كَانَتِ الرُّوحُ غُصْنًا يَابِسًا، تُصَافِحُهُ الرِّيحُ فَلَا يَهْتَزُّ، وَيُطِلُّ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فَلَا يَخْضَرُّ.
وَكَانَ الْقَلْبُ دَارًا مُوصَدَةَ النَّوَافِذِ، يَسْكُنُهَا صَدًى ثَقِيلٌ، وَتَعْلُو جُدْرَانَهَا أَشْبَاحُ ظِلَالٍ لَا تَنْتَمِي لِلشَّمْسِ.
حَتَّى إِذَا اسْتَفَاقَتْ فِي الْأَعْمَاقِ جَذْوَةٌ خَافِتَةٌ، مَدَّتْ أَنَامِلَهَا فِي الْعَتْمَةِ تَتَحَسَّسُ بَابًا كَانَتْ قَدْ نَسِيَتْ مَوْضِعَهُ. لَمْ تَقْرَعْهُ بِعُنْفٍ، بَلْ لَامَسَتْهُ كَمَا تُلَامِسُ الْأُمُّ جَبِينَ وَلِيدِهَا، فَإِذَا بِالْقُفْلِ الصَّدِئِ يَنْحَلُّ، وَإِذَا بِالنُّورِ يَتَسَلَّلُ وَئِيدًا، لَا لِيَكْشِفَ الْخَرَابَ، بَلْ لِيُعَلِّمَ الْجِدَارَ كَيْفَ يَتَنَفَّسُ؛ وَمِنْ ثَمَّ تَوَالَتِ الْفُصُولُ عَلَى الْقَلْبِ الْمُتْعَبِ. فَغَسَلَهُ الْحُزْنُ كَمَا يَغْسِلُ الْمَطَرُ زُجَاجَ النَّوَافِذِ، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَيْهِ نَسَائِمُ لَمْ يَطْلُبْهَا، فَكَنَسَتْ عَنْهُ غُبَارَ سِنِينٍ ثِقَالٍ.
تَعَلَّمَتِ الرُّوحُ أَنْ تُسْقِطَ عَنْ كَاهِلِهَا مَا لَيْسَ لَهَا، كَمَا تُسْقِطُ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا الْمَيِّتَ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ لِلْوَرَاءِ. وَأَدْرَكَتْ أَنَّ بَعْضَ الْقُيُودِ لَمْ تَكُنْ مِنْ حَدِيدٍ، بَلْ مِنْ وَهْمٍ أَتْقَنَ التَّخَفِّيَ فِي ثَوْبِ الْوَفَاءِ.
وَالْيَوْمَ، تَخْرُجُ مِنْ بَابِهَا الْقَدِيمِ لَا هَارِبَةً وَلَا مَكْسُورَةً، بَلْ كَمَنْ يُتِمُّ طَوَافَهُ حَوْلَ ذَاتِهِ وَيَعُودُ إِلَيْهَا.
تَخْطُو، فَإِذَا الْأَرْضُ تَحْتَهَا أَثْبَتُ، وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا أَرْحَبُ.
تَتَنَفَّسُ، فَإِذَا الْهَوَاءُ لَا يَحْمِلُ إِلَّا عَبِيرَهَا هِيَ.
وَتُزْهِرُ، لَا لِأَنَّ رَبِيعًا مَرَّ بِهَا فَأَحْيَاهَا، بَلْ لِأَنَّهَا حِينَ أَفَاقَتْ، أَدْرَكَتْ أَنَّهَا هِيَ الرَّبِيعُ.


رد مع اقتباس





