يَا مَا تَبَقَّى مِنْ صُحُفِ العُمْرِ..
أَيَّتُهَا الأَيَّامُ، إِنْ كَانَ مَحْتُومًا عُبُورُكِ عَلَى ضِفَافِي،
فَمُرِّي كَأَنَّكِ غَمَامٌ حَانٍ، لَا يُثْقِلُ كَاهِلَ الغُصْنِ المُنْكَسِرِ.
لَا أَبْتَغِي مِنْكِ نَشْوَةً تُوقِظُ رَمَادَ الخَيْبَاتِ فِي صَدْرِي،
وَلَا أَمَلًا كَاذِبًا يُعِيدُ تَلْوِيحَ السَّرَابِ لِظَمْآنٍ اعْتَزَلَ الدُّرُوبَ.
حَسْبِي مِنْكِ صَمْتٌ نَبِيلٌ.. كَصَمْتِ القُبُورِ إِذَا ضَمَّتْ شَهِيدًا أَنْهَكَهُ الجِهَادُ.
لَسْتُ ذَلِكَ الجَلِدَ الَّذِي كُلَّمَا صَرَعَتْهُ المَقَادِيرُ شَقَّ قَبْرَهُ وَخَرَجَ.
لَقَدْ أَوْهَنَنِي السُّقُوطُ حَتَّى غَدَا النُّهُوضُ مِسَلَّةً تُخَاطُ بِهَا جِرَاحٌ لَمْ تَنْدَمِلْ.
تَصَدَّعَتْ فِيَّ سَوَارِي العَزِيمَةِ، وَمَا بَقِيَ مِنِّي
سِوَى أَطْلَالِ رُوحٍ.. تُقِيمُ صَلَاةَ اسْتِسْقَاءٍ لِلسَّكِينَةِ.
فَإِنْ أَزْمَعْتِ المُرُورَ، فَكُونِي كَخَطْوِ المَلَائِكَةِ عَلَى المَاءِ:
لَا رَنِينَ يُفْزِعُ سُبَاتَ الرُّفَاتِ، وَلَا لَهِيبَ يُضْرِمُ هَشِيمَ الرُّوحِ.
تَحَنَّنِي عَلَى مَنْ أَفْنَى سِنِينَهُ مُتَّكِئًا عَلَى رُمْحِ الصَّبْرِ،
فَمَا أَبْقَتْ لَهُ المَعَارِكُ سِوَى ضَرِيحِ قَلْبٍ.. يَتَهَجَّى اسْمَ الطُّمَأْنِينَةِ.
فَإِنْ مَرَرْتِ، فَاجْعَلِي مُرُورَكِ وُضُوءًا لَا يُبَلِّلُ الثَّوْبَ،
وَإِنْ لَمَسْتِ، فَالْمَسِي كَأَنَّكِ دُعَاءُ أُمٍّ عَلَى جَبِينِ وَلِيدِهَا.
لَا تُوقِظِي فِيَّ مَا مَاتَ، وَلَا تُعَاتِبِي فِيَّ مَا انْكَسَرَ.
اتْرُكِينِي أُرَمِّمُ بَقَايَايَ فِي عَتْمَةٍ أَلِيفَةٍ،
فَأَنَا لَمْ أَعُدْ أُجِيدُ الضَّوْءَ الصَّاخِبَ، وَلَا الأَمَلَ المُعَلَّقَ عَلَى حِبَالِ الرِّيحِ.
فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ، فَاجْعَلْهَا يَا رَبِّ كَفَّارَةً لَا عُقُوبَةً، وَرَحْمَةً لَا نِقْمَةً، وَمَمَرًّا لَا مُقَامًا.
وَحَسْبِي أَنَّنِي مَا زِلْتُ أُحْسِنُ الوُضُوءَ بِالدَّمْعِ،
وَأُصَلِّي لِلسَّكِينَةِ وَحْدَهَا.


رد مع اقتباس



