهجاء وفى هذا قال:
"الحديث الثالث:
عن البراء قال: قال رسول الله (ص)لحسان بن ثابت: "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" متفق عليه. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت رسول الله (ص)يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله (ص)اللهم أيده بروح القدس؟ ". قال أبو هريرة: نعم". أخرجه مسلم. وعن أنس بن مالك أن رسول الله (ص)قال: "جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم". أخرجه أبو داود.
عن كعب بن مالك حين أنزل الله تبارك وتعالى في الشعر ما أنزل أتى النبي (ص)فقال: "إن الله تبارك وتعالى قد أنزل في الشعر ما قد علمت وكيف ترى فيه؟ فقال النبي (ص): "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه". أخرجه أحمد.وفي رواية له: "والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذن حسان بن ثابت رسول الله (ص)في هجاء المشركين فقال رسول (ص): "فكيف بنسبي؟ " فقال: "لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين" متفق عليه. وعن هشام عن أبيه قال: "ذهبت أسب حسان عند عائشة فقالت: لا تسبه فإنه كان ينافح عن رسول الله (ص)". أخرجه الإسماعيلي.
في هذه الأحاديث جواز الشعر بل استحبابه إذا كان هادفا إلى صالح الإسلام وتدعيم الدعوة الإسلامية ورفع صرحها ونقض مباني الشرك وعبادة الأوثان."
الروايات السابقة أحاديث مختلفة والمفروض أن الأهدل كان عليه أن يرتبها فى الموضوع ويحذف الروايتين ألولليين او يستخدمهم تحت عنوان أخر والمستفاد منها :
أن هجاء الكفار هو رد فعل على هجاءهم للنبى(ص) وبقية المسلمين ومن ثم قهو أمر مطلوب كما قال تعالى :
"ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم"
ويبين الرجل أن الهجاء نتيجة وجود قرابات بين النبى(ص) وبعض المسلمينمع الكفار مطلوب فيه ألا يحزن المسلمين بذكر كفر آقاربهم أو ذكر معايبهم وفى هذا قال الـهدل:
دخل حسان بن ثابت رضي الله عنه في الإسلام حتى إذا أخذ شعراء قريش في هجاء الرسول وصحبه من المسلمين انبرى لهم بلاذع هجائه وكان رسول الله يحثه على ذلك ويدعو له بمثل: "اللهم أيده بروح القدس".
ولما قال له الرسول: "كيف بنسبي؟ " قال له: "لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين". فكان يهجوهم بأفعالهم وبما يختص عاره بهم.
واستمع الرسول إلى بعض هجائه لهم فقال: "لهذا أشد عليهم من وقع النبل".
وفي حديث عنه (ص)أنه قال: "أمرت عبد الله بن رواحة بهجاء قريش فقال وأحسن وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن وأمرت حسان بن ثابت فشفى وأشفى".
وما ذلك إلا أنه لم يكن يهجو قريشا بالكفر وعبادة الأوثان إنما كان يهجوهم بالأيام التي هزموا فيها ويعيرهم بالمثالب وهذا طبيعي لأنهم كانوا مشركين فعلا فلو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغا. وبحق سمى حسان شاعر الإسلام وشاعر ورسوله الكريم (ص)فقد عاش يناضل عنه أعداءه من قريش واليهود ومشركي العرب راميا لهم جميعا بسهام مصمية."
وتناول الرجل حياة حسان وبعض شعره فقال:
"نبذة عن شعر حسان:
قدم على الرسول (ص)وفد بني تميم فقال حسان يرد على شاعر هذا الوفد الزبرقان بن بدر مادحا للمهاجرين مدحا رائعا يقول في تضاعيفه:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدني سبقهم تبع
أهدى لهم مدحي قلب يؤازره ... فيما أراد لسان حائك صنع
وورد أنه كان ينشد الرسول شعره في المسجد.
ومن هنا تعرف أن القرآن إنما يهاجم شعراء المشركين الذين كانوا يهجون الرسول ويثبطون عن دعوته فالقرآن لم يهاجم الشعر من حيث أنه شعر وإنما هاجم شعرا بعينه كان يؤذي الله ورسوله وهو نفسه الذي قال فيه الرسول الكريم: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له أن يمتلئ شعرا".
ويقول حسان من همزيته التي أجاب فيها أبا سفيان بن الحارث وقد استهلها بمطلع غزلي جميل:
عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء
إلى أن يقول:
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء
يبارين الأسنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهم بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء
إلى أن يقول:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء
بأن سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدار سادتها الإماء7
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
والموضوع طويل وحسبنا ما ذكرنا على سبيل المثال."
ثم ذكر أمية بن ابى الصلت والذى يبدو أنه شخصية خرافية وأن النبى(ص) كان يستمتع بشعره الطيب فقال :
استنشاده (ص)واستماعه وما تمثل به منه وبيان أنه بمنزلة الكلام
وقد ذكر البخاري في باب من استنشد الشعر وما سمعه النبي (ص)منه وما تمثل به وبيان أنه بمنزلة الكلام.
- عن عمر بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النبي (ص)شعر أمية ابن أبي الصلت وأنشدته، فأخذ النبي (ص)يقول: "هيه هيه". حتى أنشدته مائة قافية. فقال: "إن كاد ليسلم" .
ثم تناول ترجمة أمية فقال :
"ترجمة أمية:
هو أمية بن عبد الله بن ربيعة الثقفي. وعتبة وشيبة أبناء خاله ولذلك رثى قتلى بدر بقصيدته المشهورة وكان ممن حرم الخمر وتجنب الأوثان والتمس الدين وطمع في النبوة لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث في الحجاز فرجا أن يكون هو.
فلما بعث النبي (ص)حسده وبلغ به الحسد إلى حد الجحود فلم يسلم. توفي بالطائف في السنة الثانية وقيل في التاسعة ومن شعره:
كل دين يوم القيامة عند الله ... إلا دين الحنيفة زور
ومن شعره:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما "
ثم ذكر روايات متعدد خارج العنوان كلها معناها أن الشعر المطلوب هو الشعر الطيب المفيد فقال:
"- وعن خالد بن كيسان قال: "كنت عند ابن عمر فوقف عليه إياس بن خثيمة قال: ألا أنشدك من شعري يا ابن الفاروق. قال: بلى ولكن لا تنشدني إلا حسنا. فأنشده حتى إذا بلغ شيئا كرهه ابن عمر قال له: أمسك".
- عن قتادة سمع مطرفا قال: "صبحت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فقل منزل ينزله إلا وهو ينشدني شعرا. وقال: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب".
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص)قال:" أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل". وفي رواية: "أصدق كلمة" منفق عليه.
المراد بالكلمة هنا القطعة من الكلام كما قال سبحانه: {كلا إنها كلمة هو قائلها} إشارة إلى قول الكافر: {رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت} .
- عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: "قلت لعائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله (ص)يتمثل بشيء من الشعر؟. فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة ويتمثل ويقول: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود".
قوله: "فقالت" لفظ الطحاوي: "فقالت نعم بشعر ابن رواحة وربما قال هذا البيت ويأتيك الخ". وفي لفظ له: "كان يتمثل بشعر ابن رواحة" أخرجه أحمد من طريق مغيرة عن الشعبي: "إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة" فنسبتها إلى ابن رواحة مجازية.
عن البراء بن عازب قال: "رأيت النبي (ص)ينقل معنا التراب وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ويرفع بها صوته".
وفي رواية: "ورفع بها صوته أبينا أبينا" متفق عليه.
عن أنس بن مالك عن النبي (ص)أنه قال:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
وفي رواية سهل بن سعد عند مسلم: "فاغفر للمهاجرين والأنصار" وفي رواية: "كانوا يرتجزون ورسول الله (ص)معهم وهم يقولون الحديث" منفق عليه."
ثم ذكر الرجل مسألة سبق تناولها وهى أن النبى (ص)لا يقول الشعر ولكنه ذكر روايات تنسب له بيت فى رواية وهى:
عن جندب بن سفيان قال: "دميت إصبع رسول الله (ص)في بعض تلك المشاهد فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
أخرجه الشيخان.
وعن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أن النبي (ص)قال في غزوة حنين: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب". أخرجه الشيخان."
وبالقطع الشعر لا يكون بيتا واحدا لأنه مقفى والتقفية تعنى أنه على الأقل بيتين والبعض لا يعتبر شعرا وإنما إذا كانوا ثلاثة ومن ثم فما قاله ليس شعر إن كان قاله وإنما كلمات وقعت على وزن الشعر وفى هذا قال ناقلا من بطون الكتب:
"التعليق على الأحاديث:
قال النووي: "قال المازري: أنكر بعض الناس كون الرجز شعرا لوقوعه.من النبي (ص)مع قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} وهذا مذهب الأخفش واحتج به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر. وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قصد إليه واعتمد الإنسان أن يوقعه موزونا مقفى يقصده إلى القافية ويقع في ألفاظ العامة كثير من الألفاظ الموزونة ولا يقول أحد أنها شعر ولا صاحبها شاعر وهكذا الجواب عما في القرآن من الموزون كقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وقوله تعالى: {نصر من الله وفتح قريب} ".
ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرا لأنه لم تقصد تقفيته وجعله شعرا. قلت: وقد قال الإمام أبو القاسم علي بن أبي جعفر بن علي السعدي الصقلي المعروف بابن القطاع في كتابه الشافي في علم القوافي: "قد رأى قوم منهم الأخفش وهو شيخ هذه الصناعة بعد الخليل أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر كقول النبي (ص): "الله مولانا ولا مولى لكم". وقوله: "هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت". وقوله: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" وأشباه هذا القول. قال ابن القطاع: "وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غلط بين وذلك لأن الشاعر إنما سمي شاعرا لوجوه منها أنه شعر القول وقصده وأراده واهتدى إليه وأتي به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لم يكن شعرا ولا يكون قائله شاعرا".
ونجد الأهدل لا يرتب كلامه وإنما يذكر ما اتفق له من روايات دون عناوين فيذكر أن النبى(ص) تمثل بشعر طيب فى الرواية التالية فقال:
"عن سلمة بن الأكوع قال: "خرجنا مع رسول الله (ص)إلى خيبر فتسيرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هينهاتك - وكان عامر رجلا شاعرا - فنزل يحدو بالقوم يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اقتفينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا ... إنا إذا أصيح بنا أتينا
وبالصياح عولوا علينا
متفق عليه."
ثم يذكر رواية سبق أن قالها تتمثل فى ميزان نقد الشعر وهى أن الشعر الحسن يقاس بطيبته أى مدى موافقته لكلام اللهوهذا هو الشعر الحسن واما الشعر القبيح فهو ما يخالف كلام الله وفى هذا قال :
"عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (ص): "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام".
عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: "الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح. ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا منها القصيدة فيها أربعون بيتا ودون ذلك"."
وينقل لنا أن الصحابة كانوا يتناشدون أشهار الجاهلية فى مجلس النبى0ص) دون اعتراض منه على ما فيه من مخالفة لفسلام فيقول:
"عن جابر بن سمرة قال: "جالست النبي (ص)أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فربما تبسم معهم".أخرجه الترمذي والطيالسي وأحمد والسياق للترمذي."
وهذا الكلام يتنافى مع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فلم يكن النبى(ص) أساسا لديه وقت فراغ لتلك المجالس فكله وقته كان عملا تعليما ووعظا وتحضيرا للجهاد وقضاء بين الناس زد على هذا حياته مع زوجاته
ثم ذكر حرمة سماع أو حفظ الشعر إن كان شعرا كافرا فقال:
"كراهة الشعر لمن غلب عليه:
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص)قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قبحا خير له من أن يمتلئ شعرا"....
وقال النووي: "المراد أن يكون الشعر غالبا عليه مستوليا عليه بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى وهذا مذموم من أي شعر كان فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا وقال العلماء كافة هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه. قالوا وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح وهذا هو الصواب فقد سمع النبي (ص)الشعر واستنشده وأمر به حسان في هجاء المشركين وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه وإنما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه".
وفي رواية لمسلم من طريق أبي سعيد الخدري قال: "بينا نحن نسير مع رسول الله (ص)بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله (ص): "خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان لأن يمتلئ ... " الحديث
والعرج: على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة.
قال النووي: "وأما تسميته هذا الرجل الذي سمعه ينشد شيطانا فلعله كان كافرا أو كان الشعر هو الغالب عليه أو كان شعره هذا من المذموم".
وبالجملة فتسميته شيطانا إنما هي قضية عين تتطرق إليها الاحتمالات المذكورة وغيرها ولا عموم لها فلا يحتج بها.
وقال المناوي: "وأما قول المصطفى (ص)للشاعر الذي عرض له بالعرج خذوا أو أمسكوا الشيطان فلعله علم من حاله أنه اتخذ الشعر حرفة فيفرط في المدح إذا أعطى وفي الذم إذا منع فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم".
الشاعر يكون شيطانا إن قال الكفر فهو من شياطين الإنس كما قال تعالى
"وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا"