أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: إسقاط الحق

  1. #1
    أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2022
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 129
    المواضيع : 28
    الردود : 129
    المعدل اليومي : 0.18

    افتراضي إسقاط الحق

    إسقاط الحق في الدنيا وفي الآخرة

    هذه المقالة تسعى للإجابة على هذا السؤال: لماذا يحجم الناس عن مسامحة بعضهم بعضاً..؟

    إذا أسقطَ الإنسان حقّه في الدنيا وفي أمور الدنيا، فقد تنازل عنه بلا عَوض في الدنيا. وحقّ المسلم والمؤمن في الآخرة لا يضيع إطلاقاً؛ وهو هنا بين مرتبتين، الأولى: إمّا أن يأخذ حقّه يوم القيامة ممن ظلمه بلا زيادة ولا نقصان، حيث الحسنات والسيئات هي الثمن. وإمّا أن يأخذ أضعاف حقّه كعَوَض يوم القيامة. وانتبه أن الحديث هنا لا يدور عن حق الله المأخوذ من الظالم لغيره، فلا يوجد حقّ العبد إلّا وفيه حق الله تعالى. فهذا حق آخر، أمره موكول إلى الله وحده.

    فالمرتبة الأولى هو فيما لو لم يسامح الإنسان المسلم بحقه في الآخرة ممّن ظلمه، فهذا هو الذي يأخذ حقه بلا زيادة ولا نقصان؛ فطالما أن المظلوم لم يسامح، فسيأخذ حقه لا غير؛ ذلك أن الله عادل لا يظلم مثقال ذرة. وفي هذه المرتبة يستوي المؤمن والكافر، فكل من له حق فسوف يستوفيه يوم القيامة كائناً من كان، وممن كان؛ ومثلما أن الجنة درجات فالنار أيضاً درجات. قال تعالى ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)- سورة الأنبياء). وقال تعالى: (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) – سورة يس). وقال رسول الله (ﷺ): « مَنْ كانتْ له مظلمةٌ لأخيهِ مِنْ عِرْضِهِ أو شيءٍ فَلْيَتَحَلَّله مِنْهُ اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ، إن كان لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه قَدْرَ مظلمته، وإنْ لم تكنْ له حسناتٌ أُخذَ من سيئاتِ صاحبه فحُمِلَ عليه».

    والمرتبة الثانية هي أن يأخذ المظلوم أضعاف حقه كعَوَض يوم القيامة، مقوّمة بالحسنات من الظلم إن كان له حسنات، ومقوّمة بالسيئات تُطرح من المظلوم فتوضع على الظالم إن لم يكن للظالم حسنات؛ وزيادة على ذلك مغفرة عن سيئات أخرى للمظلوم جزاء مسامحته لوجه الله. وهذه لا تكون إلّا للمؤمنين بالله واليوم الآخر، جزاءً لهم عن عفوهم لوجه الله عمن ظلمهم وأساء إليهم. قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)- سورة الشورى). وقال: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) – سورة النور). وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) سورة آل عمران.

    وعلى ذلك، فالمسلم الذي لا يسامح خسران، فهو يضيّع على نفسه أجراً مضاعفاً عوضاً عن حقه. ثم هو يضيّع احد موجبات مغفرة الله عن ذنوب أخرى (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).


    هذا قد وجدت أن الذي يدفع كثيراً من الناس لعدم المسامحة لوجه الله أمرين، وكلاهما خاطئان. الأول: أن البعض يعتقد أنه إذا سامح فقد ضاع حقه في الآخرة. وهذه قد بيّنا خطئها.

    أمّا الأمر الثاني الذي يدفع البعض إلى الإحجام عن المسامحة – وهو الأخطر والأكثر انتشاراً- وقليل ما ينتبه له الدعاة وهؤلاء الناس، أنهم يربطون المسامحة بصفاء القلب عن الظالم والمسيء لهم، وهذا قمة الخطأ..؟ فيقولون (مثلاً): لقد جرحني جرحاً عميقاً، وفعل كذا وكذا، فكيف أسامحه..؟ ويقولون: إن قلبي لا يحتمل مسامحته، وعيني لا تحتمل رؤيته، وأذني لا تطيق سماع صوته، فكيف أسامحه..؟ وووووو.....

    لكن الذي يغفل عنه هؤلاء أن المسامحة لوجه الله هي إسقاط الحق في الدنيا وفي الآخرة لا غير، أمّا المشاعر فلا يستطيع الإنسان التحكم بها أصلاً، فكيف يَطلب عاقل من الإنسان ما لا يقدر عليه. فالمقصود أنت تسامح بالشق الذي تقدر عليه وهو إسقاط الحق عنه في الآخرة والدنيا، أمّا الشق الذي لا تقدر عليه، وهو صفاء القلب تجاهه، فأنت غير مكلّف به أصلاً. والله لا يكلف نفسا إلّا وسعها. فليس هناك عفو صادق صادر من القلب لا يشوبه حقد وغلٍ على أحد في كل الأحيان والظروف. بمعنى: إن لم يصفوا قلبك له بالمسامحة فلا بأس، سامحه وظلّ على كرهك له، سامحه وظل على كره رؤيته وسماع صوته؛ المهم أن لا تضيّع على نفسك الأجر المضاعف يوم القيامة من خلال مسامحته لوجه الله.

    والدليل على ما أقول هو قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)- سورة الحجر. وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)- سورة الأعراف.

    وقد أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غِلّ} قَالَ: هِيَ الْعَدَاوَة. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن قَالَ: بَلغنِي أَن النَّبِي (ﷺ) قَالَ: يحبس أهل الْجنَّة بعد مَا يجوزون الصِّرَاط حَتَّى يُؤْخَذ لبَعْضهِم من بعض ظلاماتهم فِي الدُّنْيَا فَيدْخلُونَ الْجنَّة وَلَيْسَ فِي قُلُوب بَعضهم على بعض غِلّ. وَأخرج ابْن جرير عَن أبي نَضرة قَالَ: يحبس أهل الْجنَّة دون الْجنَّة حَتَّى يقْتَصّ لبَعْضهِم من بعض حَتَّى يدخلُوا الْجنَّة حِين يدْخلُونَهَا وَلَا يطْلب أحد أحدا بقلامة ظفر ظلمها إِيَّاه وَيحبس أهل النَّار دون النَّار حَتَّى يقْتَصّ لبَعْضهِم من بعض فَيدْخلُونَ النَّار حِين يدْخلُونَهَا وَلَا يطْلب أحد مِنْهُم أحدا بقلامة ظفر ظلمها إِيَّاه.

    ولا تنسوا أن المسامحة هي إعانة لنبيكم (ﷺ) في الشفاعة، وإعانة للصالحين في الشفاعة، فحقوق العباد لا تسقط بالشفاعة. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): " الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ فَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَالْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا قَطُّ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَمَظَالِمُ الْعِبَادِ بَيْنَهُمُ الْقِصَاصُ لَا مَحَالَةَ . المستدرك على الصحيحين للحاكم.

    وقال (ﷺ): « أتدرونَ مَنِ المُفْلُس..؟ قالوا: المفلسُ فينا مَنْ لا دِرْهَمَ له ولا مَتَاعَ، فقال: إنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هـذا، وقذفَ هـذا، وأكلَ مالَ هـذا وسفكَ دمَ هـذا، وضربَ هـذا، فيُعْطَى هـذا مِنْ حسناته، وهـذا مِنْ حسناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يَقْضِي ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النَّارِ »رواه الترمذي، قال حسن صحيح.

    هذا أمر، والأمر الآخر هو أن المسلم لـمّا يدرك بأن عوضه سيكون من الله عندما يسامح، فإن المسامحة تذهب الكره والغل مع طول الزمن، وتقمع وسوسة الشياطين، وتجعل المجتمع صحياً أكثر.

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 21,451
    المواضيع : 329
    الردود : 21451
    المعدل اليومي : 4.92

    افتراضي

    يقول الإمام ابن القيم : يا ابن اآدم .. إن بينك وبين الله خطايا وذنوب لايعلمها إلا هو , وإنك تحب أن يغفرها لك الله ,
    فإذا أحببت أن يغفرها لك فاغفر أنت لعباده , وأن وأحببت أن يعفوها عنك فاعف أنت عن عباده ,
    فإنما الجزاء من جنس العمل ... تعفو هنا يعفو هناك , تنتقم هنا ينتقم هناك تطالب بالحق هنا يطالب بالحق هناك.
    قال الشافعي رحمه الله :
    لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ * * أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ
    إنِّي أُحَيِّي عَدُوِّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ * * لِأَدْفَعَ الشَّرَّ عَنِّي بِالتَّحِيَّاتِ
    وَأُظْهِرُ الْبِشْرَ لِلْإِنْسَانِ أَبْغَضُهُ * * كَأَنَّمَا قَدْ حَشَى قَلْبِي مَحَبَّاتِ
    النَّاسُ دَاءٌ دَوَاءُ النَّاسِ قُرْبُهُمْ * * وَفِي اعْتِزَالِهِمْ قَطْعُ الْمَوَدَّاتِ

    وقال الحريري المتوفي سنة 516ه:
    سامحْ أخاك إذا خَلَطْ* * * منه الإِصَابةَ بالغَلَطْ
    وتَجَافَ عن تَعْنِيفِهِ* * * إنْ زاغ يوماً أو قَسَطْ
    واعْلَمْ بأنَّك إن طَلَبْـ* * * ـتَ مُهذَّباً رُمْتَ الشَّطَطْ
    ولو انْتَقَدْتَ بني الزَّمَا* * * نِ وَجَدْتَ أكْثَرَهُمْ سَقَط
    مَنْ ذَا الذي ما سَاءَ قَطْ* * * ومَنْ له الحُسْنَى فَقَطْ

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ، ويرفع الدرجات ؟
    قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : ( تحلم على من جهل عليك ، وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك )
    شكرا على نص تألق شكلا ومعنى ، حسا ولفظا ـــ عميق وفي هذا العمق
    ما يحرض العقل على تدوير المفردة واستجلاء المعنى.

    جعلنا الله من العافين عن الناس , ورزقنا عفو ورحمة رب الناس وجنبنا الزلل في القول والعمل .
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


  3. #3