نقد كتاب حسن التفهم والدرك لمسألة الترك
الكتاب من تأليف عبدالله بن الصديق الغماري الحسني وهو من أهل العصر وسبب التأليف كما ذكر أن تلميذ له طلب منه بيان مسألة الترك وفى هذا قال فى المقدمة:
"أما بعد:
فقد طلب مني تلميذنا الفاضل الأستاذ محمود سعيد أن أحرر رسالة في مسألة الترك, تزيل عن قارئها كل حيرة وشك وذكر أنه وجد في (إتقان الصنعة) إشارة إليها موجزة, فأجبت طلبه وأسعفت رغبته, وكتبت هذا المؤلف محررا ليكون قارئه في ميدان الاستدلال على بصيرة من أمره, ويعرف الدليل المقبول من غيره, والله الموفق والهادي وعليه اعتمادي"
وقد استهل الغمارى الكتاب بمقدمة فى أدلة الأحكام وأنواع الأحكام وهو كلام ليس له ضرورة لأنه لا يتناول المسألة فقال:
"المقدمة:
الأدلة التي احتج بها أئمة المسلمين جميعا هي:
الكتاب والسنة –لا خلاف بينهم في ذلك-وإنما اختلفوا في الإجماع والقياس؛ فالجمهور احتج بهما وهو الراجح لوجوه مقررة في علم الأصول, وتوجد أدلة مختلف فيها بين الأئمة الأربعة وهي الحديث المرسل وقول الصحابي, وشرع من قبلنا ,والاستصحاب ,والاستحسان وعمل أهل المدينة والكلام عليها مبسوط في كتاب الاستدلال من جمع الجوامع للسبكي
ماهو الحكم الشرعي؟
الحكم هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف, وأنواعه خمسة:
1 - الواجب أو الفرض: وهو مايثاب فاعله ويعاقب تاركه مثل الصلاة والزكاة وصوم رمضان وبر الوالدين
2 - الحرام: وهو ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه ,مثل الربا والزنا والعقوق والخمر
3 - المندوب: وهو مايثاب فاعله ولا يعاقب تاركه, مثل نوافل الصلاة
4 - المكروه: وهوما يثاب تاركه ولا عقاب على فاعله, مثل صلاة النافلة بعد صلاة الصبح أو العصر
5 - المباح أو الحلال: وهو ماليس في فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب مثل أكل الطيبات والتجارة
فهذه أنواع الحكم التي يدور عليها الفقه الإسلامي, ولا يجوز لمجتهد صحابيا كان أو غيره أن يصدر حكما من هذه الأحكام إلا بدليل من الأدلة السابقة, وهذا معلوم من الدين بالضرورة لا يحتاج إلى بيان"
وبعد ذلك تناول الغمارى تعريف أو معنى الترك فقال:
"ماهو الترك؟
نقصد بالترك الذي ألفنا هذه الرسالة لبيانه:
أن يترك النبي (ص)شيئا لم يفعله أو يتركه السلف الصالح من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك يقتضي تحريمه أو كراهته
وقد أكثر الاستدلال به كثير من المتأخرين على تحريم أشياء أو ذمها ,وأفرط في استعماله بعض المتنطعين المتزمتين ورأيت ابن تيمية استدل به واعتمده في مواضع سيأتي الكلام على بعضها بحول الله"
أولا هذا التعريف خاطىء لأنه لا يوجد شىء فى الشرع ليس فيه نص لقوله تعالى " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء"
والأفضل فى تعريفه هو عمل لم يعمل به النبى(ص)أو المسلمون نظرا لعدم وجود ظروف تحققه فمثلا الطلاق يقال ان النبى(ص) لم يفعله لأن الظروف لم تجعله يطلق أيا من زوجاته ومثلا لم يصطد النبى(ص) شىء مع أن الصيد فيه حلال وحرام فليس معنى أنه لم يفعله أن حلال أو حرام لأن المناط هو النص وليس فعل النبى(ص)أو عدم فعله
ومن ثم فمناط الحلال والحرام هو النصوص وليس عمل النبى(ص) أو تركه لأنه ارتكب ذنوبا كما فى قوله تعالى "واستغفر لذنبك"ومنها عملا وتركا
ثم بين الغمارى أنواع الترك فقال:
"أنواع الترك:
إذا ترك النبي (ص)شيئا فيحتمل وجوها غير التحريم:
1 - أن يكون تركه عادة: قدم إليه (ص)ضب مشوي فمد يده الشريفة ليأكل منه فقيل: إنه ضب, فأمسك عنه ,فسئل: أحرام هو؟ فقال:لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه! والحديث في الصحيحين وهو يدل على أمرين:
أحدهما: أن تركه للشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يدل على تحريمه
والآخر: أن استقذار الشيء لا يدل على تحريمه أيضا"
الرواية أساسا مخالفة للقرآن فالصيد البرى حلال لمن جاع فى السفر ولم يجد شىء يأكله إلا عن طريق الصيد والطعام المحلل فى الحياة العادية من الحيوانات هو الأنعام والطيور
وحتى لو صحت الرواية وهى غير صحيحة لأن الحديث فيه رواية متعددة متناقضة فالمستفاد منها هو أن عادة القوم لا تحل حراما ولاتحرم حراما
وأما النوع الثانى من الترك فهو الترك نسيانا وقيه قال الغمارى:
2 - أن يكون تركه نسيانا, سها (ص)في الصلاة فترك منها شيئا فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟ فقال:((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ,فإذا نسيت فذكروني))"
وهذا النسيان فيه نصوص ومن ثم فهو عادى وأما النوع الثالث فهو الترك خوفا على المسلمين وهو قوله:
"3 - أن يكون تركه مخافة أن يفرض على أمته, كتركه صلاة التراويح حين اجتمع الصحابة ليصلوها معه"
وهذه الرواية مخالفة للقرآن فالله هو من يفرض وهو لا يهتم بمشاعر الناس تجاه الأحكام وإلا ما عاتب النبى(ص) مثلا فى حكاية الاستئذان غتدما سمح للمنافقين بترك أماكنهم ومن ثم فروايات خوف النبى(ص) من فرض شىء لاوجود لها ولم تحدث لأن الأحكام هى مشيئة الله ولو اهتم بذلك لجعل له شريكا فى الحكم ولا شؤيك له
وبين الغمارى النوع الرابع فقال:
"4 - أن يكون تركه لعدم تفكيره فيه, ولم يخطر على باله, كان النبي (ص)يخطب الجمعة إلى جذع نخلة ولم يفكر في عمل كرسي يقوم عليه ساعة الخطبة, فلما اقترح عليه عمل منبر يخطب عليه وافق وأقره لأنه أبلغ في الإسماع واقترح الصحابة أن يبنوا له دكة من طين يجلس عليها ليعرفه الوافد الغريب, فوافقهم ولم يفكر فيها من قبل نفسه"
هذا الكلام خاص فيما اختيار أى شوؤة ومن ثم فهو داخل ضمن قوله تعالى "وأمرهم شورى بينهم"
والنوع الخامس غير مفهوم وهو قوله:
"5 - أن يكون تركه لدخوله في عموم آيات أو أحاديث ,كتركه صلاة الضحى وكثيرا من المندوبات لأنها مشمولة لقول الله تعالى ((وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)) وأمثال ذلك كثيرة"
ترك المندوبات فى الروايات ليس داخل فى الترك لأنه فعله عدة مرات فى الروايات واما فى الشرع فلا مندوبات إلا ما قالها الله مثل ترك نصف المهر الأخر للمطلق قبل الدخول
وأما السادس فهو نوع محرم لم يحدث وفيه قال الغمارى:
6 - أن يكون تركه خشية تغير قلوب الصحابة أو بعضهم: قال رسول الله (ص)لعائشة:
((لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام فإن قريشا استقصرت بناءه))وهو في الصحيحين
فترك (ص)نقض البيت وإعادة بنائه حفظا لقلوب أصحابه القريبي العهد بالإسلام من أهل مكة "
والخوف من الناس عاتب الله عليه نبيه(ص) فقال " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه"
ومن ثم فهو لن يكرر الخوف من الناس فى أمر امره الله به علما بأن الرواية المستدل بها لم تحدث ولم يقل النبى(ص) ما فيها
ثم بين الغمارى أن الترك لا يدل على التحريم ونقل من بطون الكتب ما يدل هلى هذا فقال:
"ويحتمل تركه (ص)وجوها أخرى تعلم من تتبع كتب السنة, ولم يأت في حديث ولا أثر تصريح بأن النبي (ص)إذا ترك شيئا كان حراما أو مكروها
الترك لا يدل على التحريم
قررت في كتاب (الرد المحكم المتين) أن ترك الشيء لا يدل على تحريمه, وهذا نص ماذكرته هناك:
والترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع, وإما أن ذلك الفعل المتروك يكون محظورا فهذا لا يستفاد من الترك وحده, وإنما يستفاد من دليل يدل عليه
ثم وجدت الإمام أباسعيد بن لب ذكر هذه القاعدة أيضا؛ فإنه قال في الرد على من كره الدعاء عقب الصلاة:
غاية ما يستند إليه منكر الدعاء إدبار الصلوات أن التزامه على ذلك الوجه لم يكن من عمل السلف, وعلى تقدير صحة هذا النقل ,فالترك ليس بموجب لحكم في ذلك المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج فيه, وأما تحريم أو لصوق كراهية بالمتروك فلا, ولا سيما فيما له أصل جملي متقرر من الشرع كالدعاء
وفي المحلى (ج2ص254) ذكر ابن حزم احتجاج المالكية والحنفية على كراهية صلاة ركعتين قبل المغرب بقول إبراهيم النخعي أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونهما ورد عليهم بقوله:
لوصح لما كانت فيه حجة, لأنه ليس فيه أنهم رضي الله عنهم نهوا عنهما
قال أيضا: وذكروا عن ابن عمر أنه قال:ما رأيت أحدا يصليهما ورد عليه بقوله: وأيضا فليس في هذا لو صح نهي عنهما ,ونحن لا ننكر ترك التطوع ما لم ينه عنه
وقال أيضا في المحلى (ج2ص271) في الكلام على ركعتين بعد العصر:
وأما حديث علي ,فلا حجة فيه أصلا, لأنه ليس فيه إلا إخباره بما علم من أنه لم ير رسول الله (ص),صلاهما, وليس في هذا نهي عنهما ولا كراهة لهما, فما صام عليه السلام قط شهرا كاملا غير رمضان وليس هذا بموجب كراهية صوم شهر كامل تطوعا, اهـ
فهذه نصوص صريحة في أن الترك لا يفيد كراهة فضلا عن الحرمة"
وبالقطع نقول الكتب ليست دلالة على صحة قول أو بطلانه فالدليل هو نص الوحى فقط لا غير وقد قام الغمارى بالرد على من طهنوا فى أن الترك لا يدل على الحرمة فقال :
"وقد أنكر بعض المتنطعين هذه القاعدة ونفى أن تكون من علم الأصول فدل بإنكاره على جهل عريض ,وعقل مريض
وهاأناذا أبين أدلتها في الوجوه التالية:
أحدهما: أن الذي يدل على التحريم ثلاثة أشياء:
1 - النهي, نحو ((ولا تقربوا الزنا)) , ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل))
2 - لفظ التحريم نحو ((حرمت عليكم الميتة))
3 - ذم الفعل أو التوعد عليه بالعقاب, نحو ((من غش فليس منا))
والترك ليس واحدا من هذه الثلاثة, فلا يقتضي التحريم
ثانيها: إن الله تعالى قال:
((وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا)) ولم يقل:
وماتركه فانتهوا عنه, فالترك لا يفيد التحريم
ثالثها: قال النبي, (ص):
((ما أمرتكم به فائتوا منه مااستطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) ولم يقل:
وما تركته فاجتنبوه فكيف دل الترك على التحريم؟
رابعها: أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي (ص)وفعله وتقريره ولم يقولوا وتركه, لأنه ليس بدليل
خامسها: تقدم أن الحكم خطاب الله ,وذكر الأصوليون: أن الذي يدل عليه قرآن أو سنة أو إجماع أوقياس ,والترك ليس واحدا منها فلايكون دليلا
سادسها: تقدم أن الترك يحتمل أنواعا غير التحريم ,والقاعدة الأصولية أن ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال بل سبق أيضا أنه لم يرد أن النبي (ص),إذا ترك شيئا كان حراما وهذا وحده كاف في بطلان الاستدلال به
سابعها: أن الترك ظل كأنه عدم فعل, والعدم هو الأصل والفعل طارىء والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعا, فلا يقتضي الترك تحريما
أقوال غير محررة
قال ابن السمعاني إذا ترك الرسول (ص)شيئا وجب علينا متابعته فيه, واستدل بأن الصحابة حين رأوا النبي (ص)أمسك يده عن الضب توقفوا وسألواعنه
قلت: لكن جوابه عليه الصلاة والسلام بأنه ليس بحرام-كما سبق-يدل على أن تركه لا يقتضي التحريم فلا حجة له في الحديث, بل الحجة فيه عليهوسبق أن الترك يحتمل أنواعا من الوجوه, فكيف تجب متابعته في أمر محتمل لأن يكون عادة أو سهوا أو غير ذلك مما تقدم؟!"
ثم نقل من بطون الكتب ما يناصر أدلته ودحض أدلة الأخرين فقال :
"كلام ابن تيمية:
سئل عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور, في مرض به أو بفرسه أو ببعيره, ويطلب إزالة الذي بهم أو نحو ذلك؟
فأجاب بجواب مطول وكان مما جاء فيه قوله:
ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة, يعني لم يسألوا الدعاء من النبي (ص)بعد وفاته كما كانوا يسألونه منه في حالة حياته
وقلت في الرد عليه: وأنت خبير بأن هذا لا يصح دليلا لما يدعيه وذلك لوجوه
أحدها: أن عدم فعل الصحابة لذلك يحتمل أن يكون أمرا اتفاقيا ,أي اتفق أنهم لم يطلبوا الدعاء منه بعد وفاته, ويحتمل أن يكون ذلك عندهم غير جائز, أو يكون جائزا وغيره أفضل منه فتركوه إلى الأفضل ويحتمل غير ذلك من الاحتمالات والقاعدة أن ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال انتهى المراد منه
قلت: ويؤيد أنهم لم يتركوه لعدم جوازه أن بلال بن الحارث المزني الصحابي ذهب عام الرمادة إلى القبر النبوي وقال:((يارسول الله استسق لأمتك)) فأتاه في المنام وقال له:((اذهب إلى عمر وأخبره أنكم مسقون, وقل له: عليك الكيس الكيس))فأخبر عمر فبكى وقال:((اللهم لا آلوا إلا ما عجزت عنه)) ولم يعنفه على ما فعل, ولو كان غير جائز عندهم لعنفه عمر قال ابن كثير صحيح الاسناد
حديث صحيح لا يرد قولنا
قال البخاري في صحيحه:(باب الاقتداء بأفعال النبي (ص)) وروى فيه عن ابن عمر قال:اتخذ النبي (ص)خاتما من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب فقال: إني اتخذت خاتما من ذهب)) فنبذه وقال:((إني لن ألبسه أبدا)) فنبذ الناس خواتيمهم قال الحافظ: اقتصر على هذا المثال لاشتماله على تأسيهم به في الفعل والترك
قلت: في تعبيره بالترك تجوز, لأن النبذ فعل, فهم تأسوا به في الفعل ,والترك ناشىء عنه
وكذلك لما خلع نعله في الصلاة, وخلع الناس نعالهم, تأسوا به في خلع النعل ,وهو فعل نتيجته التركوليس هذا هو محل بحثنا كما هو ظاهروأيضا فإننا لا ننكر اتباعه (ص)في كل ما يصدر عنه, بل نرى فيه الفوز والسعادة لكن مالم يفعله كالاحتفال بالمولد النبوي وليلة المعراج لا نقول إنه حرام, لأنه افتراء على الله, إذ الترك لا يقتضي التحريم
وكذلك ترك السلف لشيء-أي عدم فعلهم له-لا يدل على أنه محظور, قال الإمام الشافعي:
((كل ماله مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف)) لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت, أو لما هو أفضل منه أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به
ماذا يقتضي الترك؟
بينا فيما سبق أن الترك لا يقتضي تحريما وإنما يقتضي جواز المتروك, ولهذا المعنى أورده العلماء في كتب الحديث, فروى أبو داوود والنسائي عن جابر رضي الله عنه قال:
((كان آخر الأمرين من رسول الله (ص)ترك الوضوء مما غيرت النار))
أوردوه تحت ترجمة:"ترك الوضوء مما مست النار" والاستدلال به في هذا المعنى واضح ,لأنه لو كان الوضوء مما طبخ بالنار واجبا ماتركه النبي (ص)وحديث تركه دل على أنه غير واجب قال الإمام أبوعبدالله التلمساني في مفتاح الوصول:
((ويلحق بالفعل في الدلالة, الترك, فإنه كما يستدل بفعله (ص)على عدم التحريم يستدل بتركه على عدم الوجوب وهذا كاحتجاج أصحابنا على عدم وجوب الوضوء مما مست النار به)) ,روي أنه (ص)أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ, وكاحتجاجهم على أن الحجامة لا تنقض الوضوء, بما روي أنه (ص)احتجم ولم يتوضأ وصلى (انظر مفتاح الوصول ص93 طبعة مكتبة الخانجي) ومن هنا نشأت القاعدة الأصولية:
جائز الترك ليس بواجب"
وما قالع الغمارى كىم ناقص وهو أن الترك لا يدل على الحرمة وايضا لا يدل على التحليل إلا بنص فالنبى(ص) ترك حلالا أباحه الله كما قلنا فى أمر الطلاق وامر الصيد الحلال لأن الظروف لم تتوافر له بكى يفعل هذا أو ذاك
وبين الغمارى أن القوم قسموا الترك لترك فى عهد النبى(ص) وتركا بعد موته لأنه لم يحدث فى عهده فقال:
"إزالة اشتباه:
قسم العلماء ترك النبي (ص)لشيء ما ,على نوعين:
نوع لم يوجد ما يقتضيه في عهده ثم حدث له مقتضى بعده (ص)فهذا جائز على الأصل
وقسم تركه النبي (ص)مع وجود المقتضى لفعله في عهده, وهذا الترك يقتضي منع المتروك, لأنه لو كان فيه مصلحة شرعية لفعله النبي (ص), فحيث لم يفعله دل على أنه لا يجوز
ومثل ابن تيمية لذلك بالأذان لصلاة العيدين الذي أحدثه بعض الأمراء وقال في تقريره: فمثل هذا الفعل تركه النبي (ص)مع وجود ما يعتقد مقتضيا له مما يمكن أن يستدل به من ابتدعه, لكونه ذكرا لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله وبالقياس على أذان الجمعة
فلما أمر الرسول (ص)بالأذان للجمعة, وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة, دل تركه على أن ترك الأذان هو السنة, فليس لأحد أن يزيد في ذلك الخ كلامه
وذهب إلى هذا أيضا الشاطبي وابن حجر الهيتمي وغيرهما, وقد اشتبهت عليهم هذه المسألة بمسألة السكوت في مقام البيان صحيح أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة, لا لأن النبي (ص)تركه ولكن لأنه (ص)بين في الحديث ما يعمل في العيدين ولم يذكر الأذان فدل سكوته على أنه غير مشروع
والقاعدة: أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر وإلى هذه القاعدة تشير الأحاديث التي نهت عن السؤال ساعة البيان
روى البزار عن ابي الدرداء قال: قال رسول الله (ص):
((ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا ((وما كان ربك نسيا))
قال البزار: إسناده صالح ,وصححه الحاكم
وروى الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله (ص)قال: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ,وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها))
في هذين الحديثين إشارة واضحة إلى القاعدة المذكورة وهي غير الترك الذي هو محل بحثنا في هذه الرسالة, فخلط إحداهما بالأخرى مما لا ينبغي
ولذا بينت الفرق بينهما حتى لا يشتبه أحد وهذه فائدة لا توجد إلا في هذه الرسالة "
وكما قلنا فى بداية الكتاب أن الحرمة والحلة لا تثبت بترك النبى(ص)أو فعله وإنما بالنص لأن من اعمال النبى(ص) ذنوب واخطاء كما قال تعالى "إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر"
ومن ثم لا يصح الاقتداء بتلك الذنوب التى هى أقوال وأفعال وتروكات ومن ثم النص وحده هو من يحب أو يحرم
واختتم الغمارى الكتاب بالتالى:
"تتميم
قال عبدالله بن المبارك: أخبرنا سلام بن أبي مطيع عن ابن أبي دخيلة عن أبيه قال:
كنت عند ابن عمر فقال:"نهى رسول الله (ص)عن الزبيب والتمر يعني أن يخلطا"
فقال لي رجل من خلفي: ماقال؟ فقلت: (حرم رسول الله (ص)التمر والزبيب) فقال عبدالله بن عمر: (كذبت)! فقلت: (ألم تقل نهى رسول الله (ص)عنه؟ فهو حرام) فقال: (أنت تشهد بذلك)؟ قال سلام كأنه يقول: مانهى النبي (ص)فهو أدب
قلت: انظر إلى ابن عمر وهو من فقهاء الصحابة –كذب الذي فسر نهى بلفظ حرم, وإن كان النهي يفيد التحريم لكن ليس صريحا فيه بل يفيد الكراهة أيضا وهي المراد بقول سلام: فهو أدب
ومعنى كلام ابن عمر: أن المسلم لا يجوز له أن يتجرأ على الحكم بالتحريم إلا بدليل صريح من الكتاب أو السنة, وعلى هذا درج الصحابة والتابعون والأئمة
قال إبراهيم النخعي ,وهو تابعي:
كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها, كذلك كان مالك والشافعي وأحمد كانوا يتوقون إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمه لنوع شبهة فيه, أو اختلاف أو نحو ذلك, بل كان أحدهم يقول أكره كذا, لا يزيد على ذلك
ويقول الإمام الشافعي تارة: أخشى أن يكون حراما ولا يجزم بالتحريم يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قول الله تعالى: ((ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب))
فما لهؤلاء المتزمتين اليوم يجزمون بتحريم أشياء مع المبالغة في ذمها بلا دليل إلا دعواهم أن النبي (ص)لم يفعلها وهذا لا يفيد تحريما ولا كراهة فهم داخلون في عموم الآية المذكورة"
كما قلنا رد ألمر لعمل النبى(ص) وتركه هو خطا فى غصدار ألحكام فالحكم كما قلنا هو نص الوحى لن النبى(ص) ارتكب ذنوبا فى حياته فى العمل والترك
ثم ذكر الغمارى نماذج لأعمال متروكة فقال :
"نماذج من الترك:
هذه نماذج لأشياء لم يفعلها النبي (ص):
1 - الاحتفال بالمولد النبوي
2 - الاحتفال بليلة المعراج
3 - إحياء ليلة النصف من شعبان
4 - تشييع الجنازة بالذكر
5 - قراءة القرآن على الميت في الدار
6 - قراءة القرآن عليه في القبر قبل الدفن وبعده
7 - صلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات
فمن حرم هذه الأشياء ونحوها بدعوى أن النبي (ص)لم يفعلها فاتل عليه قول الله تعالى:
((ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون))
لا يقال: وإباحة هذه الأشياء ونحوها داخلة في عموم الآية لأنا نقول:
ما لم يرد نهي عنه يفيد تحريمه أو كراهته ,فالأفضل فيه الإباحة لقول النبي (ص): ((وما سكت عنه فهو عفو)) أي مباح"
ومما ينبغى قوله فى النهاية :
الحلال والحرام يكون بنص الوحى فقط وليس شىء أخر لأن الوحى لم يترك أى شىء إلا وبين حكمه كما قال تعالى :
"ما فرطنا فى الكتاب من شىء"