قراءة فى كتاب أطائب الكلم في بيان صلة الرحم
مؤلف الكتاب حسن بن علي بن عبد العال العاملى الكركى وقد شرح فى مقدمته شيوع قطيعة أولى الأرحام فى عصره ولذا ألف الرسالة لحث الناس على صلة الأرحام جامعا فيه ما لم يجمعه السابقون وفى هذا قال
"فاني لما رأيت الجم الغفير من أبناء هذا الزمن من شيمتهم قطيعة بعضهم بعضا على وجه يؤدي الى اختلال بقاء نظام النوع الانساني لأنه انما هو بالتواصل ورأيت أن الفقهاء المتقدمين لم يوردوا ما يتعلق بالصلة في مصنف يفزع اليه الطالب عند الحاجة حداني ذلك على أن اكتب رسالة أبين فيها ما ورد من الاوامر الشرعية الواردة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة في صلة الرحم وسائر من يطلب وصله حضا على امتثال ذلك فاستخرت الله سبحانه وكتبت ما تيسر من ذلك ووسمتها ب* (أطائب الكلم في بيان صلة الرحم)"
وتحدث عن أهمية صلة الأرحام فقال
فالصلة توجب الذكر الجميل في العاجلة ورفيع الدرجات في الآجلة ولا ريب أنها من الفروض العينية حتى قيل ان تركها من الكبائر الموبقة
والذي يظهر لي أن السر في ذلك ان الاجتماع مطلوب للشارع في بقاء نظام النوع الذي انما يتحصل ببقاء أشخاصه والقرابة موجبة للمودة والالفة ولذلك لم يشرع إلا نكاح الاجانب تحصيلا للألفة المطلوبة للشارع صلة الرحم سببان يوجبانها فكان تركها من الذنب العظيم وقد الشارع على الترغيب فيها والوعيد على تركها
وفي عدة مواضع قد حض الله سبحانه في كتابه العزيز عليها مثل قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما)
(وبالوالدين إحسانا وذي القربى)
(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)
(قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين)
(إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين)
(وآتى المال على حبه ذوي القربى)
(ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى)
(وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض)
ومن ذلك الأمر بالشكر للوالدين في قوله جل ثناؤه (أن اشكر لي ولوالديك)
وقد أمر عز وجل نبيه(ص) بقوله (وأنذر عشيرتك الأقربين)
(وامر أهلك بالصلاة)
وفي أمره بأمرهم بذلك على الخصوص نظرا الى أن الأهل أحق بالشفقة ايماء الى المطلوب"
والخطأ فى الفقرة هو أن الأهل أحق بالشفقة وكتاب الله نص على أن الشفقة وهى الرحمة مطلوبة بين جميع المسلمين فقال
"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم "
وتحدث عن سر رحمة الوالدين أولا فقال
"والسر في البدأة في بعض هذه الآيات بذكر الوالدين أن حق ذوي القربى كالتابع لحقهما لتفرع اتصالهم عليهما ضرورة ان الانسان انما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهما
وكذا السر في تقديم ذكرهم انهم أولى بالشفقة فان القرابة مظنة الاتحاد والالفة والرعاية والنصرة فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان أشق على القلب وأبلغ في الايلام والضرر كلما كان أقوى كان دفعه أوجب فلهذا وجبت رعاية حقوق أولي الارحام"
وهذا ليس سرا و القول ليس كما قال الكركى فالقراءة ليسن مظنة الاتحاد والرعاية لأنه قال أن الأقارب المعادين لا يرحمون كما قال تعالى "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم"
والسبب الظاهر لرحمة الوالدين هو رد رحمتهما للابن أو الابنة فى الصغر كما قال تعالى
" وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا"
ثم ذكر أخبارا فى الموضوع فقال
"وأما الأخبار الناطقة بذلك
فمنها ما رواه الثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني في الكافي بإسناده عن جميل بن دراج قال سألت ابا عبدالله عن قول الله عز وجل (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) قال فقال هي ارحام الناس ان الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها ألا ترى انه جعلها منه
قلت اراد بالأمر بصلتها الامر على سبيل الوجوب ويلزم منه أن يكون المعنى اتقوا الارحام أن تقطعوها عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك وهو المروي عن أبي جعفر فعلى هذا يكون «الأرحام» منصوبا عطفا على اسم الله"
والأرحام هنا تعنى المخلوقات كلها وليس الأقارب فقط حيث يحلف الناس بمخلوقات الله كالوالدين والرسل والشمس والقمر ثم قال
وروى أيضا الثقة المذكور ..عن أبي عبدالله قال (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) نزلت في رحم آل محمد عليه و وقد تكون في قرابتك ثم قال ولا تكونن ممن يقول للشيء انه في شيء واحد
وروى أيضا بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبدالله مثله
وبإسناده عن محمد بن فضيل الصيرفي عن الرضا مثله أيضا"
والآية ليست فى صلة الرحم المعروفة وإنما فى صلة المأمور به وهو الوحى والمقصود طاعة أى اتباع أوامر وهى أحكام الذى أمر الله بوصلها أى طاعتها ثم قال
"وبإسناده ..قال أبو ذر سمعت رسول الله يقول حافتا الصراط يوم القيامة الرحم والامانة فاذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ الى الجنة واذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل ويكبونه في النار "
الحديث يخالف كتاب فدخول الجنة والنار يكون من الأبو اب وليس من على الصراط كما قال تعالى
"الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبو اب جهنم خالدين فيها"
وقال
"وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبو ابها" ثم قال
" وبإسناده ..قال أبو عبد الله أول ناطق من الجوارح يوم القيامة الرحم تقول يا رب من وصلني في الدنيا فصل اليوم ما بينك وبينه ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه"
الحديث يخالف أن الله طالب بقطع صلة الأرحام المعادية لله فقال
"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم"
ثم قال
"وروى أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان بإسناده عن النبي قال قال الله تعالى أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته"
والحديث يخالف أن الله خلق الشقاق أيضا وخلق القطيعة لأنه خالق كل شىء كما قال تعالى
" خالق كل شىء"
وقال :
قال وفي أمثال هذا الخبر كثرة قلت أراد بذلك أنه بمنزلة التواتر معنى
وبإسناده عن الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين قال ان احدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار فأيما رجل غضب على رحمه فليمسنه فان الرحم اذا مستها الرحم استقرت وانها معلقة بالعرش تنادي اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني
قلت لا ينافي ذلك ما رواه الصدوق في عيون اخبار الرضا ..عن رسول الله قال الرحم اذا مستها الرحم تحركت واضطربت وذلك لان استقرارها من الغضب وزوال سورته عنها انما هو تحرك الدم واضطراب العروق الناشئين من المس المثمرين للرقة"
نلاحظ التناقض بين الحديثين فالرحم الممسوسة فى الأول تستقر وهو قولهم" فان الرحم اذا مستها الرحم استقرت "وفى الثانى تتحرك وتضطرب وهو قوله" اذا مستها الرحم تحركت واضطربت"
ثم قال :
وروى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب..قال قال رسول الله الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر وصلة الاخوان بعشرين وصلة الرحم بأربعة وعشرين"
والحديث يخالف كتاب الله فى كون العمل المالى كالقرض والصدقة ب700 حسنة أى الضعف وهو قوله "مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء"
والعمل غير المالى بعشرة حسنات كما قال :" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"
ثم قال :
"وبإسناده عن عبدالله بن عجلان قال قال لأبي جعفر اني ربما قسمت الشيء بين أصحأبي أصلهم به فكيف أعطيهم؟ قال اعطهم على الهجر في الدين والفقه والعلم
ولا خلاف وفي جواز الوصية للرحم لما فيه من الجمع بين الصدقة والصلة بل قد ورد النص بجواز الوصية له وان كان كافرا وهو الذي نقله الطبرسي في مجمع البيان عن كثير من العلماء
ونقل عن اصحابنا أنها جائزة للوالدين والولد وحجتهم في جوازها للوالدين ما تقدم من الايات ..وقد أجمعوا على استحباب اختصاص الرحم بالصدقة الواجبة مع وجود الصفات المقتضية للاستحقاق لقوله لا صدقة وذو رحم محتاج
ولان الاعتناء به في نظر الشارع أتم من غيره ولهذا ورثه وكتب له الوصية عند حضور الموت بتوفير نصيبه في قوله (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) لما فيها من زيادة الصلة
وأمر الولد الاكبر بوجوب التحمل عن أبيه ما فاته من صلاة وصيام تمكن منه ومات قبل أدائه واستحباب الحج عنه مع المكنة"
والخطأ هو وجوب تحمل الولد الأكبر عن أبيه ما فاته من صلاة وصيام وغيرهم وهو ما يخالف قوله تعالى " ولا تزر وزارة وزر أخرى" ثم قال:
"ونهى عن الرجوع فيما وهبه لقريبه ولو بدون التصرف والتعويض فكان الدفع اليه أولى وهو المروي عن الكاظم
وكذا صدقة التطوع مستحب له لقوله تعالى (يتيما ذا مقربة) وقال الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم صدقة وصلة"
وتحدث عن بيان معنى الرحم فقال :
المطلب الاول
(في بيان معنى الرحم)
«الرحم» لغة القرابة المطلقة وكذا عرفا وأورد أبو القاسم الراغب في مفرداته ان استعارته من رحم الانثى لكونهم خارجين من رحم واحدة وأصله الرحمة وذلك لانها مما يتراحم به ويتعاطف يقولون «وصلتك رحم»
ومن أجل ما ذكرناه من اللغة والعرف ذهب علماؤنا الى تسمية القرابة المطلقة رحما سواء الذكر والأنثى والوارث وغير الوارث والمحرم وغير المحرم والمسلم والكافر من قبل الأب والأم أو من قبل أحدهما لان الاسم يتناول الجميع على السواء ولم يعهد في الشرع معنى آخر وضع هذا اللفظ له فوجب صرفه الى المتعارف كما هو المعهود من عادة الشرع
ويؤيده ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره عن علي قال قوله تعالى (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) نزلت في بني امية بقتلهم الحسين وذلك لأنهم لصاق بعبد مناف بسبب أن اخاه ربى عبدا له روميا اسمه «أمية» والى ذلك اشار أمير المؤمنين لما كتب اليه معاوية «انما نحن وانتم بنو عبد مناف» ليس المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق
وبعض العامة قصر ذلك على المحارم الذين يحرم التناكح بينهم ان كانوا ذكورا و اناثا وان كانوا من قبيل يقدر احدهما ذكرا والاخر أنثى فان حرم التناكح بينهم فهم الرحم محتجا بأن تحريم الاختين انما كان لما يتضمن من قطيعة الرحم وكذا تحريم اصالة الجمع بين العمة والخالة وابنة الاخ و الاخت مع عدم الرضا عندنا ومطلقا عندهم ويرده ما تقدم
نعم يشترط أن لا يبعد الشخص جدا بحيث لا يعد في العرف انه من القرابة والا لكان جميع الناس أقرباء لاشتراكهم في آدم
وللمفيد قول بارتقاء القرابة الى آخر أب وأم في الاسلام وهو قول الشيخ في النهاية ونقحه العلامة في القواعد بأن المراد به من يتقرب اليه ولو بأبعد جد أو جدة بشرط كونهما مسلمين فالجد البعيد ومن كان من فروعه وان بعدت مرتبته بالنسبة اليه معدود قرابة اذا كان مسلما
ويضعف بأنه قد لا يساعد العرف عليه فان من عرض تقربه الى جد بعيد جدا لايعد قرابة عرفا وان كان الجد مسلما للعلة المتقدمة وما قلناه أولا مختار المبسوط والخلاف واليه ذهب ابن البراج وابن ادريس واكثر المتأخرين وقد مر وجهه
ووجه الثاني قوله «قطع الاسلام ارحام الجاهلية» وقوله تعالى لنوح عن ابنه (إنه ليس من أهلك)
ورده أبو القاسم جعفر بن سعيد في الشرايع بأنه غير مستند الى شاهد وتوجيهه انتفاء النص الصريح فيه اذ لم يرد فيه الا هذه الرواية وهي مع تسليم سندها غير دالة على المراد لان قطع الرحم للجاهلية لا يدل على قطع القرابة مطلقا مع أصناف الكفار وكذا قطع الاهلية عن نوح قال ابن الجنيد القريب من تقرب من جهة الاب أو الوالدين"
والأقوال السابقة عن تعريف ذوى الأرحام معظمه مخالف للقرآن فقرابة نوح(ص) وابنه ثابتة بالقرآن وهى قرابة النسب وأما غير الثابت لابن نوح(ص) فكونه من المسلمين لكونه كافر وذوى الأرحام هم الأقارب بالولادة والزواج ثم قال :
قال ولا اختار أن يتجاوز بالتفرقة ولد الاب الرابع لان النبي لم يتجاوز ذلك في تفرقة سهم ذوي القربى من الخمس ولا دلالة على أن ذوي القربى حقيقة في مستحق الخمس وانما ذلك أمر أراده الله تعالى وفسره النبي بدليل ما روى أنه لما نزل (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال علي وفاطمة وابناهما ذكره الزمخشري في الكشاف وغيره واخبارنا ناطقة بأن باقي الائمة المعصومين من قرباه الذين وجبت علينا مودتهم
هذا معنى آخر للقرابة بالنسبة اليه سوى الاول وهو قاض بأن للنبي في القرابة معنى خاصا به للقطع بأن القرابة في حق غيره لا يقتصر فيها على احدى بناته وأولادها وبعلها الذي من شجرته فالمرجع حيئذ الى العرف"
وتفسير القوم لآية المودة فى القربى تفسير خاطىء فالمراد بها الرغبة فى جنة الله فهى الاقتراب من الله وليس من الناس ثم قال :
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف عدم اطلاق اسم القريب على الجد وولد الولد والوالدين والولد حي لان عندهم من سمى والده قريبا كان عاقا لان القريب من يتقرب الى غيره بواسطة الغير وتقرب الوالد والولد بنفسهما لا بغيرهما لقوله تعالى (والأقربين) عطفه على الوالدين ولا حجة فيه
وقال فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير لو أوصى لقرابته دخل قرابة الأم في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الاظهر لانهم لا يعدون ذلك قرابة بخلاف ما لو أوصى لأرحامه فانه يدخل قرابة الاب والأم والحق عدم الفرق"
وهذا الكلام كله بعيد عن الحقيقة فى الوحى لا تفرق بين قراية مستحقة للانفاق عليها وقرابة ليست مستحقة للانفاق عليها فالقرابة المستحقة للنفقة هى الوالدين والزوجة والأولاد والاخوة والأخوات
وتحدث الكركى عن بيان معنى الصلة فقال :
المطلب الثاني
(في بيان معنى الصلة وما يتعلق بذلك)
قال الجوهري الوصل ضد الهجران والتواصل ضد التصارمفالقطيعة تحصل بالهجران وعدم الاحسان وما شاكلهما من وجوه الصلة وتحصل ايضا بنفي النسب الثابت شرعا
والمرجع في الصلة الى العرف اذ لا حقيقة لها شرعية ولا لغوية وهو يختلف باختلاف العادات وبعد المنازل وقربها ..
وقد روى الثقة الكليني عن جابر عن أبي جعفر قال قال رسول الله أوصى الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء أن يصل الرحم وان كانت منه على مسيرة سنة فان ذلك من الدين
واعلم أن صلة من يطلب وصله من الارحام والقرابات ـ ويدخل فيه قرابة الرسول وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الايمان ـ تتأدى بالإحسان اليهم بحسب الطاقة والذب عنهم ونصرتهم والنصيحة لهم ..ولا ريب انه مع فقر بعض الارحام ـ وهم العمودان أعني الاباء وان علوا والاولاد وان نزلوا ـ تجب الصلة بالمال وتستحب لباقي الأقارب وتتأكد في الوارث للعلم بأنه اذا كانت القرابة قريبة كان الامر بالصلة آكد وأقوى والموصول به هو قدر النفقة"
والحديث لا يصح بسبب القول مسيرة سنة فالمسيرة لا تقاس بالوقت وهو الزمن وإنما تقاس بالمسافة المكانية لأن اختلاف وسائل الركوب والمشى يؤدى لاختلاف زمن الوصول وتحدث الكركى عن حالة شاذة فقال :
"ولو كان له قريبان مضطران الى الانفاق وليس هناك ما يفضل عن أحدهما قدم واجب النفقة فان وجبت نفقتهما قدم الأقرب فالأقرب فان تساويا فالقسمة على الاقرب ولو كان عنده ما لو أطعمه أحدهما لعاش يوما ولو قسمه بينهما لعاش كل منهما نصف يوم فالظاهر القسمة لعموم قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) ولرجاء ما يتمم به حياة كل منهما وهل القسمة على الرؤوس أو على سد الخلة؟ احتمالان ويرجح الثاني أنه داخل في العدل اذ يجب عليه مع القدرة اشباعهما مع اختلاف قدر أكلهما فليكن كذلك مع العجز ولا تجب عليه هذه الصلة مع غنى القريب وان كان أحد العمودين نعم تستحب الهدية اليه بنفسه أو رسوله"
وهذا الكلام هو حديث عن المجاعة وحكاية القسمة أو عدم القسمة تعود للظروف المتواجد فيها القوم والظاهر أن الثلاثة سيهلكون جوعا حتى لو اقتسموا بالعدل
وتحدث الكركى عن بيان أحكام الصلة فقال :
"المطلب الثالث(في بيان احكام الصلة)
الصلة تنقسم بانقسام الأحكام الاقتضائية فالواجب ما يخرج به عن القطيعة المحرمة والمستحب ما زاد على ذلك والحرام قطيعة القرابة او صلة الكافر ومنه مخالف الحق الشريف وان لم يكن ناصبا فان من هذا شأنه يجب البراءة منه وإن كان أقرب الناس وألصقهم نسبا لقوله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم)
قال الزمخشري في الكشاف معناه ان من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين يوادون المخالفين لله والغرض انه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه ان يمتنع ولا يوجد بحال ..."
فالود وهو الإحسان وهو القسط يكون للمسلمين أو المعاهدين من الأقارب وأما المعادين وهم المحاربين فيجب عدم صلتهم لقوله تعالى :
" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم والله يحب المقسطين إنما ينهاكم عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون"
ثم قال :
المطلب الرابع
(في بيان صلة القاطع)
القاطع لا ينقطع حقه من الصلة اجماعا اذ بترك عبادة من مكلف لا تسقط تلك العبادة من مكلف آخر ضرورة وقد ورد في ذلك من النصوص ما لا يحصى كثرة
فمنها ما رواه الثقة الكليني بإسناده ..أن رجلا أتى النبي فقال يا رسول الله أهل بيتي أبو ا الا تقريبا (كذا) على وقطيعة لي وشتيمة فأرفضهم؟ قال فاذا يرفضكم الله جميعا قال فكيف أصنع؟ قال تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك فانك اذا فعلت ذلك كان لك من الله عليهم ظهيرا
وبإسناده عن السكوني عنه قال قال رسول الله لا تقطع رحمك وان قطعك
وروى الشيخ في التهذيب بإسناده عن السكوني عنه قال سئل رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال على ذي الرحم الكاشح
وبإسناده عن محمد بن أبي عمير عن عبد الحميد عن سلمى مولاة ولد أبي عبدالله قال كنت عند أبي عبدالله حين حضرته الوفاة فأغمي عليه فلما أفاق قال أعطوا الحسن بن علي بن الحسين بن علي ـ وهو الافطس ـ سبعين دينارا قلت له أفتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة؟ فقال ويحك أما تقرأ القرآن؟ قلت بلى قال أما سمعت قوله تعالى (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) "
وكل الأحاديث السابقة قال عنها الكركى :
"ولا يضر ضعف بعض أسانيدها لاعتضادها بما هو أصح اسنادا وانجبارها بعمل الاصحاب
وكل حديث اشتمل على مقابلة المسيء بالاحسان والمحسن بالامتنان فهو نص في الباب وكذا الآية الواردة بالإعراض عن الجاهلين بناء على ما أورده القوم ـ منهم المقداد بن عبدالله السيوري ـ من أنها لما نزلت سأل رسول الله جبرئيل عن معناها فقال لا أدري حتى أسأل ربك ثم رجع فقال يا محمد ان ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك"
وتلك الأحاديث لا تفرق بين الحالين كما فرقت آيات النهى وعدم النهى عن معاملة الكفار ومن ثم فهى لم يقلها النبى(ص) فمثلا الذى حمل الشفرة وهى السكين لا يجوز صلته لأن من المقاتلين لحمل عليه
ثم قال :
المطلب الخامس (في بيان أن الصلة تعطيل العمر)
قد تظافرت الاخبار بذلك ورواه الثقة الكليني بإسناده قال أبو الحسن الرضا يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء
وبإسناده عن اسحاق بن عمار قال قال أبو عبد الله ما نعلم شيئا يزيد في العمر الا صلة الرحم حتى أن الرجل يكون عمره ثلاث سنين فيكون وصولا للرحم فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة ويكون اجله ثلاثا وثلاثين سنة فيكون قاطعا للرحم فينقصه الله عز وجل ويجعل أجله الى ثلاث سنين
قلت لا يضر تفاوت الزيادة في هذا الحديث والذي تقدمه على الاول لان الزيادة غير المنافية مقبولة وفي قوله «ما نعلم شيئا» الخ مزيد ترغيب في الصلة وتأكيد لكونها سببا لها
وبإسناده عن أبي حمزة قال قال أبو جعفر صلة الارحام تزكي الاعمال وتنمي الاموال وتدفع البلوى وتيسر الحساب وتنسيء في الاجل
وبإسناده عن عبد الحميد عن الحكم الحناط قال قال أبو عبدالله صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الاعمار
بإسناده عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله قال ان القوم ليكونوا فجرة ويكونون بررة فتنموا أموالهم وتطول أعمارهم فكيف أذا كانوا أبرارا بررة
وربما استشكل ذلك باعتبار أن المقدر في الازل والمكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير بالزيادة والنقصان لاستحالة خلاف معلوم الله تعالى
وأجيب بأن المراد به الترغيب أو الثناء بعد الموت ومثله «ماتوا فعاشوا بحسن الذكر بعدهم» أو زيادة البركة في الاجل دون الزيادة فيه
وهذا الاشكال وارد في كل ترغيب ووعد ووعيد ورد في الكتاب المجيد والسنة المطهرة
ويندفع بما تقرر عندنا في علم الكلام من أن العلم تابع للمعلوم لا مؤثر فيه فكلما يحدث في العالم معلوم لله تعالى على ما هو عليه واقع من شرط أو سبب فاذا قال الصادق «ان زيدا إذا وصل رحمه زاد الله في عمره» ففعل ذلك كان ذلك اخبارا بأن الله تعالى علم أن زيدا يفعل ما يزداد به عمره كما انه اذا أخبر انه اذا قال «لا اله الا الله» دخل الجنة ففعل تبين ان الله علم انه يفعل ذلك ويدخل الجنة
ولا يشكل أيضا بقوله تعالى (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها)
وذلك لان الاجل يصدق على الأجل الموهبي والمسببي فيحمل في الآية على الموهبي
أو يقال الاجل هو الوقت فأجل الموت هو الوقت الذي علم الله وقوعه فيه سواء كان بعد العمر الموهبي أو السببي وليس المراد به العمر اذ هو مجرد الوقت وينبه عليه بعد دلالة الاخبار قوله تعالى (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب)"
وكلام الرجل يناقض بعضه فكلام الأحاديث عن زيادة العمر مخالف كما نبه هو لكلام الله حيث لا يزيد العمر ولا ينقص
وتحدث عن صلة الذرية الصالحة فقال :
المطلب السادس (في بيان صلة الذرية الصالحة)
قد مضى في الاحاديث النبوية المروية عن ابن أبي عمير وأبي بصير عن أبي عبدالله في صدر المقدمة ما هو صريح في الحظ على ذلك ولا ريب أن في صلتهم من الثواب ما لا يحصى كثرة فان الله قد اكد الوصية فيهم خصوصا اذا كانوا أرحاما للواصل
وقد روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه عن أبي عبدالله أنه قال قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) نزلت في صلة الامام وقال درهم يوصل به الامام أفضل من ألف ألف درهم في غيره وقال من لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي اخوانه يكتب له ثواب صلتنا ومن لم يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا
ولا يتوهم من ذلك احتياجه الى الصلة لما رواه الثقة الكليني عن الحسين بن محمد بن عامر قال قال أبو عبدالله من زعم أن الامام محتاج الى ما في أيدي الناس فهو كافر انما الناس محتاجون أن يقبل منهم الامام قال الله عز وجل (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)
وفي الحديث المستفيض عن النبي ورواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن عيسى بن عبدالله عن أبي عبدالله قال قال رسول الله من صنع الى أحد من أهل بيتي يدا كافأته يوم القيامة"
الحديث يناقض وحىة الله فالنبى(ص) الأخير كغيره من الناس لا يملك شىء من أمر القيامة حتى يكافىء لقوله تعالى :
" لمن الملك اليوم لله" وقوله " والأمر يومئذ لله"
وقال :
"وبإسناده عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله قال قال رسول الله اني شافع يوم القيامة لأربعة اصناف ولو جاءوا بذنوب أهل الدنيا رجل بصر ذريتي ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب ورجل سعى في حوائج ذريتي اذا طردوا أو شردوا"
هذا الحديث عن كون ما يفعله النبى(ص) هو الشفاعة يناقض حديث المكافاة السابق والتالى وهو :
"وفي من لا يحضره الفقيه عن الصادق اذا كان يوم القيامة نادى مناد أيها الخلائق أنصتوا فان محمدا يكلمكم فتنصت الخلائق فيقوم النبي فيقول يا معشر الخلائق من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافئه ...فيأتي النداء من عند الله يا محمد ياحبيبي قد جعلت مكافأتهم اليك فأسكنهم من الجنة حيث شئت .."
ثم قال :
"والحق ان الصدقة المندوبة لها حكم الواجبة في التحريم عليه وعلى أهل بيته الذين هم الائمة المعصومين عليه و فلا يكون في عدم دفعها اليهم ترك لصلتهم وهو الذي اختاره العلامة في التذكرة لما فيهم من الغض والنقص وتسلط المتصدق وعلو مرتبته على المتصدق عليه ومنصب النبوة والامامة أرفع من ذلك وأجل وأشرف بخلاف الهدية فانها لا تقتضي ذلك
أما سائر بني هاشم فصدقات بعضهم على بعض حلال والمفروض من صدقات غيرهم عليهم حرام الا مع اعواز الخمس فانها حلال لهم عندنا للضرورة أما المندوبة فانها حلال لهم مطلقا وكذا يحل لمواليهم مطلق الصدقات عندنا لانهم لم يعوضوا عنها بالخمس فانهم لا يعطون منهم فلا يجوز أن يحرموها كسائر الناس وهو المروي عن أبي عبدالله "
وهذا الكلام عن وجود صدقات مخصوصة بأقارب النبى(ص) يخالف وحى الله فى عدم ذكرهم فى أصناف الصدقة الثمانية وعدم ذكرهم فى آية الغنيمة فأقاربه هم أزواجه وبناته وهم من تجب نفقته عليهم
وتحدث عن زيارة الموتى وهم الأئمة فقال :
"والأخبار الواردة في زيارة الائمة كثيرة فمنها ما روينا عن أبي عبدالله قال من زار اماما مفترض الطاعة كان له ثواب حجة مبرورة وعن الرضا ان لكل امام عهدا في اعناق أوليائه وشيعته وان من تمام الوفاء بالعهد وحسن الاداء زيارة قبورهم
فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كانت ائمتهم شفعاءهم يوم القيامة
ولا ريب أن زيارتهم معدودة من الصلة التي قد ندب الله سبحانه اليها وأثنى على ممتثلها بقوله عز وجل (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) وكذا ولايتهم وعدم الاعراض عن الرواية عنهم وعدم انكار جواز الصلاة عليهم وما أنزل الله فيهم والانقياد اليهم والتحامي عن ظلمهم وتسليم حقوقهم اليهم من الخلافة والفيء والغنيمة والارث والنحلة ونحو ذلك"
وزيارة الموتى أقارب أو غير أقارب لا تحل فإنما طلب الله زيارة الكفار لأهل القبور الهلكى فقط ولم يطلب من المسلمين تلك الزيارة فقال :
"أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم"
وتحدث عن مسائل أخرى لا علاقة لها بالموضوع كنفقة الشيعة على أقارب الأئمة وهو ليس نوع من صلة الأرحام لعدم وجود صلة قرابة بين معظمهم وبين الأئمة فقال :
"...وهذا النحو في كتب أصحابنا لو تحرى المتصدي لحصره جمع منه مجلدات ولم يأت على آخره
...وكذا صرفه الى أنسابهم حال الغيبة على وجه التتميم لاستغنائه وحاجتهم ولان عليه العوز عن مؤنة السنة على الاقل حال ظهوره فلا يسقط هذا الحكم بغيبته
وبهذا استدل والدي على ذلك فان توهم متوهم أن وجوب اتمام العوز عليه من باب الحسبة ولا مانع أن يكون من غير الحصة رددناه بأن أخذه ما يفضل من نصيبهم عن حاجتهم سنة على الاقتضاء يقتضي أن يكون ما اعوزهم من نصيبه
وممن قال بمقالة المفيد في صلة فقراء الشيعة غير الهاشميين به ابن حمزة وهذه عبارته واذا لم يكن الامام حاضرا فقد ذكر فيه اشياء والصحيح عندي انه يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقه والصلاح والسداد"