شبهة لدعاة الديانة الإبراهيمية وردّها
تزعم دعاة الديانة الإبراهيمية أن الإيمان المنجي يوم القيامة يمكن أن يكون دون الإيمان بجميع الرسل، فالنصراني أو اليهودي مثلاً الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً ناج يوم القيامة دون الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويستدلون على مذهبهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة البقرة، الآية 62
ويزعمون أن الآية لم تشترط الإيمان بجميع الرسل للنجاة، بل فقط الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وفق كلّ ديانة.
والرد على هؤلاء من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: إن القرآن الكريم يُقرأ كلّه دون اجتزاء، وإلا كنّا في حكم ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، هؤلاء الذين جزّءوا الكتاب فجعلوه أعضاء أعضاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه. وقد قال الله تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
فتأمل قوله تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾، فإنه يقضي بأن يؤمن الكفار مثل إيمان المسلمين بجميع كتب الله ورسله، وأن لا يفرّقوا بين أحد من رسله، فإن آمنوا بمثل إيمان المسلمين فقد اهتدوا وأصابوا الحق وكانوا من أهل الإيمان الصحيح، وإن لم يفعلوا ذلك فليسوا بمؤمنين، بل كافرين، قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾
فتأمل كيف وصف الله تعالى الذين يفرّقون بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض، بأنهم هم الكافرون حقاً.
وقوله تعالى (حَقّاً) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، فهم كافرون كفراً حقاً، أي: كفراً كاملاً لا شك في وقوعه منهم وانغماسهم فيه.
يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير: إن "كفرهم قد اشتمل على أحوال عديدة من الكفر، وعلى سفالة في الخُلُق، أو سفاهة في الرأي بمجموع ما حكي عنهم من تلك الصِلات، فإنّ كلّ خصلة منها إذا انفردت هي كفر، فكيف بها إذا اجتمعت".
قد يعترض معترض فيقول: إن الآيات التي سُقتَها إنما وردت في شأن من يكفر ببعض الرسل ويؤمن ببعضهم الآخر، غير أنّا نرى من اليهود أو النصارى أو سائر الملل من لا يُنكر نبوة محمد، بل يصرّحون بأنه رسول من عند الله، وأن القرآن وحي منزَّل من السماء، ولكنهم يتذرّعون فيقولون مثلاً: إن محمداً لم يُبعث إلينا، وإنما بعث إلى العرب وحدهم، أو يزعمون أنه لا فرق بين أن نتّبع شريعته أو نتّبع شريعةً أُخرى، فجميع الشرائع سواء!.
وهذا في حقيقته كفر، لأنه تكذيب للرسول في عموم رسالته، وجحودٌ لما جاء به من أن شريعته خاتمة الشرائع وناسخة لها، وأن دعوته عامة للناس كافة، لا تختص بقوم دون قوم. فالذي يقرّ برسالته ثم يقول: لسنا مكلَّفين باتباعه، كمن يشهد أن الله واحد ثم يعبد معه غيره، فقد جمع بين الإقرار بالحق من جهة ونقضه من جهة أخرى، فصار اعترافه عبثاً ولغواً لا ينفعه، بل حجةً قائمة عليه.
ولو كان مجرد القول يكفي، لكان المنافقون مؤمنين، وقد نفى الله عنهم الإيمان، مع أنهم شهدوا بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ۗ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾
ثم إنّ الاعتراف برسالة محمد دون الالتزام بما جاء به تناقض بيّن لا يقرّه عقل ولا يقبله منطق. فالنصراني –على سبيل المثال– إذا قال إنه يؤمن بأن محمداً رسول من عند الله، وأن القرآن وحي منزل، لزمه بالضرورة أن يذعن لما صرّح به القرآن من نفي ألوهية المسيح ونفي صلبه، وأن يرفض عقيدة التثليث وادعاء البنوة لله، لأن القرآن كفّر من قال بذلك تكفيراً لا لبس فيه.
فهو إذن أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن يصدق القرآن فيما أخبر، فينقاد له ويتّبعه، وهذا هو مقتضى الإيمان الصحيح، وإما أن يعارضه فيما نصّ عليه، وحينها يكون قد كذّب به ونقض دعواه بالإيمان. والإيمان بشيء مع ردّه أو الإيمان بالحق مع التمسك بضدّه ضرب من التناقض المفضوح الذي لا يخفى على عاقل.
الوجه الثاني: إن الإيمان بالأنبياء داخلٌ في حقيقة الإيمان بالله تعالى، لأن العقل البشري عاجز عن إدراك تفاصيل معرفة الله وشرعه استقلالًا، فكانت حاجة الإنسان إلى الوحي الذي أنزله الله على أنبيائه ضرورةً لهدايته وتعريفه بربه، فالإيمان بالله لا يتحقق إلا عبر الإيمان بمن بلّغ عن الله تعالى.
الوجه الثالث: إن الخطاب في الآية موجَّه إلى أهل الكتاب من بني إسرائيل، وهم مؤمنون بالأنبياء أصلًا، اقرأ الآيات التي قبل هذه الآية، والآيات التي بعدها، لتكتشف أن السياق إنما هو في الحديث عن بني اسرائيل.
ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
فقد أُخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم بالإيمان بالرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ونصرته، مما يدلّ على أن الإيمان به جزء لا يتجزأ من الإيمان بالله ورسله أجمعين.
والعجيب أنهم يستشهدون على مذهبهم بآية من القرآن الذي نزل على رسول الله، ولولا رسول الله ما عرفوا هذه الآية.. فيا لعجيب صنعهم وفكرهم واستدلالهم!!!

رد مع اقتباس


