أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: اِنْعِتَاقٌ

  1. #1

    افتراضي اِنْعِتَاقٌ


    كَانَتِ الرُّوحُ غُصْنًا يَابِسًا، تُصَافِحُهُ الرِّيحُ فَلَا يَهْتَزُّ، وَيُطِلُّ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فَلَا يَخْضَرُّ.
    وَكَانَ الْقَلْبُ دَارًا مُوصَدَةَ النَّوَافِذِ، يَسْكُنُهَا صَدًى ثَقِيلٌ، وَتَعْلُو جُدْرَانَهَا أَشْبَاحُ ظِلَالٍ لَا تَنْتَمِي لِلشَّمْسِ.

    حَتَّى إِذَا اسْتَفَاقَتْ فِي الْأَعْمَاقِ جَذْوَةٌ خَافِتَةٌ، مَدَّتْ أَنَامِلَهَا فِي الْعَتْمَةِ تَتَحَسَّسُ بَابًا كَانَتْ قَدْ نَسِيَتْ مَوْضِعَهُ. لَمْ تَقْرَعْهُ بِعُنْفٍ، بَلْ لَامَسَتْهُ كَمَا تُلَامِسُ الْأُمُّ جَبِينَ وَلِيدِهَا، فَإِذَا بِالْقُفْلِ الصَّدِئِ يَنْحَلُّ، وَإِذَا بِالنُّورِ يَتَسَلَّلُ وَئِيدًا، لَا لِيَكْشِفَ الْخَرَابَ، بَلْ لِيُعَلِّمَ الْجِدَارَ كَيْفَ يَتَنَفَّسُ؛ وَمِنْ ثَمَّ تَوَالَتِ الْفُصُولُ عَلَى الْقَلْبِ الْمُتْعَبِ. فَغَسَلَهُ الْحُزْنُ كَمَا يَغْسِلُ الْمَطَرُ زُجَاجَ النَّوَافِذِ، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَيْهِ نَسَائِمُ لَمْ يَطْلُبْهَا، فَكَنَسَتْ عَنْهُ غُبَارَ سِنِينٍ ثِقَالٍ.

    تَعَلَّمَتِ الرُّوحُ أَنْ تُسْقِطَ عَنْ كَاهِلِهَا مَا لَيْسَ لَهَا، كَمَا تُسْقِطُ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا الْمَيِّتَ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ لِلْوَرَاءِ. وَأَدْرَكَتْ أَنَّ بَعْضَ الْقُيُودِ لَمْ تَكُنْ مِنْ حَدِيدٍ، بَلْ مِنْ وَهْمٍ أَتْقَنَ التَّخَفِّيَ فِي ثَوْبِ الْوَفَاءِ.

    وَالْيَوْمَ، تَخْرُجُ مِنْ بَابِهَا الْقَدِيمِ لَا هَارِبَةً وَلَا مَكْسُورَةً، بَلْ كَمَنْ يُتِمُّ طَوَافَهُ حَوْلَ ذَاتِهِ وَيَعُودُ إِلَيْهَا.
    تَخْطُو، فَإِذَا الْأَرْضُ تَحْتَهَا أَثْبَتُ، وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا أَرْحَبُ.
    تَتَنَفَّسُ، فَإِذَا الْهَوَاءُ لَا يَحْمِلُ إِلَّا عَبِيرَهَا هِيَ.
    وَتُزْهِرُ، لَا لِأَنَّ رَبِيعًا مَرَّ بِهَا فَأَحْيَاهَا، بَلْ لِأَنَّهَا حِينَ أَفَاقَتْ، أَدْرَكَتْ أَنَّهَا هِيَ الرَّبِيعُ.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2

    افتراضي

    حرفك جميل ورائع أستاذة آمال بلاغتك عجيبة وفصاحتك أعجب أعجبتني فصاحتك كثيرا زادك الله من فضله

  3. #3

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد أبو اسماعيل مشاهدة المشاركة
    حرفك جميل ورائع أستاذة آمال بلاغتك عجيبة وفصاحتك أعجب أعجبتني فصاحتك كثيرا زادك الله من فضله
    شهادتك تاجٌ على هامة الحرف، ومديحك غيمةٌ أمطرت في صحراء اليراع.
    ما أنا إلا تلميذةٌ في محراب بيانكم، أستقي من ضيائكم إذا عزّ المداد.
    شكراً لأنك قرأتَ "انعتاق" فأعتقتَ الحرف من صمته، وألبستَه من فصاحتك رداءً.
    دام ألقك، وزادك الله رفعةً كما زدتني شرفاً بمرورك

  4. #4

    Smile

    الله الله
    وما أجمله !وما أكمله! من إنعتاق..
    سمت به الروح، وحلقت في الآفاق~

    لله درك ودر حرفك النقي ،العذب ؛ الذي يلج كالنور ليستقر في سويداء القلب
    بحرف مهيب ،وأسلوب متين وتشبيهات بليغة،حلقت بنا بعيدا؛ خارج السرب!
    ولامست كل روح عاشت معاناة ماقبل الإنعتاقنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    صدقا تمنيت ألا تنتهي..
    فكم هو صباحي جميل أني حظيت بهذا الدر المنثور من أستاذة قديرة مثل حضرتك أستاة آمال
    أنت حقا (مدرسة) وليت وقتي يسعفني لأقرأ كل كتاباتك ؛وأتتلمذ على يديك حتى لو كان الوقت متأخرانقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    لك مني أزكى تحية،مع كل المودة والتقدير..نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي