أحدث المشاركات

أم الخير .. والأشباح» بقلم محمد نديم » آخر مشاركة: ناديه محمد الجابي »»»»» نعم القادة» بقلم عطية حسين » آخر مشاركة: عطية حسين »»»»» قراءة فى بحث كيف كان القرآن شفاء لأمراض الإنسان وقاية وعلاجاً» بقلم اسلام رضا » آخر مشاركة: ناديه محمد الجابي »»»»» حب النبي» بقلم أحمد موسي » آخر مشاركة: ناديه محمد الجابي »»»»» قصة المستدرِكين بحر البندول والبحر الراقص على الخليل:» بقلم ابو الطيب البلوي القضاعي » آخر مشاركة: ابو الطيب البلوي القضاعي »»»»» صيام المحب» بقلم محمد حمدي » آخر مشاركة: محمد حمدي »»»»» الكون عالمها» بقلم محمد حمدي » آخر مشاركة: محمد حمدي »»»»» أوهام خادعة.» بقلم ناديه محمد الجابي » آخر مشاركة: ناديه محمد الجابي »»»»» [المقامة الرمضانية للأستاذ محمد بوسلامة الجزائري]» بقلم أسيل أحمد » آخر مشاركة: ناديه محمد الجابي »»»»» المجموعة العاشرة: قنابل الثقوب السوداء» بقلم إبراهيم أمين مؤمن مصطفى » آخر مشاركة: إبراهيم أمين مؤمن مصطفى »»»»»

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: صندوق التوفير

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد نديم شاعر
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    المشاركات : 872
    المواضيع : 164
    الردود : 872
    المعدل اليومي : 0.14

    افتراضي صندوق التوفير

    صندوق التوفير.
    "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين"
    آية ، على سبورتنا الخشبية ،كتبتها المعلمة بالطباشير بخط جميل.إنه درس اليوم:
    (عليكم بتوفير جزء من مصروفكم اليومي في صندوق توفير البريد)
    ووقفت تشرح للصغار ضرورات التوفير وعدم الإسراف، وفق حملة رسمية تشجع فيها الحكومة الشعب على تلك الفضيلة النادرة.
    &&&
    كان الحرفوش الصغير يتحسس قطعتي النقود في جيب بنطاله القصير،فلم يبق سوى اثنتين.
    (فمصروفه اليومي قروش ثلاث
    لا رابع لهم، تدسها أمه في كفه الصغير، محذرة إيا ألا يضيعها بإهماله المعهود، وعدم انتباهه؛ قرش للذهاب بالحافلة ،وقرش لطعامه ، وقرش لعودته مساء بذات الحافلة.)
    هل كان عليه أن يتنازل عن أحداها ؟
    و يوفر شيئا من ضروراته واحتياجاته، لا شيء زائد عن الحاجة، الأمور تسير على حد الكفاف.
    فقرش الذهاب ضروري كي لا يفوته درس اليوم، فالمدرسة قد ألقوها هناك على أطراف المدينة،وقرش الطعام لا يمكن الاستغناء عنه في فرصة الاستراحة؛ رغم مغادرته بيت أمه وأبيه وقد شحنوا مصارينه بشيء دافيء لفطور، ازدرده كرها ،إذ لم تكن له شهية لطعام في ذلك الصباح الباكر.
    لكن سرعان ما تقرقر بطن الصغير جوعا مع منتصف النهار الدراسي ، فقرش الظهيرة يسد عواء أمعائه، إذ يهرع التلاميذ وهو معهم نحو بائعة السندوتشات العجوز؛ فقرش واحد فقط يتيح له التهام شطيرة فلافل لذيذة وساخنة.. ويظل قرش العودة ؛ الذي يرجعه إلى مأمنه بالحافلة في غروب يومه الدراسي الطويل، كي يسد جوعه المسائي بوجبة العشاء،التي يظل يتخيلها وهو في رحلة عودته الميمونة في الحافلة البطيئة، التي تلملم ركابها من فوق أرصفة المدينة. فلا تقع عينا صغيرنا سوى على مشاهد المطاعم والمخابز،
    وباعة الحلوى الملونة. على طول الطريق،
    $$$
    إذن لا مفر من أن يوفر قرش العودة. وليأخذ طريقه مساء مشيا على الأقدام ، يسلي نفسه بمشاهدة واجهات المحال المضاءة بألوان شتى. كانت متعته مزدوجة؛ نزهة مسائية وقرش، يتبقى ليضعه في صندوقه الصغير.كان عليه أن يصبر ،رغم آلام قدميه في حذائه القديم شبه المهتريء.
    $$$
    لافتات كبيرة منتشرة في الأفق حول فوائد التوفير، مبهرة الإضاءة، فاقعة ألوانها، عنقه النحيلة تتطاول ليتمكن من قراءة اللافتات.
    تتعثرقدماه في حفرة ، صنعها عمال البلدية لتركيب كابلات كهربائية و أنابيب مياه .
    $$$$
    حين رافق أباه إلى صلاة الجمعة، لاحظ وجود صناديق خشبية صغيرة ، يدس بها المصلون عملات معدنية كثيرة.
    كان الإمام يخطب : إن الله لا يحب المسرفين !!
    ودعا الله بحرارة أن ينصرالوطن على الصهاينة المعتدين.
    $$$
    على باب المسجد اعتاد أن يشاهد نسوة، يضممن أطفالا ممصوصي الأجساد، أنصاف عراة، يمددن أكفهن طالبات شيئا من مساعدة.
    &&&&
    انتزع وجدانه وجذوره، وذكرياته انتزاعا، وهو يستخرج جواز السفرمن حقيبته ، ليمده أمام ضابط الجوازات في صالة المغادرين.
    كان عليه أن يتغافل عن غصة قد راودت قلبه،
    وعتبا على وطن يلفظ أبناءه ، لكنه عاد فلام نفسه: لا عتب على وطن حارب لعقود وبشراسة ،حربا كانت مفروضة عليه، أكلت الأخضر واليابس، وخرجنا بانتصار مشوش.
    &&&
    ( في طريقه الى المطار، تجاوزت عربة التاكسي بحيرات كثيرة من من وسخ المجاري ومياه الصرف الصحي..
    ( هل تلفظ أرضنا كل شيء؛ مياهها وأوساخها .. وأبناءها أيضا ؟)
    .كانت تلك هواجسه والتي رافقته أيضا وهو يطير على ارتفاع كبير،مغادرا كل ما هو جميل وحالم، إلى بلاد الرمل والزيت، والشمس الحارقة.
    $$$
    لفح من جهنم قابل وجهه ، حين خرج من صالة الوصول. يا آلهي. ود لو رجع.
    تلقفته لجنة الاستقبال الوزارية، ودفعوا به مع زملاء قادمين غيره،إلى جوف حافلة مكيفة، أسرعت بهم إلى بيت الضيافة.
    &&&
    عليه أن يشحذ همته الآن، فأرض الله واسعة.الآن تصبح أحلامه أكثر واقعية ، وقلبه أكثر حزنا لهجره ملاعب الطفولة والصبا.
    (ما أجمل ضفيرتيها ، وشرائطها الزرقاء.
    حين تطل بفستانها الوردي القصير. عصر كل يوم، مع نغمات أغنيه (شمس الأصيل) ، ليبدءا معا رحلتهما في تتبع الفراشات الملونة، فوق شجيرات الورد وتحت خمائل الياسمين.)
    كانت صورتها، بوجنتيها الحمراواتين هي نديم لياليه، ورفيق أيامه، التي يتصبر بها على عنت الظروف، وقسوة الغربة ،ولفحة الحر الشديد.
    كان متوترا ، في انتظار برقية من بلاده، إذ كان قلقه على أبيه المريض، يسكن تحت جلده.
    &&&
    هو الآن الشاب الفتي ،الخريج الناهض المتفوق، معلم الإنجليزية المتحمس ، في غربته ببلاد الزيت ،والرمال والشمس الحارقة ؛ غيبة ستطول لعام دراسي كامل .هنا معسكر عمل يشقى فيه، ليوفر شيئا يمكنه من سد احتياجات أسرة بأثر رجعي، وإتمام زواج لم يكتمل.
    &&&
    ( لاحظ مندهشا اصطفاف مئات من أفخر ماركات السيارات الحديثة
    أمام المدرسة .)
    في حين كان تلاميذه يلقون ببقايا الأطعمة في أركان الغرفة الدراسية دون أن يكملوا أكلها!
    وقف يشرح لطلابه ضرر التبذير ، وفائدة التوفير.
    انطلقت قهقهات طلابه المشاغبين، حتى خرجت أصواتهم الساخرة إلى ساحة المدرسة، لتجذبت مدير المدرسة ومساعديه إلى موقع تلك المظاهرة.
    كان الحرج ينهشه وهو يشرح لهم بتلعثمه وارتباكه أسباب تلك المهزلة.
    نصحه ذو العقال، بطريقة لا تخلو من تحذير، ،بألا يتدخل في حياة الطلاب وأسلوب معيشتهم.وأمر العامل الآسيوي بأن يقوم بتنظيف الفصل.
    ( أستاذ ! كم راتبك في بلادك؟
    : التزم الصمت متجاهلا سؤال الطالب الخبيث. تبادل الطلاب ابتساماتهم الصفراء وتعليقاتهم الماكرة.
    لملم أوراقه مرتبكا، عليه اللحاق بالحصة الثالثة في الطابق العلوي.)
    كانت الغصة تملأ حلقه، وتكاد تفر من بين جفونه، دمعة حارة ،حزينة حائرة.
    لكن حين كتب تاريخ ذلك اليوم على اللوح الخشبي، انفرجت أساريره إلى حد ما؛ فبعد غد يكون الراتب نازلا في حسابه البنكي.
    (جميل أن يكون لديك حساب بنكي أول مرة في حياتك.)
    (تنهد متذكرا جده ,وكيس نقوده يدسه في جيب صديريته بحرص شديد ،بعد أن يحكم ربطه بخيط متسخ غليظ!)
    &&&
    في مسكنه الحكومي قبع وحده يزدرد طعامه. عليه أن يدبر أموره بحرص ، كي يستفيد من غربته في توفير المزيد.
    $$$
    (لك الله يا أمي ، سيدة التوفير في العالم الثالث ودول تركب التوكتوك والأفيال.
    ترصد بعين خبيرة، فضلات ما تبقى من أطعمة، وبفن ورثته عن حضارة وادي النيل، تعجنها في فطيرة مبهمة، تدس بها ما توافر من أطعمة، ثم تخبئها في أمعائنا.
    لنمشي منتخفين لمواجهة البرد بكل شجاعة.)
    • كل بيمينك، لا تجرف الأطباق من أمام أخواتك. لا تلقوا ببقايا الخبز هكذا، لا تكسروا رغيفا جديدا، قبل الانتهاء من ازدراد ما كسرتم.
    ألا تعرفوا التوفير، وضرر الإسراف؟
    كانت تلقي بأوامرها،على صغار قطيعها ،وهم يتدافعون ويتزاحمون حول
    ( طبلية) العشاء الساخن.
    يأكلون بنهم طفولي، لكنهم سرعان ما يشبعوا. يلتئم أفراد القطيع في أسرتهم ليبدأوا مرحهم الليلي اللذيذ.
    ( : ناموا .. نامت عليكم حيطة.)
    فيكركرون بضحكاتهم الساخرة ومشاغباتهم البريئة ،
    ثم سرعان ما يخبو الهرج الجميل ،ليغط الصغار في سبات عميق، دافئة أسرتهم، ممتلئة مصارينهم، ليعيشوا أحلامهم الوردية.
    $$$
    . سيضع القرش فوق القرش،سيتمم زواجه في حفل أسطوري ، وسيقوم بنحر الكثير من الذبائح، سيأتي بأشهر المغنيين.سيبني بيتا كبيرا وستكون له سيارة فخمة.
    &&&
    عليه الآن أن يحسب حساباته ، ليحجز شيئا لطعامه، وشيئا لملابسه، ومواصلاته وسجائره، وتلك فاتورة الأهل، فالأب متقاعد مريض، وأحمال بناته الأربع على أكتافه تزداد. فأعاد حساباته من جديد؛ فليختصر شيئا من تكاليف طعامه ، فالبطن لن تشكر صاحبها ؛ وشيئا من تكاليف ملابس جديدة ،فقميصان وبنطال يكفيان حتى ينقضي الصيف، و بذة واحدة تكفي لشتاء قادم، وليقذف بالباقي إلى ظلمة حسابه البنك؛ نعم صار له حساب بنكي في وطنه أيضا.
    (تذكر حافظة نقود أبيه، الناحل جلدها.المبارك محتواها)
    $$$
    السباق محموم ، بين ما يوفره وأسعار
    كل شيء. ومع السياسات الجديدة المتتابعة والمتقلبة ، لا شيء في بلادي ينخفض سعره. بل هي الأسعار تنطلق كالصاروخ ارتفاعا دون أن تتراجع بنسا واحدا!
    فما وفره بشراء شقة يسكنها، بسعر العام الماضي، لا يصلح اليوم لشراء غرفة واحدة وبدون حمام.
    $$$
    (صرح الوزير اللامع الأنيق ,أن حكومتنا الرشيدة تعمل جاهدة لتوفير مساكن مناسبة للشباب، أدار زر التحكم، متحولا عن جلسة البرلمان على الهواء، إلى فيلم قديم به استعراض لحشد من الراقصات ملفوفات في عباءات سوداء, ثم إلى مباراة مملة في كرة القدم. أغلق التلفاز. )
    عليك أن تكون أنت حكومة ،وعائلتك هي شعبك.
    $$$
    الوطن بفراشاته ، وبساتين لهونا الطفولي الرائع، يقبع هناك بعيدا يسبح في ذاكرة الماء.
    في زحام الغربة،تزوي الذكريات ، وتذوب حلاوة الأيام، ويتلاشى الأصدقاء ورفاق اللعب البريء.
    ويتغبش في مرايا النفس وجه الوطن. لكن وجهها كان في أفق ذاكرته، بدرا جميلا متلألئا.
    &&&
    كان عليه أن يقنع ذاته المنكسرة، بأن يظل هناك على قائمة الاغتراب ، لعدة أعوام أخرى.
    (برقية طال انتظاره لها لأسابيع، خبأها عنه الزملاء حتى انتهاء اليوم الدراسي؛
    وحين رافقوه ،على غير العادة، إلى مسكنه، لحظتها، أدرك حزينا دامع الوجدان ،أن لا ضرورة بعد اليوم ،لإرسال ثمن الدواء لأبيه المريض.)
    تلقى العزاء فيه بعيدا غريبا.
    رحمك الله يا أبي ، فكلانا غريب.
    @##@
    تمنى لو ظل صبيا لم يكبر، بين يدي والده الحنون، يستكتبه درس الإملاء ، ويستعيد معه تذكر آيات الكتاب المبين ، جالسين فوق حصير ذي رائحة زكية.
    ثم ينطلق بعدها، معها بضفائرها وفستانها الوردي ، يطاردان الفراشات الملونة عصر كل يوم، على أنغام أغنية (شمس الأصيل).
    تمنى لو ظل في زمن آمن دافيء، يضع فيه القرش فوق القرش، ليأتي يوم يهتز فيه فخرا ونشوة، كذلك اليوم حينما رأى
    صندوق توفيره،وقد امتلأ عن آخره، في نهاية العام الدراسي، وما فيه، كان يكفي لشراء بنطال جديد ،وقميص جديد، وحذاء جديد لعام قادم دراسي جديد.

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 19,410
    المواضيع : 275
    الردود : 19410
    المعدل اليومي : 5.01

    افتراضي

    ليس الحرفوش وحده .. فهناك الملايين من الشباب الذين اغتربوا بحثا عن
    الاستقرار المادي ، وهربا من واقع مرير تضيع فيه أحلام الشباب ولا تجد لها مكانا
    في الوطن ـ وتقفل في وجوههم الأبواب لتحول دون وصولهم إلى مبتغاههم ، وتتركهم
    يتخبطون مع ظروف الحياة في صراع دائم من أجل البقاء.
    فلا يبقى بيدهم حيلة سوى الإغتراب ليحققوا أحلامهم وحياتهم وذاتهم التي فقدوها في أوطانهم
    ومن نشأ في بلاد تحث على ثقافة التوفير ، وتشجع أفرادها على الإدخار بطرق شتى كان عليه أن
    يكون حريصا ليستفيد من غربته في توفير المزيد.
    ولكن الإغتراب عن الوطن لا يجلب بالضرورة المال والثراء ، فالأرتفاع الجنوني في الأسعار
    وارتفاع تكاليف المعيشة يجعل الإنسان على قائمة الإغتراب لعدة أعوام أخرى.
    وفي زحام الغربة تزوى الذكريات ، وتذوب حلاوة الأيام فلا مشاركة للأقارب والأصحاب في أفراحهم
    ولا حضور لوداع الأحباب عند رحيلهم.
    بورك هذا القلم المبدع بجمال السرد وعمق الفكرة وروعة الأداء.
    وعذرا للإطالة في الرد.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية محمد نديم شاعر
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    المشاركات : 872
    المواضيع : 164
    الردود : 872
    المعدل اليومي : 0.14

    افتراضي

    أ. نادية الجابي
    تحية طيبة مباركة.
    سيدتي ،والله ما سردته من هم الغربة وتكاليفها ما هو إلا النذر اليسير. وما في النفس الكثير والكثير .. حتى لكأن الواقع قد ترك ندوبا في الوجدان ، لا تزول ، ومشاعر مختلطة لا تزوي مع الأيام.
    سلمت قارئة متذوقة .. وأديبة راقية.
    سعدت بكل حرف لك هنا، قد أنار صفحتي المتواضعة.
    سلمت بخير.
    م.ن