الأبعاد الخفية لهندسة المسرح وصناعة قرابين أكباش الفداء ؟ هل أتاك حديث أهل غاشية محفل الدولة العميقة برشوة رئيس الوزراء العراقي؟

صباح البغدادي

مقدمة :
عدنان محمد حمود الجميلي، هو وكيل وزارة النفط العراقية لشؤون التصفية والمدير السابق لشركة مصافي الشمال ومصفى بيجي. خلال الأيام الماضية تم اعتقاله من قبل قوة أمنية عراقية في صلاح الدين على خلفية اتهامات بملفات فساد مالي وإداري مرتبطة بعقود ومشاريع في قطاع المصافي، خصوصاً في شركة مصافي الشمال. الإعلام العراقي وبعض السياسيين وصفوه بأنه من أبرز الأسماء المتهمة داخل ملف النفط، وظهرت اتهامات علنية له تتعلق بتمويل أحزاب، وبيع مناصب، وشبهات فساد في مشاريع المصافي، لكن هذه تبقى اتهامات سياسية وإعلامية إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية. اللافت أن اعتقاله جاء مباشرة بعد إطلاق حكومة علي الزيدي حملة واسعة لمراجعة العقود الحكومية وفتح ملفات الفساد في الوزارات، وبعد فترة قصيرة من إعفائه من إدارة شركة مصافي الشمال وإذا ثبتت التهم عليه قضائياً، فسيكون من أكبر ملفات الفساد التي تضرب وزارة النفط العراقية منذ سنوات، لأن الملفات مرتبطة بمصافي بيجي والشمال، وهي من أهم المنشآت النفطية في العراق.
الجهة المنفذة: قوة أمنية تابعة لرئاسة الوزراء بالتنسيق مع هيئة النزاهة.
الموقع: محافظة صلاح الدين (منطقة الإسحاقي).
التوقيت: جاء الاعتقال مباشرة بعد صدور أمر رسمي بإعفائه من منصب مدير عام شركة مصافي الشمال
عرض رشوة: كشفت التحقيقات عن عرضه رشوة بقيمة 200 مليون دولار على رئيس الوزراء علي الزيدي مقابل إغلاق ملفاته على الرغم من ان بعض التقارير المسربة تشير الى ان رشوة رئيس الوزراء وصلت الى 600 مليون دولار ؟ هل تتصوره حجم المبلغ الذي يمتلكه موظف صغير بالحكومة ؟ اذآ ما هو المبلغ الذي رؤساء الاحزاب الاسلام السياسي وهم انفسهم قادة محفل الدولة العميقة ؟ حيث تم رفض رئيس الوزراء العراقي العرض بالكامل، وأشرف على اعتقال الجميلي، موجهاً بإحالة كامل الملف إلى القضاء والجهات التحقيقية المختصة ؟
إن قراءة ملف اعتقال المسؤولين الكبار في قطاع النفط العراقي—مثل عدنان الجميلي— نراه يندرج في سياق ما كنا قد ذكرناه في سلسلة مطولة من المقالات والتحقيقيات الصحفية الاستقصائية منذ عام 2003 ولغاية اليوم لا يخلوا من عملية ومن منظور "تصفية الحسابات" أو "كبش الفداء"، وتستند إلى واقع معقد تشهده البلاد منذ اكثر من عقدين وما تزال.
((*)) كيف يتم هندسة المسرح وصناعة الأقنعة :
تتحرك الجغرافيا السياسية في العراق وفق ديناميكية فريدة لا تحكمها النصوص الدستورية المكتوبة، بل تُسيرها الخوارزميات غير المرئية لمنظومة "الدولة العميقة". وحين تصحو العاصمة بغداد على وقع هدير العجلات العسكرية التابعة لقوة خاصة، متجهة نحو معقل من معاقل قطاع الطاقة لتصفيد وكيل وزارة النفط أو مدير عام لشركة مصافي سيادية، فإن العقل الجمعي يبادر فوراً إلى تفكيك الشفرة خلف هذا المشهد السينمائي. السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس: "كيف تجرأ هذا المسؤول على الفساد؟"، بل: "من الذي رفع عنه الحصانة فجأة، وبأي ثمن جرت تسوية المقعد الذي كان يجلس عليه؟".
إن المشهد الحالي المشحون بصور ترسانات الأسلحة وملايين الدولارات المكدسة في غرف المسؤولين التنفيذيين، ليس سوى الغلاف الخارجي لعملية هندسة سياسية معقدة. إنها "غاشية الدولة العميقة"—ذلك الحجاب الذي يغشى المؤسسات ليطمس الحدود الفاصلة بين المال العام والخاص، وبين الحزب والدولة. في هذه البيئة، لا تبدأ قضايا الفساد الكبرى من الصدفة الرقابية، بل تُطبخ على نار هادئة في كواليس التوازنات. وحين تضيق الخيارات الاقتصادية وتزداد الضغوط الخارجية والداخلية، يتحول الخيار التلقائي للمنظومة الحاكمة من حماية أدواتها إلى البحث عن "قربان مالي وسياسي" يتم تقديمه على مذبح هيئة النزاهة، لضمان استمرار دوران العجلة الكبرى دون توقف أو عطب.
لذا في البيئة السياسية العراقية، غالباً ما تتداخل الحقيقة بين الاتجاهين؛ فالقضايا قد تبدأ بدافع فرض القانون وتطهير المؤسسات من المسؤولين الفاسدين ، لكنها سرعان ما تصطدم بجدار التوازنات الطائفية السياسية المعقدة. الفيصل الحقيقي في تحديد ما إذا كانت العملية "تصفية حسابات" أو "إصلاحاً حقيقياً" يتوقف على مدى عمق التحقيقات؛ فإذا توقفت القضية عند حدود شخص (الجميلي) وأُغلق الملف، تعززت فرضية "كبش الفداء"، أما إذا توسعت لتطال الشركاء السياسيين الحقيقيين والجهات المستفيدة من تلك العقود، فإنها ستسجل كخطوة فعلية في تفكيك شبكات الفساد المحمية !!؟ وهذا ما نريد أن نتابعه عن كثب بخصوص هذا الملف بالتحديد ؟وبالتالي نستطيع ان نضعه ضمن اتجاهين مختلفين بالفعل والمعنى وهما :


الاتجاه الأول: فرضية "كبش الفداء وتوازنات القوى"
أن الفساد في العقود النفطية الكبرى لا يمكن أن ينفرد به موظف أو مسؤول واحد مهما علت رتبته، وذلك بناءً على النقاط التالية:

نظام المحاصصة: تُوزع المناصب السيادية والدرجات الخاصة (كالوكلاء والمديرين العامين) وفق توازنات حزبية؛ مما يعني ضمناً وجود غطاء سياسي يحمي شاغل المنصب أو يشاركه النفوذ.
حجم المبالغ: الحديث عن عرض رشوة ب مئات ملايين الدولارات يعكس وجود شبكات تمويل ضخمة ومصالح مشتركة تتجاوز القدرة المالية الفردية للمسؤول المعتقل.
الخطوط الحمراء السياسية: لأننا نرى باأن فتح ملفات بهذا الحجم قد يكون جزءاً من صراع أجنحة داخل السلطة، أو محاولة لتمرير رسائل سياسية معينة، حيث يتم التضحية بحلقات وسيطة لحماية الرؤوس الكبيرة وطمأنة الرأي العام بوجود حراك ضد الفساد.

الاتجاه الثاني: فرضية "فرض القانون وتفكيك الشبكات"
في المقابل، هناك قراءة قد نراه نحن في الفترة الحالية فيها نوع من المغايرة ونرى في هذه العمليات خطوة جدية وحتمية لبناء الدولة، وتستدل بالآتي:
كسر الحصانة: وصول الأجهزة الرقابية وقوات إنفاذ القانون إلى خطوط متقدمة في وزارة النفط (مثل وكيل وزارة) يعكس رغبة حكومية في كسر "الخطوط الحمراء" التقليدية وتجاوز نفوذ الأحزاب.
الضغط الدولي والمحلي: تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً شعبية ودولية مستمرة لتأمين الإيرادات النفطية، ومكافحة تهريب المشتقات والفساد في المصافي، مما يجعل السكوت عن هذه الملفات خطراً على الاستقرار الاقتصادي والسياسي للحكومة نفسها.
المنطلق القضائي: يرى هذا الجانب أن التحقيقات غالباً ما تبدأ بمسؤول واحد، لكنها تشكل "خيطاً" يقود إلى كشف بقية أطراف الشبكة إذا ما حظي القضاء بدعم سياسي كافٍ للاستمرار.
وسوف نحاول قدر الامكان ان نفكك شبكات الدولة العيقة ولنتناول الملفين مع القارئ الكريم والراي العام بالأجمع لنكشف معا في هذه الرحلة لكيف يغذي تاريخ الفساد في المصافي المشهد السياسي الحالي ومواقف الأحزاب من اعتقال عدنان الجميلي.
أولاً: تاريخ ملفات الفساد في شركة مصافي الشمال (مصفى بيجي)
تُعد شركة مصافي الشمال، ومركزها مصفى بيجي في محافظة صلاح الدين، أحد أكبر المراكز النفطية الاستراتيجية في العراق، لكن تاريخها ارتبط بثلاث محطات رئيسية من شبهات الفساد والهدر:

حقبة داعش وإعادة الإعمار: تعرض المصفى لدمار هائل وسرقة لأجزائه ومعداته إبان سيطرة تنظيم داعش والتصدي له. عند البدء بعمليات التأهيل، خُصصت ميزانيات ضخمة جداً، وتحول ملف "إعادة الإعمار" إلى بوابة لإبرام عقود تحوم حولها شبهات مبالغة في الأسعار (تضخيم العقود).
حادثة الانفجار التشغيلي: واجه الجميلي اتهامات سابقة بمحاولة التغطية على أخطاء فنية في المشاريع؛ حيث اتُّهم بترويج رواية كاذبة تفيد بأن أحد الانفجارات في مصفى بيجي ناجم عن "طائرة مسيرة"، بينما تبين لاحقاً وفق تقارير فنية أنه كان انفجاراً تشغيلياً ناتجاً عن سوء إدارة أحد مشاريعه.
شفط السيولة وهدر المليارات: وُجِّهت للجميلي تهم بإفراغ السيولة المالية المخصصة لمصافي (بيجي، وميسان، والشعيبة، والدورة) وتحويل العقود والمنافع المباشرة لشركات واجهة تعود لجهات متنفذة. ولم تتوقف القضية عنده، بل داهمت قوة أمنية مقر الشركة واعتقلت مدير القسم المالي لشركة مصافي الشمال بناءً على اعترافات الجميلي الأولية.
ثانياً: مواقف الأحزاب والقوى السياسية (بين الدعم والتوجس)
أحدثت عملية الاعتقال هزة داخل الأوساط السياسية، وانقسمت مواقف القوى الحزبية والنواب إلى ثلاثة اتجاهات واضحة تعكس صراع النفوذ:

(*) جبهة الإسناد والهجوم العلني (قوى حكومة علي الزيدي والجهات الرقابية)

رئيس الوزراء علي الزيدي: وظّف القضية لإثبات الجدية في مشروعه الإصلاحي، معلناً صراحة رفض صفقة الـ 200 مليون دولار كرسالة للأحزاب بأن "الخطوط الحمراء" قد ألغيت؟.
* وزير الاتصالات (والنائب السابق) مصطفى سند: كان الأعنف في تصريحاته؛ حيث وصف الجميلي علناً بأنه "حوت النفط، وممول الأحزاب، ومبابي المناصب"، في إشارة صريحة إلى أن الجميلي كان الأداة المالية التي تشتري بها بعض القوى السياسية المناصب وتُباع من خلاله في وزارة النفط؟.
* نواب النزاهة (مثل عالية نصيف): اعتبروا الاعتقال وتزامنه مع تشكيل "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة" إعلان حرب حقيقية ومفتوحة لاسترداد الأموال المنهوبة.
(*) جبهة التوجس والدفاع المبطن (حلفاء الحكومة السابقة)

* يرى طيف من المراقبين المقربين من قوى الإطار التنسيقي والحكومة السابقة (التي عيّنت الجميلي بشكل مفاجئ قبل نحو عام) أن التوقيت يحمل صبغة "سياسية"
* بدأت بعض المنصات الحزبية بالترويج بأن الجميلي "له إنجازات واضحة في إعادة الإعمار ولا ينبغي طمسها بسبب خصومات سياسية"، في محاولة لتصوير الأمر كأنه صراع أجنحة لتصفية نفوذ رئيس الوزراء السابق وتياره داخل مفاصل وزارة النفط الحيوية
(*) القوى السنية (الحاضنة الجغرافية للمصفى)
تعاملت الأحزاب السنية بحذر شديد مع الملف؛ فالجميلي ينتمي جغرافياً وعشائرياً لمناطقهم، وهناك خشية تقليدية لديهم من أن تُستغل ملفات مكافحة الفساد لاستهداف مكونات بعينها أو لإعادة رسم خارطة النفوذ الاقتصادي في مصافي الشمال لصالح فصائل أو أحزاب من مكونات أخرى.
الرابط بين الملفين: فهل تنجح العملية في اختراق شبكة الأحزاب؟إن تاريخ الفساد في مصافي الشمال يثبت صحة الشكوك الشعبية: الجميلي لم يكن يعمل بمفرده. فالعقود بمليارات الدولارات وبيع المناصب الحساسة يحتاجان شبكة حماية سياسية توفر الغطاء القانوني والأمني.
المواقف الحالية للأحزاب تشير إلى أنهم في حالة "ترقب قلق"؛ فالتحقيق القضائي الجاري في بغداد يمثل اختباراً حقيقياً: إما أن يتوسع ويتحول إلى مواجهة كبرى تطال قيادات حزبية رفيعة كانت تستلم الأموال من الجميلي، أو يتم التوصل إلى "تسوية سياسية خلف الكواليس" تضمن بقاء القضية محصورة في الجميلي ومديره المالي لتهدئة الشارع.
يُشير مصطلح "الدولة العميقة" في المشهد السياسي العراقي—وفقاً لغالبية مراقبي الشأن السياسي والخبراء—إلى شبكة النفوذ المعقدة المتجذرة داخل مفاصل مؤسسات الدولة (كالوزارات، والهيئات المستقلة، والدرجات الخاصة، والأجهزة الأمنية) التي تشكلت على مدار أكثر من عقدين، وتدار بالخفاء أو العلن من قبل زعماء وقادة القوى السياسية النافذة، لا سيما قادة الأحزاب الشيعية الرئيسية.
بناءً على التوازنات السياسية القائمة في العراق، يمكن تفكيك واقع "الدولة العميقة" وقدرة حكومة الزيدي على مواجهتها من خلال المحاور التالية:

1. طبيعة "الدولة العميقة" وهيكليتها في العراق

مأسسة النفوذ: القادة الذين ذكرتهم (مثل نوري المالكي، هادي العامري، عمار الحكيم، وغيرهم) يمثلون الأعمدة التأسيسية للنظام السياسي بعد عام 2003. نفوذهم لا يستمدونه من مناصبهم الحالية، بل من حجم الولاءات والتعيينات في المناصب الحساسة (وكلاء وزراء، مدراء عامين، مستشارين) التي جرت خلال فترات حكمهم الطويلة.
الحصانة غير المعلنة: تتمتع هذه القيادات بالخطوط الحمراء نتيجة امتلاكها أجنحة مسلحة (في بعض الحالات)، وقواعد شعبية، ودعم إقليمي، بالإضافة إلى سيطرتها على مفاصل اقتصادية وتمويلية ضخمة.

2. حدود قدرة حكومة الزيدي أمام "الحيتان الكبيرة"
يتفق أغلب المحللين السياسيين على أن حكومة علي الزيدي—أو أي حكومة عراقية أخرى تشكلت وفق آلية التوافق والمحاصصة—تواجه سقفاً محدداً في ملف مكافحة الفساد يمنعها من الصدام المباشر مع هؤلاء القادة، وذلك لعدة أسباب:
شرعية الحكومة: إن حكومة الزيدي نتاج تفاهمات سياسية داخل تحالفات كبرى (مثل ائتلاف إدارة الدولة). وبالتالي، فإن تحريك ملفات فساد كبرى ضد زعماء الصف الأول يعني تلقائياً انهيار التحالف السياسي الداعم للحكومة وسقوطها.
توازن الرعب السياسي: تمتلك القوى التقليدية "ملفات مضادة" ضد بعضها البعض. ففتح ملف فساد كبير ضد قطب سياسي معين قد يفتح باباً من جحيم الملفات المتبادلة التي تهدد النظام السياسي بأكمله بالانهيار، وهو ما يتجنبه الجميع.
استهداف "الخط الثاني": تقتصر العمليات الكبرى—مثل قضية عدنان الجميلي أو غيره—على استهداف قيادات الخط الثاني أو الثالث (مدراء عامين، وكلاء، مستشارين). ورغم أن هؤلاء يمثلون "الأذرع المالية والتنفيذية" للدولة العميقة، إلا أن اعتقالهم يظل محاطاً بحدود؛ حيث يتم غالباً تفكيك شبكاتهم الفرعية دون الوصول المباشر إلى رأس الهرم الحزبي.

3. تقييم الأسماء المذكورة من منظور النفوذ والملفات
من الناحية التحليلية، لا تقع جميع الأسماء التي ذكرتها في خانة واحدة من حيث النفوذ الحالي أو المسؤولية القانونية:
نوري المالكي وهادي العامري: يمثلان الثقل الأكبر في "الدولة العميقة" نظراً لامتداد نفوذهما في الأجهزة الأمنية والعسكرية وعقود الدولة الكبرى، وهما الأكثر قدرة على رسم الخطوط الحمراء أمام أي رئيس وزراء.
عمار الحكيم: يعتمد نفوذه بشكل أكبر على الثقل السياسي والاجتماعي والمناصب الإدارية في الوزارات الخدمية، وتتمتع حركته بمرونة سياسية تحميها من الصدامات المباشرة.
رؤساء الوزراء السابقون (العبادي، عبد المهدي، الجعفري): تراجع نفوذهم السياسي والتنفيذي بشكل كبير مقارنة بالسابق. ومع ذلك، فإن عدم مساس القضاء بهم لا يعود لقوتهم الحالية بقدر ما يعود إلى "العرف السياسي" في العراق الذي يمنع ملاحقة رؤساء الوزراء السابقين قضائياً بتهم الفساد، تجنباً لكسر هيبة النظام وسابقة ملاحقة رأس السلطة التنفيذية.

ولذا عندما نصف هذه القيادات بـ "الدولة العميقة" هو وصف دقيق ومطابق لواقع الحال. وحكومة الزيدي—حتى وإن أظهرت جدية عالية في اعتقال "حيتان نفطية" كالجميلي—فإنها تتحرك ضمن "هوامش مناورة" مسموح بها سياسياً. تهدف هذه التحركات إلى تحسين الإيرادات وضبط الهدر في المصافي، لكن دون تخطي الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى صدام مسلح أو سياسي يطيح بالحكومة نفسها.

حيث تمثل لنا هذه الشخصيات النواة للمفاعل الصلبة لما يُعرف بـ "الدولة العميقة" في العراق، حيث تتداخل الحصانات القانونية والدستورية مع شبكات النفوذ السياسي الممتدة لحمايتهم من المساس المباشر.
وإن فهم كيفية عمل هذه المنظومة يتطلب تفكيك الشقين التشريعي والتاريخي اللذين يمنعان أي رئيس وزراء—بمن فيهم علي الزيدي—من فتح هذه الملفات.

أولاً: الآليات القانونية والدستورية (دروع الحماية السياسية)
لا تعتمد القيادات التقليدية على القوة العسكرية أو الحزبية فقط، بل قامت "بمأسسة" حمايتها عبر ثغرات قانونية وأعراف دستورية صارمة:
العُرف التوافقي فوق الدستور: ينص الدستور العراقي على آليات لمحاسبة المسؤولين، لكن "العُرف السياسي" (المحاصصة) الذي تأسس بعد 2003 يمنح حصانة ضمنية لقادة الخط الأول؛ لأن تحريك أي ملف قضائي ضد زعيم حزب يعني انسحاب وزرائه، وبالتالي انهيار الحكومة فوراً لفقدانها الغطاء البرلماني.
قانون العفو العام وتكييف القضايا: جرى في سنوات سابقة تشريع قوانين عفو عام عُدّلت فقراتها بطريقة سمحت بغلق ملفات كبار المسؤولين أو شملهم بالعفو عبر تسويات مالية، أو تكييف التهم من "اختلاس وعمد" إلى "إهمال وظيفي" وهي جنحة تسقط بالتقادم أو الكفالة.
التحصين المتبادل (توازن الردع): تمتلك كل جهة سياسية ملفات فساد تدين الجهات الأخرى. هذا التوازن خلق معادلة (اسكت عن ملفاتي.. أسكت عن ملفاتك)، وأي محاولة لخرق هذه القاعدة من قِبل رئيس الوزراء تعني "انتحاراً سياسياً" وإغراق المشهد بملفات مضادة تطيح بالجميع.
حصانة رؤساء الوزراء السابقين: درج القضاء العراقي على عدم ملاحقة رؤساء الحكومات السابقين (كالمالكي، العبادي، عبد المهدي) بتهم الفساد المالي المباشر، ويُنظر إلى قراراتهم إبان حكمهم كـ "قرارات سيادية تقع ضمن صلاحيات إدارة الدولة" لا يمكن تكييفها كجرائم جنائية إلا في حالات نادرة جداً.
ثانياً: تجارب حكومية سابقة حاولت الصدام وفشلتشهد تاريخ العراق المعاصر عدة محاولات من رؤساء وزراء سابقين لكسر طوق الدولة العميقة، لكنها انتهت جميعاً بالفشل أو التراجع خوفاً من انهيار النظام:

حيدر العبادي وحملة "الضرب بيد من حديد" (2015): بعد حراك شعبي واسع، أطلق العبادي حزمة إصلاحات لإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء (التي كان يشغل أحدها نوري المالكي)، وحاول دمج وإلغاء وزارات. اصطدمت محاولته بالدولة العميقة داخل البرلمان ومجلس القضاء، وجرى إفراغ الإصلاحات من محتواها الدستوري، وانتهت ولايته دون المساس بالحيتان الكبيرة.
عادل عبد المهدي واللجنة العليا لمكافحة الفساد (2018): شكّل مجلساً أعلى لمكافحة الفساد، لكن المجلس عجز عن استدعاء أي رئيس حزب أو وزير نافذ، واقتصرت العمليات على صغار الموظفين، حتى أطاحت التظاهرات الشعبية بحكومته عام 2019.
مصطفى الكاظمي و"اللجنة 29" (لجنة أبو رغيف - 2020): شكل الكاظمي قوة خاصة مدعومة بجهاز مكافحة الإرهاب واعتقل مسؤولين كباراً ومدراء عامين (مثل رئيس هيئة التقاعد ومدير شركة كي كارد). لكن بمجرد اقتراب التحقيقات من الخطوط الحمراء للأحزاب والفصائل المسلحة، واجهت اللجنة هجوماً سياسياً وإعلامياً عنيفاً، وقضت المحكمة الاتحادية العليا لاحقاً بعدم دستورية اللجنة، وأُغلق الملف وتشتتت جهودها.
وذا فان النتيجة الحتمية لحكومة الزيدي وبناءً على هذه المعطيات اعلاه وغيرها الكثير ، فإن رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي—الذي صعد بتوافق قوى الإطار التنسيقي نفسها—يعرف بدقة حدود مناورته. الإطاحة بمسؤولين من الخط الثاني (مثل عدنان الجميلي) تُعد الحد الأقصى المسموح به؛ لأنها تمنح الحكومة انتصاراً إعلامياً أمام الشارع وتوفر سيولة مالية للدولة، لكن دون الاقتراب من رؤوس "الدولة العميقة" الذين يمتلكون مفاتيح بقاء الحكومة أو إقالتها

اما اذا ذهبنا لموجز قراءة في موقف المحكمة الاتحادية العليا من قضايا الفساد السياسي؟ فأنها تتبين لنا صيغ عديدة تراكمت طوال عقدين من الزمن حيث تتحرك المحكمة الاتحادية العليا في العراق تجاه قضايا الفساد السياسي عبر مسارين متوازيين: إعلان العجز عن المحاسبة المباشرة بداعي "الاختصاص"، واستخدام التفسيرات الدستورية لتفكيك أدوات الحماية للسياسيين أو تقليم أظافر الخصوم. ورغم أن رؤساء المحكمة تعاقبوا على الاعتراف علناً بأن "الطبقة السياسية تفتقر للإرادة الحقيقية لمكافحة الفساد"، إلا أن للمحكمة بصمات دستورية واضحة شكّلت المشهد السياسي ومن خلال :
أولاً: محددات الدور (الهروب إلى نص الاختصاص لتلافي الصدام مع قادة محفل الدولة العميقة )
تؤكد المحكمة الاتحادية دائماً أن اختصاصاتها محددة بالمادة (93) من الدستور (تفسير النصوص والرقابة على دستورية القوانين).
ليست محكمة جنائية: لا تملك المحكمة سلطة التحقيق مع الفاسدين أو إصدار أحكام حبس بحقهم؛ إذ تترك هذا الدور للادعاء العام، وهيئة النزاهة، ومحاكم الجنايات.
رد الدعاوى السياسية: كثيراً ما ترد المحكمة دعاوى رفعها ناشطون أو أحزاب ناشئة لإبطال عقود استثمارية أو قرارات حكومية فاسدة تحت ذريعة "عدم الاختصاص" أو لسبق الفصل فيها، مما يحمي المنظومة السياسية من "الهزات الفجائية"
ثانياً: القرارات النوعية (ضرب أدوات الفساد السياسي)
رغم تحفظها الجنائي، أصدرت المحكمة قرارات تاريخية أسهمت في إعادة صياغة موازين القوى وقدرة الدولة العميقة على المناورة:
رفع الحصانة التلقائي عن النواب (2021): أصدرت المحكمة قراراً بالعدول عن قراراتها السابقة، يقضي بـ جواز محاكمة النواب المتهمين بجنايات الفساد دون الحاجة لموافقة البرلمان. هذا القرار ألغى "درع الحماية الكبرى" الذي كان يمنع القضاء العادي من استدعاء أي نائبة أو نائب متهم بالابتزاز أو الاختلاس.
إلغاء "اللجنة 29" (لجنة أبو رغيف): قضت المحكمة بعدم دستورية لجنة مكافحة الفساد التي شكلها الكاظمي. جاء هذا الموقف انطلاقاً من "حماية استقلال القضاء وفصل السلطات"؛ حيث رأت أن التداخل التنفيذي في ملف النزاهة ينزع الاختصاص من الهيئات المستقلة الدستورية (مثل هيئة النزاهة والادعاء العام) ويُسيس الملف.
إنهاء العضوية بتهمة "الحنث باليمين": كما حدث في قضية إنهاء عضوية رئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي بناءً على تهم تتعلق بالتزوير وتحريف استقالات. هذا النمط من القرارات يُصنف سياسياً على أنه استخدام لـ "الحنث باليمين الدستورية" كأداة ردع قضائية عليا ضد الانحراف الوظيفي الكبار.
ثالثاً: مأزق "مرجعية التوافق" ضد "المرجعية الدستورية"تعيش المحكمة الاتحادية صراعاً مريراً مع قوى السلطة التي تحاول استبدال القانون بـ "التوافق السياسي خلف الكواليس" لتسوية ملفات السرقات الكبرى (مثل التسويات التي حدثت في قضية "سرقة القرن" مع نور زهير).
الموقف العام للمحكمة يرفض التجميد السياسي للأحكام، وتعتبر أن التوافقات لا تلغي القرارات الباتة والملزمة. ومع ذلك، تواجه المحكمة اتهامات مستمرة من قوى المعارضة والإقليم (كردستان) بـ "التسييس" والميل أحياناً لخدمة التوازنات التي تفرضها القوى الشيعية النافذة المشكلة لـ "الدولة العميقة".
ويبقى لنا موقف المحكمة الاتحادية من الفساد السياسي هو موقف "حمائي للبنية التشريعية للدولة، لكنه مقيد بالتوازنات". المحكمة تمنح رئيس الوزراء (مثل علي الزيدي) والنزاهة الغطاء الدستوري للتحرك ضد الفاسدين (عبر رفع الحصانات وشرعنة قوانين الكسب غير المشروع)، لكنها لا تستطيع التدخل لإجبار السلطة على ملاحقة الرؤوس الكبيرة؛ لأنها ببساطة تفسر القانون ولا تملك القوة التنفيذية لتطبيقه على من يملكون السلاح والمال ؟
لذا يتبقى لنا بان
المسؤول التنفيذي في قطاع النفط العراقي ليس حوتاً مستقلاً؛ بل هو ‘مُوصِل كهربائي‘ يوقّع العقود للحزب، ويُساق كبش فداء على مذبح النزاهة عندما تنتهي صلاحيته!!؟ لماذا ؟ لان في المطبخ السياسي للدولة العميقة، لا تحمي نصوص الدستور حيتان الصف الأول، بل تحميهم قاعدة ذهبية متفق عليها : ‘صمتي عن ملفاتك هو الضمان الوحيد لعدم نبش ملفاتي !!؟ اما ان يكون بعرض رشوة بمئات الملايين ليس جريمة عفوية، بل محاولة من الحلقة الوسيطة لشراء مقعد ثابت بين الكبار. وحينها فقط تفعل الدولة العميقة بروتوكول التضحية بالاسم القابل للحرق.